السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

حرب الأفكار بدأت.. والعرب هم الضحايا!

 مارك لينش أستاذ العلوم السياسية الأمريكى له رأى فى الإدارة الأمريكية الحالية، ملخصه أنها تعمل فى الشرق الأوسط بالمبدأ الذى يعمل به أسامة بن لادن، وهذا المبدأ هو: أن الجميع يراهنون دائما على الحصان القوى ويتكالبون عليه. ولذلك على أمريكا أن تظـهر قوتها فيسير العالم تابعا لها، ولذلك فإن مجموعة القيادة فى البيت الأبيض جاءوا بتصور جاهز هو أن مشكلات أمريكا فى الشرق الأوسط ترجع إلى خطـأ الإدارات السابقة عندما اتخذت ردود فعل ضعيفة فى مواجهة الهجمات الإرهابية على مواقع ومصالح أمريكية فى الثمانينات والتسعينات. وقد جاء طـاقم الرئيس بوش إلى الحكم وقد عقدوا العزم على إعادة الهيبة للقوة الأمريكية فى جميع أنحاء العالم وليس فى الشرق الأوسط وحده. ولكن جاءت نتائج هذه السياسة بعكس ذلك بعد عامين من الحروب العدوانية شملت أفغانستان والعراق، بحيث وصلت مكانة الولايات المتحدة فى المنطقة إلى أدنى مستوى لها منذ نشأة علاقات أمريكا بدول الشرق الأوسط.
ويقول مارك لينش إن الإدارة الأمريكية فشلت فى العثور على أسلحة الدمار الشامل فى العراق أو العثور حتى على دليل على وجودها أو أنها كانت موجودة، وهذا الفشل لابد أن يثير الشكوك لدى دول الشرق الأوسط حول الهدف الحقيقى للحرب على العراق، وهذه الشكوك جعلت معظم المعلقين العرب يرون أن هذه الحرب ليست سوى محاولة من جانب الولايات المتحدة لإحكام سيطرتها على المنطقة وعلى العالم، ويعزز هذا الاتجاه التهديدات الأمريكية لكل من إيران، وسوريا، مما أدى إلى زيادة الشعور بالخوف، وأدى بالتالى إلى تقوية الدعوة إلى مقاومة هذا الخطر. ومما جعل الشكوك تزيد أكثر وأكثر فى نوايا الولايات المتحدة تلك الفوضى التى تسود العراق بعد سقوط بغداد فى أيدى القوات الأمريكية، وتصاعد الغضب العراقى من التواجد الأمريكى الذى يوصف دائما بأنه احتلال، ويضاف إلى ذلك التناقض الواضح فى التوجهات الأمريكية فيما يتعلق بالديمقراطية فى العراق.
ويصل أستاذ العلوم السياسية الأمريكى مارك لينش من هذا التحليل إلى أن هذه العوامل هى التى أدت إلى ظهور العداء الشديد لأمريكا لدى جميع الفئات الاجتماعية فى المنطقة بسرعة تلفت النظر، بما فى ذلك الليبراليون العرب والمتعلمون، والمتأثرون بالفكر والطابع الغربى، بحيث لا يمكن إرجاع هذا الشعور العام بالعداء إلى اختلاف الثقافات كما يروج البعض فى أمريكا، ولا إلى السياسة الأمريكية التقليدية مثل مساندة إسرائيل والدكتاتوريات المحلية، ولكن هناك أسبابا أخرى يعلنها العرب أنفسهم بالإجماع تقريبا، أهمها.. أولا: أن إدارة الرئيس بوش قامت بغزو العراق لنوايا غير ما تعلنه عن أسلحة الدمار الشامل والإرهاب أو خطر العراق على الأمن القومى الأمريكى، وثانيا: أن الولايات المتحدة تعمل وحدها دون اعتبار للمؤسسات الدولية أو القانون الدولى أو الأصدقاء والحلفاء، وثالثا: أن هذه الإدارة تعمل على تفكيك العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية.. والأهم من كل ذلك أن الإدارة الحالية تعمل بأسلوب فج، وليس لديها رغبة فى الاستماع إلى آراء الآخرين، وعلى ذلك فإن الخطوة الأولى التى يجب أن تقوم بها هذه الإدارة هى تحسين طريقتها فى مخاطبة العرب والمسلمين والاستماع إليهم والتجاوب معهم. وعلى هذه الإدارة أن تدرك أنها لن تستطيع الاستمرار فى موقفها الذى يعتبر أن أخذ الرأى العام العربى فى الاعتبار أمر لا أهمية له، لأن الرأى العام فى العالم العربى فى الحقيقة هو أهم العوامل لنجاح استراتيجية هذه الإدارة التى تربط بين الأمن الأمريكى والتغيير الديمقراطى والليبرالى للمنطقة، ولكن ما فعلته الإدارة الأمريكية لم يحقق هذه الاستراتيجية. بل – على العكس – فإن ممارسات فريق الرئيس بوش تدل على أن هذا الفريق عمل ويعمل ضد أهدافه المعلنة بناء على افتراضات مضللة عن العالم العربى.
ومن الافتراضات المضللة التى ذكرها مارك لينش- أن العرب لا يحترمون سوى القوة، ويقابلون محاولات التعامل معهم بالعقل بالاستهانة ويعتبرونها من علامات الضعف، وبالتالى فإن الطريقة الوحيدة التى تناسبهم وتؤثر فيهم هى إكراههم وإخضاعهم. ومن الافتراضات المضللة أيضا لفريق الرئيس بوش: أن الرأى العام العربى ليست له أهمية، لأن نظم الحكم الشمولية يمكنها السيطرة على غضب الشعوب، كما يمكنها تجاهل السخط الشعبى، وافتراض ثالث : هو أن الغضب السائد فى الرأى العام العربى من الولايات المتحدة يمكن إغفاله من حسابات السياسة الأمريكية لأن هذا الغضب جزء من الثقافة الإسلامية والعربية، يمثل الحقد من الضعيف على القوى، والفاشل من الناجح، والذين يثيرون هذا الغضب هم القادة الذين لا يتمتعون بالشعبية فى بلادهم فيعملون على صرف الانتباه الشعبى بعيدا عن عيوبهم ويوجهونه إلى أمريكا (!) وأخيرا فإن لدى فريق الرئيس بوش أحد الفروض الفاشلة التى تلقى التأييد منهم، وهو أن العداء لأمريكا فى المنطقة ناتج عن سوء فهم بسيط للسياسة الأمريكية وأهدافها.
والنتيجة أن هذه الفروض غير الصحيحة فى مجملها أدت إلى توجه الإدارة الأمريكية الحالية للعمل وفق استراتيجية تجمع بين وجهين: وجه يمثل التدخل العسكرى بقوة دون اعتبار للمعارضة الشعبية فى الدول العربية، والوجه الثانى يتمثل فى محاولات تتظاهر بين الحين والحين بحسن النوايا الأمريكية، بتقديم مبادرات غير فعالة وغير حقيقية، والتركيز على الدبلوماسية العامة، والدعاية السياسية، وتعزيز محطات الإذاعة وقنوات التليفزيون التى تقدم الموسيقى والأغانى المحبوبة، وأدت هذه السياسة أيضا إلى زيادة غضب الناس الذين تحتاج الولايات المتحدة إلى مساندتهم لسياساتها لضمان النجاح فى تحقيقها.
***
ويضيف مارك لينش فى بحثه بعنـوان (خـذوا العرب بجدية) المنشور فى مجلة فورن أفيرز عدد أكتوبر 2003: أن الإدارة الأمريكية الحالية محقة فى رؤيتها لحالة الركود السياسى والاجتماعى والاقتصادى الذى أصيب به معظم العالم العربى، ولكن – مع ذلك – فإن الطريقة المثلى للخروج من هذه الأزمة ليست بتحقيق المصالح الأمريكية عن طريق التحالفات الاستراتيجية مع نظم الحكم الشمولية، كما أن تغيير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والفلسطينيين لن يؤدى إلى حل جميع المشاكل، ولكن يجب أن تواصل الإدارة الأمريكية تركيزها على خوض (حرب الأفكار) بعد تغيير استراتيجية هذه الحرب!
والاستراتيجية الجديدة لحرب الأفكار هذه- كما يقول مارك لينش- تبدأ بتجديد أساليب الدبلوماسية العامة فى المنطقة والعمل بطريقة مختلفة تماما، بحيث تفتح أمريكا حوارا مباشرا مع العالم العربى والإسلامى عن طريق وسائل إعلامها المؤثرة، التى تتخطى الحدود الدولية، وتؤثر تأثيرا واسع المدى، وبهذا الحوار يمكن تخفيف حدة الغضب العميق الجذور بسبب سياسة الغرور والنفاق الأمريكية التى يشعر بها العرب والمسلمون، وكذلك يمكن بالحوار تخفيف حدة الشكوك التى تزعج العرب حول نوايا أمريكا، وقد أصبحت هذه الشكوك تنعكس على كل ما تفعله الإدارة الأمريكية، وربما يساعد الحوار على تحقيق التحرر للعالم العربى الذى تدعى إدارة بوش أنها تسعى إلى تحقيقه.
***
ويقول مارك لينش: إن الرأى العام العربى ظـاهرة معقدة بأكثر مما يعتقد أصحاب الأفكار التقليدية فى الإدارة الأمريكية، إنهم يرون أن الرأى العام العربى ليس سوى نخبة ساخرة، وشارع عربى قومى انفعالى، وكلاهما غير مؤثر فى السياسة والقرار، وهذا الفهم غير واقعى، لأن (الشارع) أو (العامة) يجب أن يُنْظَر إلى الرأى السائد فيهما بجدية سواء كانوا يعربون عن هذا الرأى، أو لا يعلنون عنه ويمكن توقعه، لأن رأى الشارع والعامة يمكن أن يؤثر على سياسة الحكومات، والأهم من رأى الشارع، وربما الأهم من رأى الحكام أحيانا، هو اتفاق آراء النخبة مع آراء الطبقة المتوسطـة ومع رأى العامة أو الشارع فى العالم العربى كله، فإن هذا المحيط العام مولع بالجدل وبالروح القتالية، بحيث يؤثر تأثيرا كبيرا على مسار الشارع والقصور على حد سواء، وعلى أمريكا أن تخوض حرب الأفكار فى هذا المحيط الواسع لتحسين صورتها، والإقناع بمسار الإصلاحات الداخلية التى تراها، وتحسين العلاقات معها.. هذا هو المحيط الذى يجب أن تحقق فيه أمريكا الفـوز فى حرب الأفكار (!).
وفى رأى مارك لينش: أن الإعلام العربى فى الحقبة الماضية هو الذى كان يعوق الحوار العام، ففى الخمسينات أثارت الإذاعات الثورية المصرية الجماهير العربية وغيرت الأفق السياسى، ولكن اللغة الحماسية والانفعالية الغاضبة لم تساعد على إيجاد مناخ مناسب للخطاب العقلى فى المنطقة، وبعد أن انهارت مصداقية هذه الإذاعات فى عام 1967. وبعد موت الرئيس جمال عبد الناصر بعد ذلك بفترة قصيرة، اتخذ الإعلام العربى مظهرا كئيبا بالاقتصار على أخبار الاستقبالات الرئاسية والأخبار الرسمية، وظلت الصحافة والإذاعة والتليفزيون فى الدول العربية خاضعة لسيطرة الدولة، مع وجود خطوط حمراء واضحة تحكم الخطاب المقبول، وإن كانت قد ظهرت موجات من الانفتاح والتحرر والنشاط المثير فى الصحافة، فقد اقتصرت على القضايا الفرعية المحلية، وسريعا ما خضعت هذه الموجات لترويض نظم الحكم. ولكن ظهر نوع جديد من (المحيط العام العربى) فى النصف الثانى من التسعينات، حيث ظهرت المناقشات فى الفضائيات العربية، نتيجة لسيطرة نظم الحكم على الإعلام الوطنى فى كل بلد عربى، فظهرت الفضائيات التى تتخطى الحدود الوطنية وتحاول التأثير خارج الحدود. والملاحظ أن إذاعات الخمسينات كانت تخدم الدول القوية، بينما جاءت الميديا الجديدة (الفضائيات والصحافة معا) لتعمل بوعى على التعبير عن الجمهور العربى المحبط من أنظمة الحكم.. وظهرت الميديا العربية الجديدة فى لندن لكى تتمكن من الهروب من السيطرة الحكومية المباشرة، واستعانت بالكتاب والصحفيين من أنحاء العالم، وحرصت على تقديم الأخبار دون رقابة على الفضائيات الجديدة، بجانب تطور آخر مهم، حين أصبحت الصحف متاحة على الإنترنت دون تدخل الرقابة أو الحدود، فأصبحت هذه الصحافة تصل إلى جمهور عريض، ونتيجة لذلك خسرت القنوات التليفزيونية الوطنية (المحافظة - الراكدة) نصيبها من جماهير المشاهدين وفقدت جانبا من أهميتها السياسية، حتى أن رئيسا عربيا اعترف بأنه يشاهد إحدى المحطات الفضائية أكثر مما يشاهد تليفزيون بلاده (!).
أما بخصوص ما يقال عن قناة الجزيرة وتأثيرها فإن مارك لينش يقول: إن هذه القناة جعلت للموضوعات السياسية المقام الأول، بينما كانت القنوات التليفزيونية العربية تركز على التمثيليات والأغانى والرقص، وقدمت متحدثين من مختلف الدول، مما جعل حواراتها موضع جدل، وأصاب الجماهير بالصدمة التى تشبه مشاهدة الألعاب النارية، وأثارت قضايا تهم الرأى العام العربى، وبعد ذلك تغيرت برامج الفضائيات العربية، وبدأت تقدم بانتظام العديد من المفكرين والشخصيات السياسية العربية والإسلامية وبعض الشخصيات الأجنبية، وظهرت فى القنوات التليفزيونية فى أنحاء العالم العربى حوارات واختلافات الرأى بين المتحدثين والمشاهدين تذاع على الهواء مباشرة عن طريق الاتصالات التليفونية.. وظهرت فى صفحات الرأى فى الصحف العربية مقالات ذات توجهات متعددة تعكس أكثر من وجهة نظر، وكل هذا يؤدى إلى زيادة مساحة المتابعة والفهم والتفكير. ولم تعد وسائل الإعلام العربية كما كانت.. لم تعد تردد كالببغاء فكرا واحدا.. هو الفكر الرسمى.. وأصبحت تسمح بالنقد.. بل تسمح أيضا بالسخرية.. وتسمح برأى من يرى أن أنظمة الحكم العربية غير مفيدة وتعمل لمصلحتها وأنها نظم ضعيفة وفاسدة ومشبوهة وما هو أسوأ من ذلك، حتى أن قناة الجزيرة قدمت برنامجا موضوعه (هل أنظمة الحكم العربية الموجودة الآن أصبحت أسوأ من الاستعمار؟) ووافق على ذلك مقدم البرنامج وأحد الضيوف و76% ممن أذيعت اتصالاتهم، وخرج البرنامج بانطباع أن الإحباط والغضب وصلا إلى درجة عالية.. وفى الفضائيات منافسة تصل إلى حد الصراع بين قنوات: الجزيرة القطرية، و (إم. بى. سى) السعودية، و (إل. بى. سى) اللبنانية، والمنار التابعة لحزب الله، وتليفزيون أبو ظبى، وقنوات أخرى وصلت إلى ما أسماه الباحث مأمون فندى الأستاذ بجامعة جورج واشنطن (إباحية سياسية) من حيث أن فيها (إباحية) من الآراء الراديكالية، وتعرض الصور التى تصيب المشاهد بالصدمة، وتقدم بعض الفضائيات الأخرى صورة جذابة لرجال أعمال عالميين على أنهم نماذج للتفوق والنجاح وعمل الخير.
***
يقول مارك لينش: إن هذه الوسائل الإعلامية العربية الجديدة تعمل على بناء هياكل إعلامية جديدة، تساعد القارئ والمشاهد على فهم الأخبار والأحداث وتكوين الرأى.. ويقول إن هذه الوسائل الإعلامية العربية الجديدة يمكن أن تواجه حالة غياب الديمقراطية الحقيقية فى المنطقة، وتواجه خصوم الديمقراطية.. وأمام أمريكا الفرصة للتركيز على المشاركين فى هذه الوسائل الإعلامية وعلى جماهير المنتديات العامة الجديدة أكثرمن تركيزها على الشارع والقصور(!)
ويضـيف: أن إدارة الرئيس بوش أدركت هـذه الضــرورة بعـد انفجـارات 11 سبتمبر 2001 فأرسلت عددا من ممثليها إلى برامج قناة الجزيرة، وحقق ذلك بعض التحسن، ولكن هذا التحسن المبكر المحدود تراجع أمام الإحباط والغضب من جانب الإدارة الأمريكية عندما قامت قناة الجزيرة بتغطية معادية للسياسة الأمريكية فى أفغانستان والعراق ومتعاطفة مع تنظيم القاعدة (!) ولذلك قامت الإدارة الأمريكية بالضغط على قناة الجزيرة لفرض الرقابة على شرائط أسامة بن لادن، وأدى ذلك إلى أن أصبحت دعوة قناة الجزيرة للعرب إلى الخطاب الحر أضحوكة للعرب، ولم يستمع الصحفيون العرب إلى الدعوة أو النصيحة التى وجهت إليهم بتهدئة حدة النقد للسياسة الأمريكية، حتى بعد أن وضع بعض مقدمى البرامج فى فضائيات عربية الأعلام الأمريكية على صدورهم كما يفعل الرئيس بوش ونائبه ديك تشينى ووزير الدفاع رامسفيلد (!).
هذا الفشل الأمريكى يدعو إلى أن تحاول أمريكا تغيير مصطلحات الحوار فى العالم العربى، وفتح حوار حقيقى، ولكن ذلك يتطلب شيئا آخر غير ما تفعله الإدارة الأمريكية بإرسال المزيد من المسئولين والمتحدثين الأمريكيين للظهور أمام ممثلى الصحافة وفى القنوات التليفزيونية العربية فى محاولة لتجميل السياسة الأمريكية، لأن تكرار ظـهور هؤلاء إنما يؤكد الصورة النمطية والرأى السائد.. والمثال على ذلك أن قناة الجزيرة قدمت برنامجا حواريا لاستطـلاع الرأى العام بعنوان (هل تتصرف الولايات المتحدة كقوة إمبريالية فى العراق؟) تحدث فيه مسئول أمريكى ذهب خصيصا للمشاركة فى هذا البرنامج، وكان المتحدث الأمريكى كلما أطـال الحديث عن حسن نوايا أمريكا يزداد عدد المعبرين عن رأيهم بقولهم نعم، حتى وصل الأمر فى نهاية البرنامج إلى أن عدد الذين قالوا نعم 96% من المشاركين من الجمهور!!.
ويعتقد البعض فى أمريكا أن هذا العداء ليس شيئا مقدورا لا يمكن تغييره، والحقيقة أن تغييره ممكن - كما يقول مارك لينش - بدليل أن قطاعات عريضة من الجماهير العربية عبرت عن التعاطف مع ضحايا هجمات 11 سبتمبر فى أمريكا، وقدمت النخبة العربية فى الإعلام آراء متعاطفة أيضا، وأصدر الشيخ يوسف القرضاوى فتوى (وهو إسلامى سياسى بارز ازداد شهرة بعد ظهوره المتكرر فى قناة الجزيرة كما يقول مارك لينش) وشاركه خمسة آخرون من رجال الدين المعتدلين البارزين، وكانت الفتوى تدين الهجمات الإرهابية واعتبارها مخالفة للإسلام، وتضمنت الفتوى الدعوة لاعتقال ومعاقبة مرتكبى الحادث، ولكن هذا الموقف لم يلق انتباها كافيا فى الغرب، كذلك لم تؤد الحرب الأمريكية فى أفغانستان إلى معارضة عالمية، بالرغم من أن كثيرين كانت لديهم شكوك فى ادعاءات أمريكا عن مسئولية أسامة بن لادن عن هجمات سبتمبر الإرهابية، وكانت نقطة التحول الحقيقية للرأى العام العربى عندما قام إرئيل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلى بإعادة احتلال الضفة الغربية ربيـع عام 2002 وعندئذ وصل الغضب فى العالم العربى إلى ذروته وازداد بسبب معركة جنين، وكانت أكثر التعليقات إثارة لمزيد مـن الغضب لـدى العرب وصف الرئيس جورج بوش لشارون - فى ذروة الصراع - بأنه رجل سلام (!) وتكرر هذا الوصف فى الميديا العربية، فكان لهذه العبارة أثر مثل اللدغة المؤلمة التى جسدت عدم فهم الولايات المتحدة وعدم تقديرها لمشاعر العرب، وظهرت المقاطعة الواسعة الانتشار للسلع الأمريكية، وإن كانت غير مؤثرة على أمريكا من الناحية الاقتصادية، ولكنها ذات دلالة سياسية خاصة بعد أن أصبحت جزءا من الحياة الثقافية والسياسية فى دول عربية كثيرة، وجاءت أغنية المغنى الشعبى شعبان عبد الرحيم عن الهجوم على العراق التى لقيت تجاوبا من الرأى العام فكانت ضربة أخرى، ونتيجة المواقف الأمريكية تحول كثير من الإسلاميين السياسيين الذين كانوا يساندون أمريكا ضد القاعدة حتى مارس 2003 إلى الجانب الآخر وأصبحوا يطالبون بالجهاد للدفاع عن العراق من العدوان الأمريكى.
***
يقول مارك لينش: إن العراق - مثل فلسطين - كان لسنوات قضية تحظى باهتمام عربى جماعى، وكانت الشعوب العربية تتابع على شاشات التليفزيونات مشاهد حرب ثعلب الصحراء عام 1998، وأصبحت مساندة الشعوب العربية للشعب العراقى الذى يعانى من العقوبات مبدأ قويا من مبادئ الهوية العربية والإسلامية، وهذا ما جعل أسامة بن لادن يستخدم موضوع العقوبات على العراق، بالإضافة إلى فلسطين ويجعلهما قضية واحدة تضمن حشد الغضب العربى.. كان هناك يقين راسخ بأن الولايات المتحدة هى المسئولة فى المقام الأول عن المعاناة الإنسانية الهائلة للشعب العراقى، مما جعل معظم العرب يتشككون فى إعلان أمريكا المفاجئ بأنها تعمل ذلك لتحرير شعب العراق والشعوب العربية (!). وقبل حرب أمريكا على العراق لم يكن فى الحساب أن يكون الرأى العام العربى المعارض بهذه القوة، وكانت الحسابات الأمريكية قائمة على أن العرب منقسمون بشأن نظام حكم صدام حسين، وظهر هذا الانقسام على صفحات الجرائد وأقلام وأحاديث النخبة وفى استديوهات قناة الجزيرة التى كانت تكرر الحديث عن مسئولية صدام عن معاناة الشعب العراقى، وأيضا كانت الإدارة الأمريكية تستمع إلى المعارضة العراقية، وهؤلاء لم يكن لهم تأثير فى العراق، لكنهم كانوا فقط يتحدثون فى قناة الجزيرة فيأخدون حجما أكبر من حجمهم الحقيقى، والحقيقة أن قلة من العرب هم الذين يعتبرون صدام المسئول، وكل العرب تقريبا يشعرون بأن الولايات المتحدة قامت بغزو العراق بدوافع ونوايا سيئة.
***
ويصل مارك لينش إلى أن إدارة الرئيس بوش يمكن أن تلقى مساندة دولية إذا تعاملت بسياسة أكثر صدقا وأقل غطرسة، ولكنها اختارت عكس هذا الاتجاه معتمدة على أن الانتصار الأمريكى السريع بالقوة الأمريكية المفرطة، سيتلوه ترحيب العراقيين بالقوات الأمريكية باعتبارها قوات تحرير.. وسيؤدى هذا الانتصار إلى إصابة الراديكاليين فى العالم العربى - وفى العراق - بالصدمة، ويملؤهم الرعب من القوة العسكرية الأمريكية، وفى نفس الوقت فإن الشعوب العربية سوف تشعر بالامتنان لأمريكا لأنها حررت شعب العراق (!) وسوف تفقد الأصوات المعادية لأمريكا مصداقيتها، وكل ذلك سيؤدى إلى فتح نوافذ للتفكير الجديد ويبدأ العرب فى ممارسة النقد الذاتى.. كان هذا هو السيناريو الذى تتوقعه الإدارة الأمريكية..
لكن هذا السيناريو لم يتحقق.. قليل من العرب توقعوا الحرب فى العراق كما توقعها المحافظون الجدد فى الإدارة الأمريكية.. ولكن فى الإعلام العربى عموما بدأت الحرب على سياسة الولايات المتحدة لأنها تحارب مع بريطانيا وحدهما ضد إرادة العالم كله، ورأى العرب القوات الأمريكية قوات غزو واحتلال، وتوقعوا أن تواجه بمقاومة عنيدة، والتغطية الإعلامية فى الميديا العربية أظهرت الخسائر فى الأرواح وتدمير البنية التحتية فى العراق، كما أظهرت الخسائر الأمريكية، ومظاهرات العراقيين الغاضبين، وشاهد العالم آثار القصف الأمريكى لسوق بغداد فى 28 مارس 2003 فأدى إلى انفجار الغضب، وإن كان السقوط المفاجئ لبغداد قد خفف من الغضب. ولكن لم يكن يتوقع أحد أن يفوز العراق فى هذه الحرب، وفى الوقت نفسه فإن إسقاط تمثال صدام الذى أرادت الولايات المتحدة أن تجعله رمزا للانتصار وإنهاء الجدل حول الحرب.. هذا المشهد لم يجد سوى اهتمام محدود فى الميديا العربية التى اعتبرته عرضا من العروض دبرته القوات العسكرية الأمريكية مع عدد قليل من العراقيين، ثم تحولت القصة سريعا من قصة حرب قاسية إلى قصة سوء التخطيط الأمريكى البريطانى وسقوط فى المستنقع العراقى، والحديث عن عداء الشعب العراقى للاحتلال، والمقاومة المتزايدة التى تمثل حرب عصابات.. واللغة المستخدمة لوصف هذه الحرب بأنها غزو وليست تحريرا. والأمريكيون غزاة وليسوا محررين، والتواجد العسكرى الأمريكى احتلال يثير فى الأذهان صور الاحتلال الإسرائيلى المكروه للضفة وغزة. ولذلك فإن معظم العرب اعتبروا الهجمات على القوات الأمريكية والبريطانية مقاومة مشروعة للاحتلال، مثل العنف الفلسطينى ضد الإسرائيليين الذى يعتبره العرب مقاومة مشروعة. وباختصار لم تقدم الميديا العربية الحرب الأمريكية على العراق للشعوب العربية على أنها حرب تحرير نظيفة كما كانت تتوقع وكما كانت تريد الإدارة الأمريكية!
***
ويتحدث مارك لينش عن (حوار اليوم التالى) فيقول: إن بعض العناصر فى الحكومة الأمريكية تدرك المشكلة وحاولت تصحيحها، وركزت جهودها على ظـهور المتحدثين الرسميين وشبه الرسميين فى الإعلام لتقديم صورة إيجابية عن سياسة الولايات المتحدة فى محاولة للتأثير فى الثقافة الشعبية، ولكن ذلك لم يحقق سوى القليل، لأن الجماهير المستهدفة تشعر بأن ذلك خداع. أما التوجه الآخر فهو قيام محطـات تليفزيونية فضائية أمريكية تتحدث بالعربية، أو استخدام محطـات عربية تحت رعاية أمريكا، لكن المشكلة التى تواجهها هذه القنوات هى أن المضمون السياسى الذى تريد إقناع العرب به سيكون تلقائيا موضع شك وسيدرك العرب أن هذه دعاية، والقنوات والإذاعات التى تديرها أمريكا لتقديم الأغانى وبرامج المتعة والتسلية لن تجدى، لأن هناك قنوات وإذاعات وصحافة عربية تقدم هذه النوعية وستكون المنافس للمحاولات الأمريكية فى التأثير على تفكير وتوجهات ومشاعر الشعوب العربية.
***
يقول مارك لينش: إن الولايات المتحدة شكلت فى يونيو 2003 المجموعة الاستشارية للدبلوماسية العامة للعالم العربى والإسلامى، وتتكون من مستشارين وخبراء، وكان ذلك بناء على طلب من الكونجرس، وقد كررت هذه المجموعة الطلب التقليدى بزيادة الأموال المخصصة للدعاية السياسية، ولن تعمل أكثر من تنفيذ الأساليب التقليدية للإعلام الأمريكى، بينما تحتاج الولايات المتحدة فى هذه المرحلة إلى توجه جديد.. توجه يتحدث (مع) العرب ولا يكتفى بالحديث (إليهم).. توجه يسعى إلى التفاعل (مع) العرب وليس التأثير (فيهم) فقط.. وهناك فرق بين العمل الاستراتيجى والعمل الاتصالى.. العمل الاستراتيجى هدفه خدمة وتأييد المصالح الخاصة لطرف واحد فقط دون اعتبار للطرف الآخر، والعمل الاتصالى هدفه البحث عن الحقيقة.. وجهود الدبلوماسية العامة الأمريكية تسير على أساس العمل الاستراتيجى، وهذا ما جعلها غير ناجحة فى تحقيق أهدافها.. لأن الحديث والمعلومات والأفكار تسير فى اتجاه واحد، ولا تعطى الإدارة الأمريكية أهمية لآراء وأفكار العرب إلا بقدر ما يمكن التأثير فيها وتشكيلها.. والعرب يدركون ذلك ولا يستجيبون باعتبار ما يقدم إليهم دعاية أمريكية، وهم معتادون على ذلك مما تفعله أنظمة الحكم العربية ذاتها، والعرب يشعرون بالغضب من أمريكا - أيضا - لأنها تعاملهم كأنهم أطفال، ويشعرون بالألم من ازدراء أمريكا وتعاليها عليهم، واعتبارهم هدفا للتلاعب بهم.. العرب لا يشعرون أن الأمريكيين محاورون حقيقيون.. وقد عبَّر عن ذلك أحد المصريين فقال: إن الأمريكان يعتقدون أن العرب حيوانات.. إنهم يظنون أننا لا نعلم أى شىء.. ولا نفكر.. ويعلق مارك لينش على ذلك بأن ذلك يعنى أن على الإدارة الأمريكية معاملة العرب والمسلمين على قدم المساواة، والاستماع إليهم بعناية، وتحديد نقاط التقارب دون التقليل من شأن نقاط الاختلاف.. بذلك يمكن أن تصل إلى العرب رسائل إيجابية من الأمريكيين.. ولكن المشكلة أن ذلك الأسلوب لا يناسب الإدارة التى تحكم أمريكا الآن. لأن هذا المنهج الصحيح لا يكتفى بالحوار ولكن يجب أن تتبع الحوار أفعال تؤكد الجدية والصدق لكى يكون للكلام أثر فى إقناع الجماهير المتشككة. أما إذا اكتفت الإدارة الأمريكية بسماع ما يقوله العرب دون أن يؤدى ذلك إلى أعمال حقيقية فسوف يؤدى الحوار إلى نتائج عكسية.
***
ويقول مارك لينش: إن خطأ الإدارة الأمريكية الحالية أنها تستهدف الحكام العرب، والشباب، وعليها التركيز على التفاعل مع المفكرين، والسياسيين، والصحفيين، والشخصيات العامة، لأن هؤلاء أصبحوا مؤثرين تأثيرا كبيرا فى تشكيل الرأى العام، ويمكن للحوار مع هذه النخبة أن يكون سندا للمشروع الأمريكى فى الشرق الأوسط، بل يمكن أن تتولد عنه هوية مشتركة وأهداف مشتركة عربية أمريكية (!) ولكن الحوار لكى ينجح يحتاج إلى خفض اعتبارات القوة وإظهار الاحترام المتبادل بوضوح، وطبيعى أن أى حوار لا يمكن أن يتجاهل القوة الأمريكية، ولكن استحضار ذلك التفوق باستمرار يعوق جهود الإقناع العقلى، ويظهر على أنه طريقة لفرض الإذعان على العرب للقوة الأمريكية.. والمعلقون والسياسيون العرب والمسلمون يقومون بالمهمة ويركزون على عدم التوازن فى القوة ولا يحتاجون إلى من يذكرهم بضعفهم. وسياسة الإدارة الحالية بالاعتماد على الصدمة والرعب للفوز بالاحترام ستؤدى إلى إشعال الغضب أكثر مما ستؤدى إلى الإقناع.. ومهما كانت فائدة التهديد بالقوة على المدى القصير فإنها ستؤدى إلى ترسيخ العداء لأمريكا واستمرار الصراع فى المستقبل.. ومالم تمد أمريكا يدها للعرب، فإنه من المستبعد أن تتغير التوجهات تلقائيا، لأن السياسيين والمفكرين لديهم أسباب قوية لانتقاد الولايات المتحدة بلغة أكثر قوة.. وليس لديهم تقريبا بواعث تدعوهم للدفاع عنها.. فاللغة المعادية لأمريكا تكسب صاحبها سمعة وثقة وشجاعة وتفكيرا واضحا، بينما الفكر المؤيد لأمريكا الذى تشيد به الإدارة الأمريكية وتعتبره قمة الشجاعة، ينظر العرب إلى أصحابه على أنه انتهازية رخيصة.
***
ويقول مارك لينش: إذا كانت إدارة بوش تريد حقا حشد العرب من أجل شرق أوسط أكثر ديمقراطية وليبرالية، وتقنع العرب بقبولهم ومساندتهم لاحتلالها للعراق وحربها على الإرهاب فإن عليها أن تغير الأسباب التى تدعو إلى الهجوم عليها. وهى لذلك تحتاج إلى إدراك أن الصفوة العربية من حقها التعبير عن رأيها، وأنها تستطيع أن تفعل ذلك، وأن النخبة العربية تشعر بالاستياء شعورا قويا لتجاهلهم. أو للإصرار على إظهار التفوق عليهم، بينما هم قادرون على إدراك التناقض بين الأقوال والأفعال الأمريكية.. ولابد أن تدرك الإدارة الأمريكية أن مساندة أمريكا لأى شخص أو جماعة تتسبب فى إضعاف الثقة فيهما، ولذلك فإن تدليل من ترشحهم أمريكا وتفضلهم سيؤدى إلى حكم الجماهير عليهم بعدم الصلاحية.. والأفضل أن يكون الحوار الأمريكى مع الجميع.. مع المعتدلين وأيضا مع الراديكاليين.. والاستماع إلى آراء المؤيدين والأنصار الذين يوافقون تلقائيا على المواقف الأمريكية.. وفى الوقت الحالى تشعر النخبة العربية المتأثرة بالحياة والثقافة الغربية بالإحباط ويحتاجون إلى إشراكهم فى حوار مع الأمريكيين حول البدائل الواقعية والبحث عن حلول.
***
يقول مارك لينش: إن مجموعة عمل تابعة لمجلس العلاقات الخارجية أعدت مؤخرا تقريرا عن الدبلوماسية العامة قالت فيه: ليس هناك شك فى أن الأفكار النمطية عن الأمريكيين أنهم مغرورون، ومنغمسون فى مصالحهم الذاتية، وكاذبون، وغير مستعدين للإنصات، وغير قادرين على الدخول فى حوار مع الثقافات الأخرى، وهذه الأفكار عن الأمريكيين منتشرة وراسخة، وهذه الصورة النمطية التى عبرت عنها مجموعة العمل- التى شكلها الكونجرس - هى التى تعوق استقبال العرب لأية مبادرة أمريكية، وفى الوقت نفسه فإن معظم العرب على وعى بالمشكلات الخطيرة التى تواجه العالم العربى، ويتألمون لذلك، وبالتالى فإن أية سياسة أمريكية ناجحة لابد أن تعمل على إيجاد طرق للتفاعل مع هذا الرأى العام السائد، والمتلهف للإصلاح، والمتشكك فى أمريكا، ويشعر بالاستياء بسبب استخدامها للقوة. وأى تمهيد لذلك يجب أن يبدأ بإدراك هذه الشكوك العربية فى النوايا الأمريكية، وأن تتجنب واشنطن لغة القوة والتعبير عن العظمة، وتعترف بالدوافع الكامنة وراء السياسة الأمريكية، وعدم المغالاة فى التوقعات، وليكن الهدف القريب هو إيجاد علاقة تسمح بتبرئة السياسة الأمريكية وإقناع العرب بالمصداقية فى دعوتها للديمقراطية، والأمريكيون ترددوا طويلا فى المطالبة بالديمقراطية خوفا من فوز الإسلاميين فى انتخابات حرة، فهل تستطيع الولايات المتحدة قبول أية نتائج تسفر عنها انتخابات حرة لكى تستعيد المصداقية؟.
يقول مارك لينش: إن الليبراليين العرب حاربوا طويلا من أجل حقوق الإنسان والحريات العامة ولم يجدوا مساندة أمريكية ملموسة، ويتساءلون: لماذا تختلف الأمور الآن؟.. لماذا تقول أمريكا إنها تساند دعاة الحريات وحقوق الإنسان فى هذا الوقت فقط والغضب العربى العام مشتعل بسبب العراق؟. ولكى يصدقوا ما يقال عن النوايا الحسنة لأمريكا يجب أن تقترن الأقوال بالأفعال وترك عملية الإصلاح السياسى للشعوب العربية وعدم فرضه فرضا من الخارج.. يجب أن تدرك الإدارة الأمريكية أن فرض التغيير بالتهديد أو بالضغوط سوف يستفز روح المقاومة حتى من الذين يشتركون معها فى أهدافها الأساسية.
وأخيرا يقول: إن الحوار وحده لن يغير الفكر والرأى العام فى العالم العربى تجاه أمريكا ونواياها إذا لم تظهر تغييرات ملموسة فى السياسة الأمريكية بالتوقف عن عمليات الانتقام فى العراق ونقل الحكم إلى العراقيين عاجلا وليس آجلا والسماح للصحف العراقية بالانتقاد العلنى للاحتلال الأمريكى لكى يصدق العرب أن أمريكا تؤيد حرية الصحافة وحرية الرأى.. ولن يتغير شعور العرب المعادى لأمريكا إذا لم تعمل على الضغط على الحكومة الإسرائيلية لتفكيك المستوطنات، والسماح بالانتخابات الحقيقية الحرة فى العراق، وتسهيل التأشيرات للعرب لدخول أمريكا.. فإن ذلك يساعد على نجاح الحوار.. وعلى إدارة بوش أولا أن تتخلى عن لغة التهديد وسياسة الضغوط والإكراه وتقسيمها للعالم إلى محورين محور الشر ومحور الخير..
هذا ما يقوله أستاذ العلوم السياسية فى دراسته المهمة التى نشرتها أكبر المجلات المتخصصة فى السياسة الدولية.. فهل سيجد فى الإدارة الأمريكية الحالية من يقرؤها ويفهم ما فيها.؟!
أما قناة الجزيرة فإن صحيفة هيراليدتريبيون الأمريكية قالت عنها: إن دورها أن تكون (الجسر) بين الغرب والشرق، وفى مقال نشر فى الصفحة الأولى يوم 16 فبراير الحالى قال صومويل ابت Samuel Abt: إن رئيس قناة الجزيرة علق على أحد جدران مكتبه فى الدوحة لوحة مكتوبا فيها: أن الجميع يشاهدون محطة تليفزيون (سى. إن.إن) فمـاذا تشــاهد محطــة (سى. إن.إن)؟. وتحتها الإجابة (قناة الجزيرة) ويريد بذلك أن يقول: إن أكبر قناة إخبارية عالمية تتابع قناة الجزيرة وتنقل عنها، والمسئولون فى قناة الجزيرة يقولون: إنهم يقدمون مادة إخبارية وآراء متوازنة، ويعتبرون أن الخلافات التى تثار على الجزيرة والنقد الموجه إليه دليل على ما وصلت إليه من قوة، ويقولون أيضا: إنها تحظى بنسبة مشاهدة عالية، وإنها اليوم وبعد مرور 8 سنوات على بدء انطلاقها يتابعها 35 مليون مشاهد يوميا حول العالم معظمهم من العالم العربى، وينتشرون فى أنحاء بعيدة مثل الصين واليابان.
وقال المدير الإدارى لقناة الجزيرة- وهو أردنى: إن هذه القناة متهمة منذ البداية بأنها تعمل لحساب وكالات دولية مثل الموساد الإسرائيلى والمخابرات الأمريكية، وأنها تعمل لحساب نظم حكم معينة، وأنها تعمل لحساب أسامة بن لادن، ولكننا نعتبر تلك الاتهامات دليلا على النجاح.
وقال المدير الإدارى للجزيرة: إن قناة الجزيرة لا تحقق ربحا.. بل إنها تحقق خسائر دون أن يذكر من أين تحصل الجزيرة على التمويل لتغطية هذه الخسائر، وأرجع سبب الخسائر إلى مقاطعة وكالات الإعلانات لها ورفضها التعاون معها، والشركات العالمية والعربية ترفض الإعلان فيها، كما أن كثيرا من الدول تشعر بالغضب مما تقدمه الجزيرة، ويدعى المسئولون فى الجزيرة أن معظم التمويل يأتيهم من رجال أعمال قطريين دون أن يفسروا الأسباب التى تدعو رجال الأعمال إلى إنفاق أموالهم على هذه القناة، أما مجلة الايكونومست البريطانية الشهيرة، فقد ذكرت أن حكومة قطر هى التى تمول الجزيرة، لأنها تعتبرها جزءا من مخططها السياسى، وبالنسبة لإذاعة شرائط أسامة بن لادن فإن مدير قناة الجزيرة يفسره بأن أسامة بن لادن هو الذى يختار تقديم هذه الشرائط عبر الجزيرة، وهم لا يقدمون سوى بعض فقرات من هذه التسجيلات، ويجعلونها مادة للتعليقات بعد ذلك، وقناة الجزيرة عبارة عن 750 موظفا فى الدوحة، و23 مكتبا فى دول العالم، و70 مراسلا، وجملة عدد الموظفين فى الداخل والخارج 1300 فرد بينهم 450 صحفيا، وفى خطتها تقديم إرسال باللغة الإنجليزية مع بداية العام القادم، بعد إطلاق موقعها على الانترنت بالعربية والإنجليزية فى الخريف الماضى، وهناك مشروع لبدء إرسال قناة الجزيرة الرياضية فى نوفمبر هذا العام، ويفكرون فى قناة أخرى متخصصة للأطفال.
كل هذا الإنفاق على الجزيرة.. لماذا؟.
البعض يقول: إنها أداة عربية لتنفيذ سياسة أمريكية فى المنطقة وأنها تخدم الأهداف الأمريكية بإثارة الشعوب العربية على حكامها، والإيقاع بين الدول العربية، والتطـاول على الحكام والشعوب العربية دون كلمة نقد واحـدة لمسئول كبير أو صغير فى دولة قطر الشقيقة ولنظـام الحكم فيها، واعتبارها النموذج للديمقراطية المطلوبة، والبعض يقول: إنها أثارت الأردن، وسوريا، والسعودية، والإمارات، وتونس، والكويت، وأساءت إلى الحكام.. أما ما تقوله عن مصر فهو ما لا يقوى على قوله ألد الأعداء لمصر وشعبها.. والبعض يقول: ماذا تنتظرون من قناة تبث برامجها على بعد خطوات من القيادة المركزية الأمريكية المخصصة للغزو العسكرى للعالم العربى؟.. ألا تحتاج إلى سلاح الإعلام لمساندة الغزو العسكرى؟.. فهى سلاح من أسلحة الحرب الثقافية أو حرب الأفكار الأمريكية..
ما يقال عن قناة الجزيرة كثير.
أما أنا فلا أعرف ماذا أقول!.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف