يقول أبو حيان التوحيدي
في كتابه( الإشارات الإلهية): إلي متي نعبد الصنم بعد الصنم؟ وإلي متي نقول
بأفواهنا ما ليس في قلوبنا؟ وإلي متي ندعي الصدق والكذب شعارنا ودثارنا؟ وإلي
متي نستظل بشجرة تقلص عنها ظلها؟ وإلي متي نبتلع السموم ونحن نظن أن الشفاء
فيها.
قال ذلك وهو يصف أحوال المسلمين في القرن العاشر ولاتزال هذه أحوال المسلمين
إلي اليوم وفيهم جماعات تريد العودة بالنظم الاقتصادية والسياسية وبالعادات
والسلوك إلي القرن السابع ليعيش بها المسلمون في عالم دخل القرن الحادي
والعشرين من أوسع أبوابه ولا يذكرون أن عصر السلف الصالح لم يكن فيه حوار حر
إلا في فترات قصيرة هي التي يستشهد بها هؤلاء ويتجاهلون بقية العصور التي وصفها
الدكتور زكي نجيب محمود بأنها لم تكن تعلو فيها إلا نخلة واحدة, وبقية الرعية
من النجيل والحشائش التي لا تكاد تصل إلي الاقدام, وكان كل من يحاول أن يرتفع
بصوته أو برأيه يقطع رأسه, وهكذا كانت ساحة الفكر في معظم فترات التاريخ,
لا تسمح بالحوار بين نخيل ونجيل.
ويصف الجاحظ سطوة الحكام في معظم العصور التي حكموا فيها باسم الإسلام واعتبروا
أنفسهم خلفاء رسول الله- صلي الله عليه وسلم- فيقول في الجزء الأول من
كتابه الحيوان كانت النشوة التي يشعر بها صاحب الأمر تفوق كل من عداها, هو
سرور فريد حين يصدر أمر من شفتيك فإذا هو نافذ, وتوقع بخاتمك فإذا الطاعة علي
الناس قد وجبت, وإذا الرأي قد الزم كل ذي رأي.
وابن كثير صاحب تفسير القرآن وقصص الأنبياء الذين يعتمد عليها علماء المسلمين
يقول في كتابه البداية والنهاية ناصحا المسلمين: السعيد من قابل الأوامر
بالانقياد, والنواهي بالتعظيم ويقصد الطاعة المكلفة للحكام لكي يضمن المسلمون
الأمان والسعادة! وينبهنا الدكتور زكي نجيب محمود إلي صفة أخري في العالم
الإسلامي تؤدي إلي التخلف وهي أن الفكرة ممزوجة بشخص صاحبها وكرامته, فإذا
عارضت الفكرة فإنك ترفض صاحبها وحين تقبل الفكرة وتصفق لها فأنت مع صاحب
الفكرة, فليس من طباعنا أن يكون للفكرة استقلال وتوضع علي بساط البحث دون
مساس بصاحبها, ويدور عليها النقاش ايجابا وسلبا دون أن يكون في ذلك مساس
بصاحب الفكرة في شخصه ولا كرامته.
وكان سهلا علي الدول الإسلامية تقليد الدول المتقدمة في أنظمة الحكم وانتخاب
ممثلين للشعب في البرلمان يحاسب الحكومة ويضع القوانين, وكان سهلا استهلاك
كلمة الديمقراطية من كثرة تكرارها والقول إن الشعب هو صاحب السلطة, وإذا رضي
عن حكومة ابقاها, وإذا لم يكن راضيا عنها فقدت مقاعدها بغير حاجة إلي
معارك, ولكن الناظر إلي أحوال معظم الدول الإسلامية يري أن هذا كله مجرد كلام
نظري ولم يحدث علي طول تاريخ العالم الإسلامي التي حكم فيها السلف باسم الإسلام
ان عزلت حكومة بارادة الشعب.
ودائما كان الخليفة أو الأمير يأخذ الحكم بالوراثة أو بالقوة ولا يترك عرشه إلا
غدرا أو قتلا أو سجنا, فلا الشعب اختار ولا الشعب عزل وهذا هو تاريخ العالم
الإسلامي بعد عصر الخلفاء الراشدين!
أما القدر من الحرية الذي حصلت عليه بعض المجتمعات الإسلامية, فقد حصلت عليه
أقرب الصدقات التي يتصدق بها الغني علي الفقير ـ علي حد تعبير الدكتور زكي نجيب
محمود, بينما يكون الفكر إذا جري مجراه الطبيعي يكون حوارا بين لا ونعم وما
يتوسطهما من ظلال وأطياف, أما الرفض المطلق الأعمي فهو عناد الأطفال,
والقبول المطلق الأعمي هو طاعة العبيد, ولابد أن ندرك أن الله وحده علمه هو
علم اليقين ومعرفة البشر احتمال وكل فكر للبشر يحتمل الصواب والخطأ وقابل
للمراجعة واعادة النظر والرفض أو القبول, وهذا ما عناه الإمام أبي حنيفة
بقوله: رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب وفي العالم
الإسلامي من يقول: رأينا صواب لا يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ لا يحتمل
الصواب, ومن يخالفنا تقطع رقبته ولا يدخل الجنة, وفي العالم الإسلامي من
يدعي أنه يملك مفاتيح الجنة والنار.. وهذه هي الطامة الكبري!