|
النظام العالمي
الجديد له قضيته مع الاسلام والمسلمين ويجري تصفيتها الآن باسلوب
الجراحة والبتر, ربما لكي يبدأ القرن الحادي والعشرون وقد اعاد رسم
الخرائط والحدود وتوزيع مراكز القوي وبذلك يكون قد استتب الأمر لهذا
النظام العالمي الجديد, وبذلك تنتهي الأزمة المفتعلة التي بدأها
الغرب بالحديث عن صدام الحضارات, ثم تلاها بحتمية الصراع بين الغرب
والاسلام, ثم ختمها بالحروب المسلحة علي المسلمين واوطانهم تحت
شعارات وحجج مختلفة.
ومهما حاولنا أن نستبعد نظرية المؤامرة لتفسير ما يجري في انحاء
العالم الاسلامي فسوف نجد آثار ونتائج هذه النظرية أمامنا أينما نولي
وجوهنا, من المشكلة الكردية الي قضية القدس, أو البوسنة
والهرسك, أو المشكلة القبرصية, أو كشمير, أو المشكلة
الافغانية, أو الشيشان, أو الأقليات الاسلامية, أو الربط
الظالم المتعمد بين الاسلام والارهاب, واخيرا مأساة كوسوفا التي
تحولت الي أكبر تراجيديا لن ينزل الستار عليها إلا بعد أن يتم القضاء
علي المسلمين وتشريدهم وتحويل من يتبقي منهم الي كائنات منقرضة أشبه
بالهنود الحمر في أمريكا.
وقد استطاع الدكتور عبدالله الاشعل وضع الهموم الاسلامية كلها في
بانوراما واحدة فاتضحت الصورة بعد ان تجمعت أجزاؤها المتناثرة,
فظهرت الحقيقة وهي أن هذه القضايا كلها قضية واحدة ليست وليدة
اليوم, ولكنها بدأت في القرن الخامس عشر مع عصر تراجع الدولة
الاسلامية في الاطراف في الاندلس وشبه جزيرة ايبريا, وقبل ذلك كانت
الحملة الاستعمارية الصليبية واحتلالها لبيت المقدس, ولن ينسي
الغرب أبدا للمسلمين أنهم امتدوا بعقيدتهم وحضارتهم جنوبا وغربا في
مراحل المد الاسلامي حتي وصلت الي أبواب باريس وفيينا, وبسبب ذلك
ظل العالم الاسلامي نهبا للدسائس والمؤمرات, اقطاره مطمع دائم
للغزو وطمس الهوية وفرض التخلف بكل صوره اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا
وحضاريا.
ولم تكن صيحات جمال الدين الافغاني إلا لتنبيه العالم الاسلامي الي
المخاطر التي تحيط به, وقد طرح هذا المصلح الكبير تنظيرا للقضية
الاسلامية فسر فيه تخلف الشعوب الاسلامية, وتدهور وعيها, وسطوة
الاستعمار عليها, وارجع كل ذلك الي تفوق الشعوب والدول
الاسلامية, ودعا الي الجامعة الاسلامية وتصور امكان قيامها لتكون
العروة الوثقي التي لا انفصام لها, ولكن الحلم لم يتحقق, وتحول
مع مرور السنين الي حلم مستحيل, ورغم تزايد الدعوة اليه والتبشير
به في الادبيات السياسية والاشعار وكأنه أصبح في حدود الممكن أو قريب
المنال بمجرد تكرار الشعار وترديد التمنيات.
ويكفي ان نتابع مع الدكتور عبدالله الاشعل تطور مواقف المؤتمرات
الاسلامية من القضية الفلسطينية منذ احتلال فلسطين حتي الان لزي أن
سلسلة المؤتمرات الاسلامية التي تتابع انعقادها في القاهرة ومكة
المكرمة ثم القدس عام1931 لبحث المشكلة الفلسطينية في بدايتها لم
تسفر إلا عن انتخاب الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين رئيسا للمؤتمر,
وحتي بعد تحول القضية الفلسطينية بعد عام67 من قضية عربية الي قضية
اسلامية باحتلال القدس الشرقية, لم تفعل المؤتمرات الاسلامية إلا
انشاء لجنة القدس برئاسة العاهل المغربي, ولم يتحقق شيء يذكر بعد
ذلك علي المستوي السياسي أو علي مستوي الواقع في الارض, بل حدث
العكس, ومضت اسرائيل في تنفيذ خططها لتهويد القدس وتكريس احتلالها
للمقدسات الاسلامية والمسيحية, وتغيير طبيعتة المدينة جغرافيا
وسكانيا بطرد المسلمين والمسيحيين منها.
تبدو المأساة أكبر بمتابعة الحروب والنزاعات التي قامت وتقوم بين
الدول الاسلامية الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي التي انشئت أصلا
لتحقيق وحدة العالم الاسلامي.. فتكشف هذه الحروب والنزاعات ان
الحديث عن وحدة المسلمين هو مجرد تمنيات بعيدة المنال, لا تستند
الي أساس في ارض الواقع.. فالحرب العراقية ـ الايرانية التي استمرت
تسع سنوات لم تحقق شيئا إلا استنزاف قوي الدولتين.. والغزو العراقي
للكويت لم يحقق شيئا إلا تمزيق العراق وتبديد ثروة الكويت.. وفي
الحساب الختامي فان كل الصراعات بين الدول الاسلامية, بالاضافة الي
ما تعرضت له الدول الاسلامية من العدوان والغزو وتصدير الارهاب
اليه.. هذا هو كل ما تحقق والنتيجة: انشغال الدول الاسلامية
بالصراعات المفروضة عليها, واضعاف قدراتها واهدار ثرواتها,
وفقدان أرواح أبنائها.. وتعميق الشعور بالعجز والهزيمة في
اعماقها.
والفكرة الواضحة التي يخرج بها من يقرأ كتاب الدكتور الاشعل المسلمون
والنظام العالمي الجديد ان جداول أعمال المؤتمرات الاسلامية- وما
أكثرها- قد حفلت بالقضايا الساخنة التي تهدد استقرار واستقلال
وكيان الدول الاسلامية, وتهدد العلاقات فيما بينها, ومع تكرار
بحثها لم تجد حلا عن طريق منظمة المؤتمر الاسلامي أو غيرها.. مما
يجعلنا نفكر في اعادة النظر في جدوي هذه المنظمة مادامت مجرد منبر
للخطابة التي تبعث علي الملل والتي لم يعد يتابعها أو يهتم بها الرأي
العام في كل الدول الاسلامية, وتوشك أن تلحق بها منظمة الجامعة
العربية التي كانت أكثر حيوية وكانت الامال المعلقة عليها أكبر..
وربما يكون لدي الرأي العام العربي بقية من أمل في اعادة احياء هذه
المنظمة التي أنشئت لتكون بيت العرب ولكن هذا البيت هجره أصحابه
وأصبح غارقا في الظلام والعجز.
وقصة احتلال القدس في حد ذاتها قصة مثيرة, فالمراجع التاريخية تشير
الي السائح اليهودي بتاحيا الذي زار القدس عام1800 وذكر أنه وجد
فيها يهوديا واحدا.. ولكن في نهاية الحرب العالمية الأولي كان
المسلمون في القدس قد اصبحوا26% فقط من سكان القدس والمسيحيون24%
واليهود49%.. ثم وصل الأمر الي حد أن اسرائيل تتحدي الآن الشرعية
الدولية وتعلن ان قرار التقسيم لم يعد قائما وهو القرار الذي حرصت
فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن علي تأكيد أن القدس لا
يجوز المساس بها من طرف واحد وان القدس الشرقية جزء من الأراضي
الفلسطينية المحتلة عام1967, كما تستهين اسرائيل بالقرارات العديدة
الصادرة عن اليونسكو وغيرها من المنظمات والوكالات الدولية وكلها
تؤكد الطابع الخاص للقدس, وعندما أصدر الكنيست أول قرار له باعتبار
القدس عاصمة موحدة لاسرائيل أصدر مجلس الأمن القرار478 في11
نوفمبر1980 بعدم الاعتراف بهذا القانون الاسرائيلي وطالب اسرائيل
بالالتزام بالشرعية الدولية.. ثم وقعت اسرائيل علي اتفاق المباديء
عام1993 في واشنطن وتضمن ان تكون مدينة القدس وقضايا الحدود
والمستوطنات واللاجئين موضوعات التفاوض في المرحلة الأخيرة لتحديد
الوضع النهائي للاراضي الفلسطينية, وكان هذا الاتفاق بضمان
الولايات المتحدة وبتوقيع رئيسها, ولكن الولايات المتحدة لم تفعل
شيئا إزاء ما قامت وتقوم به اسرائيل من طمس هوية المدينة والاعتداء
علي المسجد الاقصي وانشاء مستوطنات جديدة لليهود لتغيير معالم
القدس.
هموم المسلمين في نهاية القرن العشرين أكثر من أن يمكن حصرها..
وتدهور أحولهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ظاهر ومستمر..
وكلما تعددت مؤتمراتهم واجتماعاتهم ازداد تخلفهم وتمزقهم
وصراعاتهم.. وقضية القدس هي الرمز والتجسيد الحي لحال المسلمين..
وبعدها هناك عشرات القضايا والمشكلات والأزمات القاتلة.. والمشهد
الدامي كما يبدو علي خريطة العالم يلخصه الحديث الشريف اذا غضب الله
علي قوم رزقهم كثرة الكلام وقلة العمل.. وان كنا بعد الدراسة
التحليلية الوافية التي قدمها لنا الدكتور عبدالله الاشعل نجد ما
يدعونا الي الاحتفاظ بالامل في يقظة العالم الاسلامي قبل ان يحقق
النظام العالمي الجديد اهدافه كاملة لان عوامل القوة في العالم
الاسلامي موجودة وكافية ولكنها مبددة ومهدرة.. ومن هنا نبدأ.. |