|
ضيعنا سنوات
غالية في الدائرة المفرغة للكلام وأحلام اليقظة عن ضرورة تضييق
الفجوة العلمية بيننا وبين الدول المتقدمة, وعن الاستعداد والبدء
والعمل لوضع السياسة العلمية, وبقي الحال علي ماهو عليه إلي أن
بدأت الحكومة منذ أيام في الإعداد لتشكيل لجنة وزارية عليا لتحمل هذه
المسئولية.
والأزمة التي تنتظرنا مع كثير من الدول هي أنه لم يبق إلا سنوات
قليلة وتطبق اتفاقية الملكية الفكرية وتحتكر الدول الكبري مفاتيح
وبوابات وامتيازات التقدم العلمي والتكنولوجي, فتعطي وتمنع براءات
الإختراع ومتيازات نقل التكنولوجيا وفقا للشروط والقيود التي
ستضعها, ولابد أن نتوقع أن هذه الشروط ستكون لصالح الدول المتقدمة
ولاستنزاف موارد الدول النامية, وتحويلها الي مجرد سوق للتكنولوجيا
المنتجة في الدول المتقدمة, وفرض قيود علي حصول الدول النامية علي
ماتحتاجه لبناء قاعدة للتقدم العلمي والتكنولوجي.. وحتي قبل أن
يبدأ تطبيق اتفاقيات حماية الملكية الفكرية فإن الدول المتقدمة تفرض
الآن قيودا شديدة علي نقل التكنولوجيا ولديها تشريعات تفرض الحصول
علي موافقة الحكومات علي عقود التكنولوجيا قبل إبرامها.. أي أن نقل
التكنولوجيا أصبح الآن قرارا سياسيا وحكم علي دول معينة بالبقاء في
دائرة التخلف.. وهذه القيود سوف تزداد مع السنوات القادمة, ولذلك
فإن الاعتماد علي الخارج في بناء القاعدة العلمية والتكنولوجية أصبح
موضع شك, والعتماد علي الذات أصبح هو البديل الوحيد وبأقصي قدر
ممكن.. وهناك دول كثيرة نجحت في تخطي العقبات والقيود وأقامت
لنفسها قاعدة علمية وتكنولوجية جيدة.. ودول آسيا وبخاصة الهند
والصين تقدم نماذج لما يمكن أن تحققه دول من العالم الثالث, لديها
مشاكل الفقر والتخلف, ولكنها أدركت مبكرا أن التقدم الحقيقي ليس في
استيراد أحدث مافي العصر من تكنولوجيا, ولكن في تكوين جيش من
العلماء ومعامل ومراكز بحث في إطار سياسة علمية واضحة تساندها الدولة
بكل ماتملك, وتعمل بجدية, بعيدا عن صخب الإعلام, ومبالفاته..
والذي دعا الحكومة أخيرا الي تشكيل لجنة وزارية عليا للبحث العلمي
والتكنولوجيا أن سنوات كثيرة مرت دون ن تبدأ الخطوة الأولي, وهي
إعداد سياسة.. أو استراتيجية.. للبحث العلمي والتكنولوجيا..
ولم يتحقق ماقيل كثيرا عن حشد القدرات الموجودة حاليا وحل مشكلة
التنسيق الغائب بين مراكز البحث والجامعات والصناعة, وحسن
الإستفادة مما لدينا من تمويل وعلماء وأجهزة ومعامل بعضها طاقات
عاطلة.
والسياسة العلمية ليست من صنع العلماء, ولا وزير البحث العلمي,
ولكنها من صنع الدولة كلها بمشاركة هؤلاء جميعا..وهذه الإستراتيجية
تمثل أساسا الرؤية المستقبلية لمصر, ولاتقل بل تزيد أهميتها عن
مشروعاتنا الكبري العملاقة التي نحشد لها قوي المجتمع مثل مشروع
توشكي أو تعمير سيناء, ولابد أن تسير هذه مع تلك, ولا تنتظر الي
أن تستكمل هذه المشروعات العملاقة ثم نفكر في التكنولوجيا الأفضل
لاستغلالها, أو نستدعي غيرنا ليفكر لنا ويقدم لنا مايجود به من
تكنولوجيا نستخدمها ولانصل الي أسرار تصنيعها والإضافة اليها..
وقضية التلازم بين الإستراتيجية العلمية والتكنولوجية واستراتيجيه
بناء المستقبل الإقتصادي قضية لاتحتاج الي إيضاح.. بل إن هذه
المشروعات الكبري هي الفرصة أمام علمائنا ومراكز أبحاثنا لتكون
التحدي الذي يستثمر فيهم دوافع الإبداع, وليلمسوا أهمية وجدية
مايقومون به من أبحاث ومدي الحاجة إليها.. وعل هامش الموضوع اليس
غريبا أن مراكز البحث العلمي تشارك في هذه المشروعات العملاقة مشاركة
محدودة, وتعمل من القاهرة بينما مكانها علي أرض هذه المشروعات مع
طليعه العاملين فيها ليشاركوا في وضع اللبنات الأولي وفق رؤية علمية
متكاملة.. ؟ وأليس غريبا أيضا أن مراكز البحوث الصناعية لم يتم
تحويلها حتي الآن الي مراكز تطوير تكنولوجي وتعايش مشاكل الصناعة
وتحديات تطويرها وتجويدها.
وحتي الآن لم نصل الي وقفة حازمة لتقييم مؤسسات البحث العلمي
القائمة, علي الأقل لنحدد ـ بعيدا عن الاعتبارات الشخصية وحرص
الوزارات علي عدم الانتقاص مما لديها ـ هل من المفيد أن تبقي مراكز
البحث العلمي موزعة بين الوزارات وأكاديمية البحث العلمي والجامعات
ومعاهد البحوث والمؤسسات الإقتصادية أو توحيد الجهة التي تتبعها..
أو علي الأقل إيجاد صيغة تنظيمية جادة للتنسيق والتفاعل بينها بدلا
من استمرار هذه الجزر منعزلة.. ؟ وهل تحتاج الكوادر القائمة الآن
الي إعادة تأهيل وتدريب أم أنها وصلت الي أقصي مايمكن الوصول اليه من
مستويات الكفاءة العالمية..؟ وهل قاعدة البيانات الحالية عن البحوث
والإنجازات كافية.. ؟ وهل استمار تجزئة موازنات البحث العلمي علي
وزارات وجامعات ومراكز بحوث أفضل أم توحيدها لتوجيه اعتماداتها وفقا
لسياسة وإدارة موحدة.. ؟ وهل أثمر التعاون الدولي في مجالات البحث
العلمي والتكنولوجيا وماهي ثماره ؟ وهل من الأفضل تركيز مراكز البحث
العلمي في القاهرة أم الأفضل توزيعها علي عدة مواقع وفقا لإعتبارات
البحث العلمي والإحتياج اليها؟ وهل سياسة التعليم الجامعي الآن قائمة
علي تخريج وإعداد أجيال من العلماء.. ؟ وهل العلماء وحدهم هم
الكوادر المطلوبة أم أنا نعاني من عدم وجود صفوف مدربة ومؤهلة
منالمساعدين الفنيين الذين يقومون في الدول المتقدمة بدور أساسي في
مساعدة العلماء وفي إصلاح وصيانة الأجهزة الحديثة.. وليس هناك من
ينكر أنه ليس لدينا الفنيون المؤهلون لإصلاح أجهزة الليزر التي تعمل
في المجالات الطبية مع خطورتها أو غيرها من الأجهزة المماثلة..
ونحن نتحدث كثيرا عن دور العلماء المصريين في الخارج ولكننا لم نضع
سياسة للرستفادة منهم.. ويكفي أن نعرف أن مركز بن جوريون في
اسرائيل دعاالدكتور أحمد زويل لقضاء سنة لتدريب وإعداد مجموعة من
الباحثين في مجال تخصصه بينما فكرنا نحن في الاستفادة به في ندوات
الأوبرا وبرامج التليفزيون.. وفي أمريكا وأوروبا عشرات من العلماء
العربيين يحدق معهم نفس الشيء..
وماقيل كثير عن مشروعات لزيادة تمويل البحث العلمي, ولكن مانفذ منه
حتي الآن قليل.. قيل أن الإنفاق علي البحث العلمي والتطوير سيزداد
ليصل الي نصف في المائة من الدخل القومي ثم يزاد تدريجيا.. وقيل إن
القطاع الخاص سوف يشارك في التمويل.. وقيل إن الحكومة ستنشيء
صندوقا قوميا لتمويل أنشطة العلم والتكنولوجيا.. وقيل إن الحكومة
ستوفر حوافز لتشجيع القطاع الإنتاجي العام والخاص علي تمويل البحوث
والتطوير واستثمار نتائجها في الإنتاج بخصم ماينفق عليها من وعاء
الضرائب.. وقيل أن بعض مراكز البحوث الحكومية سيعاد التفكير في
صيغة جديدة لأنشطتها بحيث تعمل في مشروعات مشتركة مع القطاع العام
والخاص.. وقيل أنه سيتم تحسين قدرة هذه المراكز العلمية علي تسويق
خدماتها ومنجزاتها كما يحدث في الدول المتقدمة.. وسيتم تعديل
اللوائح البيروقراطية التي تكبل حركة الباحثين في تعقيدات إدارية
لايحسنون التعامل معها.. وتطوير قوانين التوظف لتسهيل دخول وخروج
وترقية العلماء دون عوائق لتكون اعتبارات الكفاءة والإنجاز وحدها هي
الحاكمة..
وكثير مما قيل لم ينفذ.. وقد عاد الأمل في تنفيذه بفكر جديد بعد أن
اعتزمت الحكومة تشكيل اللجنة الوزارية العليا, مع مالدي هذه
الحكومة من عزيمة, وقوة إرادة وقدرة علي الإنجاز أكبر من القدرة
علي الكلام. |