السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

هيكل وعبد الناصر: التقاءالسلطة والفكر

العلاقة بين هيكل وعبدالناصر حيرت الجميع فى حياة عبد الناصر وبعد رحيله، وتعددت الاجتهادات والتفسيرات، وقد رأيت أن أعرف رأى هيكل نفسه، فى مقابلة معه يوم 6 مايو 1972، ويبدو أنه كان متوقعا هذا السؤال، ويبدو أيضا أن هذا السؤال وجه إليه كثيرا، ولذلك كانت إجابته جاهزة!
قال لى: إن السياسى يحتاج إلى الصحفى، لأن الصحفى يعيش وسط الناس، ووسط الحوادث، ويعرف آراء الناس الحقيقية لأنهم يناقشونه دون حرج ودون حساسيات أو شكليات.
وكان أنيس منصور قد كتب فى آخر ساعة يوم 3 مايو 1972 أن هيكل وجد كل شىء سهلا، ولم يكن عليه إلا أن يمد يده إلى جيب الزعيم ليخرج منه الأخبار، وكان جيب الزعيم فى متناول يده دائما، وحين سألت هيكل يومها عن رأيه فيما كتبه أنيس منصور قال لى: إن الأمر ليس بمثل هذه البساطة، لأن مصدر الخبر عادة لا يدرك ما لديه من أخبار، لأنه يعيش وسط الأحداث من موقع السلطة وليس من موقع الصحفى، ولأن دوامة الأحداث تجعله لا يميز بين ما هو خبر وما ليس خبرا، ولا يشعر دائما بالجديد فيما يفعل، والصحفى هو الذى يملك هذه الحاسة التى تجعله يدرك أن هذا خبر، وأن هذا ليس خبرا، وهذا الجزء من الخبر جديد وهذا ليس جديدا، ومهما يكن نوع العلاقة التى تربط الصحفى بالمصدر فإنه يحتاج إلى جهد خاص لاستخلاص الخبر.
وهذا صحيح.. لأن العلاقة بين الصحفى والسلطة علاقة طبيعية وضرورية للجانبين، فالصحفى يقترب من السلطة دائما لأنها مصدر أخباره ومعلوماته، وكلما توثقت علاقته بها - دون أن يكون ببغاء تردد فقط - يكون قد حقق النجاح، وفى نفس الوقت فإن الزعيم يحتاج إلى الصحفى لكى يسمع منه الحقائق بدون تزييف أو تجميل أو تحامل كما يحدث عادة من أفراد الدائرة الضيقة المحيطة بالزعيم الذين يتحولون مع الوقت إلى مجموعة مغلقة لها مصلحة فى أن يصبحوا هم وحدهم الذين يملكون منافذ أُذن وعين وعقل الزعيم، ومع الوقت لا يرى إلا ما يريدون له هم أن يرى، ولا يسمع إلا ما يسمحون له هم بأن يسمع. أما الصحفى- إذا كان مخلصا للزعيم وليست له أهداف ومصالح وأطماع شخصية، ولم يتحول إلى عضو فى الجماعة الخانقة حول الزعيم- فهو الذى يستطيع أن يقول له بحرية وصدق حقيقة ما يحدث مما قد أخفى عنه، وفى نفس الوقت فإن الزعيم يحتاج إلى الصحفى ليصل عن طريقه إلى الرأى العام، ويكون الصحفى هو الأقدر على طرح فكرة يريد الزعيم اختبارها ومعرفة رد الفعل الشعبى لها دون أن تنسب إليه، أو يريد أن يمهد بها لقرار أو لمشروع أو لاتجاه سياسى جديد ويجعل له أرضية تساعد على القبول الشعبى.. أما إذا كان الصحفى- كما فى حالة هيكل- ليس مجرد صحفى، ولكنه مفكر سياسى واستراتيجى، لديه رؤية للعالم ولحركة التاريخ وحركة المجتمع، فإن الزعيم يحتاج إلى التحدث إليه بحرية عما يجول بخاطره، ويستمع منه، وقد يساعده ذلك على بلورة أفكاره حول موضوع أو موقف سياسى معين.
وليس ذلك غريبا، بل إنه أمر طبيعى حتى إن واحدا من أهم الباحثين فى السياسة والصحافة مانونى o. mannoni صاغ لهذه العلاقة قانونا ملخصه: أن الزعيم لا يعرف كزعيم بحق إلا إذا كان الناس يشعرون بأنهم يفهمون هذا الزعيم، ويمكنهم التنبؤ بما يمكن أن يقرره ويعمله، ويقتنعوا بأنهم لو كانوا مكانه لفعلوا ما فعل، وهذا هو دور الصحفى.
وفى التاريخ القريب علاقات قوية من هذا الطراز.. مثل العلاقة الخاصة التى كانت تربط بين الرئيس الأمريكى جون كيندى وعدد من كبار الكتاب الصحفيين منهم جيمس راستون، وسالز برجر، ورونالد ايفتر، ونوفاك.. ووصلت العلاقة بين كيندى وجيمس راستون إلى حد أن كيندى كان يستشيره فى كيفية التعامل مع أزمة الصواريخ الكوبية التى كانت على وشك إشعال حرب عالمية ثالثة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى.. كذلك كانت الصداقة الخاصة جدا بين الزعيم الفرنسى شارل ديجول والكاتب الشهير أندريه مالرو، أما الزعيم البريطانى ونستون تشرشل فقد كان هو نفسه صحفيا فى فترة من حياته.
***
هناك من يرى أن هيكل كان يحتمى دائما بمظلة عبدالناصر. وحين سألته عن ذلك قال لى: إن هذا الرأى ليس صحيحا على إطلاقه، وهذه هى الحقيقة لأنه تعرض لمضايقات ومشاكل ومؤامرات كثيرة وهو إلى جانب عبدالناصر، وصلت إلى حد إطلاق الرصاص عليه لإرهابه وربما لاغتياله، وذلك بعد أن كتب فى عام 1968 مقالا عن ضرورة التغيير، قال فيه: إن هذا النظام (نظام عبد الناصر) إما أن يغير وإما أن يتغير (!) مما يعنى أن هذه العلاقة الشخصية الخاصة لم تمنعه من أن يمارس النقد للنظام ذاته، وعلى سبيل المثال أيضا كتب فى يوميات الأخبار يوم 12 مايو 1956 يقول: (لم تعجبنى السهرات التى قدمها للإذاعة بعض الوزراء خلال شهر رمضان، لا أفهم أن يشغل وزير الإرشاد وقته بأن يقدم للناس تنهدات شادية ونواح فريد الأطرش.. إن الوزراء لديهم- خصوصا فى هذه الأيام- من خطير الأعمال ما يملأ كل دقيقة من وقتهم.. بصراحة: إن الذى حدث كلام فارغ، أقول الحق وأجرى على الله). وفى يوميات أخبار اليوم يوم 9 فبراير 1957 كتب: (قلت بعد أن رأيت عنوانا على عرض صفحة فى إحدى الجرائد اليومية: متى تسكت الصحف عن النفاق للوزراء حتى لو كان ذلك على حساب أعصاب الناس ومنطق الذوق السليم؟).
قد يبدو مثل هذا الهجوم على الوزراء مألوفا فى هذه الأيام، لكنه كان شيئا غريبا فى وقت كان الجميع يكرسون أقلامهم للمديح والنفاق. وكان النقد يعتبر جريمة. وقد أشارت مجلة نيوزويك الأمريكية إلى مواقف هيكل المعارضة أحيانا أيام عبدالناصر فى عددها يوم 18 يوليو 1971 فقالت: إن هيكل يكتب دائما مقالات تهاجم البوليس السرى فى مصر وتفاهة بعض قادة الجيش والقوات الجوية وتفرغ المنظمات الفلسطينية لإراقة المداد بدلا من إراقة الدماء.
والأمثلة كثيرة للنقد الذى كان هيكل يوجهه للسياسة والسياسيين فى حكم عبدالناصر منها:
* كتب فى الأهرام يوم 17 نوفمبر 1967: (إن أجهزة المخابرات إذا تركت وشأنها بغير رقابة كافية تكتسب فى نموها طبيعة سرطانية مدمرة).
* وكتب فى الأهرام يوم 10 نوفمبر 1967: (لقد تيقنت الأمة العربية أنه ليس بالشعارات تتحقق أمانى الشعوب، ولكن بالفعل. وليس بالخلط ولكن بالوضوح.
* وكتب فى الأهرام يوم 28 يوليو 1967: (فى المجتمع المتحضر تكون المشيئة منظمة: دعوى- محكمة- دفاع- حكم- تنفيذ- أقول ذلك وفى ذهنى عمليات الفصل من الوظائف، والقبض، والحراسة، وفى ظنى أنه حان الوقت لوضع نهاية لها.
* وكتب يوم 11 أغسطس 1967: (ثم هناك مسألة الإرهاب الفكرى، ما أن يرتفع صوت برأى حتى ينطلق البعض يدعون عليه بما لم يقله، ثم ينصبون أنفسهم وكلاء للاتهام، وقضاة للحكم، وجلادين للتنفيذ أيضا.. مع أن الذين يمارسون هذا الإرهاب ليسوا أصحاب عقائد مهما ادعوا.
* وكتب يوم 20 ديسمبر 1968: (فى الفترة الأخيرة، ومع التداخل المتشابك بين العمل السياسى والعمل التنفيذى، فإن البيروقراطية المصرية كادت تضع وتفرض معايير قاسية تجاه ما تمارسه الصحافة حيالها، ووصلت فى ذلك إلى حد تكاد تقرر فيه أن النقد البناء هو مجرد التصفيق لكل تصرف، والنقد الهدام هو الاعتراض على أى تصرف).
*وقال فى حديث للتليفزيون الفرنسى يوم 21 أغسطس 1970 - قبل وفاة عبدالناصر- (جاء وقت اعترض فيه الاتحاد الاشتراكى العربى على ما كنت أكتب، وكنت أعارض ما كان يقوله، وكان الاتحاد الاشتراكى يعارض ما كنت أكتبه).. وهذا الحديث من مطبوعات هيئة الاستعلامات.
وكان هيكل يستطيع أن يختلف مع عبدالناصر أيضا.. حين فكرت الثورة فى إصدار جريدة تعبر عنها وهى جريدة الجمهورية، طلب جمال عبدالناصر من هيكل أن يتولى الإشراف عليها فاعتذر، وقال لعبدالناصر إن الفارق بين الثورة والحكومة ضائع، وفى النهاية فليست هناك صحيفة ستصدر عن الثورة ولكنها ستعبر عن الحكومة، والثورة لا تحتاج إلى جرائد تعبر عنها، لأن كل صحافة مصر تفعل هذا الشىء، وعندما قرر هيكل بعد ذلك قبول رئاسة تحرير الأهرام ذهب إلى عبدالناصر يوم 27 إبريل 1957 يبلغه أنه وقّع العقد فعلا، فقال له عبد الناصر: أليس غريبا أن تقبل العمل فى الأهرام وأصحابه أسرة تقلا بينما اعتذرت عن العمل فى الجمهورية وأنا صاحبها، وكان امتياز الجمهورية حين صدورها باسم عبدالناصر، فقال هيكل: (إن الأهرام له صاحب أستطيع أن أتعامل معه مهنيا، أما الجمهورية فلا يمكن أن يكون لديك الوقت لممارسة مسئوليات صاحبها وبالتالى فهى بلا صاحب).
***
ولا شك أن ثقة عبدالناصر فى سلامة قصد هيكل، وفى حقيقة مشاعره وولائه كبيرة، هذه الثقة أعطت هيكل القدرة على أن يقول ما لم يكن غيره يجرؤ على قوله. وقد صدر فى بيروت عام 1968 كتاب بعنوان (وثائق النكسة) عن دار الكاتب العربى قال فى مقدمته قدرى قلعجى: (أول من شق طريق الاعترافات وفتح باب النقد الذاتى على مصراعيه هو الأستاذ محمد حسنين هيكل)، وقالت مجلة الحوادث اللبنانية يوم 25 أغسطس 1967: (بقدر ما كانت علاقة هيكل بعبد الناصر سببا فى تقدمه وارتفاع مكانته، فقد جعلته أمام الكثيرين مسئولا عن كل أخطاء السياسة، ولم يعد البعض يسأل عما قاله، بل أصبح يسائله عما لم يقله، وأصبح الكثيرون يحمّلون السطور أكثر مما تحتمل، ويبحثون عما وراء السطور، وهذا هو السبب لما تعرض له هيكل كثيرا من سوء الفهم).
وهيكل هو أول من قال عقب موت عبد الناصر: إن عبدالناصر ليس تمثالا، وإن الناصرية يجب ألا يتوقف نموها بعد عبدالناصر، ولم يسلم بسبب ذلك من الهجوم عليه واتهامه بأنه يشكك فى منهج عبدالناصر ولم يمض على وفاته سوى أربعين يوما فقط، وهذا يتعارض مع الوفاء، واتهامه بأن دعوته الملحة إلى التجديد الغرض منها إثارة البلبلة والانشقاق فى الداخل. والحقيقة أن حب هيكل لعبدالناصر لم يمنعه من أن يحرص على قطع الطريق على المجموعة التى نصّبت نفسها كهنة عبد الناصر، والورثة الشرعيين الذين يحق لهم وحدهم أن يتحدثوا باسم عبدالناصر بعد موته وتكون لهم الكلمة فى مواجهة السادات وهو الرئيس الشرعى، وكان حرص هيكل على حماية الشرعية أكبر من الخوف من أن يساء فهم موقفه، بل لقد طرح هيكل مسألة مستقبل مصر إذا مات عبدالناصر، وذلك فى أثناء حياة عبد الناصر، ففى حديث له مع بوادلوا بوكاريللى نشرته مجلة الأدريو الإيطالية يوم 27 أغسطس 1970 قال هيكل: الواقع لن يحدث شىء لمصر إذا حدث شىء لعبدالناصر، ولن تختفى مصر لاختفاء أحد زعمائها، لأن عبدالناصر لم يصنع مصر، ولكن مصر هى التى صنعته، وإننى لا أريد أن أكون غامضا، ولكننى أريد القول بأن مصر لها تأثير خاص لا يقهر.. وإننا سوف ننجح فى الاستمرار، وسوف يظل الأمل يجرى ما دامت مياه النيل تجرى.
ملخص ذلك أن العلاقة الخاصة التى كانت تربطه بعبدالناصر كانت من أهم أسباب صعوده، ولكن ذلك لم يكن يحدث لو لم يكن هو مؤهلا للصعود بذكائه، وموهبته، وقدراته المهنية والسياسية.. وفى نفس الوقت لم يكن مجرد الصدى لصوت عبدالناصر.. ولم يكن الببغاء التى تردد كلماته، ولم يكن (كداب الزفة) فى موكب عبدالناصر كما كان آخرون معه وكما كان كثيرون وبعده..
***
هل كان هيكل مستشار السوء كما قال إبراهيم سعدة فى يوم من الأيام؟.
ففى أخبار اليوم يوم 30 إبريل 1982 كتب إبراهيم سعدة مقالا بعنوان (مستشار السوء) قال فيه: إن هذه صفحات من كتاب انتهى من كتابته سنة 1979 ونشر فى حلقات فى ذلك الوقت فى صحيفة الشرق الأوسط التى تصدر فى لندن، والكتاب هو أقرب إلى التحقيق الصحفى حول القضية التى اتهم فيها الكاتب الكبير مصطفى أمين فى سنة 1965، وحكم عليه الدجوى بالأشغال الشاقة المؤبدة، وأمضى مصطفى أمين 9 سنوات فى السجن ثم أفرج عنه الرئيس السادات وأعاده إلى الصحيفة التى أنشأها مع شقيقه الراحل على أمين.
وقال إبراهيم سعدة: فى مقاله كان عبدالناصر صديقا حميما لأسرة أبو الفتح، ثم تخلص منها فجأة، فصادر (المصرى) وفرض الحراسة على آل أبو الفتح، وحكم بالسجن الغيابى على صديقه القديم أحمد أبو الفتح، وحدث نفس الشىء مع جلال الدين الحمامصى رئيس تحرير الجمهورية، ومنعه من الكتابة لمدة 14 سنة، ومع فكرى أباظة أيضا.. وغيرهم.. وغيرهم.. وغيرهم!
ويعتقد مصطفى أمين أن عبدالناصر ليس وحده المسئول عن البطش بالصحفيين، وإنما المسئول الأول كان محمد حسنين هيكل. كان هيكل يريد أن يصبح الصحفى الأوحد فى مصر، ولم يكن يستطيع أن يفعل ذلك إلا إذا تخلص من جميع الصحفيين المنافسين، ويلخص مصطفى أمين ذلك فيقول:
(كان هيكل يشغل منصب المستشار الصحفى الذى كان وراء كل قرار اتخذه الرئيس عبدالناصر ضد أى صحفى فى مصر، كان يحرض الرئيس للبطش بالصحفى، وعندما يوقع الرئيس على قرار البطش كانت سعادة هيكل الحقيقية فى الذهاب إلى الصحفى المجنى عليه ليبلغه قرار الذبح).
عندما تولى محمد حسنين هيكل رئاسة تحرير الأهرام، كان أول قرار له هو منع تجديد عقد أحمد الصاوى محمد الذى كان يرأس تحرير الأهرام قبل وصول هيكل ويكتب مقالا يوميا فى الصفحة الأولى بعنوان (ما قل ودل). وكان هيكل يتصور أن الصاوى سيضطر إلى الاعتكاف فى منزله ويعتزل الصحافة بعد انتهاء عقده من الأهرام، ولكنه فوجئ بأخبار اليوم تعيد الصاوى رئيسا لتحرير الأخبار فى اليوم التالى مباشرة على خروجه من الأهرام، ولم يكن هيكل يستطيع أن يعترض هذا التحدى من جانب أخبار اليوم، ولكنه فى نفس الوقت وجد من يستطيع أن يعترض ويحتج. وجد الرئيس جمال عبد الناصر ليتولى هذه المهمة بالنيابة عنه، وبالفعل اتصل الرئيس جمال عبد الناصر بمصطفى أمين وسأله:
- لماذا عيَنت أحمد الصاوى محمد فى الأخبار؟
ورد مصطفى أمين:
- ولماذا لا أعينه؟ إنه كاتب كبير، تخلى عنه الأهرام ورأيت أن تستفيد منه أخبار اليوم.
- ولماذا لم تستأذن فى تعيين الصاوى أولا؟
ورد مصطفى أمين:
- لم يسبق أن استأذنت رئيس الجمهورية فى تعيين أحد الصحفيين.
قال عبدالناصر بحدة:
- إن تعيين رئيس تحرير فى صحيفة أهم عندى من تعيين الوزير. وهيكل يعرف هذا وقد استأذن أولا فى إنهاء عقد الصاوى مع الأهرام، وأحب أن تستأذن مستقبلا عند تعيين أو رفت أحد رؤساء التحرير فى أخبار اليوم.
ويستطرد مقال إبراهيم سعدة:
وهناك قصة أخرى عن هواية عبدالناصر وسعادته بالبطش بالصحفيين، كان هناك الكاتب الصحفى محمود عبدالمنعم مراد وكان نجما لامعا فى صحيفة (المصرى) قبل قيام الثورة، وبعد قيام الثورة وقف محمود عبدالمنعم مراد بقلمه بجانبها وأيدها، ولكنه عندما وجد منها انحرافا انتقدها وهاجم بعض الخطوات التى أقدمت عليها. وثار عبد الناصر وهاج، ثم هدأ عندما أغلق (المصرى) وتشرد عشرات من الصحفيين الذين لم يجدوا صحيفة تقبلهم، وكان من بينهم محمود عبد المنعم مراد، ولكن مصطفى أمين لم يترك هذا الكاتب اللامع يضيع فى الظلام. استدعاه وعينه فى أخبار اليوم وأفرد له صفحة اليوميات فى الأخبار مرة كل أسبوع ليكتب مقالاته الشائقة. واتصل عبد الناصر بمصطفى أمين وقال له:
- أنا لا أقرأ الأخبار هذه الأيام.
وانزعج مصطفى أمين وسأل بسرعة:
- لماذا يا سيادة الرئيس؟
أضاف عبدالناصر:
- ولن أقرأها ما دام يكتب فيها محمود عبدالمنعم مراد، ويجب فصله لأنه شتم الثورة ولا يستحق أن يكتب فى صحافة الثورة.
واحتار مصطفى أمين ماذا يفعل بعد انتهاء المحادثة التليفونية. فقرار الفصل يعنى حرمان عبدالمنعم مراد من المرتب الوحيد الذى يعيش منه، وانتهى مع على أمين إلى فكرة إقناع عبد المنعم مراد بالعمل والكتابة فى الأخبار وأخبار اليوم بدون أن يوقع باسمه تحت مقالاته.
وبعد أسابيع اتصل عبد الناصر بمصطفى أمين وقال له:
- أنا لا أقرأ الأخبار يا مصطفى.
وبنفس الانزعاج السابق سأل مصطفى أمين:
- ولماذا يا سيادة الرئيس؟
فقال عبد الناصر:
- لقد طلبت منك منع عبدالمنعم مراد من الكتابة فى الأخبار، ولكننى علمت أخيرا أنه يكتب بصفة منتظمة فى الأخبار بدون توقيع.
وفهم مصطفى أمين أن هيكل هو الذى أخبر عبدالناصر بأن مصطفى أمين لم ينفذ أمره ولم يفصل عبد المنعم مراد، وأخذ مصطفى أمين فى إقناع عبدالناصر بالعفو عن عبدالمنعم مراد والسماح له بالعمل حتى لا يجوع هو وأفراد أسرته، خاصة أن عبدالمنعم مراد لم يعد يهاجم الثورة، كما أنه لا يوقع باسمه تحت مقالاته وهذا أقصى عقاب يمكن أن يتعرض له الكاتب، وتنازل رئيس الجمهورية ووافق على اقتراح مصطفى أمين وسمح لعبدالمنعم مراد باستمرار العمل والحياة!!
وتصور مصطفى أمين أن المسألة اعتبرت منتهية، وأن رئيس الجمهورية لن يشغل وقته وتفكيره بعد ذلك فى كيفية منع عبد المنعم مراد من الكتابة فى أخبار اليوم. ولكن مصطفى أمين كان واهما فى تصوره.
وبعد فترة فوجئ مصطفى أمين بخطاب من عبد المنعم مراد يشتمه فيه ويتهمه بأنه خدعه عندما منعه من التوقيع تحت مقالاته بحجة أن عبد الناصر هو الذى أمر بذلك، وقال عبد المنعم مراد إنه تأكد من أن عبد الناصر لا شأن له بهذا القرار، وأن مجلس قيادة الثورة لا يكرهه، وأن عبدالناصر يحبه. وانتهى الخطاب باتهام مصطفى أمين بأنه هو الذى يغار منه ويحاول أن يمنع ظهور اسمه فى الأخبار.
واستدعى مصطفى أمين عبد المنعم مراد وسأله عما دفعه إلى كتابة هذا الخطاب ففوجئ بعبد المنعم مراد يقول له إن زكريا محيى الدين استدعاه منذ أيام وقال له إن مجلس قيادة الثورة قرر بالإجماع اختياره لرئاسة تحرير صحيفة الجمهورية وبضعف المرتب الذى يتقاضاه من أخبار اليوم.
وتصور مصطفى أمين أن عبد المنعم مراد يهزل أو أصيب بأوهام اليقظة وأحلامها، فهو يعلم مدى الكراهية التى يكنها له جمال عبد الناصر، وحاول مصطفى أمين أن يناقش عبد المنعم مراد فى هذه الرواية الغريبة، ولكنه فوجئ بعبد المنعم مراد يقدم له استقالته من أخبار اليوم، واضطر مصطفى أمين إلى قبول الاستقالة. وخرج عبد المنعم مراد من أخبار اليوم فى طريقه إلى رئاسة تحرير الجمهورية، ولكنه ضل الطريق إليها، ولم تطأ قدمه دار الجمهورية أبدا. كانت القصة مجرد خدعة بارعة من جمال عبد الناصر. لقد ضحك عليه ووعده برئاسة تحرير الجمهورية ليدفعه إلى تقديم استقالته من أخبار اليوم، وعندما تحقق له ذلك تركه فى الشارع بلا عمل وبلا مرتب.
يقول إبراهيم سعدة فى مقاله:
هذه القصص وغيرها تضفى على العلاقة بين عبد الناصر ومصطفى أمين ظلالا من الفتور، وكان هيكل يغذى هذا الفتور بالدس بين الرجلين، ولكن العلاقة ذاتها بين مصطفى أمين وجمال عبد الناصر لم تنقطع أبدا، كانت تبرد وقتا، ثم تعود إلى حالتها الطبيعية مرة أخرى، ولم تنجح محاولات هيكل الدءوب الذى لا يكل ولا يمل من البطش بمصطفى أمين، إلى أن حانت فرصة العصر لمحمد حسنين هيكل للبطش بمصطفى أمين نتيجة خطأ غير مقصود ولا شأن لمصطفى أمين به. حدث هذا عندما سافر جمال عبد الناصر إلى الهند وباكستان فى سنة 1959 ولم يستطع مصطفى أمين السفر معه بسبب اضطراره لدخول مستشفى الدكتور الكاتب لإجراء عملية جراحية دقيقة.
وقتها كانت مصر كلها مشغولة بمتابعة آخر مغامرات السفاح الذى يقتل المواطنين وعجزت الشرطة عن القبض عليه، ولعبت صحافة أخبار اليوم دورها التقليدى فى جذب اهتمام القارئ عن طريق تقديم القصص والروايات المثيرة لمغامرات السفاح، وكانت الصفحة الأولى وبعض الصفحات الداخلية مخصصة كلها لنشر أخبار وتحركات السفاح.
وحدث أن نجحت الشرطة فى قتل السفاح، ونشر الخبر فى الصفحة الأولى جنبا إلى جنب مع تغطية رحلة الرئيس جمال عبد الناصر إلى الهند وباكستان. وكانت عناوين الصفحة الأولى- المانشيت- تقول: السطر الأول مصرع السفاح- السطر الثانى عبد الناصر فى باكستان. وكان بين السطرين خط أسود، ولكن هذا الخط الفاصل سقط عفوا عند تجهيز الصفحة فى المطبعة، وإذا بالقارئ يقرأ فى صباح اليوم التالى الخبر المثير (مصرع السفاح عبدالناصر فى باكستان). وعندما عاد عبد الناصر من رحلته استمع إلى من يقول له إن أخبار اليوم تعمدت هذا الخطأ بهدف النيل منه، وأن سقوط الخط الفاصل هو حجة غير معقولة، ولو وجد حُسن نية بالفعل لما نشر خبر مصرع السفاح قبل خبر سفر الرئيس إلى باكستان، ولابد أن مصطفى أمين هو الذى تعمد ذلك، ويجب ألا تمر هذه المؤامرة بدون عقاب. وسرعان ما جاء العقاب بالتهديد والوعيد على لسان مستشار الرئيس لشئون البطش بالصحفيين محمد حسنين هيكل. فوجئ مصطفى أمين بمحمد حسنين هيكل يزوره فى غرفته بمستشفى الكاتب بالدقى وقال له:
- لقد جئت اليوم حاملاً رسالة خاصة من الرئيس جمال عبد الناصر.
وتصور مصطفى أمين على الفور أن الرسالة تتضمن تمنيات الرئيس بسرعة الشفاء، ولكن الرسالة كانت تحمل تهديدا خطيرا. قال هيكل:
- طلب منى الرئيس أن أبلغك الرسالة التالية وهذا نصها: (إنك قلت إن مصرع السفاح عبد الناصر فى باكستان، وهو- أى الرئيس- يقول لك إن مصرع مصطفى أمين سيكون فى القاهرة).
انتهت الرسالة التهديدية.
وبعد أيام قليلة أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قراره بتأميم الصحافة، وهو الإجراء الذى أطلق عليه اسم (تنظيم الصحافة). وصدر قرار تشكيل مجلس إدارة أخبار اليوم الجديد بدون ذكر اسم مصطفى أمين وعلى أمين، وجاء الصحفيون الأجانب لزيارة مصطفى أمين وعلى أمين لسؤالهما عن رأيهما فى هذا القرار الذى سلب منهما دارهما ورأس مالهما الوحيد. فقال مصطفى وعلى أمين انهما اختارا جمال عبدالناصر زعيما وقائدا لشعب مصر، واذا كان الرئيس يرى أن تأميم الصحافة هو فى صالح الشعب، فانهما يوافقان على هذا الرأى، وأضاف مصطفى أمين إلى ذلك بأنه يوافق على أن يعمل فى أى منصب يختاره له الرئيس فى أخبار اليوم.
وبعد ساعات عرف عبد الناصر بنص هذا الحديث الذى دار بين الصحفيين الأجانب ومصطفى وعلى أمين، فاتصل الرئيس بمصطفى أمين وقال له:
- لقد قلت للصحفيين الأجانب إنكما توافقان على العمل فى أى منصب بعد قرار تنظيم الصحافة، وكنت أتصور أنكما ترفضان العمل بالصحافة بعد هذا القرار كما قيل لى.
فرد مصطفى أمين:
- تذكر سيادتك انك قررت تنظيم الصحافة فى سنة 1954 ويومها رجوتك تأجيل هذا القرار حتى ننجح فى الارتفاع بمبنى أخبار اليوم حتى الدور التاسع بدلا من الدور الثالث فقط، وقد وافقت على اقتراحى، والآن نجحنا فى أن يرتفع مبنى أخبار اليوم حتى الدور العاشر، وبالتالى فمن غير المعقول أن نرفض العمل الآن فى أخبار اليوم. وكنت أعلم بقرار تنظيم الصحافة قبل صدوره بعدة سنوات، ورغم ذلك عملت مع زملائى بحماس حتى يرتفع مبنى أخبار اليوم ونجعله أضخم مبنى صحفى فى المنطقة.
وارتاح عبد الناصـر لهذا الـرد. وطلب من مصطفى أمين أن يتصل فورا بالدكتور عبد القادر حاتم وزير الإعلام وقتذاك، وسأخبره الآن أننى عينتك نائبا لرئيس مجلس إدارة أخبار اليوم، ويجب أن تذهب الآن إلى مكتبك، وبذلك لا يمر يوم واحد على وجودك خارج أخبار اليوم.
وبعد أيام التقى جمال عبد الناصر بمصطفى أمين وقال له إنه يريده أن يتولى نفس الاختصاصات التى كانت له قبل التأميم.
وواصل على ومصطفى أمين نشاطهما بكل حماس فى أخبار اليوم بنفس الحماس الذى تميزا به عندما كانا يملكان الدار، ولكن عبد الناصر اختار أحد الضباط اسمه أمين شاكر لا علم له ولا معرفة بالصحافة، وكل صلته بها أنه كان يصدر بأموال الدولة مجلة فاشلة اسمها(بناء الوطن) خسّرت خزانة الدولة أموالا طائلة. كانت مجلة لا تقرأ، توزع بالأمر على المصالح والمكاتب الحكومية.. وكانت أخبار اليوم تتولى طباعتها- وعندما تراكمت ديونها لدى أخبار اليوم صدر قرار بمنع الطبع إلا بعد سداد الديون السابقة. وثار أمين شاكر، واعتبر هذا التصرف من جانب أخبار اليوم- قبل التأميم- بمثابة مؤامـرة على فكـر الثـورة وحجـرا على مفاهيمهـا، واتهم علـى ومصطفى أميـن بأنهما ضـد الثـورة، ويحــاولان أن يمنعـا صــدور (بناء الوطن) خوفا على (آخر ساعة) و(الجيل) من المنافسة.
وكان عبد الناصر على علم بهذه الكراهية التى يكنها أمين شاكر لمصطفى وعلى أمين، ولهذا السبب اختاره هو-من دون سكان مصر- ليتولى منصب العضو المنتدب لأخبار اليوم بعد التأميم.
***
ويمضى مقال إبراهيم سعدة فى رواية الخلافات بين مصطفى وعلى أمين وأمين شاكر، وما كانت تعانيه أخبار اليوم من الصراعات، ويقول : حدث هذا رغم أن (الأهرام) كان وقفا على محمد حسنين هيكل وحده، هو الذى اختار من يعمل معه، وهو الذى يتصرف فى كل صغيرة وكبيرة فى شئون (الأهرام) وجميع القرارات التى صدرت بعد ذلك واستهدفت تنظيم (وتظلم) الصحافة كانت مقصورة على (أخبار اليوم) وغيرها، أما الأهرام فقد نجا من هذه القرارات ولم يكلف هيكل قرارا واحدا من قرارات الاتحاد القومى أو عن الاتحاد الاشتراكى ويتعلق بالصحافة وتنظيم العمل داخل الدور الصحفية.
وعندما فشلت جميع المحاولات لضرب أخبار اليوم تصور البعض أن الحل الوحيد هو إبعاد التوأم أمين من أخبار اليوم، فنقلا إلى دار الهلال، ثم انفصل التوأم، وعاد مصطفى أمين وحده إلى أخبار اليوم وبقى على أمين فى دار الهلال، ويطير إلى لندن مراسلا للأهرام تحت رئاسة محمد حسنين هيكل ثم يقبض على مصطفى أمين وتوجه إليه تهمة التخابر والتجسس، وينفى على أمين 9 سنوات.
***
يقول إبراهيم سعدة بعد ذلك:
إن الجديد فى هذه التفاصيل ما رواه لى مصطفى أمين، وكيف أن هيكل كان وراء تلفيق القضية ضده، وذكر أن هيكل كان يزوره باستمرار فى سجن الاستئناف لا بهدف السؤال عنه، وإنما بغرض معرفة أخباره ونقلها أولا بأول إلى جمال عبدالناصر. اتضح هذا عندما زاره فى إحدى المرات، فاخبره مصطفى أمين أنه تلقى رسالة من على أمين، وكان مصطفى أمين يتلقى رسائل على أمين بانتظام، وبعد انتهاء المقابلة مع هيكل فوجئ مصطفى أمين بانقطاع رسائل على أمين ولم تعد تصل إليه فى مواعيدها. تبين أن هيكل أخبر عبدالناصر بأن مصطفى أمين يتلقى رسائل سرية من على أمين فى لندن، فصدرت التعليمات بفتح خطابات على أمين وتصويرها من عدة نسخ وترسل نسخــة منها إلى عــدد مـن المسئولين ومــن بينهم محمد حسنين هيكل نفسه، وبعد أخذ آراء جميع هؤلاء المسئولين فى الرسالة يسمح بتسليم الأصل إلى مصطفى أمين.
وكان هيكل يزور مصطفى أمين فى السجن ويؤكد له أنه يثق ثقة كاملة فى براءته، وعندما حدثه مصطفى أمين مرة عن التعذيب الذى تعرض له تأثر هيكل تأثرا شديدا وبكى بدموع حقيقية أمام مصطفى أمين تعاطفا معه وقال له إنه سيخبر الرئيس بأمر هذا التعذيب.. وعندما أفرج عن مصطفى أمين فوجئ بأن هيكل كان يشيع فى كل مكان أن مصطفى أمين جاسوس 100% وأنه أخبر جميع رؤساء الدول العربية وجميع السفراء والوزراء العرب وجميـع الصحفيين الكبــار فى العواصــم العربيـة بهذا الرأى، وكيف أن القــرائن كلها والأدلـة تدين مصطفى أميـن بالخيـانة العظمـى. وعندمــا أفــرج الرئيس أنور السادات عن مصطفى أمين، فوجئ مصطفى أمين بالرئيس السادات يقول له عندما قابله إنه كان قد قرر الإفراج عنه فور توليه رئاسة الجمهورية بعد وفاة عبد الناصر ولكن هيكل أخبره بأن مصطفى أمين يعقد اجتماعات مستمرة مع على صبرى وسامى شرف فى السجن ويعدون كتابا أسود عن أنور السادات، واندهش أنور السادات من هذه المعلومات واستبعد أن يتقابل أو يتعاون مصطفى أمين مع على صبرى وسامى شرف وهما اللذان ساهما فى الإيقاع به وسجنه.. ولكن الرئيس السادات ظن أن وجود الثلاثة فى السجن فى وقت واحد أدى إلى تحالفهم ضده، ولهذا السبب أجل قراره بالإفراج عن مصطفى أمين، وعندما أمر السادات بالتحقيق فى هذه المعلومات بعد 6 شهور فوجئ بأن السجن الذى يقيم فيه مصطفى أمين يبعد عن سجن على صبرى وسامى شرف بمسافة 6 كيلومترات، وبالتالى يصعب جدا تصديق ما قاله هيكل عن مقابلات تمت بين الثلاثة.
ويقول المقال:
هذا الإصرار الغريب من جانب هيكل على عدم الإفراج عن مصطفى أمين، قابله تصرف مثير للدهشة من جانب هيكل، فقد عين رتيبة ابنة مصطفى أمين الكبرى فى الأهرام بمرتب ثلاثين جنيها فور تخرجها فى الجامعة! شخصية غريبة.. لرجل أوقع منافسه الأول وفى نفس الوقت أعطى ابنة هذا المنافس وظيفة بمرتب لا بأس به، وقال الناس: ما أنبل هيكل، إنه ساعد ابنة مصطفى أمين المسجون، إنه يرد له الجميل بأحسن منه.
ويروى مصطفى أمين قصة أخرى عن هيكل وعلى أمين، كان هيكل يكتب لعلى أمين وهو فى لندن يطمئنه على أنه يقوم بجهد خارق لدى جمال عبدالناصر لإثبات براءة مصطفى أمين، ولكن هذا سيستغرق وقتا طويلا، وكان على أمين يصدق هيكل ويرسل له شكره مع أصدقاء الطرفين وبالذات سعيد فريحه. وعندما عاد على أمين إلى مصر وتقابل مع الرئيس السادات وعرف الدور الذى لعبه هيكل لمنع السادات من الإفراج عن مصطفى أمين، ثار على أمين ثورة عاتية على هيكل، فقد كانت صدمته فيه أكبر من صدمة مصطفى أمين، فقد كان يثق فى هيكل ويحبه فى حين أن مصطفى أمين لم يكن يثق أبدا فى هيكل، ولولا على أمين لما استمر هيكل يعمل فى أخبار اليوم فى بداية شبابه.
وعندما أبعد الرئيس أنور السادات هيكل عن الأهرام وعين بدلا منه على أمين أمسك على أمين بقلمه وكتب فكرة يغمز فيها هيكل ولكنه لم ينشرها أبدا. واحتفظ بها فى أوراقه إلى أن مات على أمين وأطلعنى مصطفى أمين على فكرة على أمين التى لم تنشر. وهذا نصها:
<U>فكـرة</U/>
مات!
ودفنته أمس فى التراب.
وكنت الوحيد الذى سار فى جنازته. فقد تخلى- رحمه الله- عن كل أصدقائه واحدا واحدا.. رفسهم بقدمه وهو يصعد إلى فوق!
ولم تنشر الصحف خبر وفاته، لأن معارفه يتصورون أنه لا يزال على قيد الحياة.
ولكنى رأيته وهو يلفظ آخر أنفاسه!
وذرفت عليه دموع القلب ودموع العيون!
ولا أعرف لماذا بكيت عليه وهو لم يمت فجأة.. كان يذبل أمامى يوما بعد يوم.
وهو لم يمت قضاء وقدرا، إنما فضّل الانتحار!
وأنا لا أبكى أبدا على منتحر.. ولكننى وجدت نفسى أبكى عليه وأحسست بقلبى يتمزق!
ولا أعرف لماذا فضّل هذه النهاية الغريبة. كان المستقبل يبتسم له. كان الحظ يسير فى ركابه. وكانت الناس تحسده على النجاح الذى وصل إليه، وكنت أؤمن أنه لا يزال فى أول الطريق، وأن نجاحه فى الغد سيفوق نجاح اليوم والأمس! وكانوا يحاسبونه على أخطائه وكنت أتسامح فيها.. كنت أعتقد أنه لا يزال طفلا وأنه سيكبر فى يوم من الأيام وتكبر أخلاقه وتكبر تصرفاته ويشتد عموده الفقرى!
ولكنه لم يكن واثقا بنفسه. كان غروره الذى يراه الناس هو مركب نقص يحاول أن يخفى به عدم ثقته بنفسه. كانت أكاذيبه هى الوسائد التى يضعها تحت قدميه ليخفى قصر قامته ويوهم الناس أنه طويل القامة!
وكان نكرانه للجميل مجرد ضعف ذاكرة!
رحمه الله!
إننى لا أريد أن أنشر اسمه لأننى مازلت أحبه.. ولا أريد أن يشمت فيه خصومه ويعرفوا أنه انتحر.
على أمين
***
يقول إبراهيم سعدة:
كانت هذه (فكرة).. التى كتبها على أمين عندما تولى منصب مدير تحرير الأهرام بدلا من هيكل. (يلفت النظر أن على أمين عينه السادات مديرا لتحرير الأهرام وليس رئيسا للتحرير وكان ذلك مثار دهشة-)، ولكنه لم ينشرها شفقة بهيكل الذى يعترف على أمين بأنه لايزال يحبه.. وهذا الحب هو الذى جعل على حمدى الجمال- مدير تحرير الأهرام- يحاول أن يجمع بين على أمين ومحمد حسنين هيكل بعد إبعاد الأخير من الأهرام بأمر من الرئيس أنور السادات، ولكن حب على أمين لهيكل يقل بالطبع عن حبه لأخيه مصطفى، لقد اشترط على أمين أن يكتب هيكل اعترافا بالدور الذى لعبه فى الإيقاع بأخيه، وتلفيق التهمة له، ووعد على أمين بالتصالح مع هيكل بعد كتابه هذا الاعتراف، وفهم هيكل أن على أمين لا يريد الصفح، وبدأت الحرب بين هيكل ومصطفى وعلى أمين تتخذ شكلا واضحا وسافرا، ولم تعد تلك الحرب الخفية والسرية، وقام الصحفى الفلسطينى ناصر الدين النشاشيبى- صديق الطرفين- بنشر سلسلة من الأحاديث مع على ومصطفى أمين من جانب ومحمد حسنين هيكل من جانب آخر فى مجلة (الحوادث اللبنانية) وتحدث كل جانب عن الجانب الآخر بما يراه اتهاما ضده ودفاعا عن نفسه.. واستمر العداء حتى يومنا هذا، وحتى بعد وفاة على أمين.. وإذا كان هيكل يؤكد الآن- صراحة- أن مصطفى أمين (جاسوس) وأنه أصيب بالغثيان عندما أتيحت له فرصة سماع التسجيلات الصوتية لأحاديث مصطفى أمين السرية مع ملحق السفارة الأمريكية قبيل القبض عليه فى سنة 1965 فإن الدفاع عن مصطفى أمين- الأستاذ شوكت التونى المحامى- جمع وقائع ليؤكد أن محمد حسنين هو الجاسوس الذى عمل ضد بلاده لحساب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
أعلن شوكت التونى هذا الرأى أمام المحكمة فى مرافعته عن مصطفى أمين- المدعى المدنى- فى قضية التعذيب الكبرى وضد صلاح نصر وحسن عليش ويسرى الجزار، وهى القضية التى نظرتها هيئة المحكمة المكونة من المستشار أنور حسن مرزوق رئيسا والمستشارين محمد مصطفى حسن وعبد المعطى ناصر عضوين وكانت المحكمة قد استمعت إلى أقوال محمد حسنين هيكل الذى نفى أن مصطفى أمين حدثه- وهو فى السجن- عن تعرضه للتعذيب فى مبنى المخابرات فور القبض عليه، وقال محمد حسنين هيكل أيضا إنه أصيب بالغثيان عندما استمع إلى أحاديث مصطفى أمين مع رجل المخابرات الأمريكى وهى الأحاديث التى تثبت- من وجهة نظر هيكل خيانة مصطفى أمين.
ورد شوكت التونى على أقوال الشاهد محمد حسنين هيكل فقال: أما الصحفى محمد حسنين الذى زار مصطفى أمين عدة مرات حتى قال له مصطفى أمين (ارحمنى من زياراتك) لأنه أدرك أنها زيارات (تشفى) لأن مصطفى أمين يؤمن بأن مدبر المؤامرة عليه هو حسنين هيكل لأنه- كما ذكر هيكل نفسه- صاحب الفضل عليه، فلابد أن يجازيه شرا عن خير صنعه، طبيعة النفوس اللئيمة.
ثانيا: أنه يريد أن يزيحه من مكانته لدى ولى النعم عبدالناصر.
ثالثا: لأنه يريد أن يبعده عن الصحافة حتى يصبح هو- هيكل- امبراطور الصحافة.
لقد أنكر هيكل أن مصطفى أمين قد شكا إليه تعذيبا وقع عليه، ولكى يؤكد صدقه تحدث عن أفضال على ومصطفى أمين عليه، كما ذكر أنه وافق على صرف نصف مرتب لأسرة مصطفى أمين فى سنة 1967 أى بعد سنتين من سجن مصطفى أمين، ولكن الكلمة التى أثارتنى هى قولته إنه عندما قرأ تفريغ الأشرطة عاد مصابا بالغثيان، أى يكاد يتقيأ- قرفان- مما سمع من خيانة مصطفى أمين، لذلك فإننى أحدث وأطيل عن هذا الشاهد أقدم لحضراتكم كتابا كتبه أول رئيس للجمهورية هو اللواء محمد نجيب وهو كتاب (كلمتى للتاريخ) يقول فيه: (رفعت إلى المخابرات المصرية تقارير تقول إن الصحفى محمد حسنين هيكل عميل للمخابرات المركزية فرفضت مقابلته) وأننى أتشرف بتقديم هذا الكتاب كوثيقة من رجل له وزنه فى رواية التاريخ.
ثم انتقل شوكت التونى فذكر فى مرافعته الطويلة وقائع أخرى ضد هيكل فقال: هناك كتاب اسمه (بغير عباءة ولا خنجر) مؤلفه مايلز كوبلاند وهو من كبار رجال المخابرات الأمريكية ويقول فى صفحتى 52 و53 ليس ضروريا أن يكون الإنسان عميلا بالمعنى الشائع للعمالة، وذلك تخفيفا من معنى العميل، وهو فى هذا يشبه قول صلاح نصر الذى قال إنه رجل عاش حياته يخدم بلده،وهو يعتقد أنه خدم بلده فى أنه عذب هؤلاء الناس جميعا.. يقول كوبلاند: إنه ليس ضروريا أن يكون الإنسان عميلا بالمعنى الشائع للعمالة لكى يؤدى الخدمة المطلوبة، إنما يكفى أحيانا مع بعض الأشخاص أن تعقد المخابرات معهم نوعا من الاتفاق الودى لتبادل المعلومات لكى يصبح بالنسبة لهم أكبر أهمية من أكبر عميل.
وضرب كوبلاند مثلا بكاتب الرئيس عبد الناصر محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام فكتب يقول إن العلاقة الخاصة بين الحكومة الأمريكية وكبار الصحفيين العالميين تتجاوز الصحفيين الأمريكيين إلى غيرهم فى البلاد الأخرى ممن اشتهر عنهم عدم الميل للولايات المتحدة، مثلا محمد حسنين هيكل فى مصر إن الصحفى يستطيع أن يكون عنيفا فى مهاجمته للسياسة الأمريكية كما يشاء بشرط أن يكون كريما فى المعلومات التى يقدمها للحكومة الأمريكية وبشرط ألا يسىء استعمال المعلومات التى تعطى له.
ويقصد الكاتب بذلك أنه يجب على الصحفى ألا يعطى تلك المعلومات لروسيا مثلا، ثم يتابع الكاتب فيقول: ولنضرب مثلا بذلك محمد حسنين هيكل كاتب عبد الناصر. إن بعض أعنف مقالاته ضد أمريكا كانت مرتكزة على معلومات أعطيت له من السفير الأمريكى فى مصر مقابل أن يعطى هيكل المعلومات التى فى حوزته بالتفصيل إلى السفير الأمريكى مع ذكر المصادر التى حصل منها على هذه المعلومات، وكيف استطاع الحصول عليها، وقال السفير الأمريكى السابق فى القاهرة واسمه لوسيوس باتل للسفير الذى حل محله فى المنصب إن هيكل فى جميع مراحل تعامله معه لم يخل أبدا باتفاقه مرة واحدة.
ثم قال كوبلاند بعد ذلك إن هناك أكثر من هيكل- أى أكثر من عميل- فى أكثر من عاصمة أفريقية وآسيوية حيث الشعور المعادى لأمريكا مستمر، وهناك أكثر من اتفاق لتبادل المعلومات بين الصحفيين وحكومة أمريكا، وفى كل الحالات كان هؤلاء الصحفيون جميعا يتقيدون بنصوص الاتفاقيات الموجودة معهم.
وانتقل المحامى شوكت التونى من هذه النقطة إلى نقطة أخرى فقال:
نشرت مجلة الحوادث اللبنانية أنه فى زيارة لعبدالناصر فى الاتحاد السوفيتى اصطحب معه محمد حسنين هيكل وهناك دار حوار بين خروشوف وهيكل، قال خروشوف: الآن وقد زرت الاتحاد السوفيتى واطلعت على ما فيه أعتقد أنك كصحفى لابد لك من زيارة الولايات المتحدة، فرد عليه هيكل وقال له: أعتقد أن هذا صحيح، وعاد خروشوف يسأل: ألم تزرها من قبل؟. قال هيكل: لا .. لم تسمح لى الظروف بذلك.. ويقول خروشوف، لكن إن لم تخنى الذاكرة يخيل إلى أنك قمت برحلة سريعة إلى أمريكا.. فقال هيكل: لا لم أزر أمريكا نفسها. إنما كانت رحلة إلى منظمة الأمم المتحدة فى نيويورك. فيرد عليه خروشوف الداهية قائلا: آه تذكرت الآن، ويومها أنت اغتنمت فرصة للقيام بجولة سريعة حول الأمم المتحدة. فقال هيكل: نعم. وواصل خروشوف حديثه فقال: وإذا لم تخنى ذاكرتى كان ثمة مبلغ محترم من المال فى انتظارك، فقال هيكل بسرعة: لم يحصل. ورد خروشوف: ربما أعتمد على ذاكرتى أكثر من اللازم لكن قلما تخوننى الذاكرة، وسأثبت لك ذلك عمليا، وأخرج من درج مكتبه ورقة وقال : المبلغ المحترم صرف بموجب شيك رقم كذا بتاريخ كذا على بنك كذا، وكان المبلغ على وجه التحديد هو كذا. وأجاب هيكل: أنت تقصد المبلغ الذى تقاضيته ثمنا لموضوعات كنت قد بعثت بها إلى جريدتى واشنطن بوست ونيويورك تايمز وكنت مراسلا لأخبار اليوم فى كوريا ، وقد نشرت هذه المقالات فى حينها، وسأل خروشوف: ألا ترى أن الوقت غير معاصر وكان بينهما عامان. فرد هيكل: لا أتذكر. فسال خروشوف: ألا ترى أن الثمن كان مبالغا فيه بالنسبة لمقالات صحفية فالمبلغ كان 100 ألف دولار.. فقال هيكل: لا أعتقد. وعاد خروشوف ليقول: ولكن معلوماتى تؤكد هذا إذا لم تخنى ذاكرتى فإن هذا المبلغ صرف بموجب شيك صادر من المخابرات الأمريكية وليس من الصحيفتين اللتين ذكرتهما. فقال هيكل: ماذا تعنى؟ فرد خروشوف:الحقيقة إننى أعنى أكثر مما سمعته أذناك. عندئذ خرج هيكل من الحجرة واستقل الطائرة ورجع إلى مصر فى اليوم التالى الذى وصل فيه إلى روسيا.
(تعليق : هذه الرواية نقلا عن مجلة الحوادث اللبنانية ومعروف صلة أصحابها بمصطفى وعلى أمين. وكيف يصل حوار خاص دار فى مكتب الرئيس الروسى بكل هذه التفاصيل لينشر فى مجلة لبنانية وبكل هذه التفاصيل فيما يجعله يبدو سيناريو سينمائيا.. وحدث ذلك فى وجود عبدالناصر ولم يظهر منه رد فعل.. وبعد ذلك طلب خروشوف هيكل ليقضى ليلتين فى بيته فى موسكو ويركب معه السفينة ثلاثة أيام أثناء سفره إلى مصر.. وهذا يجعل الحكاية موضع تساؤل خصوصا وليس عليها دليل.)
ونعود بعد هذا التعليق السريع إلى مقال إبراهيم سعدة .. يقول:
ويعلو صوت شوكت التونى فى المحكمة عندما يعلق على هذه القصة فيقول: أنت يا هيكل كاتب تاجرت باسم عبدالناصر، وبصلتك به، وكسبت مئات الآلاف من الجنيهات، لماذا لا توكل محاميا عظيما فى نيويورك وترفع دعوى على كوبلاند وعلى المخابرات الأمريكية وعلى مجلة الحوادث كما فكرت من قبل فى أن ترفع قضية ضد محمد نجيب لما وصفك به فى كتابه (كلمتى للتاريخ) وهذا هو محمد حسنين هيكل الذى حضر إلى هنا وقال حصل له غثيان.. من أن مصطفى أمين قال لملحق فى السفارة الأمريكية لا تعط القمح لمصر، وأنا قلت لحضراتكم إن القمح كان قد منع عن مصر عندما شتم عبدالناصر أمريكا وطلب منها أن تشرب من مياه البحر الأبيض والبحر الأحمر.
إن مصطفى أمين لم يقبض مالا من الملحق الأمريكى، وأثبت هذا المستشار سمير ناجى الذى حقق القضية، وجاء إلى هنا وقال إن مصطفى أمين هو الذى كان يعطى نقودا للرجل الأمريكى ليهربها له إلى الخارج. مصطفى أمين لم يتقاض نقودا، إنما هيكل تقاضى، وتقاضى مبلغا ضخما كما قال خروشوف، وأنا من هذه المنصة لا أريد تكذيبا من حسنين هيكل وإنما أريد تكذيبا من السفارة السوفيتية إن شاءت، وإلا فليعرف الكافة، وحسنين هيكل الآن صديق الناصريين وصديق الشيوعيين وصديق الاتحاد السوفيتى، ليعلم الكافة أنه لم يكن مصطفى أمين جاسوسا كما يقال، وإنما برأته المحكمة من تهمة اعطاء معلومات، وأنه كان شريفا محترما كما كان فى حياته، إنما الذى كان جاسوسا، وكان عميلا من العملاء بحكم ما سردت هو محمد حسنين هيكل.
***
ويكمل إبراهيم سعدة:
ونترك مرافعة شوكت التونى فى قضية تعذيب مصطفى أمين ونركز قليلا على الصراع الذى دار بين اللواء محمد نجيب. أول رئيس لجمهورية مصر.. ومحمد حسنين هيكل، فقد بدأ هذا الصراع فى سبتمبر 1971 عندما أصدر محمد حسنين هيكل كتابا بعنوان (عبد الناصر والعالم) باللغة الانجليزية، وتعرض فى هذا الكتاب إلى واقعة اختلفت فيها الآراء، وكانت- ومازالت- تسبب صداعا للناصريين وأولهم محمد حسنين هيكل..
قال هيكل فى كتابه هذا: (.. ذات يوم كان عبد الناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة يبحثون مسألة بناء برج لاسلكى للاتصالات العالمية التى تقوم بها وزارة الخارجية وإدارة المخابرات وقيل لعبد الناصر إنه سبق أن تم شراء بعض المعدات، ولما احتج بأنه ليست هناك أموال مرصودة فى الميزانية لهذا الأمر قيل له إن المال جاء من اعتماد أمريكى.. ودهش عبد الناصر إذ كانت هذه أول مرة يسمع فيها بوجود أى اعتماد خاص، وقيل له عندئذ إن وكالة المخابرات الأمريكية وضعت تحت تصرف اللواء محمد نجيب ثلاثة ملايين دولار، وكان المبلغ قد تم تسليمه بواسطة عميل أمريكى فى حقيبة ضخمة عبئت بقطع نقدية من فئة المائة دولار، وسلمت الحقيبة إلى ضابط فى المخابرات المصرية كان يعمل كضابط اتصال بين المخابرات المصرية ووكالة المخابرات المركزية، وتمت عملية الدفع والاستلام فى بيت العميل الأمريكى فى ضاحية المعادى الأنيقة.
واستشاط عبد الناصر غضبا عندما سمع ذلك، وتوجه بالسيارة فورا إلى مجلس الوزراء وطلب تفسيرا من محمد نجيب الذى كان آنذاك رئيسا للوزراء وأصر نجيب على أنه فهم أنه ليس للمخابرات الأمريكية علاقة بذلك المبلغ، وأنه مرسل من الرئيس ايزنهاور الذى خصص اعتمادات مالية لبعض رؤساء الدول ليتمكنوا من تجاوز مخصصاتهم المقيدة بالميزانية، من أجل الدفاع عن أنفسهم وعن بلادهم ضد الشيوعية.
وهنا طلب عبد الناصر إيداع المال فى خزانة إدارة المخابرات، وأمر بعدم صرف أى شئ منه إلا بإذن من مجلس قيادة الثورة، وفى النهاية بنى البرج، وكان مخططا له فى الأصل أن يكون برجا بسيطا وعمليا يعلوه هوائى لاسلكى وشبكة أسلاك تنحدر إلى أسفل عبر وسطه، ولكن عبد الناصر قرر أن يبنيه كنصب يشهد على حماقة وكالة المخابرات الأمريكية، فاستخدم الأموال الأمريكية لبناء البرج الفخم المزركش وبنى المطعم الدوار والذى يطل اليوم على منظر القاهرة كلها.
ولقد لقى البرج انتقادا شديدا عند تشييده لأنه لم يكن فى وسع أحد أن يفهم سبب إهدار المال عليه. وإذا كان قسم المواصلات فى مبنى البرج جديا وجوهريا فقـد كانت الاعتمـادات متاحة، ولم يكن هناك بأس من بناء المطعم، ومن الهندسة الباذخة، وبشكل ما فإن ذلك إهانة إلى وكالة المخابرات المركزية. وقرأ محمد نجيب هذا الكلام على لسان محمد حسنين هيكل، فانفعل الشيخ وثار ثورة عاتية على هيكل الذى دفعه بهذه الكلمات إلى أن يخرجه من وراء ستار الصمت الكثيف الذى اختفى خلفه طوال السنوات الماضية، ومنذ استولى منه عبدالناصر على رياسة الجمهورية وقيادة الثورة، وسجنه فى وسط الصحراء هو واسرته.. ثار محمد نجيب على هيكل وأعلن أنه كذب فى كل كلمة قالها، وأكد نجيب أنه لم تكن له صلة بهذا الموضوع لسبب بسيط وهو أنه كان معتقلا عند وصول المبلغ من وكالة المخابرات المركزية، وقال محمد نجيب- أيضا- إنه لم يكن يرتبط بأى علاقة مع الولايات المتحدة أو مع أحد من الأمريكيين، واشار نجيب إلى أن جمال عبد الناصر هو الذى كانت له صلات متعددة ببعض عملاء وكالة المخابرات المركزية.
وتحدث محمد نجيب فاستشهد بكتاب مايلز كوبلاند- رجل المخابرات المركزية الذى كان مقربا من جمال عبد الناصر- وكيف أن مايلز ذكر صراحة فى هذا الكتاب أنه سلم المبلغ- 3 ملايين دولار- لحسن التهامى فى منزله بالمعادى ليوصله إلى جمال عبدالناصر كهدية شخصية له. وأضاف محمد نجيب قائلا:.. من المعروف أن حسن التهامى كان أحد الذين اعتمد عليهم جمال عبد الناصر فى حركاته السرية، واشترك معه فى محاولة اغتيال حسين سرى عامر قبل الثورة، كما اشترك معه فى الاتصالات السرية مع الأمريكان بعد الثورة، وحسن التهامى هو الذى شارك فى عملية اعتقالى بعد استقالة فبراير، والذى اتهمنى بممالأة انقلاب شيوعى أعده خالد محيى الدين فى سلاح الفرسان.
ولم يكتـف محمـد نجيب بهـذا التكذيب وهذه الاتهامات التى وجهها لجمال عبد الناصر ولحسن التهامى، وإنما قرر أن يلجأ للقضاء ليرفع دعوى ضد محمد حسنين هيكل فى نوفمبر 1972 أمام محكمة جنايات الجيزة. ولما عرف هيكل بذلك سعى للاتصال بمحمد نجيب، وتم الاتصال بين محامى محمد نجيب- الأستاذ رفعت الشهاوى- ومحمد حسنين هيكل، واتفقا على الصلح بشرط أن ينشر هيكل بيانا فى صحيفة الأهرام، والديلى تلجراف، والنهار اللبنانية يعتذر فيه عما نشر فى حق محمد نجيب. وخضع هيكل ونشر البيان المطلوب، وجاء فيه أن محمد حسنين هيكل يريد أن يؤكد أن ما نشر عن اللواء محمد نجيب فى هذه الواقعة لم يقصد المساس به وبالدور الوطنى الذى لعبه فى بداية الثورة، كما وضح أن الولايات المتحدة لم تضع هذا الاعتماد تحت تصرف اللواء محمد نجيب ولكنها وضعته تحت تصرف السلطة المصرية تنفيذا لسياستها حينذاك فى محاولة احتواء الثورة المصرية.
وانتهت بذلك هذه الأزمة.. ولكن العداء ظل باقيا فى القلبين، وعندما نشر محمد نجيب كتابه (كلمتى للتاريخ) واستعرض فيه الأهوال التى تعرض لها بأمر من جمال عبد الناصر، ذكر فى سطور سريعة أن محمد حسنين هيكل كان معروفا عنه، من واقع تقارير أجهزة الأمن المصرية، أنه عمل عميلا لحساب وكالة المخابرات المركزية، وثار محمد حسنين هيكل وكان وقتها فى أواخر أيامه فى الأهرام، فكتب مقالا عنيفا هاجم فيه محمد نجيب ووصفه بالخبل، وبتخريف الشيخوخة، وقال إنه قرر أن يقاضيه لولا أن محاميه نصحه بتجاهل الموضوع، فقبل هيكل النصيحة ولم يلجأ إلى القضاء، وباعتبار أن اتهام محمد نجيب عبارة عن فقاعة صابون انفجرت فى الهواء بمجرد تكوينها وانطلاقها.
ولكن الغريب أن محمد حسنين هيكل لم يلجأ إلى القضاء ليقتص له من اتهامات مايلز كوبلاند الذى كان أكثر تحديدا من محمد نجيب فى اتهام هيكل بالعمالة لوكالة المخابرات الأمريكية، كما لم يهتم محمد حسنين هيكل بما نشرته مجلة (الحوادث) اللبنانية عنه واتصالاته المريبة بوكالة المخابرات المركزية.
وتزداد غرابة موقف محمد حسنين هيكل عندما أجبر على الوقوف أمام المحكمة التى تنظر فى قضية تعذيب مصطفى أمين، وجاء ليشهد ويقول إنه زار مصطفى أمين أكثر من مرة، ولكنه- أى مصطفى أمين- لم يحدثه عن التعذيب الذى تعرض له والذى كتب عنه فى كتابه (سنة أولى سجن) وما رآه عدد من المتهمين الذين تصادف القبض عليهم أثناء التحقيق مع مصطفى أمين فى مبنى المخابرات. أدلى محمد حسنين هيكل بهذه الشهادة لتبرئة المتهمين: صلاح نصر رئيس المخابرات العامة سابقا، وحسن عليش وكيل المخابرات سابقا، وأحمد يسرى الجزار من كبار موظفى المخابرات العامة سابقا، الذين اتهمهم مصطفى أمين بتعذيبه وانتزاع الإقرارات المزورة منه تحت ضغط الإكراه البدنى والنفسى.
وتصدى شوكت التونى- محامى مصطفى أمين- لشهادة محمد حسنين هيكل.. سأله: هل سبق أن أُطلق عليك الرصاص؟ فرد هيكل: نعم. فسأله شوكت التونى: ومن الذى أطلق عليك الرصاص؟ فرد هيكل: المخابرات. وعندئذ هب المتهمون وقالوا بصوت واحد من وراء قفص الاتهام: لم يحدث هذا فى عهدنا. وهذه هى الحقيقة. الاعتداء على هيكل ومحاولة قتله بالرصاص لم يتم فى عهد صلاح نصر وعليش والجزار وإنما تم فى عهد مخابرات أمين هويدى، ولكن شوكت التونى لم يهتم بتحديد الاشخاص الذين كانوا يحكمون دولة المخابرات عندما تعرض هيكل للضرب بالرصاص. كان التونى مهتما فقط بإثبات أن المخابرات هى التى أطلقت الرصاص على سيارة هيكل عندما كان يستعد لركوبها أمام مبنى الأهرام القديم بشارع شريف بالقاهرة. كان شوكت التونى يريد بهذا الاستجواب أن ينقل به تصوير حالة الرعب والخوف التى كان شعب مصر يعانى منها بسبب المخابرات، والدليل على ذلك أن محمد حسنين هيكل، وكان يعتبر من أقرب المقربين إلى جمال عبد الناصر ويمثل قوة فى البلد، ورغم ذلك نجحت المخابرات فى إرهابه وتهديد حياته بالموت. والأغرب من هذا أن هيكل لم يذكر حرفا واحدا حينذاك عن هذا الحادث الخطير. لم ينشر حرفا واحدا فى الصحف. لم يطلب الشرطة للتحقيق. لم يأمر جمال عبد الناصر بمعرفة تفاصيل الحادث. بل إن المرجح هو أن هيكل لم يجرؤ أن يتحدث عن هذا الاعتداء مع جمال عبد الناصر.
وحاول شوكت التونى أن يكشف سر الاعتداء على رئيس تحرير الأهرام وصاحب الحظوة لدى الرئيس جمال عبد الناصر، فسأل هيكل: هل سبق أن كتبت مقالا فى الأهرام عن التعذيب؟ ورد هيكل: الشاهد الذى حلف اليمين بأن يشهد بالحق: لا.. لم أكتب عن التعذيب. وهنا أخرج شوكت التونى عدد الأهرام الذى نشر فيه هيكل مقالا عن التعذيب، وعرضه أمام هيكل وأودعه لدى المحكمة، ففوجئ هيكل واضطر إلى أن يعتذر ويقول إنه نسى تماما هذا المقال الذى مضى عليه عدة سنوات.
***
هذا هو نص المقال الذى كتبه إبراهيم سعدة فى أخبار اليوم يوم 30 أبريل 1982 دون حرف زائد أو حرف ناقص.
وأوضح أنه جمع كل ما أراد مصطفى أمين أن يقوله فى الهجوم على هيكل لتصفية الحساب بينهما، وهو فيما يبدو حساب قديم، وواضح أيضا أن الجلسة التى استدعى فيها هيكل للشهادة كانت الكمين الذى نصبه لهيكل وأداره المحامى ببراعة فى محاولة لإلصاق الاتهامات التى حوكم عليها مصطفى أمين إلى هيكل، وتشويه صورة هيكل رغم أنه شاهد وليس متهما، لكن ساحة المحكمة كما هو معروف لدى المحامين العتاة هى أنسب مكان للإساءة إلى الناس دون محاسبة أو عقاب لأن المحامى فى مجال الدفاع عن موكله له أن يقول ما يشاء والمحكمة هى التى تقرر فى النهاية ما تطمئن إلى صدقه وما لا تطمئن اليه..
***
وفى يناير 1986- أى بعد أقل من أربع سنوات- ذهب إبراهيم سعدة مع مجلس تحرير أخبار اليوم إلى محمد حسنين هيكل وأجـروا معه حديثـا طويـلا نشر على ثلاث حلقات، كما نشرت فى الحلقة الثالثة صورة من ص 112 من كتاب ( السياسة والعسكريون فى إسرائيل 1977- 1976 ) تأليف أموس برلموتر الذى يعتبر أشهر مفكر استراتيجى قال فيه بالحرف الواحد :.. ولكن هيكل برفضه قبول دور التابع الذى أراده كيسنجر له فصل من منصبه كرئيس لتحرير الأهرام.
ودعا إبراهيم سعدة ومجلس تحرير أخبار اليوم هيكل لكتابة مقاله (بصراحة) فى أخبار اليوم، وفعلا ظهر أول مقال على الصفحة الأولى من أخبار اليوم يوم 15 فبراير 1986- العدد 2155- بنفس الشكل الذى كان ينشر به المقال فى الأهرام على عمودين فى الصفحة الأولى مع صورة هيكل وبعنوان (بصراحة) يكتبها محمد حسنين هيكل وعنوان المقال: صنع القرار السياسى فى مصر.
ونشرت بعد ذلك مقالات بصراحة فى أخبار اليوم ..
حدث ذلك بعد أن كان مصطفى أمين قد مات.
وكان عبد الناصر قد مات.
وكان السادات قد مات.
والقصة طويلة..

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف