السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

خريطة اجتماعية جديدة

ماتحقق في مصر خلال السنوات الماضية في المجالات السياسية والاقتصادية ليس بالشيء القليل‏..‏ فمصر الآن ليست كما كانت منذ‏17‏ عاما‏..‏ والاداء العام في المجتمع كله ليس كما كان‏..‏ ولكي يكتمل البناء فان المرحلة القادمة تحتاج الي الاهتمام بجانبين لم ينالا نصيبهما الواجب من الاهتمام‏,‏ وهما‏:‏ اصلاح الادارة الحكومية التي تمثل بؤرة الشكوي اليومية من المواطنين‏,‏ والتي لم تقتلع جذور الفساد والسلبية منها بالكامل حتي الآن‏..‏ والي جانب ذلك فاننا نحتاج الي اصلاح اجتماعي شامل لتغيير مافي الخريطة الاجتماعية من آثار وبقايا عصور الماضي‏.‏
ومنذ سنوات اجري المركز القومي للبحوث الاجتماعية بحثا للتعرف علي نوعية المشكلات الاجتماعية كما يراها قادة الفكر والتعليم والاعلام والتشريع والتنفيذ‏,‏ ثم كما يراها الجمهور العام من العمال وصغار الموظفين والتجار‏..‏ الخ‏,‏ فكانت نتيجة البحث ان هناك شعورا عاما سائدا لدي الجميع بأننا تأخرنا في العلوم‏,‏ وازدادت نسبة الجرائم والعنف في المجتمع‏,‏ والي جانب ذلك هناك‏.‏ ضعف الشعور الوطني والولاء والانتماء‏,‏ واصبح الناس لايعبرون عن آرائهم بصراحة كاملة‏,‏ وان وسائل الاعلام ـ برغم اتساع مساحة الحرية فيها ـ لاتعبر عن مشاكل الناس بدرجة كافية‏,‏ واستمرار نظام ربط الاجور بالشهادات رغم مرور سنوات كثيرة من الحديث عن ربط الاجور بالانتاج او ربط الاجور بالاسعار‏..‏
وفي رؤية القيادات والجمهور لمشكلات المجتمع ايضا‏:‏ شكوي من نقص الشعور بالمسئولية الاجتماعية ويتمثل ذلك في عدم المحافظة علي اموال الدولة واستباحة اغتصابها‏,‏ والفساد الاداري‏,‏ وانتشار المخدرات‏,‏ مع استمرار ازمة الاسكان‏..‏ الخ
وفي بحث آخر كشف عن اتجاه الشباب نحو البحث عن المال والمنصب دون شعور بان ذلك مرتبط بالعمل وبذل الجهد‏,‏ وكان ذلك جرس انذار الي ان الجيل الجديد يريد ان يجني الثمار دون ان يبذل العرق في الغرس والزرع‏,‏ وانه يبحث عن الربح السهل السريع‏..‏ ومعني ذلك ان هرم القيم ليس في وضعه الصحيح ويحتاج الي عمل كبير ومنظم لاعادته الي وضعه الطبيعي خصوصا مع الشباب‏.‏
وهناك اجتهادات من بعض المفكرين لتفسير الظواهر الاجتماعية الجديدة واقتراح العلاج‏,‏ ولكنها مازالت حتي الان جهودا فردية‏,‏ ولم تبدأ هيئة علمية متخصصة في دراسة هذه الظواهر دراسة تحليلية شاملة حتي الان‏..‏ وربما تفيدنا الدراسة التي اعدها الدكتور جلال امين بعنوان ماذا حدث للمصريين ورأي فيها ان الاقتصاديين يشكون من اختلال الهيكل الانتاجي لصالح القطاعات غير الانتاجية‏,‏ ومن اختلال هيكل العمالة لصالح نفس القطاعات‏,‏ واختلال توزيع الدخل واتساع الفجوة بين مستويات الدخل‏,‏ وانخفاض معدل الادخار‏,‏ وزيادة الاستهلاك في السلع الترفية علي حساب اشباع الحاجات الاساسية‏,‏ واتجاه جانب من المستثمرين الي قطاعات غير منتجة‏..‏ الخ وفي الجانب الاجتماعي هناك شكوي من التسيب وعدم الانضباط‏,‏ وظهور انواع جديدة من الجرائم‏,‏ ونذر بتفكك الاسرة‏,‏ وانتشار القيم المادية‏,‏ وعدم كفاية روح التعاون والتضامن الاجتماعي‏..‏ وتفسير الدكتور جلال امين لكل هذه الظواهر هو ان المجتمع المصري طرأت عليه تحولات سريعة وجذرية في الاقتصاد‏,‏ والحياة الاجتماعية والسياسية‏,‏ وفي المناخ الثقافي‏,‏ كان لها تأثير كبير علي تغير التكوين الطبقي للمجتمع المصري لم تشهد مصر مثله في تاريخها الحديث‏,‏ وساعدت سياسة الانفتاح والهجرة في الاسراع بمعدلات التغير‏.‏
وخلاصة ماوصل اليه الدكتور جلال امين ان هناك مجموعة عوامل اجتمعت طوال نصف القرن الماضي‏,‏ للعمل علي صعود طبقات وشرائح اجتماعية كانت طوال النصف الاول من القرن تنتسب الي الدرجات الدنيا في السلم الاجتماعي‏,‏ فارتفع دخلها الي حد سمح لها بمنافسة الطبقات الوسطي والعليا في انماط معيشتها‏..‏ وهذه العوامل هي‏:‏ التوسع في التعليم‏,‏ ونمو البيروقراطية الحكومية‏,‏ ومشروعات التنمية‏,‏ والاتصال بالنشاط الاجنبي‏,‏ والهجرة‏,‏ والتضخم‏..‏ وفي نفس الوقت عملت مجموعة من المؤثرات علي انحدار طبقات وشرائح اجتماعية كانت في اعلي السلم الاجتماعي تاركة مكانها لشرائح صاعدة من الطبقات الوسطي والدنيا‏..‏
ومن الطبيعي ان نتفق او نختلف مع التفسيرات والاجتهادات الفردية التي يقدمها لنا علماء ومفكرون لهم مكانتهم في العلوم الاجتماعية‏,‏ لان غياب الدراسات الاجتماعية القائمة علي اسس ومناهج البحث العلمي الاجتماعي هي التي تجعل الساحة خالية‏..‏ وهذا مايدعوني الي اعادة طرح الفكرة التي نادي بها الرئيس مبارك منذ سنوات بعقد مؤتمر مصر الغد ليجتمع فيه علماء الاقتصاد وعلماء الاجتماع وهيئات البحث الاجتماعي والجامعات والمفكرون وقبل هذا المؤتمر لابد ان تسبقه دراسات عن الخريطة الاجتماعية الحالية في مصر والتغيرات السلبية والايجابية التي حدثت فيها‏,‏ وعن القيم الاجتماعيه والاخلاقية والدينية السائدة بين كل شريحة من شرائح المجتمع‏:‏ الشباب‏..‏ والكبار‏..‏ والنساء‏..‏ والقادة الاجتماعيون والاداريون والسياسيون والقاعدة العريضة من الجماهير‏..‏ في الريف‏..‏ والمدن‏..‏
مثل هذه الدراسات تمثل البوصلة الحقيقية للاتجاه الصحيح للعمل‏,‏ وتمثل ايضا قياسا جيدا لمدي ما حققته الجهود التي تبذلها جهات عديدة في المجال الاجتماعي‏..‏ فنحن لانعرف علي وجه الدقة حتي الأن ماذا حققت الجهات الحكومية وماذا حققت الهيئات غير الحكومية‏..‏ وكل مالدينا هو تقارير هذه الجهات عن نفسها ولابد أن نفترض أن كل جهة تسعي الي تحسين صورتها واضافة رتوش كثيرة لتجميل هذه الصورة حتي تبتعد عن الحقيقة في بعض الاحيان‏.‏
نحتاج إلي اصلاح اجتماعي لاغني عنه‏,‏ لانه احد اضلاع مثلث الاصلاح الشامل‏:‏ الاصلاح الاقتصادي‏,‏ والاصلاح الاجتماعي‏,‏ والاصلاح السياسي‏,‏ وهذا هو المثلث الذهبي الذي نعد به انفسنا للقرن الحادي والعشرين الذي اصبح علي الابواب‏..‏ وهذا الاصلاح الاجتماعي لاتقوم به الحكومة وحدها وان كان لها الدور والمسئولية الأكبر‏..‏ ولكن تقوم به المنظمات غير الحكومية‏..‏ ويقوم به المواطنون جميعا بشرط أن يصل اليهم الوعي بدورهم ومسئولياتهم بعيدا عن التلقين والدعاية واساليب الارشاد المباشر التي تتبعها الهيئات الآن في الدعوة مثلا الي تنظيم الاسرة أو حماية البيئة أو محو الأمية أو غير ذلك من المجالات‏.‏
واعتقد أن النجاح الذي تحقق في المجال الاقتصادي حتي الأن يدعونا إلي استعجال العمل في المجال الاجتماعي لكيلا يكون التقدم علي ساق واحدة‏..‏ أو لكيلا يكون مثلث التقدم ناقصا لاحد اضلاعه‏...

6/12/1998

أعلي الصفحة

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف