|
|
|||||||||||
|
|
لماذا تخلف المسلمون ( 13 )
|
بدد المسلمون
جهودهم في خلافات حول مسائل فرعية لا تمس جوهر العقيدة , وانقسموا بسببها إلي
فرق تتبادل الاتهام بالخروج من الملة , بينما انشغل غيرهم ببناء حضارة جديدة ,
وبتحسين مستوي حياتهم . الخلافات السياسية بين المسلمين أدت إلي حروب بينهم ,
ثم تحولت إلي إرهاب , والخلافات الدينية والفقهية أدت إلي تعميق الانقسام بينهم
, وكانت النتيجة ما وصلت إليه المجتمعات الإسلامية من تخلف جعلها ضمن العالم
الثالث , ولم تصل دولة إسلامية في العصر الحديث إلي مصاف العالم الأول أو
الثاني ! وأهل الفتوي في العالم الإسلامي تسببوا في اضطراب علاقة المسلمين
بالدين والدنيا , فكلما سئلوا عن أمر اختلفوا فقال فريق منهم إنه فرض واجب (
مثل الختان أو الحجاب ), وقال فريق آخر إنه ليس فرضا , ويقول فريق عن الشيء إنه
حرام , ويقول آخر إنه ليس حراما بل مكروه فقط , وقد يقول فريق إن هذا الأمر من
السنة التي يثاب فاعلها , ويقول آخر إنه مكروه يلام فاعله , ووصلت الخلافات بين
أهل الفتوي إلي الحكم بأن عبادات الناس باطلة , وفي كتاب شيخنا عبدالجليل عيسي
عميد كليتي الشريعة وأصول الدين الأسبق ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين
نماذج مما تمتلئ به الساحة الدينية من أحكام غريبة . من هذه النماذج أن الدعاء
بأمر من أمور الدنيا في التشهد الأخير يبطل الصلاة عند الحنابلة , ولا يبطلها
عند المالكية , وتقدم المأموم علي الإمام لا يبطل الصلاة عند المالكية ,
ويبطلها عند غيرهم , بل إن الخلاف حول الأذان يشعل المعارك بين الفرق ,
المالكية يقولون إن التكبير في أول الأذان مرتان فقط , والشافعية يقولون إن ذلك
يجعل الأذان باطلا ويجب إعادته لأن التكبير يجب أن يكون أربع مرات , وهذا خلاف
غريب لأن الأذان يتكرر كل يوم خمس مرات منذ عهد الرسول إلي اليوم , فكيف يكون
موضع خلاف؟ويضرب الشيخ عبدالجليل عيسي ـ رحمه الله ـ عشرات الأمثلة تدل علي أن
الفقهاء شغلوا أنفسهم بأمور جعلت الخلافات في أمور الدين تصل إلي حد تشكيك
المسلمين في عقيدتهم وعباداتهم , فترك التشهد الأخير يبطل الصلاة عند الشافعية
والحنابلة , لأنه فرض , ولا يبطلها عند مالك وأبي حنيفة لأنه سنة فقط ,
والتضحية في اليوم الرابع من أيام عيد الأضحي صحيحة عند الشافعية , وغير صحيحة
عند غيرهم , وزيادة ورحمة الله بعد السلام عليكم بعد التشهد الأخير في الصلاة
ركن تبطل الصلاة بتركه عند الحنابلة , ولا تبطل الصلاة بتركه عند غيرهم , وإذا
سجد المصلي علي طرف كمه أو ردائه تبطل صلاته عند الشافعية , ولا تبطل عند
المالكية , واقتصار الخطيب يوم الجمعة علي خطبة واحدة يبطل الخطبة عند الشافعي
وابن حنبل , ولا يبطلها عند مالك وأبي حنيفة , وخطبة الجمعة بحضور رجل واحد من
المصلين صحيحة عند أبي حنيفة , وغير صحيحة عند غيره , لأن الشافعي وابن حنبل
يشترطان حضور أربعين رجلا , ومالك يشترط حضور اثني عشر رجلا , وقراءة المأموم
الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية واجبة وتبطل الصلاة بتركها عند الشافعية ,
وهي حرام في السرية والجهرية عند الأحناف . فماذا يفعل المسلم إذا كان حريصا
علي أن تكون صلاته صحيحة؟بل إن الخلاف وصل إلي موضع اليدين في الصلاة عند
الشافعي وضع اليدين تحت الصدر من جهة الجانب الأيسر , وعند أبي حنيفة يضعهما
الرجل تحت السرة , وتضعهما المرأة علي الصدر , وعند ابن حنبل وضعها تحت السرة
للرجل والمرأة . هذه بعض أمثلة مما ذكره شيخنا الجليل في كتابه الشامل الذي
يحتاج كل مسلم إلي قراءته لكي يدرك أنه لو ترك نفسه لهذه الاختلافات فلن يطمئن
إلي صحة عباداته , وسوف يقضي حياته في الانشغال بهذه الأمور الفرعية , ولا يجد
وقتا للتفكير أو العمل لتحسين نوعية حياته وتنمية مجتمعه وإضافة شيء لخدمة
الناس . مشكلتنا أن الخلافات التي شغلت المسلمين تمتد جذورها إلي العصور الأولي
للإسلام , يقول أبو الحسن الأشعري : اختلف المسلمون بعد نبيهم صلي الله عليه
وسلم في أشياء ضلل فيها بعضهم بعضا , وتبرأ بعضهم من بعض ..., ووصل الأمر إلي
اتهام شيخ الإسلام أبي حامد الغزالي بالكفر لأنه قال : إن الأقرب إلي الكفر هو
المتعصب لرأي جماعة معينة لأنه يجعل هذه الجماعة في منزلة النبي المعصوم من
الخطأ . تخلف المسلمون لأنهم اختلفوا في كل شيء , ولم يقم شيوخهم بواجبهم
لتوحيد الصفوف .
6/7/2008 |
|||
|
|||