السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

هيكل الباحث عن المتاعب.. وتبحث عنه المتاعب!

الشائع أن حياة هيكل كانت هادئة وسهلة وجاءه النجاح والثروة على طبق من ذهب.. وهذا يخالف الواقع تماما.. فقد كانت حياته منذ البداية وحتى اليوم مليئة بالمتاعب، إن لم يبحث عنها فإنها تبحث عنه.
فى الحقيقة لم يكن هيكل باحثاً عن المتاعب إلا كصحفى يتحمل الكثير لكى يظفر بسبق صحفى، ولكن المتاعب هى التى كانت تبحث عنه، وتطارده،حتى يمكن القول بأن حياته كلها كانت سلسلة من المتاعب حتى وهو فى أوج مجده متربعا على عرش الصحافة المصرية والعربية، ومؤثرا فى الأحداث، ومشاركا- على نحو ما- فى القرار السياسى.
بدأت متاعبه من الطفولة، كان والده تاجرا، وأراد أن يلحقه بالأزهر، ولذلك أدخله فى مدرسة من مدارس التعليم الأولى التى تعد للالتحاق بالأزهر، ولم ينقذه سوى طموح أمه فانتهزت فرصة غياب أبيه واستعانت بشقيقها الذى نقله إلى المدرسة الأميرية وكان ذلك انقلابا جذريا فى حياته.. وعادت متاعبه بعد أن انتهى من دراسة التجارة المتوسطة وضغط عليه والده ليعمل معه فى التجارة، لكنه استطاع أن يفلت من الحصار وذهب يدرس الصحافة فى القسم الحر بالجامعة الأمريكية، ووجد الفرصة للالتحاق بصحيفة إجيبشيان جازيت.
فترة التكوين المهنى من سنة 1942 حتى 1944 قضاها فى جريدة (الإجيبشيان جازيت)، وقد دخلها للتدريب العملى. بينما كان يدرس الصحافة فى القسم الحر بالجامعة الأمريكية، وكان مدرس مادة الخبر الصحفى هو سكوت واطسون. وكان من كبار محررى الإجيبشيان جازيت. وكان معه ثلاثة من زملائه الدارسين فى الجامعة الأمريكية، ولم يكمل مشوار المهنة سوى يوسف صباغ الذى أصبح بعد ذلك أحد مساعدى هيكل فى الأهرام، وانتهت فترة التدريب لكن رئيس تحرير الإجيبشيان جازيت توسم فيه موهبة يمكن الاستفادة بها، فقرر تعيينه فى الصحيفة، وهكذا خطا أولى خطواته مساعد مخبر فى قسم الحوادث، وبعد أن كان يحصل على أربعة جنيهات فى الشهر أثناء فترة التدريب، أصبح مرتبه 12 جنيها، ثم زاد إلى 18 جنيها فى الشهر أوائل سنة 1945.
فى الفترة المبكرة ظهر استعداده لمواجهة المتاعب، فتطوع للذهاب إلى العلمين، مراسلا حربيا مبتدئاً، لمتابعة القتال فى العلمين أثناء الحرب العالمية الثانية.
فى هذه الفترة كان يذهب إلى مطعم (الباريزيانا) القريب من الجريدة للغداء مع فيليب حنين رئيس قسم الشئون المحلية فى الإجيبشيان جازيت، وكانت السيدة روز اليوسف الفنانة والصحفية الكبيرة تتردد على هذا المطعم، وقدمه إليها فيليب حنين، وكانت روز اليوسف معروفة بتشجيعها للصحفيين المبتدئين، فدعت هيكل إلى مائدتها، ثم دعته إلى روز اليوسف، وفى روز اليوسف كان لقاؤه الأول مع الصحافة العربية. وكان يعرف إحسان عبد القدوس منذ الطفولة عندما كانا زميلين فى مدرسة خليل أغا الابتدائية.
ثم جاءت المصادفة لتلتقى مع الموهبة.. دخل هيكل يوما إلى مكتب رئيس تحرير الإجيبشيان جازيت (هارولد إيرل) فوجد عنده محمد التابعى صاحب ورئيس تحرير آخر ساعة.. فى اليوم التالى اتصل به التابعى ودعاه إلى لقائه.. وسأله التابعى:(كيف ترى مستقبلك؟) ثم قال له:(مهما فعلت فى الجازيت فإن المستقبل محصور وضيق، فهى جريدة تصدر فى مصر بلغة أجنبية، وتوزيعها بعد الحرب سوف يتقلص، والصحفى المصرى مجاله فى الصحافة المصرية، باللغة العربية، ويكون له قراء فيها.. هذا هو المستقبل).
يروى هيكل ما دار فى هذا اللقاء ويقول:(إن التابعى بعد ذلك رفع سيجارته المنتصبة فى مبسمها الذهبى بين شفتيه، وراح ينظر إلىّ بعينيه اللتين يختلط فيهما الرمادى والأخضر والأزرق، وقد تدلت نظارته على أنفه، وامتد بصره إلىّ من فوق إطار النظارة)!
وهكذا انتقلت من الجازيت إلى آخر ساعة.
يقول هيكل : لم يكن الانتقال سهلا، ففى حين أن رئيسى الأول (هارولد إيرل) رأى أن (الجريمة) و(الحرب) هما مجال التكوين الأصلح والأمثل للصحفى، فإن رئيسى الثانى - محمد التابعى- كان يرى أن المسرح والبرلمان هما المجال الأنسب والأوفق، ولأسابيع وجدت نفسى فى كواليس مسارح القاهرة بدلا من ميادين القتال، ثم وجدت نفسى فى شرفة مجلس النواب بدلا من محافظة القاهرة التى تصب فيها أخبار كل جريمة تحدث فى مصر.
ويقول هيكل: إن متابعته الصحفية لمجلس النواب جعلته يقترب من السياسة المصرية، ويصف تجربة العمل مع التابعى بأنها كانت ممتعة وتعلم منه الكثير، وأصبح شديد الإعجاب بأسلوبه الحلو السلس، فكان يقلده، وكانت تلك الفترة-مهنيا-فترة العثور على توازن بين ثلاثة تأثيرات كانت تتجاذبه: عقلانية هارولد إيرل، ورومانسية سكوت واطسون، ثم حلاوة أسلوب التابعى. وكانت آخر ساعة فى ذلك الوقت مجلة وفدية، فوجد نفسه أقرب إلى الوفد بحكم المصادر المتاحة، ويقول: إن إحساسه الغالب أن اقترابه من الوفد كان مجرد تأثير مناخ، وليس نتيجة مؤكدة لاختيار وقرار، ولكننا سنلاحظ أن علاقاته بزعماء الوفد ظلت مستمرة، حتى بعد أن ناصبت الثورة الوفد العداء!
***
وفى 8 أكتوبر 1944 خرج الوفد من الحكم بإقالة الملك للنحاس باشا، وأصبحت آخر ساعة فى المعارضة بعد تشكيل حكومة ائتلافية من أحزاب الأقلية، برياسة أحمد ماهر رئيس حزب السعديين تحت جناح القصر.
وصدرت أخبار اليوم الأسبوعية بعد شهر واحد من إقالة النحاس، وكان صدورها، ونجاحها حدثا صحفيا وسياسيا ضخما، بسبب سلسلة المقالات المثيرة التى كان يكتبها مصطفى أمين لعدة شهور تحت عنوان (لماذا ساءت العلاقات بين القصر والوفد) وكانت مليئة بالأسرار والقصص المشوقة، كما كان على أمين قد أعد تصميما جديدا لأخبار اليوم قريباً من تصميم صفحات الصنداى اكسبريس البريطانية، كما كان تأثير هذا اللون من الصحافة البريطانية فى الشكل والمحتوى من أسرار نجاح أخبار اليوم، لأن فيها مزيجاً من التسلية والترفيه، والإعلام الدعائى كما يقول هيكل ويضيف بأن هذا الوصف لصحافة بيفر بروك مالك الديلى إكسبريس والصنداى إكسبريس، كتبه الصحفى البريطانى الكبير هارولد إيفانز رئيس تحرير التيمس الأسبق فى كتابه (أوقات طيبة.. أوقات سيئة). وفى كل الأحوال فإن أخبار اليوم كانت المدفعية الثقيلة الموجهة إلى الوفد تدك مواقعه دكا عنيفا صباح كل سبت.. وكان الوفد فى موقف لا يحسد عليه: مطرود من الحكم بالإقالة، ومحاصر تحت دك المدفعية الثقيلة بأخبار اليوم. وكان ذلك ما جعل التابعى يحاول محاولة أخيرة لتطوير آخر ساعة حتى تستطيع أن تقف إلى جانب الوفد فى وجه هذه المدفعية الثقيلة، كان التابعى أستاذا لمصطفى أمين وعلى أمين، ولم يكن سهلا عليه أن يجد صحيفتهما الأسبوعية تسبق مجلته وتفوقها بكثير من نواح عدة.
وبدأ التابعى بنفسه عملية تطوير آخر ساعة، وكان هيكل قد أصبح سكرتير التحرير، ولم تنجح تجربة التطوير، وزادت الأعباء المالية على التابعى بوصفه مالك آخر ساعة، وهكذا قبل عرض مصطفى أمين وعلى أمين على بيع آخر ساعة. وفى يوم فى بداية سنة 1946 قال التابعى لهيكل إنه قرر أن يبيع آخر ساعة، والمشترى الجديد هو أخبار اليوم.
وكانت العلاقة بين التابعى وهيكل قد أصبحت علاقة حميمة، وكان يعتبره اكتشافا قام به شخصيا، فصارحه بأنه سوف ينتقل هو نفسه إلى أخبار اليوم ليكتب مقالا أسبوعيا فيها، وأضاف: وهم يطلبونك أيضا: لقد أصروا عليك بالتحديد. وهم لا يريدون من طاقم آخر ساعة سوى أربعة بالتحديد هم: التابعى، وهيكل، وصاروخان، والدكتور سعيد عبده الطبيب الذى هوى الكتابة، وكان أحسن من كتب الزجل السياسى فى مصر فى الثلاثينات والأربعينات.
وبعد أن ذاع الخبر، عرض أميل زيدان- أحد صاحبى دار الهلال- على هيكل رئاسة تحرير مجلة (الاثنين)، وكانت مجلة سياسية تصدر وقتها عن دار الهلال، وكان مصطفى أمين رئيس تحرير لها وبلغت فى عهده أوج الانتشار، وبعد خروجه منها فى نوفمبر 1944- بعد صدور أخبار اليوم- تأثرت أحوالها.
هكذا عرض على هيكل رئاسة تحرير مجلة سياسية من مجلات الدرجة الأولى وهو لم يتجاوز الثالثة والعشرين، ولكنه عندما صارح التابعى باتجاهه لقبول هذا العرض قال له التابعى: (راجع نفسك.. إن مجالك سوف يكون أوسع فى أخبار اليوم، ثم أضاف بصوت مشحون بالتأثر والكبرياء أنه لا يريده أن يتركه وحده، خصوصا وأنهم متمسكون به) وفى هذه اللحظة دخل على أمين، ولم يكن هيكل قد لقيه من قبل، واقبل عليه على أمين فاتحا ذراعيه يقبله ويقول له إنه يهنئه بانضمامه إلى أخبار اليوم، ويهنئ أخبار اليوم بانضمامه إليها.. وأضاف أنه كان يتابع عمله، وكان يتمنى أن يعمل معه فى أخبار اليوم ولكنه لم يشأ أن يحرم التابعى من جهوده، إلى أن أتاحت الظروف كل الفرص مرة واحدة. وحين أخبره التابعى بعرض دار الهلال، هز على رأسه بشدة وقال: مكانه الحقيقى معنا فى أخبار اليوم.
هكذا وجد هيكل نفسه محررا فى أخبار اليوم، وسكرتير تحرير آخر ساعة فى نفس الوقت، وكانت آخر ساعة تشغل دورا على السطح فى عمارة تملكها إحدى شركات التأمين فى شارع قصر العينى.
يقول: بالطبع كانت هناك فترة ملاءمة، وأكاد أقول فترة احتكاك، لكنها مرت، وكان صاحب الفضل الأكبر فى اندماجى فى الجو العام فى أخبار اليوم كامل الشناوى وكنت أعرفه من قبل واستهوتنى شخصيته، شاعراً وكاتباً، محدثاً وراوية، فناناً قلب نواميس الكون، فهو ينام بالنهار ويستيقظ بالليل، وله مغامرات وحكايات لا أول لها ولا آخر، وكان هيكل يتهم كامل الشناوى بأنه بوهيمى، بينما كان كامل الشناى يعيب على هيكل شخصيته الملتزمة بالنظام، كان هيكل يرى أن كامل الشناوى يهدر ثلاثة أرباع وقته، بينما كان كامل الشناوى يرى أن الحياة أجمل من أن تضيع فى العمل.. وكان لكامل الشناوى حكاية حب كل ليلة، وكلها غراميات يائسة تلهمه قصائد حلوة.. وكان مكتبه ملتقى الجميع.
ويصف هيكل على أمين فيقول: إنه كان كتلة متحركة من الحيوية، وكان مع حجمه الضخم يحتفظ بقلب طفل وطيبته، وأحيانا كانت تعتريه حماقة الطفل واندفاعه التلقائى، لكن سرعان ما يعود بمزاج صاف وروح أليفة، وكان على أمين هو (الموتور) الذى يجرى فيه الاحتراق الداخلى يولد الطاقة والحركة، ومصطفى أمين هو السائق الجالس على عجلة القيادة، ويقول هيكل عن مصطفى أمين إنه بدا له شديد الذكاء، شديد النشاط، مع بعض المبالغة فى الحركة، لطيف المعشر حين يريد، لكنه ليس مثل توأمه كتابا مفتوحا، وهذا شأن مخبر صحفى كبير له اتصالاته الواسعة ومصادره المتشعبة وحساباته المعقدة. وفى الشهور الأولى وقعت احتكاكات سريعة بين هيكل ومصطفى أمين، ولكن العمل المشترك والصحبة الدائمة أزاحا كل شىء جانبا.
وفى الفترة الأولى ظهر الاختلاف فى الاتجاه السياسى بين هيكل ومصطفى أمين، وقرر هيكل تغيير اتجاهه من التغطية الإخبارية المحلية إلى التحقيق الصحفى. وكان وباء الكوليرا قد انتشر فى مصر، فذهب مع محمد يوسف كبير مصورى أخبار اليوم إلى منطقة ظهور الوباء فى محافظة الشرقية، وأثناء وجوده فيها تقرر إغلاق محافظة الشرقية، وحظر الدخول إليها والخروج منها، وظل يكتب رسائل إلى أخبار اليوم تنقل صورة إنسانية شاملة للحياة فى ظلال الموت.. ولفتت هذه التحقيقات الأنظار إليه، وفاز بها بجائزة فؤاد الأول للصحافة العربية.
***
بعدها أقنع على أمين بإعطائه الفرصة للسفر لكتابة تحقيقات فى الخارج، وتحمس على أمين للفكرة، وكانت هذه أول مرة فى الصحافة العربية يظهر مراسل حربى فى مناطق الخطر.. وهكذا ذهب هيكل يبحث عن المتاعب فى مناطق الصراع فى الشرق الأوسط وحوله، من الحرب الأهلية فى اليونان، إلى حرب فلسطين من أولها إلى آخرها، إلى سلسلة الانقلابات العسكرية فى سوريا، إلى عمليات الاغتيال فى المنطقة مثل اغتيال الملك عبد الله فى القدس، واغتيال رياض الصلح فى عمان، وقتل حسنى الزعيم فى دمشق، ثم ثورة مصدق فى إيران، ثم ذهب بحثا عن المتاعب وراء المشاكل الملتهبة فى قلب أفريقيا، ثم حرب كوريا، وحرب الهند الصينية الأولى..
وبعد خمس سنوات من التجوال استقر به المقام فى القاهرة.
كان قد حصل على جائزة فاروق الأول للصحافة ثلاث مرات وقرر بعدها ألا يتقدم إلى هذه الجائزة ويتركها لغيره.
وأصبح هيكل صحفيا مشهورا.. وعلى معرفة بأحوال المنطقة ومعرفة شخصية بكل ساستها وحكامها، وأيضا على صلة بالصحفيين من جيله فى دول العالم الذين جمعته بهم ميادين القتال ومواقع الأحداث، وكان ذلك كافيا لكى تزداد حوله المتاعب.
***
وتفتحت أبواب السياسة المصرية أمامه قبل الثورة، وفى ذلك الوقت كان باشوات مصر قد تعودوا على مجموعات من الصحفيين يقفون على أبواب الوزارات يسألون الداخلين والخارجين عن الأخبار، يقول هيكل: كان من حسن حظى أننى لم أقف على باب أحد، ولم أسأل أحدا فى شىء أثناء مروره فى ردهة أو نزوله على سلم، وقد سبب ذلك لى حساسيات مع البعض، ومع الأسف لم أستطع إقناعهم أن الحياة مع الخطر هى التى فتحت لى الأبواب، أعفتنى من الوقوف على الأعتاب.
ومثال ذلك أنه عندما عاد من فلسطين لأول مرة بعد أن كتب سلسلة تحقيقات بعنوان (النار فوق الأرض المقدسة) تلقى دعوة من رئيس الوزراء فى ذلك الوقت محمود فهمى النقراشى ليسأله عما رأى ويدقق فى السؤال، ولم تكن مصر قد قررت دخول الحرب.
وأصبح هيكل نجما.
أصبح رئيسا لتحرير آخر ساعة ومساعدا لرئيس تحرير أخبار اليوم فى نفس الوقت، وكان التابعى سعيدا بذلك، ودعاه هو وعلى أمين ومصطفى أمين للعشاء فى بيته ومعهم أم كلثوم، وكل ذلك قبل قيام الثورة وظهور عبد الناصر.
***
ووجد نفسه مضطرا للذهاب إلى منطقة القناة بحثا عن المتاعب، بعد أن اشتدت المقاومة الشعبية ضد الاحتلال البريطانى، بعد أن ألغى النحاس معاهدة 1936 ، وصباح يوم 26 يناير 1952 اتصل به أحمد حسين زعيم الحزب الاشتراكى- مصر الفتاة سابقا- يسأله: ماذا تفعل فى مكتبك والشارع المصرى يفور ويغلى؟ ونزل ليتابع حريق القاهرة، والتقى فى هذا اليوم بالبكباشى جمال عبد الناصر الذى كان قد قابله أول مرة فى عراق المنشية أيام حرب فلسطين، وزاره فى مكتبه بعد ذلك أكثر من مرة.. مرة جاء يسأله عن الانقلابات السورية، وما الذى يجرى فيها، ومرة ليطلب منه نسخة من كتابه عن أزمة تأميم البترول فى إيران بعنوان (إيران فوق بركان).. وكان عبد الناصر قد نزل مع غيره من الضباط إلى شوارع القاهرة بعد أن عجز البوليس عن السيطرة على الموقف وتقرر نزول الجيش.
***
وكان أقرب الأصدقاء إلى هيكل هو نجيب الهلالى، وكان متحمسا لشعاره (التطهير والتحرير) كمحاولة أخيرة قبل أن يجىء الطوفان! وحين كلف نجيب الهلالى بتشكيل الوزارة فى مارس 1952 سأل هيكل فيمن يصلحون معه لتولى المناصب الوزارية، وكان ذلك فى حضور الدكتور محمود محفوظ زوج ابنة نجيب الهلالى.. يقول هيكل: وكانت هذه أول مرة أجد نفسى فيها وسط لعبة السياسة العليا فى مصر، ورشحت له فيمن رشحت اللواء محمد نجيب وزيرا للحربية، وذهب نجيب الهلالى لمقابلة الملك فاروق، وعاد إلى مكتبه وكان هيكل فى انتظاره مع الدكتور محمود محفوظ، وفريد زعلوك، وقال له: إن مرشحك لوزارة الحربية لم يلق قبولا من الملك الذى سألنى: هل تعرفه؟ فقلت: لا، وسألنى: هل تضمنه؟ واحترت.. فقال لى: إذن ابحث عن غيره.
فى ذلك الوقت كانت أخبار اليوم محور حياته، وتحولت العلاقة التى تربطه بأصحابها إلى ما يشبه علاقة الأخوة، خصوصا بالنسبة لعلى أمين، فكان هيكل شاهد زواجه الأول، كما كان على أمين شاهد زواج هيكل بعد ذلك سنة 1955 بعد أن ترك هيكل أخبار اليوم وأصبح رئيس تحرير الأهرام.. وعندما سافر مصطفى أمين وعلى أمين إلى أمريكا معا على طائرة واحدة كتبا إقرارا ووصية، وعهدا إلى هيكل بأن يفتحهما وقت اللزوم ويكون مسئولا عن تنفيذهما، واحتفظ هيكل بالإقرار والوصية حتى اليوم. وكان نص الإقرار كما يلى:
(فى حالة وفاة على أمين ومصطفى أمين صاحبى دار أخبار اليوم وجميع صحفها وشركة التوزيع الخاصة بها يتألف مجلس إدارة لإدارة الدار من محمد التابعى، وأحمد عنان، وأم كلثوم، وكامل الشناوى، ومحمد حسنين هيكل، وجلال الدين الحمامصى، وزكى عبد القادر، وعبد العزيز عبد العليم، وحسين فريد، وحافظ جلال، ولهم وحدهم حق إدارة الدار ورسم سياستها وتعيين محرريها وعمالها وتحديد أجورهم ووضع سياسة المستقبل، وتخصص جميع أرباح الدار لإنشاءات فى الدار نفسها أو مشروعات صحفية فيها، ولرفع مستوى العمال والمحريين فى الدار، وتحسين الصحف، ويعتبر هذا إقراراً منا لمجلس الإدارة المذكور بانتقال الملكية إليه فى حالة الوفاة، ولا حق لأحد من الورثة أو غيرهم فى التدخل أو ادعاء الملكية أو التصرف، وهذا الإقرار هو هبة منا فى حالة وفاتنا، ونشهد الله على هذا الإقرار والله على ما نقول شهيد. 31 ديسمبر 1953- الإمضاء: مصطفى أمين على أمين).
وكان نص الوصية كما يلى قد كتبها مصطفى أمين بخطه:
(فى حالة عدم قبول الإقرار الأول الذى وقعناه، وصية، فى حالة وفاة مصطفى أمين وعلى أمين معا نوصى بثلث ما نملك من مال وعقار ودور ومطابع وصحف إلى عمال وموظفى الدار الحاليين ممثلين فى مجلس إدارة مكون من: محمد التابعى، وأحمد عنان، وأم كلثوم، وكامل الشناوى، ومحمد حسنين هيكل، وجلال الدين الحمامصى، وزكى عبد القادر، وعبد العزيز عبد العليم، وحافظ جلال، وحسين فريد، على أن تخصص جميع الأرباح لإنشاءات فى الدار نفسها ومشروعات صحفية ولرفع مستوى العمال والمحررين فى الدار.
وهذا إقرار منا بذلك، والله على ما نقول شهيد. وكل ما نريده أن تلتزم صحف الدار الخطة السياسية والتقاليد التى سارت عليها منذ إنشائها-31 ديسمبر 1953- إمضاء: مصطفى أمين، على أمين).
***
وكانت الشهور الأولى من سنة 1952 فترة جيشان هائل تشير إلى أن عصرا يعيش آخر أيامه.
الرصاص يدوى فى منطقة القناة، ووصل إلى حد قيام الجيش الإنجليزى بمذبحة لقوات البوليس المصرى الذى قاوم ببسالة. والقاهرة تحترق. والجماهير حائرة أينما التفتت وجدت فسادا، والملك مشغول بميلاد ولى العهد، والأحزاب لم تعد تمثل شيئا أو تعبر عن شىء، والجيش فى حالة قلق انعكس فى انتخابات مجلس إدارة نادى الضباط، والوزارات تشكل وتسقط بغير سبب ظاهر، ففى 6 شهور فقط شهدت مصر وزارة النحاس تقال، ووزارة على ماهر بعدها ترغم على الاستقالة، ووزارة نجيب الهلالى الأولى تستقيل، ووزارة حسين سرى بعدها، ثم وزارة خامسة برياسة نجيب الهلالى، وزارة جديدة كل شهر تقريبا!
كان كل شىء يشير إلى أن الثورة على وشك القيام.
***
أسرار هيكل كثيرة، وما نعرفه منها ليس سوى قمة جبل الجليد العائم، ما يختفى منه فى الأعماق أضعاف أضعاف ما يظهر منها للعيون.
من هذه الأسرار- مثلا- ما ذكره فى حوار مع عادل حموده عن لقائه مع حسن البنا مؤسس (الإخوان المسلمون) وقال إن حسن البنا جاءه فى مكتبه فى أخبار اليوم فى سنة 1946، وكان ينتظر عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية كى يعطيه أحد بيانات الجماعة، وأن حسن البنا عرض عليه بعد ذلك أن يكون سكرتير تحرير جريدة (الإخوان المسلمون) ولكنه اعتذر، فعهدوا بهذا العمل إلى عبد الحليم الغمراوى وكان محررا فى الأهرام، وقال الغمراوى لحسن البنا إن الجريدة بحاجة إلى شبان، فرشحوا هيكل، وذهب إلى حسن البنا فى مقره العام بالحلمية، بعد صلاة الجمعة، ويقول: دخلت المسجد، فى وقت كان حسن البنا يخطب فيه خطبته الشهيرة التى وصف فيها الإخوان برهبان الليل وفرسان النهار، وبعد أن انتهى فتحنا موضوع الجريدة، وأتذكر أننى سألته سؤالا مهنيا عن قارئ الجريدة: من يكون؟ وكيف تصل إليه؟ فقال: إذا كنت تسأل عن التوزيع فلا تقلق من هذه الناحية، أنا كنت أتحدث عن محتوى الجريدة ونوعية قارئها، وهو سؤال سهل وصعب فى وقت واحد، ولكنه قال إن مصر بها أربعة آلاف قرية، كل قرية منها بها مكتب دعوة من اثنى عشر فردا، ولو اشترى الجريدة هؤلاء فقط لكان التوزيع 48 ألفا قبل النزول إلى الباعة. لذلك قلت له إن هذا غير ممكن، وأضفت: أننى أخشى أن أقول إن فى دعاوى الوطنية ودعاوى الدين والدعاوى الكبرى لابد أن نفرق بينها وبين سلع تباع، لأن القارئ عندما يدفع قرشا فى صحيفة فهو يختار ما يرضى مزاجه، فلا تقيده بما تتحدث عنه، ابعد عنه موضوعات الدعوة، والوطنية، ودعه يختار السلعة التى يعتقد أنها أنفع له، ويقول: وكان من المتوقع أن نختلف، وهو ما حدث، ثم بعد ذلك سافرت حتى لا يتكرر العرض.
وبعد سنوات جاءته المتاعب من الإخوان المسلمين.
يقول: فى سنة 1965 جاءت أزمة جديدة فجّرها سيد قطب، وأنا مستعد أن أحترم رؤية سيد قطب، لكنه فى النهاية كان مجرد رد فعل وليس فاعلا، فقد تأثر بأفكار أبى الأعلى المودودى القادمة من باكستان، وأنصار سيد قطب لا يخفون ذلك، وهى أفكار أعتقد أنها غير قابلة لأن تعيش فى مصر، فهى أفكار مناسبة لأقلية مسلمة تعيش فى محيط من الأغلبية الهندوكية، فهى تعبير عن احتجاج انسلاخى كامل من جو يمتلئ بالتعصب والفتنة، وهو جو لا وجود له فى العالم العربى.
وأحاطت هيكل المتاعب فى حياة عبد الناصر بسبب إصراره على عدم دخول الاتحاد الاشتراكى، واختلافه مع قياداته التى كانت قد تحولت إلى مراكز قوى، وازداد ضغط المتاعب بسبب رفضه الانضمام إلى التنظيم الخاص الذى كان يضم قيادات المؤسسات الصحفية مع قيادات العمل السياسى والتنفيذى والقضائى، وكان هو الوحيد الذى رفض الانضمام إليه، ولــم يغضـب منــه عبد الناصر، لكن الجميع غضبوا، وظلوا ينتظرون الفرصة لينالوا من هذا المتمرد، أو المتعالى، أو الذى يعمل فى قلب النظام ومع قمة النظام ويصمم- مع ذلك- على أن يكون مستقلا، وأن يوجه النقد- علنا فى مقالات منشورة- لأداء الاتحاد الاشتراكى وقياداته.!
وأحاطت به المتاعب بعد رحيل عبد الناصر، حيث تصور خصومه والمتربصون به أن الفرصة قد سنحت لهم لتصفية الحسابات، وإفراغ ما فى نفوسهم من حقد عليه، وعلى المستوى السياسى هوجم هيكل بصورة جعلت الهجوم يتحول إلى حرب عليه شخصيا، وتولى قيادة هذه الحرب الرئيس السادات بنفسه، فقد أحدث خروجه من الأهرام دويا ترددت أصداؤه فى الصحافة العالمية وانعكست على القيادة السياسية فى مصر، وكتبت مقالات كثيرة فى أكبر الصحف البريطانية والأمريكية تقول إن السادات يستطيع أن يحكم بدون هيكل، ولكنه كان يستطيع أن يحكم بصورة أفضل ومعه هيكل.
وازدادت المتاعب بازدياد الهجوم على عبد الناصر وعصره ومحاولات تشويه إنجازاته ورجاله وأولهم بالطبع محمد حسنين هيكل الذى كان فى نظر الرأى العام الوجه الآخر للعملة من شدة ارتباط اسمه باسم عبد الناصر. وهو يقول عن تلك الفترة: بعد حرب أكتوبر كانت التوجهات والاختيارات- والتى لا أناقش صحتها- من شأنها أن تحدث تناقضا بين حاضر المجتمع وماضيه، ولم يكن تناقضا بالدرس والتحليل وإعادة الفحص، إنما كان تناقضا بالحملات والتشهير، كان من الممكن أن نقول إن مصر- الثورة- أنجزت مرحلتها، ونحن نريد أن نستبدلها بشىء آخر، لكننا قلنا إن الأمس كان إجراميا، مع أن جزءا من الذين قالوا ذلك كانوا شركاء فى الماضى، لقد زرعوا فى الناس عقدة الذنب، وحاسبوهم على ما لم يرتكبوه، وبعد هذه الاختيارات أصبحنا مجتمعا بتروليا دون أن يكون لدينا بترول.. مستوى الأسعار والتطلعات، ومستوى الفوارق بين الطبقات، ومجتمع البترول هو المجتمع الذى اختار قبل غيره أن يظهر على الناس بعباءة الإسلام.. هذه الحيرة.. وهذا التناقض هو الذى أخرج إلينا أجيال الاحتجاج..
***
وأحاطت به المتاعب عندما قال إن الحياة بالنسبة لأى مجتمع مستمرة، ولكن كل جيل يعيد تفسير مهامه على ضوء المتغيرات التى حدثت فى العالم، فلا أقول اليوم قومية عربية أو وحدة عربية، لأنى لو قلت ذلك أكون حالما، لكن بالرغم من ذلك القومية العربية موجودة، والأسباب الداعية إليها مستمرة، ولكن علينا أن نعيد تفسيرها على ضوء احتياجات العصر. ولابد أن نجد توصيفا للدور الإقليمى. الهدف هو نفس الهدف، مع إعادة ترجمته بما يلائم الظروف.
وعندما تحدث عن مشروع التنمية وقال إن هناك أشياء تتم لا بأس بها وأشياء غير مفهومة، وهناك مصالح تتحرك، هناك تخبط بين التمسك بالقطاع العام وبيعه.. العالم يتحدث عن التنسيق والتكامل بين دور ضرورى للدولة ودور ممكن وضرورى للقطاع الخاص.. الصين ظلت تنمو بمعدل 12% ولم ترتكب الحماقة التى حدثت فى الاتحاد السوفيتى.. كارثة الاتحاد السوفيتى الكبرى حدثت عندما عجز عن الدخول فى الثورة الصناعية الثالثة.. أما نحن فقد كنا على خلاف مع التجربة السوفيتية فى كل شىء.. هم بدأوا بالصناعات الثقيلة، ونحن بدأنا بالصناعات الاستهلاكية، وعندما تحولنا إلى الصناعات الثقيلة لم يحدث نقص فى السلع الاستهلاكية كما حدث فى الاتحاد السوفيتى.. ولم يحدث إطلاقا أن ألغيت الملكية الفردية فى مصر، حتى فى عز الحديث عن الاشتراكية كان نصف الاقتصاد: الزراعة، ومعظم التجارة الداخلية، ونصف الصناعة تقريبا، قطاعا خاصا.. وهل يعقل أن يكون برنامجنا الاقتصادى مستوردا من صندوق النقد الدولى.. كان علينا أن نسأل: هل هو مناسب أو لا؟ ومع ذلك، أنا أقبل أن يكون الصندوق أمامى، ولكن لا يكون كل برنامجى، هذا مع العلم أننى لا أرى سببا فى أخذ برنامج الصندوق ببساطة، لأننا بين دول العالم الثالث الأحسن حظا فى التدفقات المالية التى جاءت إلينا، وكان لابد أن يكون ذلك قاعدة الانطلاق، ولدينا الوسائل التى تسمح بذلك.. وهذا القطاع العام الذى لدينا ليس خاسرا.. إنه يكلف بأعمال لا تتيح له الربح أحيانا، لكن فى الواقع اقتصادياته معقولة، وقدراته هائلة.. لنقل إن 10% غير جيد.. لكن الباقى جاد والدليل على ذلك أن أكبر بيوت الأموال فى الاستثمار المالى، وليس الصناعى، تأتى إلى مصر لتقتنص فرصة الانقضاض عليه، إنهم يعتقدون بوجود فرصة هائلة للشراء.. وهم لن يمكثوا طويلا.. سيدخلون إلى سوق إمكاناتها ضعيفة ليشتروا، وعند ارتفاع أثمان الأصول بعد فترة سيقومون بالبيع، ثم يقومون بتصفية مكاتبهم، ويذهبون، إنه ليس استثمارا.
***
أسرار هيكل الكثيرة عبارة عن وثائق، وخطابات لها قيمة سياسية وتاريخية، ومحاضر اجتماعات ومباحثات مهمة، ويوميات حرص على كتابتها، بل حرص على أن يكتب ملخصا لكل لقاء وكل مكالمة تليفونية مع عبد الناصر مع تسجيل اليوم والساعة التى تمت فيها، وكذلك الحال فى لقاءاته مع كل الزعماء الذين قابلهم. أين هذه الوثائق؟ ومتى ينشر مذكراته؟.
وقد سألته: متى ستنشر مذكراتك؟. وكان ذلك فى مقابلة معه فى نوفمبر 1987 فقال لى: إن أوراقى جاهزة، وكتابتها لن تستغرق وقتا طويلا، فهى مرتبة ومنظمة، ويمكن لأولادى أن ينشروها كما هى، وإن كنت أفكر فى مشكلة وهى : كيف أتعرض بالحقيقة لأشخـــاص مازالــوا أحيـاء ، والأمـانة تقتضى أن أقول الحق ولا شىء غير الحق، وهكذا أفعل دائما وألزم نفسى به.
وما دام الحديث عن المذكرات والوثائق، فقد فاجأنا هيكل فى مقال فى الأهرام فى أول أكتوبر 2003 بأن العملية الجراحية التى أجريت له فى أمريكا فى نوفمبر 1999 كانت لاستئصال جزء من الكلية تبين إصابته بالسرطان، وكانت المفاجأة الثانية بأنه فى أواخر 2000 عندما غاب عن مصر، وذهب إلى أمريكا مرة أخرى للعلاج بالإشعاع وبقى هناك قرابة شهرين، وبعد عودته لاحظ اختفاء بعض من أوراقه ومحفوظاته فى مصر، وكان من بين ما اختفى عشرات من كتبه، ويقول: كان فى استطاعتى أن أفهم لماذا تمتد يد إلى الأوراق والملفات إلا أن اختفاء الكتب حيرنى، وأزعجنى الموضوع فى مجمله، ومع أنه لم يكن فى هذه الأوراق والمحفوظات والكتب شىء فريد أو خطير، فإن ما حدث كان غليظا، ودعوت اثنين من خبراء الأمن المصريين.. رجوتهما بحث الأمر، ثم جلست أستمع ساعتين ونصف الساعة، وخلصت إلى أن الخيارات أمامى محدودة، لأن الواقعة، كما هو ظاهر، ليست جنائية، إنما شىء آخر لا يجدى معه ضيق الصدر، أو نفاد الصبر، ثم إن مجال الظنون فيه أوسع، خصوصا والتجربة السياسية التى عشتها لا تزال تهم كثيرين فى العالم الخارجى، كما فى الإقليم.. أو ربما؟
ولم تكن هذه وحدها، فهو يقول فى نفس المقال إنه بعد أحاديثه فى قناة (دريم) فإن الاعتراض على الحوار كان واردا فى المناخ السائد، وبالتالى فإنه عندما وقع لم يكن صاعقة منقضة، لكن الأسلوب الذى تم به الاعتراض بدا داعيا للاستغراب، فيما يعنيه ويدل عليه، وكان أسفى أننى لم أدفع ضريبة ما قلت بما يحتمله من صواب أو خطأ، إنما دفع غيرى وجاء الدفع فى موضع الوجع (ومرة أخرى لا أزيد).
***
وكان باحثا عن المتاعب بقدر ما كانت المتاعب تبحث عنه فى الفترة ما بين 5 أكتوبر 1973 وحتى أول فبراير 1974، أى قبل بدء عمليات حرب أكتوبر بيوم واحد وانتهت بعد إتمام الاتفاق المبدئى على فك الارتباط الأول بأسبوع-مسافة أربعة شهور-كما يقول-كانت حاسمة وفاصلة فى تاريخها، وفى هذه الفترة كتب سلسلة مقالات جمعها بعد ذلك فى كتابه (عند مفترق الطرق) وقال فى مقدمته: قبل كتابة ونشر هذه الأحاديث كنت قريبا من قمة السلطة فى مصر، وبعد كتابتها أصبحت مبعدا، ومقصيا، ورضيت، وقبل كتابة ونشر هذه المجموعة من الأحاديث.. كنت أعيش وأكتب فى مصر، وبعد كتابتها ونشرها أصبحت أعيش فى مصر وأكتب خارجها، وقبلت، وأثناء الكتابة والنشر تلقيت النصيحة تلو النصيحة بأن أتوقف (وإلا) ولم أكن على استعداد لتحمل مسئولية أن أتوقف، ولكنى كنت على استعداد لتحمل مسئولية (وإلا) وتحملتها عن طيب خاطر.. بل لعلى لا أتجاوز إذا قلت إننى تحملتها بشىء كبير من الرضا الداخلى والسلام مع النفس، وكنت مقتنعا بأن كل مشتغل بالشئون العامة تواجهه فى حياته لحظة يتحتم عليه فيها أن يقف-دون تردد أو تلعثم-ليجعل صوته مسموعا ومفهوما، ثم ليكون بعدها ما يكون.
ويقول: كان الرئيس السادات يراهن فى الضغط علىّ بأوراق ثلاث ظنها رابحة:
* الورقة الأولى أننى لن أطيق البعاد عن لعبة السياسة العليا فى مصر، وقد كانت أصابعى فيها لأكثر من عشرين عاما، والقرب من لعبة السياسة العليا فى أى بلد فى العالم حالة يمكن أن تكون لها قوة الإدمان.
* والورقة الثانية أننى لن أقدر على الفراق عن الأهرام بعد أن وضعت فيه من سنوات عمرى ما وضعت، أكثر من ثمانية عشر عاما هى الشباب كله، وما بعد الشباب!
* والورقة الثالثة هى أننى لن أجد ما أعمله إذا ابتعدت، فالمهنة التى اخترتها لنفسى- الصحافة- أصبحت فى مصر ملكا خالصا لسلطة الدولة، فإذا خرجت من أحد الأبواب فقد خرجت من كل الأبواب.
وأشهد لأنور السادات أنه حاول أن يترك الباب نصف مفتوح بعد الخروج، فكان قراره الأول المنشور فى كل الصحف صباح يوم 2 فبراير 1974 أن انتقل من الأهرام إلى قصر عابدين مستشارا لرئيس الجمهورية، ولم أضع قدمىّ فى قصر عابدين، ولخصت موقفى فى تصريح نشرته صحيفة الصنداى تيمس فى عددها الصادر يوم 9 فبراير 1974، وقلت:إننى استعملت حقى فى التعبير عن رأيى والرئيس السادات استعمل سلطته.. وسلطة الرئيس قد تخول له أن يقول لى: أترك الأهرام، ولكن هذه السلطة لا تخول له أن يحدد لى أين أذهب بعد ذلك، القرار الأول يملكه وحده.. والقرار الثانى أملكه وحدى!
وخرجت، ولم أعد بعدها.. ولا أظننى أريد أن أعود!
لم أعد-ولا أظننى أريد أن أعود-إلى لعبة السياسة العليا.
ولم أعد-ولا أظننى أريد أن أعود- إلى الصحافة، بما فيها الأهرام، رغم أن الرئيس-بعد عروض أخرى بمناصب أكبر فى الدولة، بينها منصب مستشاره للأمن القومى (كيسنجر بتاعى) على حد تعبيره بالنص-أو منصب نائب رئيس الوزراء-عاد فقال لى فى ربيع سنة 1975 إننى أستطيع أن أعود إلى الصحافة إذا أحببت وفى أى مكان أريده، على شرط واحد، وهو أن (ألتزم)!
وكان ردى عليه يومها-نقلا عن دفتر مذكراتى لتلك الفترة:
سيادة الرئيس: إننى لا أعرف بالضبط ما هو بالضبط ما تطلب منى أن ألتزم به، ولا أتصور أنه فى مقدور أحد أن يلتزم خارج قناعاته، ولقد كتبت ما كنت مقتنعا به، وما اعتبرته جوهر التزامى، ولكنك غضبت، ثم إننى لا أظنك ترضى لى-وأنا بالقطع لا أرضى لنفسى- أن أخرج بقرار ثم أعود بقرار.. قد أخرج بقرار،ولكنى أظل صحفيا بالمعنى الذى أفهمه، ولكنى إذا عدت بقرار فلن أعود صحفيا بالمعنى الذى أفهمه.. إننى لست من الذين يستشهدون بكارل ماركس ويعتبرون أقواله إنجيلا مصدقا، ومع ذلك فإننى من المعجبين بقول مأثور له مؤداه: إن التاريخ لا يكرر نفسه، وإذا فعل فإن المرة الأولى تكون دراما مؤثرة، وأما المرة الثانية فإنها تصبح ملهاة مضحكة.. وأنا لا أريد أن أعود إلى الصحافة ظلا باهتا لما كنته ذات يوم.. ذات يوم كنت فى الأهرام، وكنت أفكر،وأكتب، وأقرر، وأتحرك، دون أن التفت خلفى.. سوف أجدنى مترددا فيما أفكر واكتب، وسوف أجدنى مهموما بما وراء ظهرى أتلفت إليه محاولا تأمين نفسى مما عساه يصل إليك عما أقول أو أفعل، وذلك شىء لا أريده، كما أنى لست فى حاجة إليه.
***
هذه كلمات هيكل عن ذروة المتاعب التى سعى إليها وسعت إليه.. ولكنها لم تكن الوحيدة.. سبقها الكثير.. ولحقها الكثير.
وهو يقول إن أسبابا للخلاف وقعت بين الرئيس السادات وبينه قبل حرب أكتوبر..اختلفنا سنة 1971 فيما كان يقوله عن (سنة الحسم) وكتبت ونشرت آرائى دون إلحاح..واختلفنا سنة 1972 فى الطريقة التى أخرج بها السوفيت من مصر، وفى الطريقة التى عالج بها مشكلة ما أسماه (الفتنة الطائفية) وحاولت معه بقدر ما استطعت.. واختلفنا سنة 1973 فى مواجهات اندفع إليها دون مبرر-من وجهة نظرى-مع شباب الجامعات، ألقى بهم فى السجون، وقدمهم للمحاكمات، ومع جماعات من المثقفين والصحفيين نقلهم بجرة قلم إلى مصلحة الاستعلامات، والتزمت بموقفى، وإن حاولت جاهدا أن أتفادى ما يقترب من حد الاستفزاز.. وقد غضب عدة مرات وثار،واتهمنى بأننى أريد أن أفرض عليه آرائى، وأننى أتجاوز الخط الفاصل بين دور الصحفى ومسئولية الحاكم، وردد بعض ذلك فى خطب علنية، وحاولت مخلصا أن أشرح له موقفى.. وكان رأيى أن حرية الصحافة بالمعنى الحقيقى هى حرية مناقشة صنع القرار، والعوامل المؤثرة عليه، والمناخ المحيط به، والنتائج التى يمكن أن تترتب بعدها.. ولم يكن ذلك رأيه فى حرية الصحافة.. كان القرار فى رأيه مسئولية الحاكم وحده، وكنت مستعدا أن أوافقه على ذلك عن معرفة بظروف العالم الثالث، ولكن مسئولية إصدار القرار شىء، وحق مناقشة هذا القرار، وتقييمه، وما يتصل به من مقدمات ونتائج شىء آخر.. ولم يكن على استعداد لأن يقتنع، ومن جانبى كنت حريصا على ألا تصل الأمور إلى صدام.
***
لكن الصدام وقع.
وحدث ما لم يكن يتوقعه أحد.
خرج هيكل من الأهرام.
ومنع من السفر.
وأ حيل للتحقيق أمام المدعى الاشتراكى تمهيدا لمحاكمته على آرائه.
ثم دخل السجن فى ملحق مزرعة طرة مع أكثر من 500 شخصية سياسية وصحفية وأساتذة جامعات فى حركة اعتقالات سبتمبر 1981، وهى الفترة التى أطلق عليها (خريف الغضب)!
وكانت الأزمة التى واجهها هيكل بعد نشر كتابه (خريف الغضب) الذى كتبه بالإنجليزية وصدر فى لندن وترجم إلى كل اللغات ونشرت الطبعة العربية فى بيروت، واشتد عليه الهجوم من كل اتجاه.. حتى من تلاميذه وأصدقائه الذين كانوا أقرب الناس إليه، ولم يجد السلوى إلا فى خطاب مفتوح كتبه توفيق الحكيم بعنوان (من توفيق الحكيم إلى هيكل) وأرسله إلى الأهرام لنشره فرفض الأهرام نشره، فأرسله توفيق الحكيم إلى صحيفة الأهالى فنشر على صفحاتها، وكان نص الرسالة كما يلى:
أنا معتقد أنك متأكد من عدم موافقتى على كتاباتك السياسية، لأنك تتذكر ما كان يقوم بيننا من خلاف عندما كنا نجتمع فى جلسات مجلس الإدارة بالإهرام، حيث كنت أوجه إليك الهجوم العنيف، ثم تنتهى الجلسة فإذا بذراعى فى ذراعك، ونذهب لتناول الطعام معا، ونحن نبتسم ونضحك.. ذلك أن علاقتنا تقوم على أمرين: الثوابت والمتغيرات، أما الثوابت فهى المحبة والمودة، وأما المتغيرات فهى الآراء من سياسة وغيرها، ولا نخلط أحدهما بالآخر، وإننى أكتب اليوم كى أهدئ من أعصابك بدافع هذه المودة والمحبة، وأنا بالذات لسبب واحد هو: أن حالتى تشبه حالتك، فأنت كتبت كتابا هو (خريف الغضب) اعتبر هجوما ضد السادات بعد موته، وأنا كتبت كتابا هو (عودة الوعى) اعتبر هجوما على عبد الناصر بعد موته.. وقد يفسر الغضب عندك بأنه وضعك فى السجن، أما أنا فلم يضعنى عبد الناصر فى السجن.. فلم يبق أمام العالم العربى إلا التفسير الواحد: (عدم الوفاء) وربما (النفاق) لعهد آخر.. واليوم أيضا تقوم ضدى القيامة لكتابة أخرى: قيل إنها ضد الله تعالى.. فأنا الآن فى وحدتى التى تعرفها، لا زوجة ولا ولد، أعيش مع الله وأناجيه فقالوا: إن هذه المناجاة ضلال وإخلال وطردونى من جنة الله وانهالت علىّ خطابات الغوغاء وحتى بعض العقلاء تترحم على عقلى الذى ذهب، والتخريف الذى جاء مع الشيخوخة.. كل الذى يهمنى بالنسبة لك ولى هو عدم احترام (الرأى الحر).. فاكتب رأيك.. ولأكتب رأيى.. وليس من الضرورى أن يعجبنى رأيك أو يعجبك رأيى.. المهم أن يوجد الرأيان، والأهم أن يكون المجتمع خاليا من السلطة الواحدة المسيطرة برأى واحد فى إمكانه إسكات كل صوت غيره.. ولقد كان يحكى لنا فى الحكايات والأساطير القديمة أن للملك وزيرين، وزير عن يمينه ووزير عن يساره أو شماله، هو وزير المشملة، كما كنا نسميه ضاحكين.. ولم نكن نسأل عن اختصاص كل وزير.. اليوم أود أن يكون وزير الميمنة هو الوزير المؤيد للحاكم، ووزير المشملة هو الوزير المعارض، والحاكم يستمع إلى كل وزير بعين الاهتمام، ويستخلص رأيه بعد فحص الرأيين بكل دقة ونزاهة.. ولقد قلت للمشايخ الأفاضل الذين زارونى فى مكتبى بالأهرام ليسألوا عن حقيقة موقفى من الدين والله والحساب.. فقلت لهم: مادام يوجد حساب فى الآخرة فأنا مطمئن، لأن معنى الحساب أنه محكمة يسمح لى فيها بإبداء دفاعى.. لأن كل اتهام لابد له من دفاع.. وفى الدار الآخرة لابد أن الحساب سيكون فى جو من الهدوء والصفاء يجعل الدفاع مسموعا.
أما فى الدنيا فإن أصوات الغوغائية مقترنة أحيانا بأصوات للمفرقعات تجعل صوت الدفاع يخرج مخنوقا يثير الضحك والاستهزاء أكثر مما يثير الرحمة والرثاء، فلنا الصبر.. ولك منى الثابت فى حياتنا المودة والمحبة. توفيق الحكيم.
ورد عليه هيكل برسالة مفتوحة نشرتها الأهالى أيضا..
وهذه كلها حكايات سيأتى ذكرها فيما بعد.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف