السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

حكايات هيكل فى الأهرام

كان هيكل فى الأهرام نجما لامعا فى السماء لا يطاوله أحد.. وهو الذى جعل الأهرام كذلك.
فى 31 يوليو 1957 عُين الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيسا لتحرير الأهرام، وبدأ العمل اعتبارا من العدد الصادر فى أول أغسطس 1957. كان يومها أصغر من تولى رئاسة تحرير الأهرام سنا على مدى تاريخه الطويل، ويروى هيكل قصته مع الأهرام فيقول: إنه سبق فى عام 1955 أى قبل عامينأن عرض عليه هذا المنصب، واعتذر، وكان ضمن أسباب اعتذاره- كما يقول- (إننى أنتمى إلى مدرسة صحفية قد تختلف عن المدرسة الصحفية التقليدية للأهرام، فقد بنيت حياتى الصحفية على أساس العمل الإخبارى، وتحركت فى ذلك مراسلا سياسيا وحربيا وراء المتاعب فى كل قارات الأرض ابتداء من حرب الهند الصينية، وحرب كوريا، إلى الحرب الأهلية فى اليونان وحرب فلسطين، وجريت من مشاكل أفريقيا التى لم تكن قد تفجرت بعد إلى مشاكل البلقان التى كانت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية قد تفجرت فعلا، وطوفت من أمريكا وأوربا شرقا وغربا إلى المشاكل حيث تكون، ثم تخصصت فى الشرق الأوسط ابتداء من تأميم البترول فى إيران، إلى انقلابات سوريا، إلى حوادث الاغتيال التى اجتاحت المنطقة فى فترة القلق ما بين سنة 1945 إلى سنة 1952.. وذلك كلـه اتجـاه إلى الحركة يختلف عن ثبات الأهرام..)
كانت عائلة تقلا المالكة للأهرام قد انتابها القلق لما وصل إليه الأهرام من هبوط وجمود، وكان واضحا أن رئيس التحرير الأستاذ أحمد الصاوى محمد قد تجاوزه الزمن، ولم تعد لديه قدرة على التجديد أو التطوير، وهو فى نفس الوقت اسم كبير وله تاريخ، ولكنه رجل كبير فى زمانه، وقد تغير الزمان، ولابد أن تتغير القيادة.. هكذا استقر رأى عائلة تقلا على أن محمد حسنين هيكل هو ألمع نجوم الصحافة فى الزمن الجديد، فأرسلوا إليه على الشمسى باشا يعرض عليه رئاسة تحرير الأهرام، على أن يضع شروطه.
يقول هيكل فى حوار مع مفيد فوزى:
(لم يكن سهلا علىّ اتخاذ قرار خروجى من أخبار اليوم، فأنا مؤمن بفكرة المؤسسة متجاوزا الأفراد، وكانت أخبار اليوم عندى مرتبطة بمصطفى وعلى أمين.. صحيح نشأت بيننا خلافات بسيطة، ربما حول أهمية أن يكون للمنشأة- ولو كانت مملوكة لأفراد- ميزانية محترمة وعرضها على مجلس الإدارة، ولكنى كنت أعرف طبائع الملكية الفردية لأصحاب مشروع، وعندما جاء على الشمسى واقترح علىّ فكرة الأهرام بدت الفكرة مغرية، لأنى وصلت فى أخبار اليوم لآخر ما يمكن الوصول إليه.. والأهرام بالنسبة لى يمثل التحدى، وفى أول عرض لهم عرضوا علىّ أن أكون واحدا من رؤساء التحرير فاعتذرت.
وعندما ذهبت لمصطفى وعلى أمين أصارحهما بنيتى وقلت لهما: أنا رايح الأهرام، قام على أمين، وأغلق الغرفة التى نجلس فيها، (وهات يا عياط) ولم أخرج إلا بعد أن كتبت اعتذارا لبشارة تقلا، وظللنا سنة نعمل فى أخبار اليوم، وعندى أمل أن الأمور سوف تنضبط، وأن الوضع المؤسسى سوف ينضبط فى الدار، وأتصور أننى إذا كنت قد فعلت شيئا فى الأهرام فهو فكرة المؤسسة، لأنها باقية، وحية، حتى وأنا بعيد عنها.
وقامت بيننا خلافات- مصطفى وعلى أمين وأنا- حول المدارس الصحفية المختلفة. فأنا طول الوقت أعتقد أن القارئ المصرى جاد أكثر مما نتصور، والأخوان أمين يتصوران شيئا آخر، ورغم هذه الخلافات كنا نلتقى مرة كل أسبوع لتناول الغداء معا، حتى لا تكون القطيعة نهائية).
وفعلا حرص هيكل على أن تظل علاقته بأخبار اليوم وبمصطفى وعلى أمين حتى بعد انتقاله إلى الأهرام، حتى أنه جمع بين رئاسة تحرير الأهرام، ورئاسة تحرير آخر ساعة لفترة، ووافق مجلس إدارة الأهرام على ذلك. وهذه أول مرة فى التاريخ يجمع فيها شخص واحد بين رئاسة تحرير صحيفة ومجلة فى مؤسستين.
***
وبعد أن وقّع العقد مع الأهرام طلب موعدا مع الرئيس جمال عبد الناصر، وقابله فى اليوم التالى.
يقول هيكل: قلت له لقد وقّعت أمس عقدا مع الأهرام، فنظر إلىّ الرئيس بدهشة، ولكنه كان كريما فى فهمه كعادته، وقال: لن أسألك عن أسباب هذا القرار.. لكن هل أنت واثق أنه ستتاح لك فرصة العمل؟.
وقصة دخوله الأهرام نشرها فى حياة الرئيس عبد الناصر وبالتحديد فى الأهرام يوم 10 يناير 1969.
***
كيف كان الأهرام يوم دخله هيكل؟.
يقول فى نفس العدد إن الأهرام كان وضعه كما يلى:
كان توزيع الأهرام 68 ألف نسخة يوميا.
كانت الخسائر قرابة المليون ونصف المليون جنيه.
كان متوسط العمر بين العاملين فى التحرير 51 عاما.
كانت مطبعة الأهرام فى بولاق يرجع عمرها إلى سنة 1928- أى كان عمرها 29 عاما.. أى انتهى عمرها الافتراضى منذ زمن وأصبحت قيمتها الدفترية تساوى صفرا!- وكان عنبر الحفر يحتوى على معدات صنعت فى فرنسا سنة 1904 أى عمرها 53 عاما- وكانت مبانى الأهرام ما بين سراديب تحت الأرض، وجسور معلقة تصل ما بين مبنى ومبنى. لم يكن أى منهما قد أنشئ ليكون داراً صحيفة، وكان أهمها، وهو مقر التحرير أصله فيلا خاصة سكنها القنصل الإيطالى فى القاهرة سنة 1900، ثم استأجرها الأهرام منه فى تلك السنة عندما انتقل من الإسكندرية إلى القاهرة.
ومعروف أن الأهرام بدأ نشأته فى الإسكندرية وأسسه سليم وبشارة تقلا فى 27 ديسمبر 1875، وصدر العدد الأول فى 5 أغسطس 1876.
كانت نظم العمل الداخلى فى الأهرام بعيدة عن التطور الحديث فى الصحافة العالمية، فكان العمل فى المطبعة يجرى على أساس نظام أدخل فى صحف هيرست بالولايات المتحدة سنة 1910 ثم عدل عنه إلى نظام أحدث منذ سنة 1923، لكن الأهرام ظل يلتزم بالنظام القديم حتى تاريخ دخولى الأهرام سنة 1957.
***
ولم يكن تعيين هيكل رئيسا لتحرير الأهرام خبرا يمكن أن يمر بسهولة، ولكنه كان قنبلة تجاوزت آثارها الوسط الصحفى إلى الأوساط السياسية، وإلى قراء الأهرام، وقراء الصحف الأخرى، وكانت ردود الفعل مختلفة اختلافا شديدا.. وظهرت حقيقة المشاعر بين زملاء المهنة فيما كتبوه، وإن كان هيكل قد ظل موضوعا للهمس والشائعات ولاحقه الحاسدون له والحاقدون عليه طول حياته. وقد اعتاد ذلك، واعتبره ضريبة النجاح، وطبيعة البشر!
كتب على أمين فى عموده اليومى بجريدة الأخبار يوم أول أغسطس وهو اليوم الذى بدأ فيه نشر اسم هيكل على الصفحة الأولى للأهرام رئيسا للتحرير.. يقول:
احتضنته وهو لا يزال يحبو حافى القدمين على بلاط صاحبة الجلالة، رأيت فيه طفولتى وشبابى، ولم أحمله بين ذراعى، ولم أغرقه فى تدليل الآباء، لقد تركته دائما على قدميه، وكانت بينه وبين القمة مسافة طويلة جدا، ومع ذلك لم ييأس، ولم يتذمر، ولم يتطلع إلىّ يوما يطلب منى أن أحمله على كتفى بضع درجات كما يفعل كل الأولاد، وكانت الصحافة تجرى فى دمه.. ولم يركبه الغرور.. ولما بلغ 26 سنة قررت أن أسند إليه رياسة تحرير آخر ساعة، وقامت الدنيا وقعدت، وأدى هذا القرار إلى خروج أربعة من المحررين الشبان من المجلة وانضمامهم للحزب الشيوعى احتجاجا على محسوبيتى الصارخة، ولكنى لم أضعه على الكرسى.. كانت كفاءته هى التى وضعته على الكرسى.
وكتب كامل الشناوى فى جريدة الجمهورية يوم 6 أغسطس 1957:
(لقد اشتغل هيكل بالصحافة مع أحمد الصاوى محمد ومعى فى دار أخبار اليوم منذ ثلاثة عشر عاما، وقاسى هيكل فى ذلك الحين أهوالا لا يقوى على مواجهتها إنسان.. كانت الدسائس والمؤامرات تأخذ بتلابيبه فى كل مكان.. وكان رؤساؤه يصدقون فيه كل وشاية.. وكان زملاؤه يحاربونه بكل سلاح.. وقد قاوم هذه الحرب بالعمل الدائم المستمر).
أما رئيس تحرير الأهرام أحمد الصاوى محمد الذى سلم الراية إلى هيكل فقد كتب يوم أول أغسطس 1957 يوم بدء رئاسة هيكل للتحرير، فى عموده اليومى فى الأهرام الذى كان ينشر فى الصفحة الأولى: (إنه سيعتزل رياسة تحرير الأهرام، ويحقق حلمه الذى كان يحلم به منذ شبابه وهو أن يتفرغ لكتابة عموده اليومى (ماقل ودل) ويجد بذلك الفرصة ليعيش كما كان يتمنى، ويرسل عموده من أى مكان يذهب إليه، من القاهرة، أو الإسكندرية، أو أى ركن فى العالم.. وقال بعد ذلك: وسيتولى هذه الرياسة صديقنا وزميلنا الأستاذ محمد حسنين هيكل، ليضطلع بمسئولياتها الكبيرة الخطيرة، ومنذ أربعة أشهر تحدثت عن هيكل باعتباره النجم الساطع فى سماء الصحافة المصرية، وهذا حق، وهو ما تجلى خلال زمالتنا بدار أخبار اليوم منذ بضعة عشر عاما)..
ولعل أصدق ما قيل هو ما قاله كامل الشناوى- وهو ممن أحبهم هيكل واعتبرهم من أهم الشخصيات الصحفية التى قابلها وكان قريبا منها، حين قال (إن هيكل قاسى الأهوال التى لا يقوى على مواجهتها إنسان.. وأن الدسائس والمؤامرات ظلت تأخذ بتلابيبه فى كل مكان.. وزملاؤه يحاربونه بكل سلاح.. وقد قاوم هذه الحرب بالعمل الدائم المستمر).
هكذا كان قدر هيكل.. وهذه الكلمات تلخص حياته كلها منذ بدء اشتغاله بالصحافة وحتى يوم دخوله أخبار اليوم.. ويوم رئاسته لتحرير آخر ساعة.. ويوم خروجه من أخبار اليوم ورئاسته تحرير الأهرام.. بل يوم خروجه من الأهرام الذى كان أقرب إلى كسوف الشمس.. لكنها أشرقت من جديد أكثر تألقا..
وهذه قصة أخرى..
***
لماذا اختار القدر، ووافق هيكل على أن ينتقل إلى الأهرام؟ .
الأسباب الشخصية شرحها هو بنفسه.. كان قد وصل فى أخبار اليوم إلى نقطة النهاية.. وشخصيته بتكوينها القابلة للتحدى وجدت فى الأهرام الفرصة لإثبات ذاته ووضع بصمته على الأهرام.. وعلى الصحافة المصرية والعربية.. وعلى السياسة المصرية والعربية كذلك.. ويرتفع إلى أفق شاهق يقاسى فيه من الأهوال أكثر مما قاسى.. وتحيط به الدسائس والمؤامرات بأكثر مما أحاطت به قبل ذلك.. ويعيش فى صقيع القمة وزوابعها وتياراتها الخطرة..
كان عام 1957 يمثل مرحلة حساسة بالنسبة لمصر، فى أعقاب العدوان الثلاثى عام 1956 التى قام الإعلام فيها بدور بارز جعل القيادة السياسية تركز على اختيار القيادات الإعلامية، خاصة مع بدء التحول فى السياسات.. فقد بدأ فى هذا العام تمصير بعض الشركات والبنوك الأجنبية، وبدأ إعداد أول برنامج متكامل للتصنيع تشهده مصر بعد عصر محمد على، وبدأ التفكير فى تطوير الاتحاد القومى، وهو التنظيم السياسى الذى كان قائما فى ذلك الوقت، ويضاف إلى هذه العوامل أهمية الأهرام بتاريخه العريق، وما وصل إليه من جمود جعله غير قادر على مواكبة هذه المرحلة بفكرها وتطلعاتها، ولم يكن لدى هيئة تحرير الأهرام القدرة على استيعاب طبيعة المرحلة، والتجاوب معها، ولا القدرة على فهم حقيقة التغيرات السياسية التى تحدث.. لذلك كان تولى هيكل قيادة الأهرام ضروريا من وجهة النظر السياسية، لأنه هو الذى كان مؤهلا- بشبابه، وتفوقه الصحفى، وثقافته السياسية الواسعة، وفهمه للأبعاد الاستراتيجية فيما يجرى فى مصر والعالم.. وبصداقته الشخصية مع جمال عبد الناصر وبالثقة التى يوليها الرئيس له بغير حدود.. كل ذلك جعل هيكل هو الرجل المناسب لكى يتولى تطوير الأهرام، وقيادة دفته مع التيار السياسى الجديد.
ولذلك فلا أظن أن جمال عبد الناصر فوجئ عندما أبلغه هيكل بأنه سينتقل إلى الأهرام، والأقرب إلى منطق الأمور أن عبد الناصر كان وراء هذا النقل، فى نفس الوقت الذى كان فيه أصحاب الأهرام يريدون مسايرة العهد الجديد دون أن يعرفوا كيف يفعلون ذلك، ورأوا أن هيكل هو طوق النجاة.
وكان هذا تعبيرا عما قاله هيكل يوما: لقاء الرجل مع الظروف.. رجل جاهز ومستعد.. وظروف مواتية ومهيأة..
وهذا هو الحظ..
لكن من يصادفه الحظ يواجه دائما المتاعب من بعض الناس.
وهذا ما حدث.
***
ماذا فعل هيكل فى الأهرام؟ .
تاريخ هيكل فى الأهرام طويل.. امتد لأكثر من 17 عاما.. بدأ فى 31 يوليو 1957 حتى أول فبراير 1974.. كتب خلالها مقاله الأسبوعى (بصراحة) بانتظام فكان أول ما يقرؤه السياسيون وعامة القراء فى مصر والعالم العربى عندما يفتحون عيونهم صباح كل يوم جمعة.. ويسمعه المستمعون فى أنحاء العالم العربى من الإذاعة المصرية.. وقام بتطوير التحقيقات الصحفية، ولأول مرة أصبحت فى الأهرام صفحة كاملة متميزة للتحقيقات تفوقت فيها مجموعة كبيرة من أفضل شباب الصحفيين الذين عيّنهم هيكل، واختار صلاح هلال الذى عمل معه مديرا لتحرير آخر ساعة ليكون رئيسا لقسم التحقيقات.. وصلاح هلال أستاذ كبير.. وصاحب رؤية سياسية وصحفية نادرة.. وله قلم غاية فى الرشاقة والقدرة على التعبير والتأثير بكلمات قليلة.
وقام أيضا بتطوير قسم الأخبار واختار لرئاسته ممدوح طه، وهو شخصية نادرة، باتصالاته وعلاقاته الواسعة مع الوزراء وكبار المسئولين، وبحساسيته العجيبة للخبر، ومقدرته على التقاطه من كلمة ينطق بها المصدر، أو كلمة فى خبر يكتبها محرر ناشئ..
وقام بتطوير الإخراج الصحفى واختار توفيق بحرى ليرأس قسم الإخراج فأعاد تصميم الصفحات من الشكل التقليدى القديم إلى شكل عصرى جعل الأهرام يتحول فعلا إلى صحيفة عالمية..
وأنشأ أرشيف الأهرام.. وهذه قصة طويلة.. لأن هيكل أول من اهتم اهتماماً بالغا بالأرشيف.. واختار له أكفأ العناصر.. وكان يستعين به للحصول على المعلومات، وخلفية الأخبار والأحداث، ولم يكن يكتب مقاله إلا بعد أن يعود إلى كل ما كتب فى الموضوع من قبل، وعلّم محررى الأهرام قيمة الأرشيف على أنه ذاكرة الصحيفة والصحفى، وإهماله يؤدى بالاثنين إلى فقدان الذاكرة، ولم يكن اهتمامه بأرشيف المعلومات فقط، ولكن امتد إلى أرشيف الصور، وإلى قسم التصوير واختار من أخبار اليوم محمد يوسف ليكون كبير مصورى الأهرام وأمده بأحدث أجهزة وآلات التصوير والتحميض..
ولأول مرة فى تاريخ مصر ينشأ مركز للدراسات السياسية والاستراتيجية فى صحيفة.. كان ذلك فى الأهرام، وبدأ التركيز على دراسات حول الصراع العربى الإسرائيلى، واختار لرئاسته حاتم صادق، زوج هدى عبد الناصر، وقد اقتربت من حاتم صادق لفترة ولمست فيه تواضعا وجدية وتفرغا للعمل مما كان مثار دهشتى لأنى لم أكن أتوقع أن يكون زوج ابنة الرئيس بمثل هذه البساطة وتعامله مع الناس لا يختلف عن تعامل غيره من المحررين.. بحيث نسى الجميع أنه زوج بنت الرئيس وكانوا ينادونه: حاتم، ويبدون له ملاحظاتهم وانتقاداتهم ويتقبلها ويناقشهم دون حساسية.
ثم إن هيكل هو الذى بنى مبنى الأهرام فى شارع الجلاء وهو أول مبنى لصحيفة فى العالم العربى.. وقبل أن يشرع فى البناء اختار للإشراف عليه رجل نادر هو سيد ياسين (وهو غير سيد ياسين مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية)، وأرسله إلى اليابان ليشاهد أحدث مبنى صحيفة فى العالم هو مبنى صحيفة اساهى التى توزع عشرين مليون نسخة يوميا، واستعان بأكفأ المهندسين، وفى النهاية أنشأ هذا المبنى الذى لا يستطيع أحد أن ينتقد فيه شيئا، ولا يستطيع أحد أن يضيف إليه شيئا، لأنه كامل.. ولأول مرة ينشئ كافتيريا خمسة نجوم فى الدور العاشر يتناول فيها العاملون فى الأهرام الغداء بقروش زهيدة، وكان يقال إن هيكل فعل ذلك لإغراء الجميع على البقاء فى المبنى طول اليوم دون أن يفرض عليهم ذلك، وهذا ما كان يحدث فعلا..
ولأول مرة يكون فى مصر مبنى صحيفة من عشرة أدوار وكله مكيفا تكييفا مركزيا.. وفيه قاعات للمكتبة.. والأرشيف.. والاجتماعات.. وصالة تحرير تنافس حتى اليوم أحدث صالات التحرير فى أكبر الصحف العالمية.. والسعاة يرتدون زيا موحدا.. ورجال الأمن لهم زى موحد.. وتليفونات صالة التحرير بدون أجراس ولكن تضاء فيها لمبات صغيرة بدلا من الجرس لتوفير جو الهدوء فى الصالة.. ولذلك كنت لا تسمع صوتا فى الصالة.. والحديث يدور فيها همسا.. رغم وجود أكثر من مائة صحفى فيها.. والجميع يعملون فى الصالة.. كل قسم فى ركن مع رئيس القسم.. الكبار والصغار.. والاتصالات سهلة.. تستطيع أن تسأل وتستكمل الخبر أو الموضوع فورا.. كان نجيب المستكاوى رئيس القسم الرياضى يجلس مع صغار المحررين فيتعلمون منه.. وممدوح طه يجلس مع عشرات من محررى قسم الأخبار وقسم مراجعة وصياغة الأخبار المحلية- وهو القسم الذى بدأت عملى فى الأهرام فيه- فيتعلمون من احتكاكهم به طول الوقت.. وصلاح هلال رئيس قسم التحقيقات فى ركن.. وهكذا يجلس الجميع معا.. فيشعرون بجو الأسرة.. ويعيشون فى جو العمل كأنهم فى ورشة.
***
وهيكل هو الذى حوّل الأهرام من صحيفة يملكها أصحابها ويتصرفون فيها تصرف المالك فيما يملك، إلى مؤسسة لها نظم، وقواعد، وتقاليد، ولائحة، وقيادات، ورئيس مجلس الإدارة يضع السياسات ويتابع تنفيذها، ومعه قيادات غاية فى الكفاءة والأمانة والإخلاص.. لذلك حملوا عنه الكثير من أعباء الإدارة.. لكن الجميع يشهدون أن مقدرة هيكل فى الإدارة لا تقل عن مقدرته فى الصحافة، وهذا هو سر النجاح الذى وصل فيه إلى القمة.
وهيكل لديه قدرة عجيبة على التقاط أصحاب الكفاءات والمواهب فى الصحافة والإدارة، ولذلك أحاط نفسه بمجموعة نادرة من الصحفيين الموهوبين كل منهم كان يصلح رئيسا للتحرير، واختار مجموعة من الشبان أصبحوا بعد ذلك نجوم الصحافة..
وهذه أيضا قصة طويلة..
***
عندما بدأ هيكل عمله فى الأهرام أدرك أنه إذا قام بعمل تغيير مفاجئ وشامل فى شكل الجريدة، فإن ذلك سيحدث هزة لدى القراء ولدى العاملين فيها، ولذلك بدأ التغيير بطيئا.. وتدريجيا.. لكن استراتيجية واتجاه التغيير وأهدافه كانت واضحة، ويحكى هيكل عن أيامه الأولى فى الأهرام فيقول:
كان مدير تحرير الأهرام وقتها هو الأستاذ نجيب كنعان، وجاء يسألنى:
- كيف تريد الأهرام غدا؟ .
وقلت له:
- كما كان الأهرام أمس.. إن أحدا لا يستطيع أن يغير فى الأهرام بهذه البساطة.
وكانت بداية التغيير بالانتقال التدريجى بالأهرام من صحيفة تعتمد أساسا على مقالات الرأى لتصبح صحيفة خبر ورأى.. ويقول فى ذلك:
كان الطابع الذى اخترناه جميعا للأهرام هو الطابع الإخبارى، وأن يكون الأهرام سبّاقا بكل خبر، وأن يكون كل خبر فى الأهرام صادقا إلى أبعد حد، وأن يكون عرض الخبر فى الأهرام عن طريق التحقيق الذى يعطى للخبر كل أبعاده، وليس عن طريق (التزويق) الذى يغطى ملامح الحقيقة فى الخبر.
وعن هذا التحول كتب ادوارد شيهان فى صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مقالا قال فيه: إن الأهرام أصبحت بفضل هيكل أفضل مصدر للأخبار السياسية فى العالم العربى، وساعدته صداقته للرئيس جمال عبد الناصر على تحقيق هذا الهدف، وقد نشرت صحيفة الأنوار اللبنانية مقال نيويورك تايمز فى عددها يوم 25 أغسطس 1971.
***
والدكتور إبراهيم عبده شيخ أساتذة الصحافة له كتاب شامل لتاريخ الأهرام، أعده بناء على تكليف هيكل، لأنه رأى أن من لا تاريخ له فلا مستقبل له، ومن لا يستفيد من تاريخه فلا يستطيع بناء مستقبله، وأراد أن يجمع تاريخ الأهرام فى كتاب يشرف عليه أستاذ أكاديمى محايد وموضوعى وبمنهج علمى. فجاء هذا الكتاب بعنوان (الأهرام- سجل العرب) وفيه إشارة إلى التطور الذى أدخله هيكل فى الخبر الصحفى فيقول: (إن الأخبار عرضت على القارئ على نحو فريد لم تعرفه جريدتنا من قبل، وهذا النحو الفريد فى سبق الصحف الأخرى فى نشر الأخبار المهمة، واستكمال الخبر من كل جوانبه.. وأدخل هيكل مقدمة الخبر Lead وهو أسلوب تتبعه الصحافة الأوربية والأمريكية.. وأدخلته أخبار اليوم فى الصحافة العربية، وكثيرا ما تكون هذه المقدمة فى الأهرام توجيهية تعد القارئ لقراءة التفاصيل الكاملة بالصورة التى تريدها الجريدة بالنسبة للأخبار المهمة.
هيكل هو الذى جعل الصفحة الأولى للأخبار، وكان مكانها دائما فى صفحتين فى الداخل فى وسط الصحيفة.. وهو الذى جعل أهمية الخبر ظاهرة للقارئ فى اختيار العنوان، ومكانه فى الصفحة، وإبرازه بحروف سوداء أو بحروف عادية بحسب قيمته.
وهو الذى اهتم بالرأى، ولكن مقالات الرأى فى الأهرام فى عهده اختلفت.. كانت المقالات قبله مجرد آراء لا تستند إلى خبر ولا تقدم خلفيات للخبر ولا تحليلا لهذا الخبر.. ولا تضع مقدمات تستنتج منها النتائج.. وكانت عبارة عن انطباعات عامة مرسلة، الجديد الذى أدخله هيكل أن يكون المقال تحليلا للأحداث، ولا يكتب المقال إلا كبار الكتاب، ولذلك اجتذب أقدر الأقلام والمتخصصين فى كل مجال من المجالات السياسية والاقتصادية، وبدأ الأهرام يتميز بالعمق والإحاطة والتخصص، وكانت صفحة الرأى من أهم صفحات الأهرام بالإضافة إلى كتابات كبار الكتاب والفنانين.
ولأول مرة أصبح الوزراء الحاليون والسابقون يكتبون مقالات للرأى فى الأهرام..
***
ويذكر لهيكل أنه بدأ بتعيين عناصر شابة لتطعيم الأهرام بدماء جديدة، يستطيع من خلالها تحقيق خطته للتطوير. وفى سنة 1958 دخل الأهرام خمسون شابا وشابة من خريجى قسم صحافة بكلية الآداب ومن الكليات الأخرى، وبدأوا عهدهم بحضور دورات تدريبية، وبعضهم أرسل للتدريب فى الصحف البريطانية، مما لم يحدث قبل أو بعد هيكل.
وفى هامش صفحة 405 من كتابه (بين الصحافة والسياسة) يقول هيكل:
لقد كنت أنا- أقولها بكل تواضع وبفخر- الذى تعاقد للأهرام مع صفوة من أقلام مصر، وأحسن صحفييها (الأسماء كلها بترتيب الحروف الأبجدية).
من الأدباء والفنانين: الأستاذ توفيق الحكيم، والدكتور حسين فوزى، والدكتور زكى نجيب محمود، والأستاذ صلاح جاهين، والأستاذ صلاح طاهر، والدكتورة عائشة عبد الرحمن (كتبت فى الأهرام من قبل ولكنها انقطعت سنوات حتى دعوتها للعودة) الدكتور كلوفيس مقصود، الأستاذ كمال الملاخ، الدكتور لويس عوض، الأستاذ محمد يوسف (ومعه مساعداه اميل كرم وأنطون ألبير) الأستاذ محمود درويش، الأستاذ محيى الدين حسين، الأستاذ معين بسيسو، الأستاذ نجيب محفوظ، الدكتور يوسف إدريس، الأستاذ يوسف فرنسيس.
ومن الصحفيين والكتاب: الأستاذ أحمد بهاء الدين، الأستاذ أحمد بهجت، الدكتور جمال العطيفى، الدكتور حسين مؤنس، الأستاذ خالد محمد خالد، الدكتور سامى منصور، الأستاذ صلاح الدين حافظ، الأستاذ على حمدى الجمال، الدكتور عبد الوهاب المسيرى، الأستاذ لطفى الخولى، الدكتور لطفى عبد العظيم، الأستاذ محمد سيد أحمد، الأستاذ مكرم محمد أحمد.
وفى المراكز المتخصصة فى الأهرام لمعت- بصرف النظر عن البريق السياسى- أسماء: عبد المنعم القيسونى (عضوا فى مجلس الإدارة ومحررا اقتصاديا للأهرام) والدكتور مصطفى خليل مشرفا على وحدة دراسات البترول فى مركز الدراسات الاستراتيجية) والدكتور إبراهيم سعد الدين، والأستاذ أبو سيف يوسف، والدكتور إسماعيل صبرى عبد الله، والدكتور عبد الرازق حسن، والدكتور فؤاد مرسى (فى مجال الكتابة الاقتصادية)
والدكتور بطرس غالى، والدكتور عبد الملك عودة، (فى مجال الدراسات السياسية والاقتصادية).
وفى مجال الكتابة عن التاريخ السياسى برزت على صفحات الأهرام (وبصرف النظر عن المناصب السياسية أو العلمية) أسماء: حسن يوسف (باشا) والدكتور محمد أنيس، والدكتور يونان لبيب رزق، ثم اللواء حسن البدرى (محررا عسكريا للأهرام) والدكتور محمود أمين (محررا لشئون البترول).
وفى هذا الإطار برز جيل واعد من الكتاب السياسيين: الأستاذ جميل مطر، الأستاذ حاتم صادق، الدكتور سعد الدين إبراهيم، الأستاذ سميح صادق، الأستاذ سيد يسين، الدكتور على الدين هلال، الدكتور مجدى حماد.
ومن جيل الصحفيين الذين حملوا ويحملون أكبر المسئوليات فى الصحافة المصرية الأساتذة: إبراهيم عمر، إبراهيم نافع، أحمد عادل، أحمد نافع، إحسان بكر، آدم النواوى، إسماعيل البقرى، آمال بكير، أمينة شفيق، إنجى رشدى، بهيرة مختار، تهانى حافظ، جلال الجويلى، حامد عبد العزيز، حسن أبو العينين، حسن الشرقاوى، حسن سلومة، حسن فؤاد، حسنى جندى، حسين غانم، حمدى فؤاد، حميدة موافى، خيرى عزيز، رائد العطار، رجب البنا، رجب محمود، زغلول عبد المطلب، زكريا نيل، سامى رياض، سامى فريد، سامى متولى، سعيد عبد الغنى، سعيد فريد، سلامة أحمد سلامة، سليم مباشر، سمير صبحى، سميرة غبريال، سناء البيسى، السيد جاد، شويكار على، صلاح جلال، صلاح منتصر، صلاح هلال، صبرى سويلم، عباس مبروك، عبد الحميد سرايا، عبد الملك خليل، عبد المنعم عثمان، عبد الوهاب مطاوع، عبده مباشر، عدلى جلال، عزت السعدنى، غادة شهبندر، فائقة عبده، فاروق جويدة، فاروق كمال، فتحى العشرى، فريد مجدى، فهمى هويدى، فؤاد سعد، كمال مصطفى، لبيب السباعى، لميس الطحاوى، ليليان مرقص، ليلى القبانى، ماجدة مهنا، ماهر الدهبى، محمد الليثى، محمد حقى، محمد حمدى، محمد زايد، محمد سلماوى، محمد صالح، محمد عبد المنعم، محمد عيسى، محمود أحمد، محمود سامى، محمود عطا الله، محمود عبد العزيز حسين، محمود عبد العزيز محمود، محمود كامل، محمود مراد، مرسى عطا الله، مصطفى البرادعى، مصطفى الضمرانى، مصطفى سامى، مكرم حنين، ممدوح طه، نادية عبد الحميد، نبيه الأصفهانى، نوال المحلاوى، نوال حسن، هدايت عبد النبى، وجدى رياض، يوسف صباغ.
وغير هؤلاء جميعا عشرات، وعشرات..
***
أليس من حق هيكل أن ينشر سجل المجد هذا؟. ومن حقه أن يشعر بالفخر لأنه قدم للصحافة المصرية صحفيين حقيقيين موهوبين أثبتوا أنه يحسن الاختيار بموضوعية ودون اعتبار للمجاملات أو الاعتبارات الشخصية أو الاجتماعية، ومن حقه أيضا أن يقول إنه يذكر تلاميذه ولا ينساهم وهذه ميزة نادرة لا تجدها إلا فى هيكل، فإن علاقته الإنسانية بتلاميذه مستمرة ولا يبخل عليهم بوقته ونصائحه كلما طلبوا منه ذلك، ويسعد كلما رآهم يكبرون وتلمع أسماؤهم، ولا يفوتنا أن نلاحظ كيف أن هيكل حريص على التسجيل، وأيضا حريص على أن يقدم الدليل على كل ما يقول، فلا يستطيع أحد أن يجادله فى صدق ما يقول.
ولحرصه على ذلك ألزم نفسه بقاعدة صارمة لم يخرج عليها أبدا، وهى ألا يذكر كلمة على لسان شخص مات إلا إذا كان ما يذكره موثقا بدليل مكتوب، أو بشاهد عدل ما زال على قيد الحياة، وهذا شىء نادر فى زمن نرى فيه كل يوم الذين يتسابقون فى ذكر وقائع وأحاديث مع شخصيات كبيرة بعد موتها ودون أن يذكروا فى حياتهم كلمة منها، أو حتى يشيروا إلى أن لهم صلة بها..
***
هيكل يؤمن بتعدد الآراء ويترك كل موهبة لتنمو دون أن يفرض عليها اتجاها معينا، ولذلك يقول: لم أفرض على أحد منهم رأيى، ولا حاولت أن أصوغ الشباب بينهم على مثالى، إنما تركت الكل يعبّر عن نفسه، والكل ينمو وفق استعداده، بل إن بعضهم- تحت ضغط الظروف- وربما غواياتها- اضطر فى بعض الأحيان إلى أن يهاجمنى، وعلى صفحات الأهرام نفسها، ولأنى كنت أحاول أن أفهم، فقد استطعت أن أعذر، ومعاتبا- وليس مغاضبا- رحت أردد فيما بينى وبين نفسى فى تلك الأيام بيتين من الشعر القديم يقول فيهما البدوى العاشق:
هنيئا مريئا غير داء مخامر لعــزة مــن أعراضنا ما اســتحلت
يكلفها الغيران شتمى وما بـ ـها هوانى.. ولكن للمليك استذلت
ويقول بعد ذلك:
ولقد كان رأيى أن الصحافة الحديثة ليست كّتابا وصحفيين ومخبرين فقط، ولكنها مجالات كثيرة.. ثم يشير إلى بعض ما فعله فى الأهرام، مثل إنشاء مراكز الأهرام المتخصصة، ولأول مرة تشهد مصر مركزا للدراسات السياسية والاستراتيجية، ومراكز مستقلة لمتابعة قضية فلسطين والصراع العربى الإسرائيلى، ومركزا لتوثيق تاريخ مصر المعاصر، ومركزا للدراسات الصحفية كان مصنعا لإعداد شباب المهنة الجديد.
يشير أيضا إلى المدرسة الجديدة فى إدارة الصحف التى ازدهرت فى عهده فى الأهرام، كما يشير إلى آلاف من عمال الأهرام أصبحوا يمثلون فى عهده شيئا مختلفا فى طاقة العمل المصرية، كان عددهم أقل من ثلاثمائة حين دخل الأهرام وأصبحوا قرابة ستة آلاف حين تركه، كثيرون منهم أتيحت لهم فرصة التدريب خارج مصر، بل إن بعضهم أضاف فى انجلترا نفسها تحسينات- تكاد تصل إلى درجة الاختراع- على بعض الآلات التى ذهبوا يتدربون عليها.
وفى عهد هيكل كان الأهرام يسبق إلى عصر الكمبيوتر، والذين عملوا فى الأهرام أو تخرجوا فيه هم الذين تولوا زمام القيادة فى هذا القطاع على مستوى مصر كلها.
وفى عهد هيكل اختار معهد الصحافة الدولية الأهرام ضمن أعظم عشر صحف فى العالم.
***
من أهم صفات هيكل أنه لا يعتمد على الذاكرة، ويعيب على كثيرين أنهم يغطون مساحات الفراغ فيها بما ينسجه الخيال أو التمنى، ولأنه يدرك أن ذاكرة البشر ضعيفة أمام الأيام، وأمام الأهواء، فقد ظل طول عمره يسجل، ويكتب، ويحتفظ بكل ورقة يشعر أن ملف التاريخ الذى عاشه قد يحتاج إليه فى يوم من الأيام، وساعده على ذلك مجموعة من المعاونين ربما يكون أكثرهم دقة وحرصا نوال المحلاوى ثم منير عساف وكلاهما كان أمينا على كل ورقة وكل معلومة وكل سر من أسرار الأستاذ، ودقيقا بشكل مذهل فى الاهتمام بكل صغيرة وكبيرة، والحقيقة كان هناك كثيرون حول هيكل أحبوه، وأخلصوا له وساعدوه على صنع مجده، وكان وراء هذا النجاح سيدة وقفت دائما إلى جانبه، هى زوجته، السيدة هدايت تيمور.
وهيكل يعتمد دائما على المعلومة الموثقة، ويحرص على تقديم الدليل على صحتها، ولذلك تمتلئ كتبه بالوثائق وكأنه يقدم حافظة مستندات إلى المحكمة، وتفسير ذلك نجده فى فقرة اقتبسها من آرثر سالزبورجر مؤسس جريدة نيويورك تايمز ووضعها فى صدر كتابه (بين الصحافة والسياسة) تقول: إن رأى أى إنسان فى أية قضية لا يمكن أن يكون أفضل من نوع المعلومات التى تقدم إليه فى شأنها، أعط أى إنسان معلومات صحيحة ثم اتركه وشأنه سيظل معرضا للخطأ فى رأيه ربما لبعض الوقت، ولكن فرصة الصواب سوف تظل فى يده إلى الأبد.. احجب المعلومات الصحيحة عن أى إنسان أو قدمها إليه مشوهة أو ناقصة، أو محشوة بالدعاية والزيف .. إذن فقد دمرت كل جهاز تفكيره ونزلت به إلى ما دون مستوى الإنسان.
هذه العبارة تلخص منهج هيكل الذى رأى أن الكلام زاد حتى فقد مصداقيته وابتذل الحرف، وامتهنت حرمة الكلمة، ولم يعد هناك من هو مستعد أن يسمع من غيره قولا مرسلا على عواهنه بغير دليل مهما كان القائل، وأيا كان موقعه، وقد ظهر أن الكبار يكذبون، وأن الكذب أصبح الصناعة الثقيلة الوحيدة فى عصر الانفتاح الاستهلاكى!
***
بدأت أول خطوة للتغيير فى تبويب الأهرام بعد أسبوعين فقط من تولى هيكل رئاسة تحريره.. لم يكتب اسمه كرئيس مجلس إدارة، ولكن اكتفى بوضع اسمه كرئيس تحرير. وكان رأيه أن منصب رئيس مجلس الإدارة قرار سياسى، أما دوره كرئيس تحرير فهو الدور المهنى الدائم، وكتابة اسم رئيس تحرير أية جريدة أو مجلة التزام بالقانون لأنه إعلان عن المسئول قانونا عما ينشر فيها.
وتوالى التغيير والتطوير بعد ذلك خطوة خطوة.. وظهر اهتمام واضح بالسياسة الدولية فى الأهرام وخصصت لها الصفحة الثانية بأكملها، وظهر باب (بريد) فى أول سبتمبر فى الصفحة الرابعة، وزاد الاهتمام بنشر الصور ابتداء من أول أكتوبر، وبخاصة فى الصفحة الأولى والصفحة الأخيرة، مع اهتمام ملحوظ بالموضوعات والتحقيقات والتقارير الصحفية الميدانية، وظهرت أسماء جديدة وتغيرت طريقة كتابة عناوين موضوعات الصفحة الأولى. فأصبح للموضوع أكثر من عنوان وكل عنوان محدد ومركز يلخص أهم محاور الموضوع، وعلى سبيل المثال فى عدد 9 سبتمبر 1957 نشر على الصفحة الأولى موضوع إخبارى له تسعة سطور للعناوين وكانت هذه بدايات التغيير، وبعده جاء التغيير الشامل على مراحل.
بعد صدور قانون تنظيم الصحافة سنة 1960 والذى نقل ملكية المؤسسات الصحفية من أصحابها إلى ملكية الاتحاد القومى ظل الأهرام يتطور إلى أن حدد هيكل فلسفته فى التغيير فى عدد 10 يناير 1969 فى النقاط الآتية:
1 - التمسك بحرية الصحافة، واضعا فى الاعتبار ظروف التحول السياسى والاجتماعى.
2 - التصرف على أساس ملكية الجماهير للصحيفة، وليس ملكية مجموعة من الأفراد يجلسون فى مبنى الاتحاد القومى.
3 - الاحتفاظ بالحق فى الانطلاق.
4 - توفير السلامة المالية والاقتصادية للأهرام على أنها أساس حريته وانطلاقه.
5 - المضى فى تنفيذ مشروع مبنى الأهرام بشارع الجلاء والانتقال إليه من المبنى الصغير الذى يشغله فى شارع الشريفين والذى لم يعد يتسع لطموحات الأهرام ودوره.
6 - الاحتفاظ باسم أسرة تقلا على رأس الأهرام الذى ظل ينشر يوميا منذعام 1876 اعترافا باتصال حركة التطور.
وفى صباح الاثنين 6 يناير 1964 صدر الأهرام وقد تغيرت كل عناصره تغييرا شاملا بعد 7 سنوات من بدء عمله كرئيس للتحرير. وعلى الصفحة الأولى جاء تحت عنوان (كلمة من الأهرام) تنبيه للقارئ لهذا التغيير وتفسير له وفيها: أنه فى مطلع السنة التسعين من عمر الأهرام سوف يلحظ القارئ هذا الصباح أن ثمة تغييرا لمس بعض صفحاته.
وظهرت على صفحات الأهرام مقالات تعبر عن آراء جميع الاتجاهات السياسية فى مصر.. وكتبت صحيفة النهار اللبنانية عن ذلك فى عددها يوم 3 أبريل 1970 تقول:إن الأهرام فى عهد هيكل يضم أصحاب الاتجاه الذى يرى أن مصر فرعونية، وأصحاب الاتجاه الذى يرى أن مصر عربية، وأصحاب الاتجاهات اليسارية على أنواعها، وبذلك خلق نوعا من الوحدة الوطنية على صعيد الكتابة.
وكان ذلك تصديقا لقوله بأنه لم يفرض رأيه على أحد من كتاب الأهرام، وإنما ترك الكل يعبر عن نفسه وينمو وفق استعداده، وأرسى بذلك قاعدة لم تكن فى أية صحيفة أخرى.. حيث كانت كل صحيفة لا تقدم سوى اتجاهٍ أو موقف واحد، ولا تسمح بنشر ما يختلف عنه.. كانت لكل صحيفة معزوفة واحدة يرددها جميع الكتاب والصحفيين فيها، ولكن الأهرام كان يعمل بفلسفة (دع مائة زهرة تتفتح).
***
اهتم هيكل اهتماما كبيرا بالمجلات المتخصصة التى تصدر عن الأهرام والتى لا تستهدف الربح، ولكن تستهدف القيام بدور فى التنوير وتقديم المعلومات الصحيحة والتحليلات العلمية للتطورات المحلية والدولية فى مختلف المجالات، فأصدر مجلة الطليعة ورئيس تحريرها لطفى الخولى لتعبر عن تيار اليسار فى مصر، ومجلة الأهرام الاقتصادى ورئيس تحريرها الدكتور بطرس غالى وكان وقتها أستاذا للعلاقات الدولية ثم عميدا لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بالإضافة إلى عمله فى الأهرام ومجلة السياسة الدولية ورئيس تحريرها الدكتور بطرس غالى.
واهتم بالفن التشكيلى، فكان الأهرام فى عهده أول مؤسسة صحفية تشترى مقتنيات فنية من رسوم وأعمال كبار الفنانين مثل سيف وأدهم وانلى، وصلاح طاهر، وغيرها كثيرا وأنفق على ذلك مليون جنيه، هى الآن ثروة فنية وتاريخية لا تقل قيمتها عن خمسين مليون جنيه.
***
قصة هيكل فى الأهرام قصة طويلة.. أثارت اهتمام المشتغلين والدارسين فى الصحافة والسياسة، وأعدت عنه 17 رسالة ماجستير ودكتوراه فى جامعات هارفارد بالولايات المتحدة والسوربون فى باريس وأكسفورد وكامبردج فى بريطانيا، والجامعات المصرية.. وزاد عدد الكتب التى صدرت عنه فى مختلف اللغات على 80 كتابا.
ومازالت حكاياته فى الأهرام طويلة.. وجميلة.
أما كتبه فهى موضوع يطول شرحه.*

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف