|
الأزهر والأمية الدينية (2)
إذا آمنا بأن الأمية الدينية
هى أكبر المخاطر التى تهدد المجتمع, وإذا أدركنا أن الأزهر – بجامعته
العريقة وعلمائه الكبار – هو المسئول أولاً وأخيرًا عن ترك الساحة الدينية
للجماعات الضالة يعيثون فيها فسادًا, كما أنه مسئول عن الفشل فى محو الأمية
الدينية التى أصبحت تربة خصبة للخرافات والدجل والتعصب وفوضى الفتاوى إذا
كان الأمر كذلك فماذا نريد من الأزهر؟
أولاً:
مع التسليم بأن الأزهر ليس كالفاتيكان إلا أنه هو المؤسسة الممثلة للفكر
الإسلامى الصحيح والمدافعة عن الإسلام من الهجمات التى توجه إليه وآخرها
هجوم بابا الفاتيكان وأتباعه. ولكى يقوم الأزهر بهذه المهمة الكبرى لا بد
من تحريره من التبعية الحكومية وإعادة النظر فى قانونه وهيكله التنظيمى,
وأسلوب العمل فيه. وضمان الاستقلال هو الضمان لاستعادته للقوة والمصداقية,
ولقيادته للفكر وللعمل الإسلامى لكى يملأ الفراغ الذى نشأ نتيجة تهميش
دوره. وهذا الفراغ هو الذى سمح بظهور قيادات دينية ودعاة من خارج الأزهر,
مما أدى إلى زيادة انتشار الفوضى التى لم يسبق لها مثيل فى الساحة الدينية
حتى أصبحنا نسمع عن المفتى الآلى, والاجتهاد الاتوماتيكى, والشفرة
القرآنية, ومحاكاة شخصية الرسول الكريم فى جهاز الكمبيوتر ليجيب على كل
سؤال وفقًا للأحكام التى سبق إدخالها فى الكمبيوتر وغير ذلك من العبث الذى
رحب به كثير من الناس إستغلالاً لهذه الأمية الدينية.
وثانيًا:
آن الأوان لكى يشكل الأزهر لجنة عليا تضم أكبر المتخصصين فى العلوم الدينية
وعلوم النفس والتربية والاجتماع والإعلام والسياسة لوضع خطة للقضاء على
الأمية الدينية يت تنفيذها وفقًا لبرنامج زمنى على خمس سنوات مثلاً وتتضمن
برنامجًا للتربية الدينية للطلاب فى مراحل التعليم المختلفة من الحضانة إلى
الجامعة – بعد أن ثبت قصور وعجز مناهج التربية الدينية الحالية فى تحقيق
ذلك – وللشباب فى الأندية ومراكز الشباب وفى الإذاعة والتليفزيون – مع
ملاحظة أن فى بعض ما يقدمه التليفزيون ما يؤدى إلى انتشار الخرافات الأمية
الدينية وتزييف الوعى الدينى – فكل فراغ يتركه الأزهر يملؤه دعاة أدعياء من
خارجه, حتى أصبح الحصول على لقب "داعية" سهلاً لكل من هب ودب – ووضع هذه
الخطة وتنفيذها عمل يحتاج إلى النفس الطويل, ولا تكفى فيه خطبة أو موعظة أو
ندوة من حين إلى حين.
وثالثًا:
بعث الحياة إلى مركز السنة والسيرة الذى تفاءلنا بإنشائه ثم لم نلمس له أثر
رغم مرور سنوات على إنشائه. وما زلنا ننتظر أن يقوم هذا المركز بتنقية كتب
الأحاديث من الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة وإعداد موسوعة للأحاديث
الموثقة تكون هى المرجع المعتمد, وتستبعد من كتب الحديث المشهورة الأحاديث
الكثيرة الموضوعة والتى تتعارض مع العقل ومع نصوص القرآن ولا تثبت أمام
المنهج العلمى, وكذلك فإن الأزهر مسئول عن إعادة نشر كتب التراث الإسلامى
بعد مراجعتها وبيان ما فيها من أخطاء أو أفكار مدسوسة من الجماعات
والصراعات السياسية التى أبتلى بها التاريخ الإسلامى.
ورابعًا:
إن الأزهر هو المسئول عن إعداد سلاسل من الكتب الدينية المبسطة تشرح للمسلم
العادى – غير المتخصص – مبادىء الإسلام وموقفه من القضايا اللتى يطرحها
العصر الحديث, وتواجه فكر التعصب وثقافة التخلف. ومن الغريب أن المراجعات
الفقهية صدرت أخيرًا من خارج المؤسسة الدينية على الرغم من أن الانحراف فى
الفكر الدينى كان معلومًا ومنتشرًا على أوسع نطاق منذ عشرات السنين!
وخامسًا:
الأزهر هو المسئول عن إعداد منهج لإعادة تأهيل الوعاظ وأئمة المساجد وتبنى
سياسة "التعليم المستمر" الذى تنفذه المؤسسات الدينية غير الإسلامية, كما
أنه المسئول عن إعداد جيل جديد من المتخصصين فى الدعوة – جيل مختلف عن
الجيل الحالى يجمع بين علوم ومهارات الاتصال والعلوم الاجتماعية والسلوكية
الحديثة إلى جانب العلوم الشرعية, والأزهر هو المسئول عن مد مظلته إلى
المسجد لاعتباره المؤسسة الدينية الأم, وإعادة النظر فى دور المسجد بحيث لا
يكون مجرد مكان للصلاة فقط ولكن يصبح مؤسسة اجتماعية ويكون للإمام دور
تربوى لحماية الشباب بصفة خاصة من الانحراف. ويمكن الإستفادة من ذلك بما
تفعله المؤسسات الدينية الأخرى.
هذا إذا أردنا الإصلاح.
19/8/2007 |