السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

هيكل.. تحقيق سياسى وعتاب سياسى

استغرق التحقيق مع هيكل أمام المدعى الاشتراكى عشر جلسات. كانت الجلسة الأولى صباح الأربعاء 14 يونيو 1978 والجلسة العاشرة والأخيرة صباح الثلاثاء أول أغسطس 1978- أى أن التحقيق استغرق شهرا ونصف الشهر. وكان آخر سؤال عن رأيه فى الحملة على عبدالناصر، وكيف قال عنها فى كتابه (لمصر لا لعبدالناصر) ص 114: إنها لم تكن من قبيل الأخطاء السياسية، ولكنها كانت أسوأ، كانت تتعدى أخطاء السياسة فى السقوط الأخلاقى إلى نوع من الانتحار المعنوى.. وكان هذا السؤال هو الفخ الذى رأى المدعى الاشتراكى الإيقاع بهيكل فيه. ولذلك سأله: ما هدفك من هذه العبارات؟. ومن تقصد بها؟.
وأجاب هيكل: قلت: (إن ما حدث فى مصر لعبدالناصر لم يحدث لزعيم أو قائد فى أى بلد من بلدان العالم إلا إذا كان هناك انقلاب مسلح على نظامه، ومثل هذا الانقلاب لم يحدث قطعا. وعلى فرض أن انقلابا مسلحا كان قد حدث فإنى أشك أن حملة اليوم على الأمس كان يمكن أن تصل إلى هذا العنف). ثم استطردت إلى العبارة الواردة فى السؤال والتى قلت فيها: (ولم يكن من قبيل الأخطاء السياسية ما حدث، بل كان أسوأ، فقد تعدى أخطاء السياسة إلى السقوط الأخلاقى إلى نوع من الانتحار المعنوى) ثم استطردت قائلا: (وليست هذه مصر، ولا يمكن أن تكون هذه هى مصر، وهى بالفعل ليست مصر).
وإذن فالكلام واضح. ثم إنى ختمت قائلاً: (ثم أقول فى الختام لقد كانت تجربة جمال عبدالناصر بإيجابياتها وسلبياتها تجربة مصرية عربية إنسانية أصيلة، ومناقشتها حق، ولكن إدانتها الشاملة على هذا النحو الذى يجرى فى مصر وبالوسائل والأساليب التى يتم بها ذلك باطل لا يصح.. ويبقى اعتقادى أنه لا يصح إلا الصحيح، ثم أتوقف عند عبارة بدأت بها هذه السلسلة من الأحاديث، وهى: (أننى لا أعطى لأحد حق اتهامه، ولا أعطى لأحد شرف تبرئته.. تلك كلها حقوق للجماهير وللأمة وللتاريخ).
واستطرد هيكل: لقد قلت، وما زلت أقول، وأرجو أن أُصحح إذا كان ما أقوله خطأ - إنه لم يحدث فى العالم كله أن وجهت حملة إلى مؤسس نظام فى ظــروف استمرار هذا النظام - حتى مع اختفاء مؤسس النظام بالموت - على هذا النحو الذى حدث لجمال عبدالناصر، واعتقادى أن هذه الحملة على هذا النحو إساءة إلى روح الشعب المصرى وإلى وجدانه وضميره، ثم إنها إساءة إلى الشعب المصرى عربيا، وإساءة إلى الشعب المصرى أفريقيا، بل إن حد الإساءة وصل إلى العالم كله خصوصا دول حركة التحرر الوطنى التى كانت التجربة الناصرية فى مصر- ولا تزال - نموذجا نقلت عنه واحتذت به فى كثير من الأمور، واعتمدت عليه فى محاولاتها للتحرر والتنمية.
***
وقاطعه المدعى الاشتراكى: ألا ترى أن عبارة (حملة على جمال عبد الناصر ربما يكون فيها كثير من التجاوز والأمر لا يعدو مجرد انتقادات لا سيما إذا وضح أن صحافة اليوم يمارس فيها الحوار بأثرى مما كان يمارس فيها بالأمس، ولا سيما أن رأس النظام وكبار المسئولين يحتفظون بكل تقدير واحترام، ويقررون، ويقرر الرئيس السادات أنه مسئول عن كل قرارات عبدالناصر؟.
قال هيكل: أما إنها حملة فذلك هو الوصف الذى أراه شخصيا لما يحدث، وقد أكون مخطئا، ولكن ما يقال ويذاع وينشر يتعدى فى اعتقادى حدود النقد الذى هو حق مشروع بل واجب، لأن الأمم لابد أن تعيد تقييم تجاربها باستمرار لكى تستطيع تجاوز سلبيات تجاربها، وتكثيف إيجابياتها. وأما عن الحوار الأكثر ثراء اليوم فى الصحافة المصرية فإنى أرجو لأسباب عديدة - بينها العفة وليس أى شىء آخر- إعفائى من مناقشة ثراء الحوار الدائر فى الصحافة المصرية الآن. وأما أن بعض قيادات النظام، وعلى رأسها الرئيس السادات، تعتبر نفسها مسئولة مع جمال عبدالناصر، فهذه حقيقة. وقد سجلت رأيى فى هذه النقطة فى أكثر من موقع فى التحقيق، ولكن ذلك بالطبع لا ينفى أن هناك ما يمكن أن نسميه (حملة إدانة شاملة) وأسجل أننى شخصيا لا أعتقد بصحة هذه الحملة على النحو الذى تجرى به. ولا بنفعها للضمير المصرى والوجدان المصرى وثقة الشعب المصرى بنفسه، ولهذا كان العنوان الذى اخترته لهذه المجموعة من المقالات (لمصر لا لعبدالناصر).. عبدالناصر نفسه ذهب فى رحاب التاريخ، وأما الباقى والدائم والمستمر فهو الشعب المصرى الذى ما كان عبدالناصر ليستطيع أن يحقق ما حققه، أو ينجز ما أنجزه لولاه.. لولا الشعب المصرى.
وقال المدعى الاشتراكى: كان هذا آخر سؤال فى التحقيق، فهل لديك أقوال أخرى؟
وقال هيكل: نعم.. أريد أن أسجل فى ختام هذا التحقيق عددا من الملاحظات التى أراها ضرورية.
***
أريد أن أسجل تقديرى لسماحة هيئة التحقيق الموقرة: المدعى الاشتراكى الوزير أنور حبيب، والمحامى العام المستشار عبدالرحيم نافع، والمحامى العام المستشار أحمد سمير سامى.. أريد بعد ذلك أن أسجل ملاحظة.. أن التحقيق معى استمر عشر جلسات امتدت ما بين شهور يونيو ويوليو وأغسطس.. موسم صيف بأكمله. أريد بعد ذلك أن استأذن، وهـذا تحقيق سياسى كما قيل لى، أن أبدى فى ختامه نوعا مما يمكن أن أسميه عتاباً سياسياً. ومع أن هذا التحقيق أتاح لى فرصة أعتز بها للقاء مع هذه الهيئة الموقرة - فإنى أعترف بأننى لم أكن أجد مبررا له، وما زلت. وربما لاحظت أن هذا التحقيق الذى تم معى بمقولة أننى أسأت إلى سمعة مصر فى الخارج تركز فى معظمه على مقالات كثيرة كتبتها ونشرتها داخل مصر أيام عملى فى الأهرام، وكان بعضها فى عهد الرئيس جمال عبدالناصرالذى ذهب إلى رحاب الله وأنا متمتع بكامل ثقته رئيسا لتحرير الأهرام ولمجلس إدارته. وإلى جانب ذلك وزيرا للإرشاد القومى فى الفترة الحاسمة من حرب الاستنزاف، إلى جانب قيامى فى وقت من الأوقات بمهام وزير الخارجية (يوليو- أغسطس 1970)، ثم إن البعض الآخر من هذه المقالات التى تناولها التحقيق كتب ونشر فى عهد الرئيس أنور السادات فى الفترة من 1970 إلى 1974 حينما كنت واحدا من أقرب الناس إليه - حسب تصريح له - ففى ذلك الوقت لم أكن مجرد صديق له فحسب، إنما كنت موضع ثقته، بدليل ما كلفنى به من اتصالات دولية مهمة، بعضها مع القوتين العظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى) وبعضها مع دول كبرى كألمانيا الاتحادية وبريطانيا.. فى هذه الفترة تشرفت بصياغة كل خطاب رسمى ألقاه، بل إننى توليت صياغة معظم خطاباته إلى رؤساء الدول، وبينهم الرئيس الأمريكى نيكسون والرئيس السوفيتى بريجنيف.
ولقد كان من دواعى دهشتى أن أتهم افتراء بالانهزامية بسبب مقال كتبته بينما أنا الشخص الذى عهد إليه الرئيس السادات نفسه بكتابة توجيهه الاستراتيجى الموجه منه إلى القائد العام للقوات المسلحة بتحديد أهداف حرب أكتوبر. كذلك كنت الشخص الذى عهد إليه الرئيس بصياغة خطابه التاريخى إلى مجلس الشعب وهو الخطاب الذى حوى شروطه للسلام.. إن معنى ذلك أننى كنت المؤتمن على خطط الحرب، والمؤتمن على خطط السلام.
***
واستطرد هيكل يسجل فى محضر التحقيق فى الجلسة الختامية:
إننى أعتقد أننى شاركت بأكثر من ذلك فى المعركة الشاملة سنة 1973. إن جريدة (الأوبزرفر) البريطانية نسبت إلىَّ أننى كنت أول من فكر فى استخدام البترول كسلاح سياسى. وعلى أية حال فإنى بدأت أتناول هذا الموضوع جديا فى كتاباتى سنة 1949، أى بعد حرب فلسطين الأولى مباشرة. وفى ذلك الوقت كانت مناقشة هذا الموضوع وبحث إمكاناته تبدو من ضروب الخيال، ولكنى ظللت على يقين من أن هذا السلاح تكمن فيه إمكانات تأثير هائل.
وحينما أنشأت مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية فى الأهرام، حاولت توجيه مجهود عدد من الباحثين إلى هذا المجال. وحين بدأت الأمور تشير فى اتجاهاتها إلى قرب جولة جديدة من جولات الصراع مع إسرائيل، فإننى دعوت الدكتور مصطفى خليل لكى يرأس مجموعة خاصة فى مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وليقوم ببحث قضية استخدام البترول كسلاح للمعركة، واستطعت بوسائل الأهرام أن أوفر لمجموعة العمل التى رأسها الدكتور مصطفى خليل كما ضخما من البيانات والمعلومات والأرقام الصحيحة لم يكن لها أى مثيل لدى أى جهاز من أجهزة الدولة. بل لم يكن لها مثيل لدى كل الدول العربية. ووضع الدكتور مصطفى خليل فى إطار هذه المهمة تقريرا ممتازا عن احتمالات استخدام البترول فى المعركة.
وقد توليت بنفسى تقديم نسخة من هذا التقرير، ونسخة من ملخص الاقتراحات العملية التى أوصى بها، إلى الرئيس أنور السادات يوم 7 أكتوبر 1973، وقد أصدر الرئيس السادات أمره إلى المهندس سيد مرعى- ومعارك أكتوبر محتدمة فى يومها الثانى- أن يحملها فى طائرة خاصة إلى السعودية، وأن يسلم نسخة من التقرير وخلاصة التوصيات إلى الملك فيصل. وقد جرى بالفعل تبنى الكثير مما جاء فى هذا التقرير. وإذن فإننى كنت طوال فترة خدمتى العامة أحاول قدر ما أستطيع أن أكون نافعا لوطنى، خصوصا فى ظروف صراعه مع العدو الإسرائيلى، هذا بالطبع إلى جانب دورى فى الخدمة العامة كصحفى.
وليس من شك أننى أبديت فى الظروف التى أعقبت حرب أكتوبر مباشرة وجهات نظر فى اتفاقية فك الارتباط الأولى، وهى وجهات نظر شأنها شأن غيرها قابلة للخطأ والصواب، ولكننى وجدت نفسى أمام مسئولية إبداء آرائى فى ظروف من أخطر الظروف، وكان من نتيجة إبدائى لآرائى أن تعرضت لبعض مالا أرى داعيا للخوض فيه الآن، ولكنى قبلته باعتبار أن ذلك طبيعى لصحفى يعتقد أن كلمته ملك قناعاته.. وأعتقد أن الثقة فىَّ ظلت مستمرة بعد ذلك، والدليل أننى ظللت قريبا من قائد النظام وموضعا لثقته، وفى هذه الفترة - وحتى بعد خروجى من الأهرام - فقد كنت الشخص الذى تشاور معه فى أهم خطوة استراتيجية أقدم عليها سنة 1975، وهى خطوة فتح قناة السويس بإرادة مصرية منفردة، ثم عهد إلىَّ بصياغة خطابه الذى أعلن فيه إلى مجلس الشعب فتح القناة.
ومما يدل على أننى كنت قريبا وموضع الثقة، أن الرئيس السادات تفضل ودعانى إلى لقائه فى استراحة القناطر مساء يوم 11 إبريل، وعرض علىَّ منصب نائب رئيس الوزراء للإعلام فى وزارة السيد ممدوح سالم التى كان يجرى تشكيلها فى ذلك الوقت. وفى اليوم التالى دعانى السيد ممدوح سالم إلى لقائه وكرر العرض. وفى اليوم التالى حاول السيد إسماعيل فهمى نائب وزير الخارجية إقناعى فى الصباح، كما حاول المهندس سيد مرعى إقناعى فى المساء بحضور الدكتور مصطفى خليل، ولكنى تمسكت بالاعتذار. ووجدت مناسبا أن أذهب إلى الرئيس ظهر اليوم التالى (14 إبريل 1975) لأرجوه نهائياً إعفائى من قبول هذا المنصب لأسباب، بينها تمسكى بمهنة أعتز بها ولم أعرف لنفسى فى حياتى مهنة غيرها. وكان الرئيس مبالغا فى كرمه، فقد تصور أننى لا أريد العمل فى الوزارة فعرض أن أكون مديرا لمكتب رئيس الجمهورية بدرجة نائب رئيس الوزراء، ومرة أخرى اعتذرت.
وقال هيكل للمدعى الاشتراكى:
لماذا أقول ذلك كله؟ أقوله لكى أبرهن على أنه حتى هذه اللحظة - حتى النصف الثانى من إبريل 1975 - كانت مكانتى بقرب قائد النظام محفوظة، كما أن ثقته لى كانت كاملة. ولم يكن هناك ما يدعو إلى تساؤل حول ما كتبت قبلها، أو سؤال مما جرى معى التحقيق فيه خلال هذه الجلسات.
***
وقال هيكل وسجل فى آخر صفحات محضر التحقيق السياسى:
لسوء الحظ، فإن الظروف تطورت بعد ذلك، فقد كان نشر كتابى (الطريق إلى رمضان) فى لندن فى شهر مايو 1975 مناسبة شنت علىَّ فيها حملة عنيفة فى الصحافة المصرية. وكان ذلك بمقولة إننى زيفت التاريخ. وأعتقد أن الرجوع إلى الكتاب يشهد لى بأننى كنت منصفا بقدر ما هو إنسانى. وقد ظل هذا الكتاب ولا يزال مرجعا عربيا وحيدا عن وجهة النظر العربية فى الفترة التى تعرض لها من مسار الصراع العربى الإسرائيلى. بل إن الكتاب يدرس فى معظم كليات العلوم السياسية فى الولايات المتحدة بهذا الوصف.
وقال هيكل:
لقد شنت علىَّ بعد ذلك حملات عربية.
ادعى علىَّ البعض أننى على علاقة مع ليبيا. وكان ذلك موضع حملة عارمة، بينما الحقيقة تشهد بأننى منذ سنة 1970 لم أضع قدمى فى ليبيا. ومنذ سنة 1973 لم ألتق بالرئيس القذافى، ولا التقيت بأى مسئول ليبى غيره، وكان ذلك تحسبا لحساسيات أعرف وجودها ولا أريد الدخول فى تعقيداتها على أى وجه من الوجوه. بل إننى عندما طفت بالعالم العربى كله لأعد كتابى عن العالم العربى، قررت العودة من تونس إلى القاهرة عن طريق روما متجنبا المرور بليبيا. وكان ذلك موضع ملاحظة علنية من الرئيس القذافى، بل إنه كان معروضا علىَّ أن ترسل لى طائرة خاصة لأذهب من تونس إلى ليبيا بعد أن تعللت فى تجنب الذهاب إليها بأن تذكرتى فى الطائرة تحملنى عن طريق روما، ومع ذلك كان إصرارى كاملا على أن أتجنب مالا داعى له من حساسيات أعرفها.
وأضاف هيكل إلى محضر التحقيق:
إننى فوق ذلك، ومنذ سنة 1975 امتنعت تماما عن زيارة العراق، وسوريا، والجزائر بسبب خلافاتها مع الحكومة المصرية، وامتنعت أيضا عن أى اتصالات سياسية أو صحفية بشخصيات هذه الأقطار العربية. وكان هذا مفزعا لى نفسيا. فأنا أعتبر نفسى قوميا عربيا مثلما أنا وطنى مصرى، ولكنى وضعت لنفسى حدودا التزمتها مهما كانت متعنتة.
ثم وجهت إلىَّ بعد ذلك حملة بسبب ما قيل إننى قلته أثناء زيارتى للولايات المتحدة سنة 1975. وعندما عرضت علىَّ جامعة جورج تاون أن أحاضر فيها سنة 1977 وكنت قد قبلت الدعوة وتحدد موعد المحاضرة، وطبع برنامج الجامعة فعلا، لكنى عرفت بعدها أن الرئيس السادات سيكون فى الولايات المتحدة فى نفس الوقت لأول لقاء له مع الرئيس كارتر، فقررت أن أعتذر عن عدم السفر، وبعثت إلى جامعة جورج تاون بالأسباب الحقيقية لاعتذارى قائلاً: إننى لا أريد أن يحدث سوء فهم آخر.
ثم وجهت إلىَّ بعد ذلك حملات أننى كنت مركز قوة، وهى حملة غريبة لأن مركز القوة لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة قوة، ولم تكن لى مثل هذه القاعدة فى حياتى العملية، فكل ما كان لدىَّ من أسباب للتأثير هو ما أقوله أو أكتبه.. وليست هناك قوة إلزام لرأى يقال أو يُكتب إلا بمقدرته على الإقناع، وهذا هو صميم الممارسة الديمقراطية.
ووجهت إلىَّ حملة تدعى أننى تسببت فى فرض حراسات على الناس. وأننى قصدت إذلال العائلات، ولست أعرف ما هو المقصود بهذا الكلام!. ولكنى أعرف أننى الصوت الوحيد الذى ارتفع لنقد التجاوزات فى فرض الحراسات. إن موقفى العلنى والمكتوب والفعلى كان على العكس تماما من كل ما ادعى به علىَّ.
ووجهت إلىَّ حملة تدعى أننى فلسفت الهزيمة، وأننى قلت إن النظام الثورى لم يُهزم. والغريب أننى تصديت للذين قالوا بذلك فى الاتحاد الاشتراكى وفى حزب البعث. وكتبت صراحة أقول: إن أى نظام يعجز عن حماية ترابه الوطنى يفقد شرعيته، وكانت شرعية النظام الثورى الأساسية - بعد الهزيمة - فى رأيى أنه يقاوم ويحشد قواه للمعركة.
وكان من بين الحملات ما حاول تشويه ما أقوله بوسائل بالغة الغرابة، ومن ذلك مثلا أن أحد الذين كتبوا فى جريدة الأهرام ادعى علىَّ بأننى حاولت تحريض الاتحاد السوفيتى على مصر، ونقل عن مقال لى أننى قلت لدبلوماسى سوفيتى أثناء حوار بيننا ما نصه: (إن قوة عظمى فى مثل موقفكم لا تملك، ولا يليق بها أن تقف موقف المتفرج العاجز فى منطقة على هذه الدرجة من الأهمية والحساسية) ثم توقف نقله عما كتبت عند ذلك الحد متخذا منه دليلا على أننى كنت أحرّض الاتحاد السوفيتى على مصر.
وأغفل ما قلته بعد ذلك فيما نشرته فى حوار بين هذا الدبلوماسى وبينى حين قلت له وبالحرف الواحد كما فى نص المقال:( تقدموا إلى منتصف الطريق وانسوا كل شئ حتى الكبرياء الجريحة، واستجيبوا - ولو من باب المبالغة فى إظهار حسن النية - إلى كل الطلبات العربية من السلاح.. بدون سلاح ليست هناك مفاوضات تدعون إليها، أو تستبعدون منها)
إلى هذا الحد وصل التشويه بالتزوير!
***
وقال هيكل:
إن الحملة وصلت بعد ذلك إلى أبعاد غريبة، ومن ذلك أن صحيفة الجمهورية نشرت - وهذا طبيعى- وثيقة عن السفارة الأمريكية صادرة سنة 1949 عن ظروف تغيير وزارى حدث فى مصر وقتها. وكان بين ما جاء فى هذا التقرير أننى شرحت وجهة نظرى فى التغيير إلى أحد الدبلوماسيين فى السفارة الأمريكية، وهو أمر يحدث كل يوم. إن كل من يعمل فى الميدان السياسى أو الصحفى يقابل عديدا من الدبلوماسيين فى عمله، وهو يتكلم معهم عارفا أنهم سوف يشيرون فى تقاريرهم إلى حكوماتهم لما يسمعونه منه ومن غيره من وجهات نظر. وفى هذا التقرير- على سبيل المثال - فقد كانت هناك أقوال منسوبة إلى عديد من الشخصيات المصرية بينها الملك فاروق، ورئيس الوزراء، ورئيس الديوان الملكى حسن يوسف وقتها، وعدد من وزراء الوفد وأقطابه.. ولم يكن فى هذا كله شئ. ولكن جريدة الأخبار وحدها عادت فى اليوم التالى إلى هذا التقرير، وأخذت الجزء الخاص بى منه وأخرجته من سياقه ورتبت على ذلك ادعاء بأننى كنت أقدم معلومات للسفارة الأمريكية عن أسرار السياسة المصرية. إن هذا التصرف كان ظلما فادحا وتجنيا على الحقيقة أولا. تصرف تنطبق عليه - فيما أتصور- كل مواد قانون العيب الذى يتحدث عنه الرئيس السادات أحيانا.
ثم تصاعدت الحملة بعد ذلك إلى درجة أن جريدة الجمهورية استغلت كلاما منسوبا إلى الرئيس السادات لا أظنه كان يقصدنى به، وفيه كان الرئيس السادات يتحدث عن (لورد هوهو).. واللورد (هوهو) كان شخصا بريطانيا ذهب إلى ألمانيا عدوة بريطانيا وقت الحرب وراح يذيع من هناك ضد وطنه.. إن جريدة الجمهورية قالت: إننى كنت المقصود بهذا الكلام. وأضافت فى تعريفها بلورد هوهو إنه قبض عليه فى برلين وحوكم وأعدم فى بريطانيا، ثم وافقت الحكومة البريطانية فى أواخر العام الماضى فقط على نقل جثمانه إلى مقابر الأسرة فى أيرلندا بعد أن نعت عليه خيانة بلده.. ذلك فساد فى القياس.. ولا أريد أن أدخل فى تفاصيل أكثر من ذلك فى هذه النقطة!
وفى آخر كلماته للمدعى الاشتراكى قال هيكل: إن هناك نماذج كثيرة لحملات أخـرى شنت علىَّ دون أن أعرف لها سببا سوى أننى حاولت أن أحتفظ بقلمى ملكا لقناعاتى مع تسليمى بأن كل قناعاتى أمر يقبل الصواب والخطأ، وأريد أن أقول بعد ذلك إن هذه الحملات كلها وغيرها مما تعرضت له أو يمكن أن أتعرض له فى أى وقت، لا تضعف بأى حال من الأحوال إيمانى بوطنى، وولائى له، وارتباطى بقضايا نضاله. وأعتقد أننى بما فعلت وقلت حاولت أن أخدم وطنى لا أن أسيئ إليه. ولقد حددت موقفى منذ اللحظة الأولى، وهو أننى لست مستعدا للحياة خارج مصر تحت أى ظرف من الظروف. ومعنى ذلك أننى لا التزم فقط بولاء كامل لها، ولكنى أيضا وراضيا أقبل قوانينها، وألزم نفسى بها فى كل ما أتصرف أو أقول.. إننى أشكر لهيئتكم الموقرة، وأكتفى بما قلت.
***
وانتهى التحقيق.. وخرج هيكل من مكتب المدعى الاشتراكى إلى بيته. وانتظر نتائج التحقيق. وكل تحقيق لابد أن يصدر بعد انتهائه قرار بالتصرف. قد يكون القرار بالحفظ. وقد يكون باحالة إلى محكمة القيم بطلب من المدعى الاشتراكى بفرض الحراسة أو بالسجن أو بالاثنين معا. لكن شيئا من ذلك لم يحدث. لم يصدر قرار بحفظ التحقيق. كما لم يصدر قرار بالاحالة إلى محكمة القيم.
وقد سألت مؤخرا واحدا من كبار المستشارين فى جهاز المدعى الاشتراكى فى ذلك الوقت عن مصير هذا التحقيق. فقال لى إن المدعى الاشتراكى- المستشار أنور حبيب - أعد مذكرة بملخص التحقيق رفعها إلى الرئيس السادات مع محاضر التحقيق. ولم يتلق ردا. وترك الموضوع كله لتمر عليه سنوات وسنوات حتى ينساه الناس. لكن هيكل سجل فى الذاكرة القومية وقائع هذا التحقيق فى كتاب لكيلا ينساه الناس!
***
كان على هيكل أن ينتقل من الجنة إلى النار والعكس. وأن يتقلب بين الصداقة والعداء، وأن يعيش بين الرضا والسخط.. ولو تعرض لهذه التقلبات غيره من الساخن إلى البارد ومن الارتفاع إلى الهبوط ومن المجد إلى الاهانة لكان قد فقد القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وتبدد ما كان لديه من رؤية وأفكار. لكن هيكل ظل كما هو .. لم يغير موقفه. وهو نفسه يعلن أن هذا الموقف قد يكون خطأ وقد يكون صوابا مثل كل موقف وكل رأى، ولكنه على أية حال موقفه الذى يعبر عن قناعاته.
وقبل تحقيق المدعى الاشتراكى كانت تتردد شائعات عن خروجه من مصر، وشائعات أخرى عن اعتقاله، وتناقلت وكالات الأنباء هذه الشائعات، حتى أن صحيفة القبس الكويتية أوفدت مندوبها لمقابلة هيكل فى بيته يحمل إليه نسخة من العدد الذى نشر فيه النبأ، ونشرت هذه المقابلة الصحفية فى 21 فبراير 1976. وكان السؤال الأول: نشر أنك تقاضيت نصف مليون جنيه استرلينى عن كتابك الأخير (الطريق إلى حرب رمضان).
وأجاب هيكل: لو افترضنا أن هذا صحيح فما هو العيب وما هو الخطأ الذى ارتكبته؟.. سوف أريك شيئا.. وأخذ هيكل مندوب القبس وقاده إلى أحد أرفف مكتبته وبدأ يطلعه عليها واحدا واحدا وهو يقول: هذه بعض الطبعات التى صدرت عن كتابى المذكور.. هذه هى الطبعة الإنجليزية.. وهذه هى الطبعة الفرنسية.. النرويجية.. اليابانية.. الألمانية.. الهولندية.. السويدية.. التركية.. وهذه طبعة إنجليزية شعبية.. وتلك طبعة فرنسية شعبية.. وقال : إن الكتاب ترجم إلى 22 لغة..؟
ولكى يدلل على عدم صحة شائعات اعتقاله قال هيكل: إننى هنا.. ولا قيود علىَّ على الاطلاق.. وأنا لا أسافر إلا إذا كان هناك عمل أو مصلحة تدعونى للسفر.. رحلتى الأخيرة بدأت فى 13 سبتمبر 1976 بزيارة باريس، وإلى لندن 18 سبتمبر ، وفى 10 أكتوبر وصلت أمريكا، ورجعت إلى القاهرة أول نوفمبر، وأنا موجود فى مصر وأزاول نشاطى العادى.
وكان السؤال الثانى: ماذا تعمل الآن وما هو برنامجك اليومى؟.
قال: أنا رجل منظم جدا بطبيعتى.. الساعة الثامنة صباحا تجدنى جالسا إلى مكتبى هذا حتى الساعة الثالثة بعد الظهر، خلال هذه الفترة لا أرتبط عادة بمقابلات أو مواعيد، بعد الظهر أقوم بالاتصالات التى يباشرها أى صحفى عادة.. أما فى فترة الصباح فإنى اشتغل فى كتبى.. واكتب مقالات تنشر فى العالم العربى مرة كل شهر.. وأنا مستريح جدا لهذا الوضع، لأنى أزاول عملى كصحفى وكاتب، وأنا قلت وكتبت من قبل إذا لم أقدر على أن اكتب فى مصر فسأكتب خارج مصر.. وهذا هو حافزى على كتابة مقالاتى الشهرية فى العالم العربى.. ما يهمنى هو أن أكتب وأقول رأيى.
***
وسئل فى هذا الحديث: قيل إنك كنت أحد المتصارعين على السلطة ورئاسة الجمهورية بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر، فما هى حقيقة ما حدث؟.
وأجاب هيكل : لم أتصارع فى حياتى على سلطة ولا على منصب ولو كان ذلك فى ذهنى كنت قبلت أول عرض من جمال عبدالناصر لتولى وزارة الإرشاد فى يونيو 1956، على الأقل كنت اكتسبت أقدمية وبقيت أقدم وزير. وبعدين سلطة إيه اللى حاتصارع عليها.. وأنا طول الوقت أرفض وأعتذر عن كل منصب يعرض علىَّ.. رئاسة الجمهورية الرئيس السادات نفسه يشهد أنى أنا الذى اقترحت أن تكون هناك قاعدة فى الدستور تتبع بعد عبدالناصر وإلا فالمسألة تبقى فوضى.
***
وفى 26 سبتمبر 1977 نشرت صحيفة القبس حديثا آخر قال فيه هيكل: إنه يرى أن مؤتمر جنيف لمباحثات السلام بين العرب وإسرائيل ليس سوى وسيلة لكسب الوقت، وقال إن مائدة المفاوضات السليمة هى صورة لحقيقة الأوضاع خارجها، ولو كانت لديك القوة العسكرية على فرض الحل العسكرى فإنك ستفرض الحل السلمى على خصمك دون أن تلجأ إلى استخدام القوة العسكرية لأنه يعلم أنها البديل لفشل الحل السلمى. وقال: ينبغى أن ندرك أن السياسة الأمريكية تحكمها استراتيجية وتحكمها عوامل تاريخية ومصالح عليا لا يملك أى رئيس أمريكى الخروج عنها، وكل مجال الاختلاف هو الأسلوب الذى يعالج به كل رئيس هذه الاستراتيجية والمصالح الأمريكية لا تتغير بسهولة.
وفى مجلة الوطن العربى الصادرة فى 2 مارس 1977 تحدث هيكل إلى هدى الحسينى قال : إن الصحفى فى ظروف بلد كمصر حيث تواجه قضايا مصيرية، لا يستطيع أن يكون فقط مجرد مسجل لما يجرى، إنما يكون التزامه أكبر وأوسع. ويكون اهتمامه بما يجرى أكثر من اهتمام زملائنا فى أوروبا وأمريكا، لأننا هنا لا نتكلم فقط فى تفاصيل الأشياء، إنما نتكلم فى أساسيات الأشياء. وأنا لست معارضا لسياسة السادات. مرة أتانى بعض الناس وقالوا لى: أنت ترتب نفسك لتكون زعيم معارضة، وهذا غير صحيح. أنا لست زعيم معارضة. لأن هناك ثلاثة شروط للمعارضة: أن يكون عندك تنظيم. أن تكون عندك سياسة بديلة. أن يكون هدفك الوصول إلى السلطة. وبمساعدة التنظيم تنفذ السياسة. وأنا لا تنظيم عندى، ولا سياسة بديلة كاملة، عندى تصورات، وليس هدفى الوصول إلى الحكم. أنا متمسك تماما بدورى كصحفى. أنا لا أقول رأيا معارضا للرئيس السادات.
إننى أقول رأيا آخر وليس فى كل قضية، والهدف فى الدرجة الأولى أن أوسع دائرة الاختيار أمام صانع القرار المصرى أو العربى. أما تقييمى لسياسة السادات فأنا أعتقد أن أنور السادات مثله مثل أى سياسى فى أية مرحلة فى التاريخ، فى سياسته أشياء (صح) وأشياء (غلط).. هناك أمور إيجابية وأمور سلبية كما فى كل تجربة، وهو نفسه لا يستطيع أن يقول شيئا آخر. واختلافنا بسبب ثلاثة أشياء. اختلفت فى قصة أمريكا فقط وأنا قلت أمريكا أيضا.. استثناء أمريكا غلط، والاعتماد على أمريكا غلط أيضا. ثانيا: المسألة العربية، وأنا أعتقد أن مصر لا تستطيع أن تسير وحدها. أنا لا أومن بسياسة مصر وحدها أو مصر أولا. إنما أومن بسياسة مصر مع بقية الدول العربية فى الوقت نفسه وفى اللحظة نفسها. أنا واحد من المقتنعين بالفكرة القومية. ولا أحد اطلاقا سيجعلنى أقتنع بفكرة مصر الصغيرة المحتاجة.. مصر وحدها هى مصر المحتاجة المعزولة الضعيفة، ومصر وسط الأمة العربية هى الطليعة والقوة.. الاختلاف الثالث: القضية الاجتماعية فى مصر. أنا لا أعتقد أن مشكلة مصر يمكن أن تحل بما يسمى الانفتاح وبالطريقة التى يمارس بها هذا الانفتاح. هذه هى القضايا التى لى فيها آراء مختلفة وليست بالضرورة معارضة.
***
وقال هيكل فى هذا الحديث أيضا: لا أعرف إذا كان ما يحصل فى مصر هذه الأيام من الممكن أن يسمى ديمقراطية. أستطيع أن أسميه تجاوزا أنه محاولات فى سبيل تصورات الديمقراطية. أنا من المقتنعين بأن الأساس الاجتماعى هو الأساس الأول للديمقراطية. كان خلافى مع مراكز القوة أننى كنت أدعو إلى المجتمع المفتوح. حاليا هناك نظرة تتكلم عن الديمقراطية الليبرالية. وأنا غير مقتنع بوجود الأسباب أو حتى المقاييس الليبرالية. هناك مقاييس ليبرالية معينة، منها مثلا درجة النمو الاجتماعى لمجتمع معين تحدد ممارسات الديمقراطية فيه، لذلك فأنا لست مقتنعا بأن الليبرالية كما نتكلم عنها، أو كما (نمسخها) هى الحل لقضية الديمقراطية فى مصر. وعلى أية حال فإنها محاولة فى سبيل اكتشاف تصورات للديمقراطية، وأنا لا مانع عندى من أن تأخذ مداها، فإذا نجحت (كويس).. لكننى لست معتقدا أن هذا هو الحل لمصر.
***
وفى هذا الحديث أشار هيكل إلى الانفتاح وحركة الطلبة والأحزاب الجديدة.
فقال : بالنسبة للانفتاح أنا أعتقد أن مستقبل مصر مرهون بالتنمية الزراعية والصناعية، ولا أعتقد أنه يمكن عمل هذه التنمية بالانفتاح أو برأس مال أجنبى. رأس المال الأجنبى لن يأتى إلى مصر ولو انتظرنا مليون سنة وذلك للأسباب الآتية: قبل الثورة لم يكن هناك من رأس مال أجنبى.. كانت هناك مصالح أجنبية موجودة من بقايا العصر الاستعمارى لم يضف إليها رأس مال أجنبى.. رأس المال الأجنبى لا يأتى إلى بلاد العالم الثالث ليواجه المخاطر السياسية إلا إذا أمن نسبة أرباح عالية بين 40% و50% تبرر المخاطر السياسية ومصر محتاجة لبناء الهيكل التحتى الاقتصادى.. محتاجه للصناعة والزراعة.. ومن المستحيل أن يأتى رأس المال الأجنبى للاستثمار فى الزراعة.. من الممكن أن يعطينا تكنولوجيا أو معلومات.. وندفع ثمنها.. ولا تسمى انفتاحا.. وهل كنا منغلقين على الخبرة الأجنبية لهذه الدرجة؟.. لقد كانت فى مصر شركات بترول أجنبية.. والميثاق الذى كان موجودا كان يقول: إننا نستطيع التعاون مع رأس المال الأجنبى فى ظروف معينة حيث لا نملك الخبرة الوطنية.. ولذلك تعاونا مع شركة فيات الإيطالية وشركات أمريكية فى صناعة السيارات، وفى صناعة الأدوية تعاونا مع شركة (سيبا) وشركات أمريكية أخرى.. إذن فكانت هناك مجالات يستثمر فيها رأس المال الأجنبى وهى المجالات التى تدر ربحا سريعا، لكن هذه ليست كل مشروعات مصر.. بناء مجتمع جديد لا يمكن إطلاقا أن يتم بدون قاعدة زراعية وصناعية ثابتة.. وأسأل: إلى أى بلد فى العالم الثالث ذهب رأس المال الأجنبى؟.. ممكن أن يأتى فقط للعمل فى المصارف أو لاستيراد سلع استهلاكية لمصر.. وهذا ما رأيناه.. مصارف برأس مال صغير جدا، تعمل بالودائع المصرية، وتتعامل خارج مصر أو مع غير المصريين، وتحقق أرباحا خيالية وتحول أرباحها وهى مطمئنة جدا لأى طارئ.. ثم إننا رأينا أثر استيراد البضائع الاستهلاكية.. وأين هو المصنع الذى له قيمة حقيقية الذى أنشىء فى مصر باستثمارات أجنبية؟.. من الممكن أن نجد استثمارات عربية، ومعونات عربية، وموارد مصرية تشارك من أجل تنفيذ الخطة، ولكن هل سيدخل رأس المال الأجنبى لكى ينفذ خطة؟.. إذا تكلمنا مثلا عن الحديد وصناعة السفن أو تصنيع السلاح، أو السكك الحديدية، أو الصناعات البتروكيمائية فهل يمكن أن تنفذها استثمارات أمريكية مثلا؟. من الممكن أن تنفذها استثمارات عربية بالاشتراك مع استثمارات مصرية، ولكن الانفتاح لن يحقق سوى عمليات استهلاكية ذات ربح سريع وسوف تدفع التنمية المصرية ثمنها.
***
وقال هيكل: أنا أعتقد أنه ليس هناك نظام له شرعية يستطيع أن يتناقض مع الشباب، لأنه إذا حدث ذلك يفقد النظام مستقبله، ليس معنى ذلك أنى أقول إن الطلبة على حق فى كل شىء، لكن الأسلوب الممكن مع الطلبة ليس بالوسائل البوليسية ولا المخابرات والمباحث.. إنما بالحوار.. والأحزاب الجديدة.. أنا لم أفهم جيدا الكلام الذى قيل عن الحزبية فى مصر، لأن الاشتراطات الموضوعية لقيام هذه الأحزاب ألا تقوم على أساس طبقى، ولا أستطيع أن أتصور الحزب إلا على أنه الطليعة المسيسة لطبقة..ولكن أتصور أنه لا مفر لنا من تجربة الأحزاب مادام فكت تجربة تحالف قوى الشعب التى كانت ممثلة فى الاتحاد الاشتراكى، ومادامت سمح لطبقة من الطبقات بأن تبرز بمصالحها المتميزة، فلابد أن يكون لكل الطبقات الحق فى أن تبرز وتدافع عن مصالحها وتعبر عن نفسها سياسيا.
***
وعن الحملة على عبدالناصر فى ذلك الوقت ضرب هيكل مثلاً بما حدث فى بريطانيا حين قاد كرومويل ثورة ضد الملك وطارت الأسرة المالكة، ثم مات كرومويل، ورجع الملك جيمس الثانى إلى الحكم فأخرج الهيكل العظمى لكرومويل من القبر وشوهوه.. وحاكموه ثم علقوا الهيكل العظمى على المشنقة.. هذا ما تتعرض له الثورات من تشويه من العناصر المعادية للثورة مع أول فرصة تتمكن فيها من الانقضاض عليها.. وهذا ما حدث أيضا فى الثورة الفرنسية الكبرى.. و هذا هو ما حدث لعبدالناصر.. لقد تصدى فى حياته لقوى عاتية وتعرض بعد مماته للقوى العاتية.. ولا أحد يقول: إن عبدالناصر كان بلا أخطاء.. لا أحد فى الدنيا بلا أخطاء.. الديمقراطية كانت من أخطاء عبدالناصر.. لأنها جاءت بعد تجربة حزبية فاشلة، وعبر وضع طبقى معين يفرض الحرية الاجتماعية أولا، ولكن السؤال: هل يتم ذلك من فوق أو بالحوار بين قوى الشعب؟.. وكانت مرحلة التطور للشعب المصرى والأمة العربية، والضغوط على عبدالناصر والحرب التى تعرض لها.. فى ظل هذه الظروف هل كان يستطيع أن يتصرف بصورة أخرى فى معركته من أجل التحول الاجتماعى والاقتصادى، ومن أجل حرية العالم العربى من الاستعمار؟.
***
وسئل هيكل فى هذا الحديث عن القضية التى رفعها على مجلة المصور فقال: المصور اتهمتنى بأننى اشتريت قطعة أرض من رجل موضوع تحت الحراسة مستغلا فى ذلك سلطتى، ورغم كثرة المحاولات لتشويهى فإننى لم أتكلم فيها، ولكن هذا الموضوع يمس الذمة المالية، لذلك لم أتركه.. بل ذهبت بسرعة إلى القضاء ورفعت دعوى ضد المصور وضد وكالة الأنباء الفرنسية التى نقلت عن المصور هذا الخبر.. وفى المحكمة وبعد أن قدمت وثائقى، اعتذرت وكالة الأنباء الفرنسية وسجلت اعتذارها فى المحكمة فأخرجتها من القضية، وثبت للمحكمة أنى اشتريت قطعة أرض على دفعتين، الجزء الأول اشترتيه من عضو فى مجلس إدارة الأهرام وهو الذى عرضها علىَّ، وكنت قد أخذت مكافأتى من أخبار اليوم وذهبت لاشترى أسهماً فى شركة ايسترن للدخان، فقال لى: لماذا الأسهم وليست قطعة الأرض؟.. وكان هو قد أهمل هذه الأرض بعد وفاة زوجته، وكان ذلك فى عام 1956 ولم تكن هناك حراسات على الإطلاق، ثم إننى اشتريت هذه الأرض بسعر أغلى من المعروض لأنه سمح لى بالتقسيط.. وكل هذه الأمور أطلعت المحكمة عليها.. الجزء الثانى من الأرض اشتريته من مصريين وليس من أجانب ولم يكونوا تحت الحراسة.. إنهم ورثة عزمى باشا الذى كان جارى وعنده قطعة أرض قرب منزلى فاشتريت قطعة الأرض هذه بسعر أغلى من السعر المطلوب. وجاء الورثة إلى المحكمة وشهدوا بذلك، وقالوا: من أين أتى بالمال؟.. أنا وضعت كل إقرار ذمتى المالية أمام المحكمة.. الأرض الأولى كانت بعشرة آلاف جنيه دفعتها على ثلاث سنوات.. وقبلى كان أكثر من واحد يريد شراءها بينهم الدكتور جمال العطيفى.. وآخر سعر وصلت إليه هذه الأرض كان 8 آلاف جنيه وبسبب التقسيط دفعت 10 آلاف جنيه، كانت مكافأتى من أخبار اليوم 7 آلاف جنيه، ولأنى أعرف حساسية المسائل المالية طلبت أن يكون جزءا من المكافأة بشيك بخمسة آلاف جنيه، وأخذته وعلى ظهره حولته إلى صاحب الأرض وهكذا قبض المبلغ بشيك صادر من أخبار اليوم باسمى.. القسط الثانى حولت له به أسهما فى شركة الخزف والصينى وكانت قيمتها ألفى جنيه وأرسل لى الإيصال.. الجزء الثالث بعت أسهمى فى شركة شاهر فى البورصة بألفى جنيه والألف الأخيرة كان من السهل أن أدبرها.
قطعة الأرض الثانية كان ثمنها 23 ألف جنيه اشتريتها بعد كتابى (عبدالناصر والعالم) وكان قد تم تحويل 50 ألف جنيه استرلينى من هذا الكتاب، والبنك الأهلى موجود، والحمد لله أن حالتى كويسة قوى.. أول كتاب طبع بــ 26 لغة.. فإذا أخذت من كل لغة تعريفة يطلع لى فى النهاية مبلغ.. لذلك فأنا مستعد أن أسكت عن كل الكلام الذى يقال عن حياتى السياسية، لكن الذمة المالية.. لا.. أذهب إلى المحكمة بسرعة.. وكالة الأبناء الفرنسية أرسلت إلىَّ رئيس مجلس الإدارة من باريس للاعتذار.. وبعد أن رأوا الوثائق قلت لهم: أريد اعتذارا كاملا يسجل فى المحكمة.. وحصل.
***
كيف كانت حياة هيكل فى ذلك الوقت.. وهو بعيد عن الأهـرام.. والحملة عليه شديدة؟.
يقول: بعد مغادرتى الأهرام انتهيت من كتاب (الطريق إلى رمضان) وكتاب (العالم العربى) و(الاتحاد السوفيتى فى الشرق الأوسط).. وغيرها ومتعاقد على أن يترجم كل كتاب إلى 10 لغات.. وأكتب أربع مقالات شهرية أقول فيها رأيى فى قضايا العالم العربى، ولا أقصد بها العمل فى الصحافة، ولكن أقصد أن يبقى رأيى موجودا ومسموعا، وإلى جانب هذا أعمل أحيانا فى مجال الخدمة العامة، الجامعة العربية مثلا جاءتنى قائلة: إن كان بإمكانى أن استلم مشكلة الإعلام العربى فى العالم الخارجى، ووافقت، أخذ منى هذا العمل ثلاثة أشهر وقدمت إلى الجامعة العربية فى نهايتها تقريرا مطولا شاملا.
وأنا أقابل الكثير من الناس وكل الشخصيات العربية التى تأتى إلى مصر تزورونى، ويأتينى صحفيون من العالم.. أنا على اتصال بالصحافة فى العالم.. اتكلم.. وأناقش.. وأقول رأيى، وفى يومى الخميس والجمعة أذهب إلى بيتى فى الريف مع أولادى نلعب (بنج بونج) وكرة القدم وكل ما يمكن تصوره.
***
كان شيئا جديدا أن يكتب هيكل كتبه باللغة الإنجليزية، وتترجم منها إلى لغات العالم.. وظل عشر سنوات تطبع كتبه خارج مصر، وتترجم إلى اللغة العربية فى بيروت وتتسرب نسخ منها إلى القاهرة ويقوم بترجمتها إلى اللغة العربية مترجمون غيره، وكان يجيب عن أسئلة السائلين لماذا لا تترجم كتبك بنفسك أو تكتبها باللغة العربية؟.. فيقول: يصعب علىَّ أن أكتب الكتاب مرتين مرة باللغة الإنجليزية للنشر الدولى ومرة باللغة العربية، خصوصا وقد وجدت أننى عندما أتعرض لترجمة أعمالى إلى العربية لا أكتفى بالترجمة، إنما تدفعنى اهتمـامات القارئ العربى إلى الأبعد بالزيادة، وإلى الأوسع بالتفصيل، وذلك يجعل الكتاب الواحد بالفعل كتابين، وشجعنى على ترك مهمة الترجمة العربية لغيرى أن المترجمين المقتدرين أعطوا لأعمالى جهدهم بما يكفيها وأكثر، وعلى سبيل المثال، فقد قام الأستاذ محمد حقى زميلى فى الأهرام وقتها - على ترجمة كتاب (وثائق القاهرة)، كما قام الصحفى اللبنانى الكفء الأستاذ سمير عطا لله على ترجمة كتاب (الطريق إلى رمضان)، ثم قام الصديق العالم الدكتور عبدالوهاب المسيرى على ترجمة كتاب (مدافع آية الله). وظل الأمر على هذا النحو حتى جاء كتاب (خريف الغضب) ونظرا لحساسية موضوعه، فقد آثرت ترجمته لنفسى بنفسى إلى اللغة العربية، ولم يخطر ببالى أننى بذلك أرسيت سابقة لم أعد أستطيع التخلى عنها أمام القارئ العربى، وأغرانى على ذلك أكثر أن أكثر كتبى رفـع عنها المنع والحظر فى مصر وأصبحت منشورة فيها بداية من سنة 1985، ومنذ ذلك الوقت صدرت لى كتب عديدة كان كل واحـد منها فى واقع الأمر كتابين، طبعة إنجليزية هى الأصل لكل الترجمات، وطبعة عربية أقوم عليها بنفسى، ويتسع مجالها وتزيد تفاصيلها وتلتحق بها وثائق حتى يكاد الكتاب العربى يصبح شيئا مختلفا عن الأصل الإنجليزى، وإن بقى الجوهر والسياق والاتجاه واحد فى الحالتين.
وسؤال كثيراً ما يوجه إلى هيكل: لماذا لا تكتب بانتظام فى الشئون الجارية؟.. ويقول: فى العادة فإن ردى يقتصر على عبارة عامة مرسلة لأن واقع المشكلة التى تواجهنى فى الكتابة بانتظام عن الشئون الجارية فى مصر معقد بأكثر مما يظهر على السطح، ذلك أن الصحف التى تصدر فى مصر الآن نوعان:
نوع يسمى بالصحف القومية، ونوع يعرف كصحف حزبية، وأشعر أن كتابتى بانتظام - أو بغير انتظام - فى الصحف القومية قد تكون مسئولية ومخاطرة بالنسبة للقائمين على أمورها، وذلك ليس من مطالبى، ثم إن الكتابة بانتظام فى الصحف الحزبية تبدو لى استعارة لهوية ليست لى، وذلك ليس من حقوقى. ويخطر لى أننى كتبت كثيرا ومازلت أكتب أحيانا، وتكلمت طويلا ومازلت أتكلم مرات، وقد يكون مناسبا أن أترك المجال لآخرين وأن أقرأ مع القارئين، وأن أصغى مع السامعين،ولعله يرضينى أن يسأل أحد: لماذا لا يكتب هذا الرجل بانتظام؟..خير من أن يسأل: لماذا يكتب هذا الرجل بانتظام؟.. أكرر ذلك برضاً كامل، فقد قلت كلمتى فى كل العصور والظروف.
***
وماذا عن مذكرات هيكل وأوراقه والوثائق التى يحتفظ بها ونشر جانبا كبيرا منها فى كتبه؟.
أجاب هيكل بنفسه عن هذا السؤال فى حواره مع عادل حمودة فقال:
- أتمنى أن أعطى كل ما أملك من أوراق إلى أية جهة تضيف هذه الأوراق إلى تاريخ مصر.. إننى أسجل كل يوم ما بين 10 إلى 100 ورقة يوميا، وبعض ما سجلته شديد الأهمية، مثل مناقشاتى مع وزير الخارجية الأمريكى الأسبق هنرى كيسنجر بعد حرب أكتوبر وهى فى 61 صفحة.. إن هذه الأوراق تجربة فى تاريخ مصر.. فأنا لدىَّ الكثير.. وأعرف الكثير وكنت أتمنى أن أعطيها إلى جامعة مصرية لتستفيد من الذى كتبته أو الذى رأيته أو الذى أتيح لى أن أطلع عليه، ولكن.. ذلك لابد أن يسبقه قانون يحمى مثل هذه الأوراق، ويحترم كلام أصحابها، ويلزم بعدم الكشف عنها إلا فى الوقت المحدد الذى يوصون به،وهذا ما يحدث مع معظم الأسماء الشهيرة فى العالم.. وعلى سبيل المثال، فقد قدم اللورد كيلرن أوراقه اليومية التى كتبها عن مصر فى الفترة من 35 إلى 1945 وهى فترة حاسمة فى تاريخ مصر- إلى كلية (سانت انتونى) بجامعة اكسفورد، ووجدت هذه الأوراق حماية قانونية، وعندما أرادوا الاستفادة منها، جاءوا بدبلوماسى خبير ليستخرج من بين مليونى كلمة كتبها اللورد كيلرن حوالى 150 ألف كلمة استفاد منها من أراد دون المساس بأية حقوق شخصية أو قانونية.
وعندما سأله عادل حمودة: هل يمكن أن تقدم أوراقك إلى إحدى هذه الجامعات الأجنبية أجاب بحسم:
- أبدا..
وأضاف: سأتركها إلى أبنائى مع تحديد المواعيد المناسبة لكشف ما فيها، خاصة أننى أملك إلى جانب أوراقى وثائق وشهادات أخرى وضعها أصحابها أمانة فى عنقى وحددوا مواعيد لنشرها يصعب أن أكون موجودا فيها.. وعلى سبيل المثال حسن باشا يوسف وكيل الديوان الملكى، تحدث معى كثيرا فى بيتى، وسجلت شهادته على 32 ساعة كانت مجمل أهم ما جرى فى عصر فاروق، لكنه طلب منى عدم إذاعتها إلا بعد وفاته ووفاة زوجته بعشرين عاما، وأنا لن أكون موجودا ساعتها، وأيضا محمود فوزى.. إنه شخصية لا أحد يعرف عنها بما فيه الكفاية، لكن فى محاولة للاستفادة من تجربته سجلت معه بصراحة 40 ساعة، أنا مؤتمن عليها، ولابد أن تصل إلى الناس بأمانة، وهذا ما حدث أيضا مع سفيرنا فى لندن قبل قيام الثورة مباشرة عبدالفتاح عمرو.. إن وثائق هؤلاء وغيرهم ليست ملكى، إنما هى جزء من تاريخ مصر.. وقد أرسلتها إلى الخارج تخوفا عليها فى وقت كان الرئيس السادات يتربص بى.. إن كل وثائقى وأوراقى فى الخارج، وعندما أحتاج منها شيئا أصوره واستعمل الصورة.
وقال أيضا: عندى 600 أو 700 ألف وثيقة أحضرتها إلى الأهرام من وثائق الدولة فى بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل، وأحضرت لنفسى نسخة منها، وربع ما أملك من وثائق مصرية.. ولابد أن نفرق بين أوراق ووثائق الدولة وأوراق ووثائق رئيس الدولة.. أوراق الدولة موجودة، عند جهات الدولة المختلفة: الخارجية.. المخابرات.. المباحث.. ويمكن أن توجد نسخة منها عند رئيس الدولة، أمــا أوراق رئيس الدولة فهى التى يكتبها بخط يـده، وأنا كنت (غــاوى) أن أجلـس بجــانب جمـال عبدالناصر حتى فى مؤتمرات القمة، وأجمع الأوراق المتبادلة بينه وبين الملوك والرؤساء، ولم يكن يمانع فى ذلك، أما الأوراق الأخرى لجمال عبدالناصر التى كانت محفوظة فى سكرتارية المعلومات، فقد نقلوا إلى بيت أنور السادات فى الجيزة الوثائق المتعلقة بوقائع 14 مايو وما سبقها، وهذه هى التى اطلعت عليها عنده وتم تصويرها بكاميرا زميلى فى الأهرام محمد يوسف.
أما الأرشيف الذى كان موجودا فى بيت عبدالناصر، فقد نقله الرئيس السادات، وهذا طبيعى، لأن أوراق سلفه كان يجب أن تتبعه إلى حيث يعمل، فإذا أمر بنقلها فهذا حقه، وأنا أعلم يقينا أن هذه الملفات ذهبت إلى قصر عابدين، وأعلم يقينا أن ما أرسل منها إلى بيت الرئيس السادات كان فقط ما اتصل بتصرفات عدد من المسئولين قبل 14 مايو، ولقد حصلت بإذنه على بعضها ونشرته أيامها بالفعل، كما أن بعضه عرض أثناء نظر قضية مراكز القوى، وأنا لا أزيد فى التفاصيـل، لأن الوقـت ليس مناسبا لإثارة مواجع قديمة، فضلا عن أن هناك ما يجب أن يشغلنا الآن عـن العـودة إلى أشـباح الماضـى وحكـاياته.
وعموما أحب أن أضيف أننى لم أكن فى حاجة إلى تصوير وثائق عبدالناصر، فقد كنت أعرف ما أريد أن أعرفه.. والغريب أننى حرصت على تسجيل ذلك مبكرا عقب رحيل عبدالناصر مباشرة، وقد سجلته رسميا فى خطاب استقالتى من الوزارة وهى استقالة نادرة فى تاريخ مصر الحديث، وهذه الاستقالة لم تنشر فحسب.. إنما نشر أيضا رد رئيس الجمهورية الجديد عليها..
***
وكان نص خطاب استقالة هيكل من منصب وزير الإرشاد القومى بتاريخ السبت 3 أكتوبر كما يلى:
سيادة رئيس الجمهورية بالنيابة.
الأخ والصديق أنور السادات.
الآن وقد استقر جثمانه الطاهر فى ثرى مصر الخالدة، فإنى أتقدم إليك راجيا أن تأذن بإعفائى من العمل فى وزارة الإِرشاد القومى.
إن وصولى إلى القرار الذى يدفعنى إلى التقدم بهذا الرجاء إليك لم يصدر عن إحساس بلوعة عاطفية، مع أنه لدى منها أكثر مما يتصور أحد، ولكنه يصدر أيضا عن اعتبارات عديدة، إنسانية وفكرية وعملية أجملها فما يلى:
-1 إن الكل يعلم أننى حاولت طوال عمرى أن ابتعد عن المناصب الرسمية تمسكا بمهنة اعتقدت، ومازلت أعتقد أن حياتى منها.
-2 إننى خرجت عن هذه القاعدة نزولا على أمر كريم منه، عندما شاء أن يكلفنى بالتعبير الرسمى عنه، فى فترة من النضال بالغة الحساسية، وكان هذا من جانبه اختبارا شخصيا، ومن بعده، فإننى لا أملك هذا الحق بالنسبة لغيره، كما أننى لا أستطيع أن أبقى على رأس وزارة الإرشاد القومى تعبيرا عن نفسى، فمكان ذلك الصحيح هو الأهرام وحده، وليس أى مكان آخر غيره.
-3 إن جزءا كبيرا من مهمة إعادة تنظيم الإرشاد القومى قد تم بإنشاء اتحاد الإذاعة والتليفزيون العربى، وبالدراسات المعدة للبت فى شأن الهيئة العامة للاستعلامات وغيرها من مؤسسات الوزارت.. ومع أن عملية إعادة التنظيم لم تظهر آثارها بعد أمام الناس، فإنى أتوقع- مع بداية سنة 1971 بمشيئة الله- أن تكون هذه الآثار أمام الجميع مرئية ومسموعة.
-4 إننى لم أعد أستطيع- بكل ما أحس به الآن- التوفيق بين وزارة الإرشاد والأهرام، وكنت قد استطعت ذلك بجهد جهيد لبضعة شهور، لكننى الآن أجد أن ذلك سوف يكون مستحيلا بالنسبة لى، وإذا كان لى أن اختار- والخيرة لله- فإننى أوثر أن أبقى فى المكان الذى أسهمت مع آلاف من أبنائه فى تحويله إلى اطلالة مصرية على العصر الحديث وكان ذلك- ولكى أكون منصفا للتاريخ- بتشجيع معنوى كبير منه، وبالهام مضىء.
-5 إننى أعتقد إلى جانب ذلك، أن علىَّ مسئولية أتحملها أمام الأجيال، فلقد اقتربت من فكره وعمله (جمال عبدالناصر) ولابد أن أعيد ترتيب أوراقى وذكرياتى عنه، لأننا نحن الذين عرفناه عن قرب وشرفنا بالوقوف، حيث تمكنا من رؤيته وهو يحلم ويناضل ويحقق- لا نملك وحدنا قصة حياته، فهذه القصة ملك لشعبنا ولأمتنا العربية، وللإنسانية.
ولعلك تذكر مرة أيها الصديق الكريم.. وكنا معا أخيرا فى فندق هيلتون - أثناء أزمة الأردن التى كانت آخر معاركه المنتصرة - أننا تحدثنا عن التاريخ وكيف سيروى حكاية هذا العصر، وتذكر أنه أمامك، وأمام السيدين حسين الشافعى، وعلى صبرى أشار إلىَّ وقال: (إنه هو المسئول عن ذلك.. لقد كان يعرف كل شىء.. وهو يتحدث دائما عن الإحساس بالتاريخ.. والكتابة صناعته).
ومن جانبى أيها الأخ الكريم.. فإننى أعتبر تلك وصية يسألنى عنها ضميرى،وسوف يسألنى عنها الضمير العام لأمتى.
وليس معنى ذلك أننى أفكر فى النشر العاجل، فأنا أول من يقدر أن هناك أشياء لم يحن بعد أوانها، ولكنى بأمانة المسئولية أمام ذكراه الغالية لا أستطيع أن أترك شيئا للضياع أو النسيان..
إننى أرجوك ملحا ومن كل قلبى ألا تعتبر هذا تخليا فى وقت عصيب.
إنك تعلم أن ذلك لا يمكن أن يخطر ببالى، فأنت الرجل الذى اختاره هو بنفسه نائبا له فى وقت علم فيه أنه معرض لمخاطر مؤامرات خطط لها الذين تصدى طوال عمره لمطامعهم وسيطرتهم على مقدرات أمته.
وذلك الاختيار- وحده يكفى، ليس بالنسبة لى وحدى، إنما بالنسبة لكل الذين تراودهم اليوم أعظم الآمال بأن يستمر الخط الذى رسمه لأمتنا سواء لمرحلة النصر، أو لما بعد النصر بإذن الله.
إننى أناشدك أن تعرف فى النهاية أن قلبى معك، وأن عقلى معك بكل ما أستطيع دفاعا عن مبادئه، وعن سياسات أجراها نابعة من تلك المبادئ.. ولك الدعاء خالصا وصادقا أن يعينك الله على ما تحملت أمانته، ولك التحية والمحبة.
محمد حسنين هيكل
ونشر هذا الخطاب فى الأهرام مع رد الرئيس السادات عليه.
***
وكان رد الرئيس السادات بالخطاب التالى:
عزيزى الأستاذ محمد حسنين هيكل
وزير الإرشاد القومى.
تحية الإسلام مباركة طيبة وبعد..
فلقد تلقيت كتابك وقرأته بكل عناية وتقدير، فليس أحب إلىَّ فى هذه الحياة من معنى مثل معنى الوفاء فى كل صوره وألوانه، من أجل ذلك فإنه لا يسعنى إلا أن أجيبك إلى طلبك أيها الصديق،واثقا أن جهدك وقلمك سوف يظلان، كما عودت زعيمنا الراحل أن يكونا فى مكانهما من معركتنا المقدسة، شاكرا لك ما بذلته من جهد خلال توليك الوزارة، داعيا لك المولى عز وجل أن يوفقك فى مكانك الذى اخترته بإرادتك، وأن يمنحك الصحة وموفور السعادة، والله أسأل أن يسددنا جميعا بتوفيقه، والسلام عليكم ورحمة الله..
أنور السادات
***
الأفكار والانتقادات التى كان يعلنها هيكل فى مقالاته وأحاديثه.. مازال متمسكا بها والوثائق التى يحتفظ بها، وقيل إنه يمكن أن يستخدمها كسلاح فى وقت من الأوقات.. مازال محتفظا بها ولا أحد يعرف مكانها والمحاولات التى استمرت من سنة 1978 حتى سنة 1981 لاجتذابه ليعود فى أى موقع يشاء.. وزيرا.. أو نائبا لرئيس الوزراء.. أو رئيسا لتحرير الأهرام بشرط أن (يلتزم).. لم تجد منه استجابة.. بعد كل هذه الرحلة مع السادات المليئة بمشاعر الصداقة وحرارة التأييد وبعد الدور الذى قام به فى الإعداد لحرب أكتوبر فى حدود اختصاصه..استيقظ من نومه فى الفجر ذات يوم ليجد نفسه فى السجن.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف