السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

لم يبق إلا الاعتراف

مئات من الجنود الأمريكيين قتلوا فى العراق.. ويوما بعد يوم تزداد المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكى ضراوة وتنظيما.. وفى أنحاء العالم يعلن سياسيون ومفكرون أن أمريكا فى ورطة، وأنها لن تستطيع إقناع الشعب العراقى بقبول العيش فى ظل الاحتلال، ولن تستطيع كسر إرادة هذا الشعب الرافض للاستعمار والمصمم على تحقيق الحرية والاستقلال لبلده.. والسؤال: لماذا يستمر نزيف الدم الأمريكى.. ونزيف الأموال الأمريكية؟. ولماذا يستمر القتل والتدمير فى العراق؟ هل لمجرد المكابرة وخشية الاعتراف بالحقيقة.. أو ليكون تدمير العراق وتشريد شعبه وقتل شبابه ورقة فى الحملة الانتخابية تضمن فوز الرئيس بوش بفترة رئاسة ثانية؟
لقد وصل الشعب العراقى إلى درجة الغليان.. كل الشعب يرفض الاحتلال.. حتى أعضاء مجلس الحكم الذين اختارتهم سلطات الاحتلال وكانت تظن أنهم سيقبلون خيانة وطنهم وشعبهم.. أعلنوا رفض الاحتلال وطالبوه بأن يرحل.. ووصل الجنود الأمريكيون إلى درجة الإحباط وهبوط المعنويات لإدراكهم أن هذه حرب بلا قضية حقيقية.. وموت من أجل أطماع وليس من أجل الأمن القومى الأمريكى كما يقال، ولا هى للقضاء على الإرهاب كما يتردد.
والرأى العام الأمريكى يعبر عن الرفض بوضوح بمظاهرات لم يسبق لها مثيل.
واحتشاد مائة وعشرة آلاف بريطانى فى مظاهرة فى لندن تعلن رفض استمرار العدوان على العراق، ورفض زيارة الرئيس بوش لبريطانيا، وتجمع هؤلاء فى ميدان الطرف الأغر ليتابعوا إسقاط تمثال ضخم للرئيس بوش بنفس الطريقة التى أسقط بها الجنود الأمريكيون تمثال صدام حسين هو تعبير عن رفض الشعب البريطانى أيضا الذى ذهب إليه بوش ملتمسا التأييد!
كل ذلك يكفى ويزيد لكى ترفع الإدارة الأمريكية الغمامة عن عينيها، وترى الحقيقة كما هى على الأرض وليس كما تتمنى أن تكون.. آن الأوان لأن تحترم الإدارة الأمريكية العقل.. والمنطق.. والقيم الأمريكية.. وحقوق الإنسان.. الدولية.. والإرادة الدولية.. والرأى العام الأمريكى.
صحيفة هيرالد تريبيون الأمريكية كانت افتتاحيتها بعنوان (الأوهام فى العراق) قالت فيها: إن الجنود الأمريكيين يتساقطون قتلى، والمقاومة مستمرة، وما يصدر من البيت الأبيض عن الحرب والاحتلال فى العراق ليس سوى نشرات إعلانية لحملة بوش الانتخابية، وليس طرحا للحقائق أمام الشعب الأمريكى، واستمرار التظاهر بأن النجاح فى العراق لن يكلف الأمريكيين تضحيات كبيرة جدا سوف ينتهى بخيبة أمل عامة، ولماذا لا يعلن الرئيس بوش رسميا بنفسه عدد القتلى من الجنود بعد أن أعلن فى مايو الماضى رسميا انتهاء العمليات القتالية فى العراق؟، ولماذا تظل الإدارة الأمريكية مستمرة فى تصديق ما تريد تصديقه؟.
وفى افتتاحية أخرى بعنوان (بوش يردد نفس الكلام القديم) قالت هيرالد تريبيون أيضا: إن الرئيس بوش مشهور بالتمسك بأفكار محدودة ويكررها بكلمات مختصرة وبراقة، ولم يستطع أن يقدم إجابة مقنعة عن سؤالين فى أول مؤتمر صحفى موسع له وهما: لماذا أمر بغزو العراق؟ ولماذا قرر تخفيض الضرائب على الأغنياء وجعل أمريكا تغرق فى مستنقع الحرب والديون؟ وكانت إجاباته مفككة ودلت على أنه مفتون بتأليف الأساطير عن نجاحات وأنه قرر التعامل مع الشكوك فى سياساته الخارجية والداخلية بتجاهل هذه الشكوك.
ليست هيرالد تريبيون وحدها التى تهاجم سياسة الإدارة الأمريكية، ففى الصحف والمجلات الكبرى هجوم أشد، كما فى صحيفة نيويورك تايمز، ومجلة نيوزويك وغيرهما.
كتب وليم فاف تحت عنوان (قصة حطمها عدوان أمريكا) يقول: إن الناس فى العالم خارج أمريكا لا يصدقون ما تقوله أمريكا، وهذا هو سبب وجود أزمة ثقة بين الولايات المتحدة والدول التى كانت حليفة وصديقة لها.
والكاتبة المعروفة مورين داود كتبت تحت عنوان (إن بوش ينظر إلى العراق وهو مغمض العينين) وقالت إن بوش كان يتابع الصحاف وزير الإعلام العراقى وهو يعلن فوز الجيش العراقى على الجيش الأمريكى بينما الدبابات الأمريكية تتوغل وتتجه إلى بغداد، والآن يفعل بوش ما كان يفعله الصحاف، حتى إنه قال للصحفيين إنه كلما ساءت الأمور فى العراق فإن ذلك دليل نجاح القوات الأمريكية!! ولماذا لا تعترف الإدارة الأمريكية بالحقيقة؟. فقد تم غزو العراق بأسباب غير حقيقية.. استخبارات زائفة عن حصول العراق على اليورانيوم من نيجيريا.. واختلاق سبب زائف بأن العراق يمثل تهديدا وشيكا لأمن أمريكا.. وأحكام زائفة بالإعلان بأن الحرب ستكون قصيرة ولن تكلف الاقتصاد الأمريكى.. والآن يقول بوش إنه كلما زاد عدد القتلى من الجنود الأمريكيين كان ذلك دليلا على فوز أمريكا فى الحرب، وكلما كان العراق بؤرة خطر فإن العالم يكون أكثر أمانا، وكلما زادت أعداد القوات الأمريكية التى نحتاج إليها فى العراق كان ذلك دليلا على أننا لا نحتاج إلى مزيد من القوات.. وكلما زادت صعوبة العثور على صدام وأسامة بن لادن وأسلحة الدمار الشامل تأكد عدم أهمية صدام وبن لادن والأسلحة.. وكلما زادت الهجمات على جنودنا تنسيقا وضراوة وتعقيدا كان العدو يائسا.
تقول مورين داود: لماذا تحجب الإدارة الأمريكية الحقائق؟. وكيف نفهم إعلان الرئيس بوش بأن صدام لم تكن له علاقة بهجمات 11 سبتمبر كما سبق وأعلن هو نفسه؟! ثم يعلق على ذلك مؤخرا بضرورة البقاء فى العراق وأننا يجب ألا ننسى أبدا دروس 11 سبتمبر.
وتقول موردين داود: كيف نفسر ما شاهدناه على الصفحة الأولى من جريدة نيويورك تايمز حين نشرت صورة جنديين أمريكيين يفتشان طفلا عراقيا صغيرا تفتيشا ذاتيا؟ ألا يدل ذلك على حجم الشعور بالخوف المسيطر على الجنود الأمريكيين وهم على أرض غريبة، لا يفهمون لغة وثقافة أهلها، ولا يعرفون من الذى سيطلق عليهم النار؟.
ويعقد نيل شيهان فى كتابه (كذبة براقة) مقارنة بين روبرت ماكنمارا وزير الدفاع فى حرب فيتنام الذى كان يقوم برحلات إلى فيتنام مثل رحلة وولفوتيز إلى العراق، ويلقى بالأخبار السارة البراقة، ويتظاهر بأن العراق كلها أصبحت أرضا آمنة بينما يحدث انفجار فى الفندق الذى كان ينزل فيه فى بغداد! ويروى شيهان أن قائدا فى فيتنام قال لوزير الدفاع ماكنمارا: سيدى الوزير ، نحن لدينا مشكلات خطيرة هنا وأرجو أن تعرف ما هى. فرد عليه ماكنمارا قائلا: لا أريد أن أسمع عن مشكلاتكم.. أريد أن أسمع عن انتصاراتكم! وختم شيهان كلامه قائلا: إذا كنت تريد أن تنخدع فهذا سهل!
إن الجيوش لا تحتل بلاد الأصدقاء.. ولا تدمر مقدرات الشعوب لتحسين أحوالها.. وأصوات العقل والضمير فى أمريكا كثيرة.. كثيرة.. والخسائر الأمريكية فى العراق وفى العالم كثيرة.. وستكون أكثر وأكثر.. ومصداقية أمريكا ومكانتها تتراجع.. ولم يبق إلا الاعتراف.. وترك شعوب العالم تحكم نفسها بنفسها.. أليست هذه هى الديمقراطية التى تقول أمريكا إنها تريد نشرها فى العالم العربى؟!

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف