السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

هيكل وعبد الناصر.. التقاء السلطة والفكر علاقة بدأت بالصدفة.. واستمرت بالوفاء

كان أول لقاء بين هيكل وعبد الناصر فى صيف عام 1948 أثناء حرب فلسطين.
وشاءت المصادفة أن يلتقـى هيكـل بالصـاغ جمـال عبد الناصر عند عودته إلى المنطقة مرة ثانية، ثم جمعت بينهما المصادفة مرة ثالثة بعد الهدنة الأولى، وفى هذا اللقاء لاحظ أن عبد الناصر كان متابعا للتحقيقات التى نشرها عن الحرب وعن الدورة الخاصة التى عقدها مجلس الأمن لمناقشة القضية الفلسطينية ووقف إطلاق النار، وانتهت اللقاءات الثلاثة التى فرضتها ظروف الحرب دون أن تربط بينهما برباط من نوع خاص.
ولكن فى أواخر عام 1949 فوجئ هيكل بجمال عبد الناصر يزوره فى مكتبه فى أخبار اليوم. كان هيكل قد كتب سلسلة تحقيقات من دمشق عن الانقلابات التى تعاقبت على سوريا من انقلاب حسنى الزعيم، إلى انقلاب أديب الشيشكلى، مرورا بانقلاب سامى الحناوى، وفوجئ بعد أيام بزيارة بدون موعد من الصاغ صلاح سالم ومعه الصاغ جمال عبد الناصر، وكان هيكل قد التقى مرتين قبل ذلك بصلاح سالم، أما هذه الزيارة فكان الغرض منها هو التحدث فى موضوع خاص بسلاح الحدود، وظل عبد الناصر يسأل عن تفاصيل الانقلابات فى سوريا، ويركز على شكل الذين قاموا بها والعلاقات فيما بينهم، وأهدافهم، وكيف كانوا يتصرفون، وكيف استقبلت الجماهير السورية هذه الانقلابات، وهل حدثت اضطرابات، وما حجمها؟ وانتهى اللقاء وكأن هدفه كان مجرد الزيارة للتعارف والدردشة حول آخر ما كتب هيكل.
وفى عام 1951 زار عبد الناصر هيكل فى مكتبه يوما.. زيارة بدون موعد، وكان هيكل قد عاد لتوه من تغطية أحداث ثورة مصدق التى بدأت بقتل رئيس الوزراء الإيرانى (على رزم أرا) وانتهت بظهور الدكتور محمد مصدق ودخوله فى صراع مع الولايات المتحدة بعد طرده للشاه ومنع البترول عن أمريكا وشعار بترول إيران لإيران، وانتهى الأمر بسقوط مصدق.. وقال عبد الناصر إنه جاء ليحصل منه على نسخة من كتابه الذى كان قد صدر فى هذه الأيام بعنوان (إيران فوق بركان) واستغرقت الزيارة نصف ساعة كان عبد الناصر خلالها يوجه أسئلة عديدة عن أوضاع إيران قبل ثورة مصدق، وأثناءها، وأسباب فشل هذه الثورة.
***
وفى يوم 18 يوليو 1952 كان هيكل فى زيارة اللواء محمد نجيب، وكانت أزمة نادى الضباط قد تفجرت بسبب قرار الملك فاروق بحل مجلس إدارة نادى الضباط، بعد أن سقطت قائمة الملك، وفازت القائمة التى رشحها الضباط الأحرار وكان محمد نجيب هو الوجه الظاهر لهذه المجموعة وهو الذى انتخب رئيسا لمجلس إدارة النادى، وكانت هذه الانتخابات فى حقيقتها اختبار لمدى تأثير الملك، واختبار للقوى داخل الجيش، وعندما وصل هيكل إلى منزل محمد نجيب وجد عنده يوسف صديق، وسأل هيكل: ماذا ستفعلون؟ فأجابه محمد نجيب: سنرفع دعوى أمام مجلس الدولة نطلب فيها إلغاء قرار الحل. وفى هذا الوقت دخل جمال عبد الناصر ومعه شاب يرتدى قميصا أبيض وبنطلونا رماديا عرف أنه عبد الحكيم عامر, ولم يكن هيكل قد تعرف عليه من قبل، وعندما لاحظ عبد الناصر وجود هيكل تردد فى الدخول، وأشار إلى محمد نجيب فغادرا المكان معا يرافقهما عبد الحكيم عامر، وبعد ربع ساعة عادوا، ودارت مناقشة بين عبد الناصر وهيكل. قال هيكل مستفزا عبد الناصر: إذا كان الجيش لم يتمكن من الدفاع بالقدر الكافى عن البلد، فعليه على الأقل أن يدافع عن نفسه وعن كرامته، ورد عليه عبد الناصر: وما الذى يمكن أن يفعله الجيش؟ فأجابه هيكل: لا أدرى.. إنما المهم بعد الذى فعله الملك أن يدافع الضباط عن أنفسهم وعن كرامتهم. وقال عبد الناصر: هل يعنى ذلك أن يقوم الضباط بانقلاب كتلك الانقلابات التى حدثت فى سوريا؟ فقال هيكل: أنا لسـت مـع فكرة القيام بانقلاب. فرد عبد الناصر: فما الذى نفعله إذن؟
يقول هيكل: إنه فى هذه اللحظة عرض على عبد الناصر فكرة ساذجة حين قال له: ما الذى يمنع فى أن يتوجه ألف ضابط إلى قصر الملك، ويكتبوا فى سجل الزيارات أن الموقف قد تردى، وأنه لابد من معالجة هذا المــوقف، فــرد عليه عبد الناصر: هذا سيعتبر عصيانا، فقال هيكل: ولكن لابد من حدوث شىء، فسأله عبد الناصر: أنت تكتب فى السياسة، هل لك أن تحدد ما الذى يمكن أن يفعله الجيش؟ وخلال هذه المناقشة كان عبد الحكيم يتابع دون أن يشترك فيها، أما محمد نجيب فقال: إنه سيعد مذكرة تمهيدا لرفع دعوى أمام مجلس الدولة، وسيتكلف رفع الدعوى ثمانية جنيهات، فمد عبد الناصر يده فى جيبه فوجد فيه ستة جنيهات أعطاها لمحمد نجيب، واستمر الحديث عشر دقائق غادر هيكل بعدها منزل محمد نجيب ليركب سيارتــه، وعند زاويــة الشــارع لمـح جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر واقفين كما لو أنهما فى انتظار أحد أو فى انتظار سيارة تاكسى، فتوقف وقال لهما: هل أوصلكما؟ فسأله عبد الناصر: إلى أين أنت ذاهب؟ قال هيكل: إلى وسط البلد.. وركب الاثنان سيارة هيكل، عبد الناصر إلى جانبه، وعبد الحكيم عامر فى المقعد الخلفى، من الزيتون حيث بيت محمد نجيب إلى وسط البلد.
***
فى الطريق قال عبد الناصر: إنكم تتكلمون.. إنما لم يقدم أحدكم حلا.. إن الانقلاب غير ممكن.. من الذى سيقوم بالانقلاب؟ وبعد نصف ساعة من الحوار قال عبد الحكيم عامر: سننزل هنا فى محطة باب الحديد.
يقول هيكل فى حواره مع فؤاد مطر: لم أكن أعرف أن هذا الشاب يقود حركة داخل الجيش، ولم يدر فى خلدى أن هذا الشاب الطويل القامة ذو الشارب الرفيع الذى يرتدى قميصا أبيض وبنطلونا رماديا يتحرك بصمت، لكننى لاحظت وهو يتحدث أن عينيه تلمعان، وأنه يريد أن يسمع أكثر مما يتكلم، وحين انتقل إلى الحديث عن الانقلاب قال: إن الانقلاب سيؤدى بالبلد إلى كارثة، وفجأة سأل: هل تظن أن الإنجليز سيتدخلون لو حدث انقلاب فى مصر؟ ولاحظ هيكل أن عبد الناصر كان يصغى إلى الإجابة باهتمام.. وقال هيكل: إن الإنجليز لن يتدخلوا، وعندما سمع عبد الناصر هذه الإجابة المقتضبة سأل عن التفاصيل فقال هيكل: إن الإنجليز ليست لديهم قوات كافية للسيطرة على كل المدن المصرية.. والسفير البريطانى فى ذلك الوقت فى إجازة ولدى معلومات أن قائد القوات البريطانية فى الإسماعيلية موجود خارج مصر فى إجازة.. وهذا موسم الإجازات.. وتدخل الإنجليز يحتاج إلى وقت.
وقبل أن ينزل عبد الناصر من السيارة قال لهيكل: من الضرورى أن نكمل الحديث، فقال هيكل: ما رأيك أن نكمله فى مكتبى؟ فسأله عبد الناصر: هل عندك تليفون فى منزلك؟ وأعطاه هيكل رقم التليفون، فاتصل به عبد الناصر فى اليوم التالى وقال له: أنا قابلتك أمس.. هل تذكر؟ وتقابلا مرة أخرى يوم 19 يوليو 1952، جاء عبد الناصر إلى هيكل فى مكتبه وبدأ الحديث فى أمور عادية عن الصحافة وعن المجلة التى كانوا يصدرونها فى الفالوجا، وعن حرب فلسطين وما جرى فى الفالوجا، وبعد نصف ساعة تقريبا وجه عبد الناصر سؤالا شعر هيكل أنه الغرض الأساسى من الزيارة، قال: كنا نتحدث أمس عن الإنجليز وإمكان تدخلهم، فهل يمكن أن تحدد بطريقة مرتبة الأسباب التى قلتها أمس وانتهيت منها إلى أن الإنجليز لا يمكن أن يتدخلوا لو حدث انقلاب أو شىء من هذا القبيل، وعرض هيكل فكرته مرة أخرى بوضوح وبتفصيل أكثر.
***
كان هيكل فى ذلك الوقت معجبا بنجيب الهلالى باشا الذى كان آخر رئيس وزراء قبل الثورة، وكان رأيه فيه أنه رئيس وزراء (عليه القيمة)، وكان يتردد على زوج ابنته الدكتور محمود محفوظ الذى أصبح وزير الصحة بعد ذلك بسنوات، ونجيب الهلالى هو الذى علم هيكل تدخين السيجار، وكان قد جاء إلى منصب رئيس الوزراء فى ظروف دقيقة بعد حريق القاهرة وإقالة الملك لوزارة مصطفى النحاس وتكليف على ماهر باشا بتأليف الحكومة، وبقى على ماهر شهرا واحدا ثم كلف الملك نجيب الهلالى برئاسة الحكومة، وبدأ نجيب الهلالى حملة تطهير فى الحكومة وقام بفصل أعداد كبيرة من الموظفين الذين نشروا الفساد فى الجهاز الحكومى، ثم بدأ يطالب أحمد عبود باشا بالضرائب المستحقة عليه، وذلك ضمن خطته للتطهير ومحاربة التسيب والفساد، لكن عبود باشا انتصر فى هذه المعركة بعد صفقة مع الياس اندراوس السكرتير الصحفى للملك، وكانت حصة الملك من هذه الصفقة مليون جنيه، ونتيجة لذلك أقال الملك حكومة نجيب الهلالى، وكلف حسين سرى بتكليف حكومة لم تتمكن من البقاء، فأعاد الملك تكليف الهلالى.
وسافر هيكل إلى الإسكندرية بعد مقابلته لجمال عبد الناصر يوم 19 يوليو 1952، والتقى هناك بالهلالى باشا الذى أخبره بأن الملك كلفه بتشكيل الحكومة وقبول الملك بشرطه عدم تدخل غير المسئولين فى السياسة، وكان الشماشرجية، وخدم القصر، والموظفون والحاشية قد تضخم نفوذهم وأصبحت لهم كلمة فى السياسة، وتأثير على الحكومة والوزراء. وبعد أن حضر هيكل تشكيل الوزارة الجديدة سأله نجيب الهلالى إن كان يعرف أحدا يصلح وزيرا للحربية، فاقترح اسم اللواء محمد نجيب، وحين عاد الهلالى من مقابلة الملك قال له إن الملك رفض ترشيح محمد نجيب وأذيع تشكيل وزارة الهلالى الثانية، فعاد هيكل فى الليل إلى القاهرة، وبعد قليل من وصوله اتصل به ضابط كان يعمل وقتها فى المخابرات هو سعد توفيق، وكان قد تعرف عليه أثناء متابعته لحرب فلسطين، وقال له سعد توفيق إنه يريد أن يمر عليه بعد قليل، وعندما جاء قال له: الشخص الذى قابلته أمس مرتين يسأل: أين ستكون غدا؟ سأل عنك ولم يجدك.. فقال هيكل: أمضيت اليوم فى الإسكندرية وعدت منذ قليل، فسأله سعد توفيق: هل يعنى ذلك أنك لن تغادر القاهرة خلال الأيام الثلاثة المقبلة؟ فقال هيكل: أنا باق فى القاهرة.
لاحظ هيكل أن سعد توفيق كان يتكلم بطريقة مشدودة، وبغمغمة بعد أن أعطاه أرقام تليفوناته، ثم جاءه مرة أخرى يوم 21 يوليو وتحدث عن الأوضاع العامة، ثم جاء إليه للمرة الثالثة يوم 22 يوليو، وبعد حديث فى العموميات قال: أين ستكون لأن صديقك قد يحتاج إليك ويحتمل أن يتصل بك تليفونيا؟ قال هيكل: سأكون فى أخبار اليوم حتى التاسعة والنصف وبعد ذلك سأتناول العشاء فى بيت ماهر دوس. فطلب منه رقم تليفون ماهر دوس وانصرف.. وبعد أن وصل هيكل إلى بيت ماهر دوس اتصل به سعد توفيق وقال له: هل يمكن أن تذهب إلى بيتك؟
يقول هيكل: توجهت إلى بيتى، وحتى ذلك الوقت لم يكن قد خطر على بالى البكباشى الذى أصبح صديقى سيقوم بثورة، وكنت فى ذلك الوقت أشعر أن أمرا ما سيحدث، ولكننى لم أتصور أن هذا الأمر هو الذى حدث بعد ذلك.. وفى العاشرة والنصف ليلا كنت فى منزلى عندما اتصل بى فريد زعلوك من الإسكندرية، وكان فى ذلك الوقت وزير دولة فى وزارة نجيب الهلالى ومقرب من الهلالى ، وكان صديقى، وفوجئت به يقول: يبدو أن هنا أمرا ما داخل الجيش، وقد أبلغت نجيب الهلالى باشا عن طريق السرايا أخبار عن أمر ما داخل الجيش، وهو يسأل عما إذا كان لديك معلومات عن ذلك، وكان إسماعيل شيرين زوج أخت الملك هو وزير الحربية، وقلت: ليست لدى معلومات.. ما هى بالضبط المعلومات المتوافرة لدى الهلالى باشا؟ وأجاب فريد زعلوك: يبدو أن بعض الضباط خرجوا من الثكنات.
***
كان نجيب الهلالى يعرف أن هيكل له صلة ببعض الضباط ومنهم محمد نجيب، وبعد لحظات رن جرس التليفون، وكان المتحدث هو سعد توفيق وسأله هيكل: ما هى الأخبار؟ فأجابه سعد توفيق: يظهر فيه (هيصة).. هناك أمور كثيرة.. وإذا كنت تريد كتابة شىء عما يحدث فهذه حكاية كبيرة جداً..
واتفق معه هيكل على أن يقابله فى العباسية، ثم ذهب إلى منزل محمد نجيب، فوجده سهران، ويرتدى قميصا وبنطلونا، و ينتعل الشبشب.. واتصل أحدهم بمحمد نجيب ووزير الداخلية.. مرتضى المراغى، وبعد لحظات اتصل المراغى بمحمد نجيب وقال لمحمد نجيب ما معناه: إن بعض الضباط تركوا الثكنات، وأن ذلك سيؤدى إلى حدوث فوضى فى البلد، ونتيجة لذلك سيتدخل الإنجليز، ولذلك فإن الملك يفوض محمد نجيب للاتصال بهؤلاء (العيال المجانين) وينهى المسألة بالتى هى أحسن، ورد عليه محمد نجيب بما معناه أنه ليس لديه معلومات عن هذا الموضوع.
يقول هيكل: أعتقد أن محمد نجيب لم تكن لديه بالفعـل معلومــات، وأن كل ما عرفه من جمال عبد الناصر هــو أن هناك حركــة داخــل الجيش، وكان عبد الناصر قد تحدث معه عن هذه الحركة بشكل مقتضب وسأله إذا كان يريد الانضمام إليها، وأبدى محمد نجيب حماسه، وانتهت الاتصالات بين عبد الناصر ومحمد نجيب عند هذا الحد يوم 18 يوليو 1952.
وكرر محمد نجيب لمرتضى المراغى أنه لا يعرف شيئا عن مسألة ترك الضباط للثكنات، وفوجئ به يقول أيضا: حتى أنا عندى الأستاذ هيكل بتاع أخبار اليوم.. وخرج هيكل من بيت محمد نجيب للقاء سعد توفيق، فأخذه سعد توفيق إلى القيادة.. كانت الساعة نحو الثالثة فجر يوم 23 يوليو 1952.. وكان الشخص الأول الذى شاهده هيكل فى القيادة كان عبد الحكيم عامر.. وعندما اقترب منه قال له عامر: خلاص.. القاهرة كلها. وسأله هيكل: يعنى إيه؟ قال عامر: أخذناها.. القوات مسيطرة على كل القاهرة. قال هيكل: هل هذا انقلاب؟ ولم يسمع إجابة.
رأى هيكل فى حوش القيادة بعض الضباط والجنود يفترشون الأرض ويأكلون، وهؤلاء كانوا أفراد الكتيبة (13) التى بدأت الانقلاب بقيادة يوسف صديق، والتى قبضت خطأ على جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر إلى أن تعرف عليهما يوسف الصديق وأفرج عنهما.
بعد ذلك اختفى سعد توفيق.. ثم اختفى عبد الحكيم عامر.. وبعد قليل عاد عبد الحكيم عامر ليقول له: إيه رأيك.. هل يتدخل الإنجليز؟
وأشار إليه قائلا: صاحبك ينتظرك فوق، وصعد هيكل ليجد جمال عبد الناصر ومعه كمال الدين حسين، وسأل هيكل: ما الذى حصل؟ وأجاب عبد الناصر: خلاص..! قال هيكل: خلاص إيه؟ وأجاب عبد الناصر: كنت تقول إن الجيش عجز عن رد شرف البلد سنة 1948 هل الذى فعله الجيش الآن كويس؟ وعاد هيكل يسأل: ما الذى حدث؟ أجاب عبد الناصر: يعنى لسة مش فاهم.. وكانت برقيات التأييد قد بدأت تصل من المناطق.. وقال عبد الناصر: لا يهم ما الذى سيحدث.. المهم أننا صممنا، ونفذنا، وأكدنا أن فى مصر شبانا رفضوا المهانة وتحركوا.
***
يقول هيكل: فى هذه اللحظة ظهرت بعض صفات عبد الناصر القيادية، وشعرت أنه هو رقم واحد فى الحركة، وأن كل الذين حوله يلجأون إليه فى أى قرار، ولم أكن حتى تلك اللحظة أعرف أنه قائد الثورة، لكننى شعرت أنه القائد بالفعل.. كل واحد كان يهمس فى أذنه، ويأخذه على جنب ليحدثه فى أمر ما.. كان محور كل الاتصالات.. وبعد قليل أرسل إلى محمد نجيب.. وجاء محمد نجيب مستغربا.
يقول هيكل: فكرت أن أتصل بأخبار اليوم لكى أعرف الجو داخل الدار والمعلومات التى وصلتها، ورد علىَّ سكرتير التحرير حسين فريد وأجاب: يظهر أن فيه (دوشة) وسأله هيكل: ما الذى ستكتبه؟ فأجاب: لا أعرف! وسأل سكرتير التحرير هيكل: ما الذى حدث بالضبط؟ فأجابه هيكل: الجيش ترك الثكنات وقام بحركة.. وأثناء الحديث دخل عامل التليفون فى الخط وقال لهيكل: مصطفى بيه يسأل عنك وهو فى اسكندرية هل أوصلك به؟ فأجابه: أيوه.. وسأله مصطفى أمين عما حدث، وسأله: أين أنت الآن؟ وأضاف: يبدو أن فى الجيش حركة عصيان.. هل عندك معلومات؟ فقال له هيكل: لا.. ليس عندى معلومات؟ فقال مصطفى أمين: إزاى؟ انت فين دلوقت؟ فأجاب هيكل: أنا فى رحاب العصيان! قال مصطفى أمين: الخط وحش.. ممكن تعطينى نمرة التليفون وأنا أطلبك؟ فرد هيكل: لا.. لا أستطيع.. وأصر مصطفى أمين على معرفة رقم التليفون، فطلب منه أن ينتظر قليلا، وكان فى الغرفة عبد الحكيم عامر وسعد توفيق، وكان عبد الناصر فى الخارج، وقال هيكل لسعد توفيق إن مصطفى أمين يتحدث من الإسكندرية ويريد أن أعطيه رقـم التليفون، وسمع عبد الحكيم عامر مستهجنا: إيه؟!
وكان عبد الناصر فى طريقه إليهم عائدا من الخارج وسمع عبد الحكيم عامر، فضحك وقال لهيكل: اعطه رقم التليفون، وقال لسعد توفيق: شوف النمرة كام! وأعطى سعد توفيق الرقم لهيكل فأعطاه لمصطفى أمين، بينما كان عبد الحكيم عامر يقول لعبد الناصر: إزاى ده يحصل.. السرايا حتعرف. ورد عبد الناصر: مش مهم يا حكيم.. يجب أن نعرف كيف يفكرون.. المهم أن يتصل وهيكل يعرف منه.. مش هو يعرف من هيكل؟
يقول هيكل: إن هـذه الحادثة كشفـت لى عـن ظاهـرة مهمة بالنسبة لجمال عبد الناصر، هى سرعته فى اتخاذ القرار.
***
يقول هيكل: منذ اليوم الأول وجدت نفسى وسط القيادة، أشرح كيف أن الإنجليز لن يتدخلوا، وأعطى رقم تليفون القيادة إلى مصطفى أمين، وأسمع كل الأحاديث من كل المشاركين فى الثورة. وبعد قليل من إعطائى الرقم لمصطفى أمين اتصل بى فريد زعلوك وزير الدولة، ثم اتصل بى مصطفى أمين يسأل عن التفاصيل وعن مكان وجودى، فقلت له: حتى الآن ليس هناك تفاصيل، وأنا موجود فى مبنى من مبانى (الهيصة) اللى احنا فيها ثم سأله هيكل: حتكتب حاجة؟ فأجاب مصطفى أمين: لا.. لا.. مش مسألة كتابة.. استنى لما نشوف هيحصل إيه.. إيه اللى حصل! فقال له هيكل: أرى دبابات كثيرة تخرج.. وعربات عسكرية تدخل.
وسأل مصطفى أمين: هل اللواء محمد نجيب عندكم؟. هل هو مشترك فى الحركة؟.
وأجاب هيكل: رأيته منذ قليل ولا أعرف أين ذهب.
قال مصطفى أمين: هل يمكن أن تستقصى الأمر وتلم الصورة كاملة وتخبرنا؟.
يقول هيكل: كانوا يريدون أن يعرفوا الموقف منى، وسألوا عن محمد نجيب لأنه كان مكلفا من الملك بأن يتصل بقيادة الحركة ويهدئ الوضع.. بعد ذلك اتصل فريد زعلوك ثانية، وكان قد حصل على رقم التليفون من مصطفى أمين، وقال لهيكل: الهلالى باشا عاوز يكلمك.. وسأله نجيب الهلالى عن الحالة والأخبار وما إذا كان يعرف أحدا من أركان الحركة، فقال هيكل إنه يعرف بعضهم. وسأل الهلالى باشا عن محمد نجيب وطلب أن يتحدث إليه، وبعد ذلك طلب الهلالى باشا من هيكل أن يتصل بمن يعرفهم من أركان الحركة ويسألهم ماذا يريدون لأن المسألة فى منتهى الخطورة والإنجليز سيتدخلون.. وكرر الهلالى هذا الطلب وقال: أنت يا محمد لازم تكون على معرفة بالناس دول.. أنا عاوز تقول لهم هم عاوزين إيه؟
فى هذه اللحظة دخل أنور السادات، فكلفه عبد الناصر بالتوجه إلى الإذاعة لقراءة البيان الأول للثورة، وقال عبد الناصر لهيكل: قل لهم يسمعوا بيانا فى الإذاعة الساعة السابعة صباحا، وكان الوقت عندئذ نحو السادسة إلا الربع، وعاد هيكل إلى سماعة التليفون، وكان الهلالى باشا ينتظر، فقال له: سيذيعون بيانا فى الساعة السابعة.. ولم يذكر اسم عبد الناصر. وقال الهلالى باشا: لا يا محمد.. مفيش داعى للفرقعة. هل عرضت الفكرة التى قلتها لك على أحد الأركان فيهم؟ قال هيكل: أظن أن الذى أتحدث إليه من المسئولين فى الحركة، قال الهلالى: اذهب وقل لهم لا داعى للتسبب فى حدوث فرقعة وأن الملك مستعد لإجراء أى تعديلات يريدونها إذا كانوا يريدون تعديلات داخل الجيش.. هل هم يريدون تعديلات داخل الجيش؟. وأين محمد نجيب؟. قال هيكل: موجود معهم.. أظن أنه منضم إليهم .. قال الهلالى: هـل اتصل محمد نجيب بأحد فيهم؟. أين هو؟. أريـد أن أتحــدث إليه. قال هيكل: اتصل مــرة ثانية.
يقول هيكل: بدأت أفكر بماذا أرد عليه، إنه يسأل عن محمد نجيب، وأنا قلت له إن محمد نجيب مع الحركة لأننى كنت اطلعت على البيان الذى سيلقيه أنور السادات بعد قليل وهو بتوقيع محمد نجيب.. واتصل الهلالى باشا مرة ثانية وكان محرجا بالفعل، سأل أيضا عن محمد نجيب وقال: هل يمكن أن تبلغ جماعة الحركة أن الحكومة مستعدة لاستصدار مرسوم من الملك بتعيين محمد نجيب قائدا عاما للقوات المسلحة على أن يجرى هو التعديلات التى يريدونها فى الجيش.. لا نريد فرقعة! ومرة أخرى قال له هيكل أن ينتظر، وذهب إلى جمال عبد الناصر يبلغه بهذا العرض، وكان إلى جانبه محمد نجيب وزكريا محيى الدين، وبمجرد أن سمع محمد نجيب العرض رحب به وقال لعبد الناصر: إيه رأيك يا جمال بيه؟ فكرة معقولة نوافق عليها وبلاش فرقعة.. أما عبد الناصر فقال: لا.. ثم نظر إلى محمد نجيب وقال يخاطب هيكل: لا.. الفرقعة مطلوبة فى حد ذاتها لإعلان التغيير وإشعار الناس بما حدث.
يقول هيكل: وكرر محمد نجيب ترحيبه بالعرض المقدم من رئيس الوزراء نجيب الهلالى باشا، فكرر عبد الناصر تمسكه بضرورة أن تحدث فرقعة، وعاد هيكل إلى سماعة التليفون ليروى للهلالى باشا ما حدث، فقال له الهلالى: إننى لا أستطيع تحمل الموقف ما دام ليس عندى حل، وأنا على أى حال سأتحدث مع الملك فى الأمر، وأغلق الهلالى سماعة التليفون.. وذهب هيكل إلى عبد الناصر ليقول له إن الهلالى باشا رجل نظيف وأنه فى موقف لا يحسد عليه، فرد عليه عبد الناصر: لا يهمنى أنه نظيف، الذى يهمنى أن تستقيل الحكومة، لأنه عندما تستقيل الحكومة منذ اليوم الأول للثورة يكون ذلك إثباتا عمليا بأننا مسيطرون على الموقف، وأن هناك قوة جديدة فى البلد.
ويعلق هيكل على ذلك بأنه يشدد على حادثتين: موافقة عبد الناصر على إعطاء رقم التليفون لمصطفى أمين، وضرورة استقالة الحكومة، ويرى أنهما أكدتا سرعة عبد الناصر فى اتخاذ القرار دون تردد، وكل ذلك قبل إذاعة البيان الأول للثورة فى السابعة صباحا.
***
هكذا كانت البداية فى قصة هيكل وعبد الناصر. اللقاء الأول على أرض فلسطين. ولقاءات غير منتظمة واضح فيها إعجاب عبد الناصر بفكر هيكل. ثم معايشة هيكل للحظات الأولى لميلاد الثورة ووجوده وحده فى قلب الأحداث ومع قادة الثورة.. يفكر معهم.. ويشاهدهم وهم يفكرون ويصدرون القرارات.. ويطلبـون منه القيام بدور فى الاتصالات مع الحكومة.. والمهـم أن نلاحظ أن عبد الناصر هو الذى اختار هيكل منذ البداية وراهن عليه.. وكان عبد الناصر على اتصال بعدد من الصحفيين اللامعين ولكن الواضح أنه كان يختص هيكل بمكانة خاصة إلى حد أن استدعاه فى المعمعة ليكون المدنى الوحيد فى القيادة فى أحرج الأوقات التى كان مصير الثورة والثـوار يتقرر فيها.. ونلاحظ أيضا أن عبد الناصر بدأ فى تكليف هيكل بمهام لخدمة الثورة من أول لحظة.. وكانت هذه الليلة الطويلة بداية علاقة من نوع فريد ليس له مثيل فى التاريخ بين السلطة والفكر امتدت العمر كله.
***
دامت العلاقة بين هيكل وعبد الناصر 18 عاما، ولم تنقطع الحوارات بينهما إلا يوم وفاة عبد الناصر عام 1970.. وكان هيكل يلازم عبد الناصر فى رحلاته، واجتماعاته، ولقاءاته مع القادة والزعماء، وفى الأوقات الصعبة.. حتى أن الكثيرين كانوا يقولون: إنه الرجل الثانى فى الدولة.. وكان هيكل يرفض ذلك ويقــول إنه صحفى وأن عبد الناصر هـو الرئيس.. وأنــه يعــرض فكـره على عبد الناصر ولا يشارك فى القرار.. وهو يعرف طبيعة السلطة والظروف والمواقف والاعتبارات التى تحيط بصاحب القرار ولا تحيط بغيره.
فى يوم تلقى عبد الناصر من أحد الحكام العرب حقيبة كبيرة ملأى بالمجوهرات، وبدون ضجة، ودون أن يشعر أحد، أعاد الحقيبة إلى الحاكم، فلم يكن عبد الناصر يقبل من الهدايا غير الهدايا البسيطة.. أربطة العنق، وكان يعطى لهيكل ولزملائه فى مجلس قيادة الثورة من هذه الأربطة، كذلك كان يتقبل صناديق السيجار التى كان يرسلها إليه كاسترو.. وكانت دائما من نصيب هيكل.. كذلك كان يتقبل الهدايا من التفاح والبشملة التى كانت تأتيه من لبنان.. ولا شىء غير ذلك.
يقول هيكل: إن عبد الناصر لم يشعر بأية لذة فى حياته.. لم يشعر بلذة النوم، أو بلذة الأكل، أو بلذة السفر، ولا حتى بلذة مشاهدة أولاده، وكان يعمل طول الوقت، ومتعته الوحيدة أن يشاهد فى منزله ثلاثة أفلام سينمائية.ز وكان يعتبر ذلك متعة، وأنا كنت أعتبر ذلك عذابا.. وعندما كان يطلب منى مشاركته فى مشاهدة الأفلام كنت أصاب بصداع بعد الفيلم الأول، ولكنى كنت أجلس إلى جانبه ونشاهد الأفلام الثلاثة فى سهرة واحدة!
***
مــا هى بالضبط طبيعة العـــلاقة بين هيكل وعبد الناصر؟
يقول هيكل: كنت قريبا من عبد الناصر، وكانت بيننا صداقة وثيقة.. وكانت العلاقة من نوع متميز بين شخص يقود، وشخص إلى جانبه يتكلم أو يفكر، وقد حرصت على أن أبتعد عن المناصب والأوضاع الرسمية، وكنت دائما متمسكا بالصحافة والكتابة وأفضلها عـن أى منصب رسمى، وقد ذكرت ذلك لعبد الناصر عدة مرات، وقلت له إننى أفضل الاحتفاظ بصفة الصديق الذى يتحدث إليك باستمرار بدون وساوس أو إحراج.. وكانت العلاقة بيننا قبل الثورة وحتى 28 سبتمبر 1970 يوم رحيله علاقة حوار مستمر، وأعتقد أن ثقته الكاملة بى هى التى شجعت على ذلك، وأحيانا كان يضيق بهذا الجدل، لكنه كان يسمع ويناقش باستمرار، وعندما كان يشعر بالضيق أحيانا فلأن كلامى كان فى اعتقاده نوعا من الإحراج لأطراف أخرى، وعلى سبيل المثال كان يشعر بهذا الضيق عندما كنت أكتب عن البيروقراطية المصرية، لأن كلامى فيه إحراج لوزراء يعملون معه، وعندما كنت أنتقد الاتحاد الاشتراكى لم يكن يتضايق إلا أنه كان يشعر بأن بعض معاونيه يمكن أن يضيقوا بهذا النقد، وكان يأخذ فى الاعتبار مشاعر الذين يعملون معه، وقد كتبت الكثير حول قضايا لولا الثقة التى بيننا لكان الأمر يختلف.. كتبت مثلا عن ضرورة اندماج المثقفين فى الثورة وفى النظام لينتهى دور (أهل الثقة)، وطالبت بأن يكون أهل الخبرة هم أهل الثقة، وكتبت أن أهل الثقة وأهل الخبرة ينادون بتوسيع دائرة معارف عبد الناصر، وناديت بالمجتمع المفتوح، وبالديمقراطية، وكتبت ضد تجاوزات بعض أجهزة السلطة وفى مقدمتها المخابرات.. وكتبت فى موضوع الحراسات وضرورة أن يظل الهدف هو تصفية امتيازات الطبقة وليس تصفية أفراد الطبقة.. كتبت عن عدوان البيروقراطية فى الجهاز الحكومى، والبيروقراطية الجديدة فى القطاع العام.. وكتبت عن ضرورة أن يلعب التكنوقراط دورهم فى التطوير.. وكنت قلقا وأنا أكتب عن خشيتى من أن يطوى أهل البيروقراطية القديمة أهل البيروقراطية الجديدة بدلا من أن يطوى الجدد القدامى، وهذا ما حدث فعلا حيث ابتلع القدامى الجدد.. ومثـل هذه الكتابات كانت تسبب لى بعض المشاكل.. لكن جمال عبد الناصر لم يضق بها.
***
هل كان هيكل يكتب مقالاته بعد أن يتشاور مع عبد الناصر ليمهد الرأى العام قبل إعلان خطوات معينة؟
يقــول هيكــل: لـم أكن أفصل.. بمعنى أننى كنت أكتب عما أتكلم حوله مع عبد الناصر، وحدث كثيرا أن تناقشنا ساعات فى قضايا وآراء كان بيننا فيها اتفاق على ألا أتناولها فى مقالاتى أبدا، ومع ذلك هناك كثيرون كانوا يفترضون أننى أذهب إلى عبد الناصر يوم الخميس لآخذ منه أفكار مقالاتى يوم الجمعة، وهذا التصور سبّب لى إحراجا فى مرات كثيرة.. لكننى أجزم بأن الاتفاق الذى كان بيننا أن يكون نقاشنا وتبادل الآراء بيننا بمعزل عن المقالات.. وكان هذا الاتفاق ينفذ بدقة.. والمرات التى تحدثنا فيها عن مقالاتى كانت قليلة جدا.. وفى العادة لا يجرى اتصال بيننا يوم الجمعة، وأقضى هذا اليوم مع عائلتى فى برقاش.. ولكنه عندما يتصل بى يوم الجمعة يكون معنى ذلك أن هناك أزمة ما.. مثلا فوجئت يوما فى السابعة مساء يوم جمعة بالرئيس عبد الناصر يتصل بى، وفى ذلك الوقت كانت مقالاتى حول التغيير، وفيها كتبت بشىء من الدقة ما معناه إذا لم يستطع النظام أن يغير فلابد أن يتغير، ومن نبرة صوته شعرت أنه يريد أن يقول لى أمرا ما، ثم قال: هل تريد رأيى فى مقالتك حول التغيير، أجبته: بالطبع، قال: المقالة مكتوبة بأسلوب غسان توينى فى مواجهة شارل حلو.. لكننى لست شارل حلو وآمل ألا تكون أنت غسان توينى، وانتهت المكالمة عند هذا الحد، وفى غير ذلك لم أشعر أن عبد الناصر يضيق بما نكتب- أنا وغيرى- فى الأهرام، لأننا نكتب من موقع الحرص على الثورة، ولم أكن وحدى الذى يكتب، فقد كتب توفيق الحكيم بنك القلق وسلمها لى وقال: هذه ليست للنشر، فقلت له: إذا كنت لن تنشرها فلماذا كتبتها؟ قال: إذن أجّل نشرها، قلت: إن دور المخابرات وأساليبها مشكلة حقيقية، وما دمت أنت وجدت فى نفسك الشجاعة لتكتب، فأنا عندى الشجاعة لأنشر، ونشرنا الحلقة الأولى مــن القصــة فقامــت الدنيـا، ولم يكن عبد الناصر قد قرأها، لكنه سمع بالضجة التى أثارتها، فاتصل بى مستوضحا فقلت له إنهم يحاولون منعنا من نشر الحلقة الثانية، وقرأ عبد الناصر الحلقتين الأولى والثانية بعد أن حملتهما إليه فقال لى: انشروا، وقال: إن توفيق الحكيم كتب أيام العهد الملكى يوميات نائب فى الأرياف، وإذا كان فى العهد الملكى يستطيع أن ينقد اجتماعيا، فإن من حقه أن يكتب أى نقد للتجربة.. ونشرنا بقية الحلقات، ورويت لتوفيق الحكيم ما دار مع عبد الناصر..
وبعد ذلك انتقدنا فى الأهرام مرارا تجاوزات المخابرات، وأثرنا قضايا أساسية فى المجتمع المصرى، وعلى سبيل المثال لويس عوض فى سلسلة مقالات قضية الثقافة والتعليم بين الكم والكيف، وأثار جمال العطيفى مرات عديدة قضية القانون، وكتب حسين فوزى، وعائشة عبد الرحمن، ولطفى الخولى، آراء تعرضت أنا بسببها للكثير من المشاكل فى الصميم.
***
من هذه المشاكل إطلاق رصاصتين على هيكل وهو خارج من مبنى الأهرام القديم فى شارع مظلوم، ورفض هيكل إبلاغ النيابة أو الشرطة، وعندما علم عبد الناصر سأله إن كان يتهم أحدا، وكان ما حدث لهيكل ولغيره فى الأهرام ناتجا عن اصطدامهم مرات عديدة ببعض الأجهزة. لطفى الخولى اعتقل، وجمال العطيفى، وأحمد نافع، ويوسف صباغ، وحمدى فؤاد، ونوال المحلاوى مديرة مكتب هيكل، لكن عبد الناصر كان يأخذ فى الاعتبار الخط السياسى الذى يسير عليه الأهرام، فلم يكن يغضب من بعض المقالات التى تنشر وتتعارض مع أفكاره.. وكان هيكل- كما يقول- يعتبر أن الأهرام يجب أن يكون له دور طليعى، وعلى سبيل المثال كنا ملتزمين بالميثاق دون أن نفقد الحرية فى الكتابة عن تطبيق الميثاق، وأعتقد أننا نجحنا فى أن نجعل من الأهرام طرفا أساسيا فى الحوار رغم أن ذلك سبّب لنا مشاكل، ولـم نمارس هذا الدور بحماية من عبد الناصر ولكن اعتقادا منا بأن عبد الناصر يثق فى الأهرام، ويثق فى أننا نعمل من داخل التجربة، وننتقد من واقع الالتزام.
***
هل كانت تحدث أحيانا خلافات أو توترات بين عبد الناصر وهيكل؟
يقول هيكل: من الطبيعى أن تحدث توترات ما دام الحوار بين طرف مسئوليته شاملة، وطرف لا يملك إلا الفكر والكتابة، وأهم حالة توتــر حدثت يوم أصدر عبد الناصر قرارا بتعيينى وزيرا للإرشاد، وفى يوم صدور القرار كنت فى برقاش، وأصدر الرئيس عبد الناصر القرار دون أن يفاتحنى فى الأمر، وعدت إلى الأهرام بمجرد علمى بصدور القرار فوجدت حالة توتر، وبعثت إليه برسالة اعتذار، وهذه الرسالة هى الورقة الوحيدة المكتوبة التى رفعتها إليه، وعدا ذلك لم أرفع إليه أوراقا لأنى كنت أفضل التعامل معه كصديق، وكنت فى حالة صعبة من الضيق، وفى اليوم التالى جاءنى أنور السادات فى برقاش- وكان يوم شم النسيم فى سنة 1970 - فى محاولة لإقناعى بقبول المنصب الوزارى، وبقى معى من التاسعة صباحا حتى الواحدة ظهرا، وكانت لفتة كريمة منه خصوصا أنه كان مرتبطا مع ضيوف سيتناولون الغداء معه فى بيته، وأبلغنى السادات أن عبد الناصر قال له: لا مجال لقبول الاعتذار، وأن المسألة ليست مفاتحة وإنما هى قرار صدر وانتهى الأمر، ونتيجة لحديثى مع السادات ومع آخرين زارونى قبلت وعدت إلى القاهرة، ثم حدث أن قبضوا على لطفى الخولى ونوال المحلاوى، ووجدت أن الموقف يتأزم، وأننى فى محنة حقيقية فى بداية عملى فى الوزارة، وكنت بالفعل ممزقا بين قبولى المنصب الوزارى اضطرارا ومحنة أصابت بعض زملائى فى الأهرام، وبين علاقتى بجمال عبد الناصر وأنا حريص على مشاعره.
وقبل هذه المحنة حدثت حالة توتر بيننا بسبب اعتقال جمال العطيفى، وأمضينا نحو أسبوع فى شبه قطيعة، هو لم يتصل، وأنا لم أتصل، وفى هذه المرة أيضا كان السادات هو الذى تدخل، وكان مع عبد الناصر فى استراحة القناطر، ومن هناك اتصل بى وقال: لماذا لا تطلب الرئيس وتصفى الموضوع معه لأنه متضايق، وبعد ذلك اجتمعت مع عبد الناصر، وصفينا موضوع جمال العطيفى، وتم الإفراج عنه..
يقـول هيكل: طبعـا كـان هناك كثيرون يتضايقون من هذه الثقة التى وضعها عبد الناصر فى شخصى. وكان السادات يقول لى: لولا سلك التليفون لكانوا أتعبوك كثيرا، وكان يقصد بذلك التليفون الساخـن فـى مكتب هيكل المتصل بغرفة نوم عبد الناصر، ويقول هيكل: عبر هذا التليفون جرت مناقشات واستفسارات كثيرة، وكان هذا التليفون معيارا لحالات التوتر بيننا، أحيانا لا يرن.. فيكون معنى ذلك أن عبد الناصر متضايق منى.. وأحيانا لا أتصل به بسبب حالات الضيق التى كانت تنشأ نتيجة حوادث معينة حصلت.. وأشهد أن عبد الناصر كان نموجا للرقة فى معالجته لحالات التوتر التى تحدث، وباستمرار لم يكن ضيقه يخرج عن حدود معينة، وأتذكر مرة أنه كان متضايقا جدا من أمور كتبتها، وخلال مناقشته بالتليفون سألته إذا كان يريد أن أحضر إليه فأجابنى: لا.. لا أريد أن أراك وأنا (متنرفز) نلتقى بعد أن تهدأ الأمور ونتفاهم.. وحدثت بيننا أيضا مناقشات مكتومة.. فقد ناقشته باستماتة فى بعض القضايا، وكنت فى مناقشتى أمينا جدا، لأن إعجابى به إعجاب المفتح العينين وليس إعجاب الأعمى.. ومن أمثلة هذه القضايا مناقشات مكتومة دارت معه حول إغلاق خليج العقبة سنة 1967، وكان رأيى أن القرار سيقود إلى حرب.
***
لماذا حظى هيكل بهذا الوضع الاستثنائى مع عبد الناصر، وهو وضع لم يحدث من قبل بهذه الصورة بين أى صحفى وأى زعيم فى العالم؟
يقول هيكل: بعد أن قامت الثورة كان عبد الناصر على علاقة بعدد كبير من الصحفيين، وفى النهاية، وبالاختيار الحر عن طريق الممارسة ازددت قربا منه، وهذا أمر أعتز به، وهو بهذا لم يخصنى بوضع استثنائى ولكنه ألقى علىَّ مسئولية استثنائية، وفعل ذلك إحساسا منه بأنى أؤدى دورا فى نظامه، وأنا تبعا لذلك لم أحصل على امتيازات مادية، وكنت مقيدا أيام عبد الناصر وحتى وقت أن تركت الأهرام بالحد الأدنى للمرتبات فى مصر وهو خمسة آلاف جنيه فى السنة دون زيادة ودون علاوات، وعندما بنينا الأهرام لم نلجأ إلى الدولة لكى نعامل معاملة خاصة أو نطلب استثناء من قانون البناء مثلا، وبنينا الأهرام فى ظل قانون الشركات المساهمة، وكان رأيى أننا بذلك نقدم نموذجا جديدا فى إدارة المال العام.. والأهرام لم يكن ملكى، ولكنى كنت أنظر إليه على أنه مسئوليتى، وأعطيه كل جهدى، وكان قصدى من ذلك معالجة الخلل الناشئ عن مفهوم الملكية الاجتماعية، وكنت أعتبر أن الأهرام يجب أن يكون نموذجا فى كل شىء بما فى ذلك الإدارة العلمية، وقد أعجب عبد الناصر بذلك متمنيا لو كانت مؤسسات الدولة كلها تدار بالطريقة التى يدار بها الأهرام.. وبعد أن زار عبد الناصر المبنى كان يتحدث فى كل مكان عن الأهرام، ويقول إنه سعيد جدا لأن مشروعا نجح فى مصر ويتمنى أن تنجح كل المؤسسات كما نجح الأهرام.
***
كثيرون يرون أن مقالات هيكل كانت صدى لأفكار عبد الناصر، وكان بعضها على الأقل بوحى منه لإيجاد أرضية أو تمهيد أو تقبل لقرارات ومواقف عبد الناصر.
أما هيكل فإنه يقول إن كثيرين فعلا كانوا يتصورون ذلك، وأن التقارير التى تصل إلىَّ من عبد الناصر أنتقى منها الأفكار والمعلومات لأضمنها مقالاتى.. وأنا فعلا أطلعت على مئات التقارير التى كانت تصل إلى عبد الناصر، ومنها تقارير سفرائنا فى الخارج، ولم أجد فيها سوى الأداء البيروقراطى، وكنت عندما أرى عبد الناصر أتناقش معه باستمرار، وكنت أعيش فى وسط الأحداث.. ولم أكن أمد يدى فى جيب عبد الناصر لآخذ منه الأخبار أو أنتظر أن يتصل بى تليفونيا ليخصنى بخبر كبير.. فقد كنت دائما إلى جانبه.. ونتعامل دون وساوس، ولا أنتظر خبرا يتصل بقضية ما، لأنى كنت طرفا فى هذه القضية، وإذا كان عبد الناصر قد طرح فكرة ضمنتها فى مقال، أو شعارا أطلقته فيها، فهذا معناه أن عبد الناصر اقتنع بضرورة طرح الفكرة أو إطلاق الشعار، وكان كثيرون يتضايقون، وكان بعضهم يقول: لماذا لم يعطنا عبد الناصر الفكرة الفلانية وخص بها هيكل..
أما لماذا قرر عبد الناصر تعيين هيكل وزيرا دون مفاتحته فإن هيكل يفسر ذلك ويقول: إن عبد الناصر فاتحنى فى أمر تعيينى وزيرا أربع مرات، وفى كل مرة كنت أعتذر.. المرة الأولى سنة 1956 فى أول حكومة تألفت برئاسته، والمرة الثانية بعد الوحدة مع سوريا سنة 1958، والمرة الثالثة بعد الانفصال، والمرة الرابعة بعد النكسة، وكان يتفهم رغبتى فى أن استمر فى عملى الصحفى، ولكن عندما صدر القرار سنة 1970 لم يفاتحنى، وفوجئت بالقرار بعد صدوره، وأوضح لى بعد ذلك أننا كنا فى حرب استنزاف، وكانت الظروف دقيقة جدا،. قتال فى الجبهة.. وغارات فى العمق.. ووجود سوفيتى فى مصر.. وتحرك سياسى.. ودلائل على قبول مباردة روجرز.. ودلائل أخرى على إعلان وقف إطلاق النار.. ودلائل على استعداد الجيش للعبور بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار التى كانت محددة بثلاثة شهور. وشعر عبد الناصر بأن تلك المرحلة التى تتسم بمزج العمل السياسى بالعمل العسكرى تحتاج إلى إعلام دقيق ومركز يتولاه شخص محيط بالموقف الرسمى وبأسلوب تحركه، ويستطيع أن يعبر عنه دون العودة إليه فى كل صغيرة وكبيرة. وعندما تولى السادات الحكم بعد عبد الناصر طلب منى أن أستمر فى منصب الوزير، وأورد الحجة نفسها التى أوردها عبد الناصر، لأن الرئيس السادات كان على علم بها، وحاولت أن أؤدى دورى إلى جـوار الرئيـس السـادات فى حــرب أكتوبــر وبعــدها بقــدر ما استطعت.. وكانت تلك فترة رائعة فى تاريخ مصر، أسعدنى أنى تمكنت من الحياة وسطها.
***
ولكى نعرف مدى العلاقة بين هيكل وعبد الناصر يكفى أن نعرف أن هيكل هو الذى أعـد برنامــج أول وزارة رأسـها عـبد النـاصر سنــة 1953، وقــد طلــب عبد الناصر من هيكل أن يجمع البيانات الوزارية التى صدرت عن الوزارات المتعاقبة فى سنوات القلق السابقة على الثورة، وطلب صياغة البرنامج على أساس وعود الوزارات السابقة التى لم تنفذها، مع التعهد بتنفيذ هذه الوعود الضائعة. وهــو الــذى كتب فلسفــة الثورة والميثــاق الوطنى وبيان 30 مارس وكل خطب عبد الناصر.
وحين كتب هيكل كتابه (عبد الناصر والعالم) باللغة الإنجليزية بعد رحيل عبد الناصر وترجم إلى اللغة العربية، كتب المقدمة جوردون بروك وقال فيها: (كانت صداقة هيكل مع عبد الناصر صداقة شخصية وقوية إلى درجة أن كتابه هذا يمكن أن يضاف إلى الشهادات التاريخية العظيمة لوقائع الخمسينات والستينات كما بدت عند القمة).
هذه الصداقة كانت فرصة العمر بالنسبة لكاتب مثل هيكل، وكانت تجربة لا تخلو من متاعب ومخاطر، لأن الاحتفاظ بالقرب من الزعيم لم يكن سهلا مع المحاولات العديدة لإبعاده وإفساد هذه العلاقة. وكانت هذه المحاولات من كثيرين ممن كانوا قادرين على إفساد هذه العلاقة فعلا، لولا حرص الاثنين على عدم الوقوع فى الشراك المنصوبة لكل منهمــا.. ومعلــوم أن الحاشية المحيطة بعبد الناصر لم تكن كلها راضية بهـذه الحظــوة، وهــذا شـأن الحاشية دائما، لا تريد أن يقترب من الزعيم أحد غيرها (!)
ومع ذلك ما من مرة سافر فيها عبد الناصر إلا وكان معه هيكل، ليس كصحفى لتغطية الزيارة، ولكن كعضو فى الوفد مع الرئيس، وما من مؤتمر دولى حضره عبد الناصر إلا كان هيكل قريبا منه، إلى حد أن التقارير التى كانت ترفع إلى رئيس الدولة كان هيكل يحاط بها، ولذلك فهو يقول: إننى عايشت تطور فكر عبد الناصر، وحضرت إرساء منطلقاته الأساسية، وفى حديث لصحيفتى الأنوار والصياد يوم 6 سبتمبر 1971 قال: إن علاقتى به كانت علاقة حوار وتفاعل، حتى أننى أخشى أحيانا أن أخلط بين أفكارى وأفكاره.
وكانت الصحف والإذاعات الأجنبية تصف هيكل بأنه الناطق غير الرسمى باسم الرئيس عبد الناصر وباسم مصر، كما أن هناك من كانوا يرون أن هذه العلاقة كانت تسمح للنظام الناصرى بأن يطلق بعض أفكاره أمام الجماهير دون أن يتبناها رسميا، فإن لاقت معارضة تصبح مجرد وجهة نظر شخصية لهيكل.
وتبقى اسئلة كثيرة حول هذه العلاقة النادرة.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف