السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

مبادرة لإعادة الديمقراطية إلى أمريكا!!

 

لماذا لا يتقـدم العـرب بمبادرة لإعادة الديمقراطية إلى أمريكا؟
أمريكا التى كانت النموذج، والحلم، والمثل الأعلى، للحريات المدنية والديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، ومساندة الشعوب على التحرر من الاستعمار والتخلص من الفقر والتخلف.. فجأة حدث فيها انقلاب.. ولم تعد النموذج والحلم.. ولم تعد بلد الحريات المدنية والديمقراطية.
وهذه الحقيقة المؤسفة تؤكدها شهادات الأمريكيين أنفسهم.. وهذه مجرد نماذج مما يقوله الكُتَّاب والمفكرون والمعبِّرون عن الرأى العام للنخبة المتحررة من سيطرة تيار المحافظين الجدد الذى يحكم أمريكا الآن.
<U>انقلاب على الأصدقاء </U/>
كانت أمريكا -تقليديا- صديقا استراتيجيا للدول والشعوب العربية والإسلامية، وكانت فى نظرها الأمل لمساعدتها على التحديث والتخلص من التخلف الاجتماعى والتكنولوجى، ولكن الرئيس جورج بوش أعلن فجأة عن تراجع أمريكا عن اعتبارات ومقتضيات الصداقة وعن سياسة التسامح والتفاهم، وقال فى خطابه الشهير عن السياسة الخارجية فى أوائل نوفمبر 2003: (إن ستين عاما من التسامح والتفهم الغربى لغياب الحرية فى الشرق الأوسط لم تحقق شيئا يجعلنا أكثر أمانا ، لأنه- وعلى المدى الطويل- لا يمكن شراء الحرية بالأموال) (!).. وقال المعلقون: إن هذه بداية تحول جذرى فى السياسات الخارجية الأمريكية، كما أنها بداية تحول الأفكار الأساسية لجماعة المحافظين الجدد التى يتبناها الرئيس بوش، وقالوا أيضا: إن هذه العبارة هى فى حقيقتها انقلاب يعتزم الرئيس بوش القيام به على الأصدقاء التقليديين لأمريكا فى العالم العربى والإسلامى.
وفى اليوم التالى لهذا الإعلان علقت الإذاعة البريطانية (بى- بى- سى)، كما علق غيرها وكان ضمن ما قيل هنا وهناك: هل سيكون بوسع بوش فعلا المضى فى هذه السياسة؟.. وأجابت: إن المعلقين فى معظم أنحاء العالم يشيرون إلى صعوبات واضحة منها:
* كيف يمكنه إقناع شعوب الشرق الأوسط بجدية الولايات المتحدة بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان فى حين أن العرب والمسلمين يرون شعبا كاملا، هو الشعب الفلسطينى محروما من حقـوقه وحــريته.. محرومـــا من أبسط حقـــوق الإنســـــان؟.
* وكيف يمكن لواشنطن أن تقنع بسياستها هذه، بينما سياستها قائمة على ازدواج المعايير؟ فهى تطالب بإعطاء الحرية للإسلام السياسى فى بلد، وتؤيد محاربة هذا التيار فى بلد آخر مثل الجزائر، وهى تسمى هذا التيار إرهابا فى بلد، وتعتبره تيارا إصلاحيا فى بلد آخر وهى التى قامت بتمويل وتسليح الفصائل الأفغانية وتنظيم القاعدة وأسامة بن لادن، وها هى ذى تعتبره أكبر أعدائها؟.
* وهل ستمارس الحكومة الأمريكية ضغوطا متساوية على الأصدقاء والأعداء؟.. ولماذا تتعامل مع بلاد فى الشرق الأوسط بقفاز حريرى، وتتعامل مع بلاد أخرى فى الشرق الأوسط أيضا بالقبضة الحديدية؟.. أم أنها سوف تتعامل مع الجميع فى فترة قادمة بالقبضة الحديدية؟.
وإذا انصاعت دول الشرق الأوسط للتهديد، وأطلقت العنان للديمقراطية، ثم أسفرت الانتخابات عن قوى سياسية معارضة للولايات المتحدة.. هل ستقبل أمريكا هذه الديمقراطية أو ستطالب بديمقراطية ذات مواصفات خاصة تتفق مع المصالح الأمريكية؟.
* ثم.. ما هى الأهداف الحقيقية للإدارة الأمريكية (سياسية.. عسكرية.. استعمارية.. بترولية)؟.. وهل يمكن تبديد الشكوك التى تحيط بهدف الرئيس الأمريكى؟.. وإلى أى مدى يمكن أن تذهب أمريكا لتحقيق هذا الهدف؟.. وهل لدى الشعب الأمريكى قدرة على البقاء طويلا لتحقيق هذا الهدف؟..
وهل لدى الشعب الأمريكى استعداد لتحمل التضحيات نتيجة الرفض والمقاومة من شعوب المنطقة؟.
وقال المعلقون هنا وهناك: إن المطالب الشعبية المتزايدة فى الشرق الأوسط تنادى بمزيد من الحريات.
والمعنى: إذا كانت الديمقراطية هى المطلب الأمريكى.. فلماذا تتعب أمريكا نفسها مادام هذا هو المطلب العام لشعوب الشرق الأوسط؟.
وإذا كانت أمريكا جادة فى سعيها إلى نشر الديمقراطية فى الشرق الأوسط فعليها أن تدرك أن الديمقراطية لا تنتشر بقرار.. أو بالضغوط.. أو بالجيوش.. الديمقراطية مرحلة من مراحل تطور المجتمعات.. أمريكا فى مراحلها الأولى من التاريخ لم تكن فيها ديمقراطية.. وأوروبا فى مراحلها الأولى لم تكن فيها ديمقراطية.. ومع انتشار التعليم.. وازدهار الصناعة والتنمية الاقتصادية.. وارتفاع مستوى المعيشة.. وتقدم البحث العلمى.. وتحسين مستويات المعيشة تغيرت هذه المجتمعات وتغير أهلها وتحققت الظروف والبيئة الطبيعية للديمقراطية.
فلماذا لا تساعد أمريكا دول الشرق الأوسط على التطور والتحديث والتنمية.. بدلا من التهديد والضغوط والتلويح بالقوة؟.. ولماذا تنقلب أمريكا على أصدقائها؟.. لماذا تقدم للعالم نماذج عملية تجعل الشعوب والدول لا تطمئن إلى صداقة أمريكا بعـد ذلك؟.. ولماذا يجـيد المحافظـون الجــدد فن كسب الأعداء ولا يتعلمون فن الاحتفاظ بالأصدقاء وكسب المزيد منهم؟.
<U>تغطية الفشل</U/>
لماذا ظهرت مبادرة الديمقراطية الآن؟.
أولا: ليست أمريكا أول من تبنى الدعوة إلى نشر الديمقراطية فى العالم، ولكن هناك مبادرات أخرى سابقة من الأمم المتحدة، ومن الاتحاد الأوروبى، وليس الشرق الأوسط والدول الإسلامية هى فقط المقصودة، ولكن جميع دول العالم التى مازالت ضمن حزام التخلف فى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وشرق أوروبا. فلماذا وجهت أمريكا ضغوطها على الشرق الأوسط الكبير وحده وتركت بقية العالم؟.
وثانيا: إن أى تغيير اجتماعى أو سياسى يأتى مفروضا من الخارج مصيره الفشل، وسيواجه بعد فترة قصيرة بردة شديدة، وبالرفض الشعبى، وفى هذه الحالة يمكن أن ترتبط الديمقراطية فى ذهن الشعوب بالاحتلال الأمريكى والضغوط والهيمنة.. إلخ.. وتنتقل كراهية السياسة الأمريكية إلى كراهية كل ما يأتى منها حتى الديمقراطية!
وثالثا: إن الرئيس بوش يخطط لكسب تأييد مجموعة الثمانية للدول الصناعية الكبرى لمبادرته، وذلك فى اجتماع المجموعة فى ولاية جورجيا الأمريكية فى أوائل يونيو القادم، وهو فى الحقيقة يريد أن يبدو مؤيدا بدول أوروبا الكبرى فى سياسته، وبذلك يمكنه تغطية الفشل الأمريكى، وتخبط السياسة الأمريكية فى العراق، ويمكنه القول بأنه كان محقا عندما أعلن أن تدمير العراق هو نقطة انطلاق لتغيير دول الشرق الأوسط والدول الإسلامية.. وأنه سيكون نقطة البداية للانطلاق الكبير لدولة إسرائيل!! وسيكون انعقاد هذه القمة فى نفس الشهر الذى يتم فيه تسليم السلطة الشكلية لحكومة عراقية بلا سلطات حقيقية ولا سيادة حقيقية، لأن السلطة والسيادة ستبقيان لقوات الاحتلال الأمريكية التى ستبقى فى العراق عشرين عاما على الأقل، كما أعلنت بعض قيادات الإدارة الأمريكية، ولكن موافقة الدول الصناعية وظهورها مؤيدة لبوش، وظهور حكومة عراقية سيكونان غطاء لا بأس به- فى نظر الرئيس بوش- للتغطية على الورطة الكبرى فى العراق، والرئيس الأمريكى يحتاج إلى أوراق يقدمها فى معركته الانتخابية ليبدو أمام الناخبين الأمريكيين ممثلا للقوة الأمريكية المنتصرة التى تضرب وتحقق المعجزات ويبدو كأنه كان بعيد النظر وعلى صواب دائما..
وقد عبَّر عن ذلك جون كيرتون رئيس مجموعة الباحثين- فى جامعة تورنتو بكندا- المختصين بالإعداد لمجموعة الثمانية بقوله: إن الرئيس بوش ينظر إلى هذه القمة على أنها جزء محورى من الأجندة السياسية لإعادة انتخابه، والعنوان الذى يريد أن يحتل الأنباء بعدها هو (جورج بوش يحظى بموافقة زعماء الثمانية).
الرئيس بوش- كما قال البعض- سرق مبادرة الأمم المتحدة التى أعلنتها فى تقريرين فى عامى 2002 و2003 صادرين عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية، وقد تضمن توصيات عن (ترشيد الحكم) ملخصها: أنه لا يمكن تحقيق مستويات أعلى من التنمية البشرية فى البلاد العربية دون تحسين العناصر الأساسية لأنظمة الحكم.. والاتحاد الأوروبى من جانبه بدأ يربط حقوق الإنسان باتفاقاته التجارية مع دول شمال أفريقيا وبقية دول الشرق الأوسط، ولم يعترض أحد فى الشرق الأوسط على هذا الاتجاه الأوروبى.. بل بالعكس يتعاون الجميع فى التنفيذ دون حاجة إلى الضجة والصخب والتهديدات الآتية من أمريكا!
<U>هل الهدف التفكيك ؟</U/>
من حق الشعوب العربية والإسلامية أن تتشكك فى النوايا الأمريكية.. أولا: لأن أمريكا جاءت إلى المنطقة بالجيوش والدبابات ودمرت بلدا عربيا وأقامت فيه بقوات احتلال عسكرى.. وتستنزف الآن ثروته من البترول، بينما الشعب العراقى يعانى الجوع.. ولا يجدى شيئا الضحك على الشعوب بادعاء أن هذه حرب تحرير.. فالحرب عدوان.. وليس هناك دولة تأتى بجنودها من أجل عيون شعب يبعد عنها آلاف الأميال.. والاحتلال احتلال.. وكل حرب تدعى أنها حرب عادلة.. وكل احتلال يعلن أهدافا غير حقيقية، بينما الأهداف الحقيقية غير معلنة.. وثانيا: لأن مصداقية الإدارة الأمريكية الحالية تآكلت بعد سلسلة الأكاذيب والخداع التى قامت بها.. سواء فى حرب العراق.. أو فى التعامل مع مأساة الشعب الفلسطينى وآخرها خدعة خريطة الطريق التى أعطت شارون الفرصة لقتل مئات الفلسطينيين وهدم آلاف البيوت واغتصاب مساحات شاسعة من الأرض الفلسطينية وراء الجدار.
ويشير المحللون إلى أن الخطة الأمريكية للشرق الأوسط هى تكرار لاتفاقات هلسنكى عام 1975 التى كانت فى حقيقتها خطة تفكيك وانهيار الاتحاد السوفيتى.. فهل هذا هو الهدف الأمريكى للدول العربية والإسلامية؟.
***
صحيفة واشنطن بوست الأمريكية كشفت الحقيقة مبكرا جدا فى افتتاحيتها يوم 30 ديسمبر 2002 حين قالت: إن إدارة بوش عندما اقتربت من غزو العراق بالغت فى استخدام لغة منمقة عن نشر الديمقراطية فى الشرق الأوسط، وتبارى السياسيون فى إلقاء الخطب حول هذا الموضوع، تحدث وزير الخارجية كولن باول عن مبادرة أمريكية للديمقراطية فى الدول العربية، وتحدث مدير المخابرات المركزية جورج تينت عن نفس الموضوع، وأعلن مدير التخطيط السياسى لوزارة الخارجية ريتشارد هاس عن الدور الأمريكى لتضييق الفجوة الديمقراطية بين الدول العربية وبقية دول العالم، وقال ريتشارد هاس، وهو من أكبر ممثلى تيار المحافظين الجدد الحاكم: إن الإدارات الأمريكية السابقة أخطأت عندما لم تجعل لنشر الديمقراطية الأولوية القصوى فى الدول العربية التى تعتمد عليها أمريكا فى النفط والقواعد العسكرية والتعاون فى عملية السلام العربى الإسرائيلى.. وسوف تكون نهاية استثناء الشرق الأوسط من الديمقراطية التغيير المهم فى السياسة الأمريكية، وسيجد هذا الاتجاه الترحيب، وعلى الإدارة الأمريكية أن تراعى الدقة فى اللغة التى تستخدمها للتعبير عن أفعالها..
كانت مبادرة كولن باول بعنوان: (مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية وجاءت مبادرة الرئيس بوش عن الشرق الأوسط الكبير تكرارا لها.. تتحدث عن ضرورة إدخال إصلاحات فى الدول العربية تشمل التعليم.. والخصخصة والاقتصاد الحر وتشجيع المجتمع المدنى.. وإطلاق حرية المرأة.. والانتخابات.. وحرية الرأى.. وحرية الصحافة.. ومبادرة بوش ترفض التدرج فى الإصلاحات، وترى أن السنوات الماضية لم يتحقق خلالها تقدم ملحوظ.. ولذا يجب تنفيذ التغيير بسرعة، وهذه نقطة خلاف بين الإدارة الأمريكية والحلفاء الأوروبيين، فالأوروبيون يرون أن الإسراع لن يحقق نتائج أفضل بالديمقراطية، وقد يحقق نتائج أسوأ.
***
مروان بشارة أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأمريكية بباريس كتب مقالا عبر فيه عن الرأى العام فى العالم العربى فى صحيفة هيرالد تريبيون يوم 27 فبراير 2003 بعنوان (ليس باسم الديمقراطية) قال فيه: إن إدارة الرئيس بوش عليها أن تكون حذرة عندما تتحدث عن الديمقراطية فى الشرق الأوسط حتى لا تسىء إلى الديمقراطية ذاتها، فهى تستخدمها وسيلة للتمويه، وواجهة لجدول أعمال آخر يرتبط بالمصالح الأمريكية فى البترول، والهيمنة السياسية والتواجد العسكرى، بالإضافة إلى تحقيق وحماية مصالح إسرائيل.
وقال: إن أمريكا لا تدرك إلى أى مدى يحمل العرب ذكريات مريرة عن المحاولات الأجنبية للسيطرة على العالم العربى ورسم الخرائط بما يحقق المصالح الأجنبية، وكل هذه المحاولات كانت تتم باسم الديمقراطية والإصلاح والتحديث والتعمير.. وأمريكا تبدو على وشك تكرار أخطاء أوروبا القديمة.. وقد تسبب الاستعمار الأوروبى فى مقتل أكثر من مليون عربى.. وأمريكا تطبق الآن النظرية الإسرائيلية عن الحرب الوقائية.. وسياسات إسرائيل العدوانية فشلت فى تحقيق السلام لها وللدول العربية.. ولأمريكا سجل كبير للمعايير المزدوجة فى المنطقة.. فإسرائيل ليست ديمقراطية ولا تراعى حقوق الإنسان.. تفرض الحصار على الرئيس المنتخب ياسر عرفات.. وتمنع المجلس التشريعى الفلسطينى المنتخب من الانعقاد.. والعرب كانوا يريدون تغيير نظام الحكم فى العراق وليس تدمير العراق، واحتلاله، وتنصيب حاكم أمريكى فى بغداد، وقتل المدنيين بعشرات الآلاف، والإدارة الأمريكية تتبع مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) وهو مبدأ لا تطبقه إلا أنظمة الحكم الديكتاتورية، أما بالنسبة للديمقراطية فإن الوسيلة لا تقـل أهميـة عــن الغايـة، وذلك ما يسمى بالقانون.. عدم احترام القانون يعنى سيادة الفوضى.. وهل تمكن إقامة الديمقراطية فى ظل الحروب والاحتلال؟.. الديمقراطية لا تزدهر إلا فى ظل الأمن والاستقرار، وإذا لم يتم إعطاء الوقت لترسيخ القيم الديمقراطية فى المجتمعات العربية، فإن البديل للأوضاع القائمة هو سيطرة المتطرفين، ويجب ألا تنسى الإدارة الأمريكية أن الخوف بعد 11 سبتمبر هو الذى ملأها بالعداء والكراهية والرغبة فى الانتقام، وإذا زرعت الخوف فى العالم العربى فسوف يحدث تجاهها نفس الشىء.. إن الشعوب العربية تشعر بالخوف وهى تشاهد الإدارة الأمريكية تكشر عن أنيابها وتتوعد بالحرب والحصار والعقوبات.. وهذا الجموح الامبريالى الأمريكى يجعل الليبراليين العرب فى موقف صعب.. وإذا لم يتم كبح جماح واشنطن الامبريالى فلن يستطيع أحد ردع المتشددين العرب فى مواجهة المتشددين الأمريكيين! والحل هو معارضة الحرب.. والعنف.. والضغوط بنفس القوة التى تمارس بها معارضة الدكتاتورية.. الحل: عودة القيم الأمريكية إلى مكانها السابق وأولها: الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان فى كل مكان، وتحقيق السلام العالمى.
وما دامت أمريكا قد أعلنت أن هدفها هو نشر الديمقراطية، فلماذا لا تعيد الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى أمريكا؟.
<U>الحريات المدنية</U/>
تراجعت الحريات المدنية كثيرا فى الولايات المتحدة فى الفترة الأخيرة.
- منعت الإدارة الأمريكية المحاكم من نظر قضايا المعتقلين، وأصدرت قانون الأدلة السرية الذى يعطى الحكومة الحق فى اعتقال أى شخص دون إبداء الأسباب أو تقديم المبررات أمام المحاكم، حتى المحكمة العليا ليست مخولة بمطالبة الحكومة بتقديم أسباب الاعتقال.
- منعت الإدارة الأمريكية المعتقلين من الاستعانة بمحامين أثناء التحقيق معهم.
- اخترعت الإدارة الأمريكية وضعا جديدا باعتبار أى شخص (مقاتل فى صفوف العدو) سواء كان الشخص أجنبيا أو أمريكيا، وبذلك يمكن احتجازه زمنا غير محدد، ومنع زيارة أسرته له، مع ما فى ذلك من اعتداء على الدستور الأمريكى، مما جعل رئيس المحكمة العليا وليم رينكويست يكتب كتابا يقول فيه: إن الحريات المدنية يمكن تقليصها فى وقت الحرب، ولكن الدستور يظل محترما دائما حتى فى أوقات الطوارئ.
<U>القضاء فى القائمة السوداء </U/>
فى صحيفة هيرالدتريبيون يوم 12 أغسطس 2003 كانت الافتتاحية بعنوان (وضع القضاة فى القائمة السوداء) قالت فيها: لابد أن الآباء المؤسسين لأمريكا سوف يصابون بالفزع عندما يعلمون بآخر اختراع للنائب العام (وزير العدل) جون أشكروفت، فقد أمر سلطات الادعاء بجمع معلومات عن القضاة الفيدراليين الذين يصدرون أحكاما مخففة أقل من العقوبات التى وضعها فى قائمة الإرشادات الفيدرالية، مما يعنى وضع قائمة سوداء بأسماء هؤلاء القضاة، ومن الممكن أن يتعرضوا بعد ذلك للمتاعب أو التهديد.
وقالت الصحيفة: إن الكونجرس أنشأ لجنة (الحكم القضائى) وأعطاها سلطة وضع لائحة تتضمن العقوبات المناسبة للجرائم المختلفة لكى يسترشد بها القضاة فى المحاكم الفيدرالية، وكان القضاة يتمتعون بقدر من الحرية فى اختيار عقوبة مخففة إذا رأوا فى ظروف القضية مبررا لذلك، وعادة ما يكون ذلك لتشجيع المتهمين على الاعتراف، ولكن إدارة الرئيس بوش، وأنصارها فى الكونجرس أعلنوا غضبهم على القضاة الذين يصدرون أحكاما مخففة، أقل مما فى قائمة الإرشادات، واستخدموا عدة طرق للضغط على القضاة، بما فى ذلك الضغط السياسى.
وتقول هيرالدتريبيون: إن إدارة الرئيس بوش بذلك تتورط فى شن هجوم راديكالى على النظام الدستورى الأمريكى، حتى أن كبير قضاة الولايات المتحدة وليام رينكويست حذر من أن جمع معلومات وتحريات عن أعمال وأحكام القضاة ووضع قائمة بأسماء من يصدرون أحكاما مخففة من شأنه أن يؤدى إلى تهديد القضاة، وعلى وزير العدل أشكروفت أن يتخلى عن هذه الحرب الخطرة التى يشنها على السلطة القضائية.
<U>اعتقالات بلاضوابط </U/>
وافتتاحيات هيرالدتريبيون المتتالية تتحدث بمرارة عن السياسة الجديدة التى تسمح بالاعتقال بدون ضوابط أو ضمانات قانونية أو حقوق للمعتقلين.
فى 19 مايو 2003 تحت عنوان (أكثر من 2 مليون) قالت: لأول مرة فى التاريخ تعدى سكان السجون الأمريكية مليونى سجين، وبذلك أصبح فى أمريكا أعلى معدلات السجن فى العالم.
ويمثل الزحام فى السجون الأمريكية تكلفة باهظة من الدولارات والبشر، حتى أن عدد المسجونين الآن يبلغ أربعة أضعاف عددهم فى منتصف السبعنيات، والعدد مستمر فى الزيادة، وليس لذلك صلة بمعدلات الجريمة، إذ أن معدلات الجريمة انخفضت الآن عما كانت عليه عام 1974، كما أن ذلك لا يساير المعدل العالمى، حيث يصل المعدل فى أمريكا 700 سجين بين كل 100 ألف مواطن، بينما المعدل فى ألمانيا وإيطاليا والدانمرك أقل من 100 سجين لكل 100 ألف مواطن، ومرجع ذلك إلى السياسة العقابية القاسية فى أمريكا، حيث تفرض عقوبة السجن لمدد طويلة على جرائم صغيرة لا تتضمن العنف، وتمثل السجون بالنسبة للميزانية الأمريكية عبئا ضخما، فضلا عن أن الإسراف فى أحكام السجن تحول كثيرا من الشباب إلى مجرمين كبار، مما يستلزم إعادة النظر فى القوانين العقابية والأحكام القضائية القاسية، وإعطاء القضاة حرية فى تقرير العقوبة المناسبة، وتحويل جزء من الأموال المخصصة للسجون إلى برامج علاجية لحماية الشباب من العنف والمخدرات، خاصة أن معدلات الجريمة تميل إلى الانخفاض، والأمريكيون يعانون من أعباء الضرائب وعجز الميزانية ولا يجدون ما يدعو لسياسة الاستخدام المفرط لعقوبات السجن.
وفى 3 أغسطس 2003 تحت عنوان (سجناء أمريكا) كتبت هيرالدتريبيون: ارتفع عدد السجناء فى أمريكا مرة أخرى حتى وصل إلى 2 مليون و 166 ألفا، و260 سجينا، وجاءت الزيادة فى وقت تناقصت فيه الجرائم، والحكومات المحلية تعانى من عجز الميزانيات، وتكلفة السجون ارتفعت ارتفاعا كبيرا جدا، ووفقا للبيانات الرسمية التى أعلنتها وزارة العدل ازداد عدد المسجونين منذ عام 1995 حتى نهاية 2002 بنسبة 30%، وفى نهاية عام 2002 كان معدل المسجونين فى أمريكا أعلى المعدلات فى العالم ويمثل بين خمسة أضعاف وعشرة أضعاف المعدل فى الدول الصناعية الأخرى.

وترجع زيادة أعداد المسجونين رغم انخفاض معدلات الجريمة إلى السياسات الصارمة للعقاب بالسجن لمدد طويلة على جرائم تافهة نسبيا، ففى سجن كاليفورنيا سجين محكوم عليه بخمسة وعشرين عاما، وجريمته سرقة ثلاثة قفازات من أحد المحلات (!) والسبب أن التعامل بالشدة مع الجريمة طريقة سهلة للتأثير على الناخبين، ومسئولية أعضاء الكونجرس والهيئات القضائية تفرض عليهم أن يتعقلوا فى فرض العقوبات، ويسمحوا بالإفراج عن السجناء الذين لا يمثلون خطرا على المجتمع، وإن كانت السياسة العقابية الحالية تخدم الحملة الانتخابية أفضل. فإنها سياسة مكلفة للدولة وغير إنسانية(!)
وفى عدد 15 يناير 2004 تحت عنوان (اعتقالات أمريكية سرية) قالت: إن المحكمة العليا اضطرت لقبول منطق الإدارة الأمريكية، ورفضت الحكم بإلزام السلطات بإعلان أسماء المعتقلين وأماكن اعتقالهم أو الكشف عن أسباب الاعتقال.. وقد بلغ عدد الذين اعتقلتهم السلطات (المخابرات- مكتب التحقيقات الفيدرالى- البنتاجون) رقما كبيرا، وكلهم- أو معظمهم- مسلمون (!) وقد ثبت أن الأغلبية العظمى منهم ليست لهم علاقة بالإرهاب أو بالمنظمات الإرهابية، كما تم ترحيل أعداد كبيرة من العرب والمسلمين المهاجرين.. وأخيراً أفصحت الحكومة عن أسماء 129 من هؤلاء المعتقلين، ونسبت إليهم ارتكاب جرائم عادية بعيدة عن الإرهاب، ورفضت الكشف عن أسماء المئات من المعتقلين ولم توجه إليهم أية تهمة (رغم مرور أكثر من عامين وهم رهن الاعتقال).
وقد تقدم مركز دراسات الأمن القومى، كما تقدمت جماعات الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان بالتماسات، وطلبت إعطاءها معلومات عن هؤلاء المعتقلين طبقا لقانون حرية المعلومات الأمريكى الشهير، لكن هذه الطلبات لم يلتفت إليها، ولم يعلن شىء عن أسماء المعتقلين وظروف اعتقالهم، وبدلاً من تنفيذ القانون، طلبت الحكومة استثناء هؤلاء المعتقلين من تنفيذ القانون.. ونشبت معركة قادتها منظمات المجتمع المدنى مع مؤسسة نيويورك تايمز قالوا فيها إنه لا يجوز إعفاء الحكومة من تنفيذ القانون، لأن المطلوب مجرد إعلان الأسماء والأسباب، وهذا أقل ما يمكن المطالبة به من حقوق المعتقلين، وهو ما يحدث فى تحقيقات البوليس العادية، وكان محور هذه الحملة أن الأمر يتعلق أيضا بحق من حقوق الشعب الأمريكى، وهو حقه فى أن يعلم ما تفعله السلطة التنفيذية ويراقب عمليات الاعتقالات ومدى الجدية والشرعية فيها، وذلك الحق مقرر فى الديمقراطية الأمريكية لضمان عدم اعتداء الحكومة على حقوق دستورية.
والغريب أن المحاكم أصدرت قرارات بإلزام السلطات بالإفراج عن أسماء المعتقلين، لكن الحكومة تقدمت باستئناف هذه الأحكام، ومارست الضغوط حتى صدرت أحكام الاستئناف بإلغاء الأحكام، مما جعل القاضى ديفيد تانيل يحذر من أن المحكمة العليا تصادر بذلك على حق الجمهور وحقوق أصحاب المصلحة فى معرفة الأسماء والأسباب، على الأقل لمعرفة هل تم اعتقالهم بسبب ديانتهم لكونهم مسلمين، أو بسبب أصولهم العرقية لكونهم عربا؟ وهل سيطول اعتقالهم إلى أجل غير محدد دون تقديمهم للمحاكمة، أو الإفراج عنهم، أو السماح لهم بإعلام ذويهم ومقابلة محام كما يقضى القانون؟..
مع ذلك صدر قرار المحكمة العليا بإلغاء الأحكام، وبذلك سجل التاريخ اعتداء على الدستور والقانون، بينما تؤكد الإدارة الأمريكية احترامها للقانون وللقضاء، وتطالب الدول الأخرى بالتوقف عن سياسة الاعتقال، وباحترام القانون وحرية القضاء (!)
وقد وصفت هيرالد تريبيون تصرفــــــات الإدارة الأمريكية بأنها تجـــــاوزات مزعجة (!)
<U>فضيحة جوانتانامو</U/>
وتتحدث هيرالد تريبيون يوم 16 مايو 2003 عن (فضيحة جوانتانامو) فتقول: إن أمريكا تحتجز مئات الأسرى فى حرب أفغانستان، وهم منذ ذلك الوقت وحتى الآن سجناء فى معسكر (اكس- راى) فى قاعدة جوانتانامو العسكرية فى كوبا- وهى قاعدة أمريكية لا تخضع لسيادة كوبا (!)- بعيداً عن طائلة القانون الأمريكى، وبعيدا عن عيون الشعب الأمريكى، دون أن تسمح لهم بالحق فى مقابلة أحد من أسرهم، أو المحامين، أو أية حقوق أو ضمانات قانونية، وحتى دون أن تطبق عليهم اتفاقية جنيف الخاصة بأسرى الحرب.. وقد تم شحن مجموعة منهم إلى بلادهم دون إعلان عن نتائج التحقيقات، أو مدى جدية الأسباب لهذا الاعتقال، وأخيرا قررت محاكمة البعض الآخر أمام محاكم عسكرية أمريكية (ويلاحظ أن الإدارة الأمريكية كانت تشن حملات عنيفة على الدول التى يحاكم فيها المتهمون أمام محاكم عسكرية).
وقالت هيرالد تريبيون: إن معسكر الاعتقال وما يجرى فيه يسىء إساءة بالغة للقيم والمبادئ والمُثل الأمريكية، ويضر بالمصلحة القومية، ومع ذلك فإن الحكومة تضرب عرض الحائط بالالتماسات والطلبات التى تتقدم بها أسر المعتقلين، وحتى بالشكاوى والطلبات التى تقدمها حكومات الدول التى ينتمى إليها هؤلاء المعتقلون.. والحجة التى تقدمها الحكومة لهذه الدول هى أن تحقيقات المخابرات مع هؤلاء المعتقلين بطيئة وتحتاج إلى وقت طويل.. (مضى حتى الآن عليهم أكثر من عامين!) كما تتحجج الحكومة الأمريكية بأن هجمات سبتمبر كانت تتطلب إجراءات استثنائية. وفى الوقت نفسه احتجزت وزارة الدفاع (البنتاجون) أكثر من 60 رجلا يحملون 42 جنسية مختلفة، منهم مواطنون من دول تعتبر أقرب الحلفاء لأمريكا، وفيهم شيوخ وأطفال أعمارهم أقل من 13 عاما، واعتبرتهم مقاتلين غير قانونيين، وتقول الإدارة الأمريكية: إن هذه الصفة الغريبة تجعل الحماية المقررة باتفاقية جنيف لا تنطبق عليهم.. أو هكذا تريد أمريكا! والتصريحات من وزارة الدفاع تفيد بأنه عند محاكمتهم أمام محاكم عسكرية فسوف تكون المحاكمات سرية (!)
وتقول هيرالد تريبيون: إن كان بعض المعتقلين من تنظيم القاعدة فعلا فإن الإدارة الأمريكية لم تقدم ما يثبت ذلك وقد تم القبض على معظمهم دون تحقق.. ومع ذلك.. ومهما كانت الأسباب فقد كان على الإدارة الأمريكية أن تتعامل معهم بما يدل على احترام والتزام أمريكا بالعدالة وبالقانون، لكنها بدلاً من ذلك جعلت جوانتانامو وصمة عار..! هذا ما قالته هيرالد تريبيون!
***
وقبل ذلك خصصت الصحيفة افتتاحيتها يوم 4 يونيو 2003 لنفس الموضوع وقالت: إذا كان اعتقال هؤلاء المسلمين بعد 11 سبتمبر مبررا، فإن استمرار معاملتهم بأساليب غير إنسانية ليس له مبرر، وسوف يندم الأمريكيون على ذلك فيما بعد، لأنه لا يمكن تبرير وضع الأغلال فى أيدى وأقدام المسجونين لمدة 23 ساعة يوميا، ودون تفرقة بين المتهمين بالإرهاب والمعتقلين بسبب سوء السلوك أو بسبب الإقامة غير القانونية، ولا يمكن تجاهل القانون الأمريكى الذى كان محترما ويقضى بإخطار المعتقل خلال 72 ساعة بالتهمة الموجهة إليه.. وقد كشف تقرير رسمى عن تدهور الحالة النفسية والعقلية لعدد كبير من هؤلاء المعتقلين.. وطالب تقرير حكومى بمعاملة هؤلاء الأسرى معاملة إنسانية ولكن تــم تجاهــل هذا التقرير.. وكتب تشارلز ليفيندوسكى فى هيرالد تريبيون يوم 15 أكتوبر 2003 تعليقا على تقرير أصدرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر يثبت تدهور حالة المعتقلين بدرجة تدعو للقلق.. وأنهم يعانون من العزلة والإحباط والاكتئاب، حتى أن 32 منهم حاولوا الانتحار.. وأن بعضهم يتم ربطهم إلى أعمدة وإطلاق طلقات مطاطية عليهم، وإجبارهم على الركوع تحت شمس كوبا الحارقة فى الصيف ساعات طويلة.. وحرمانهم من النوم إلى أن يصلوا الى مرحلة الانهيار..!
من يصدق أن أمريكا تفعل ذلك وتطالب الآخرين بالديمقراطية وحقوق الإنسان؟!
<U>تهديد الحريات</U/>
وفى 23 سبتمبر 2003 كشفت هيرالد تريبيون عن اعتزام الإدارة الأمريكية تعديل القانون الوطنى الأساسى وإدخال نصوص جديدة عليه لتوسيع سلطة الحكومة والمخابرات ومكتب التحقيقات الفيدرالى بالنسبة للاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، وحرية المواطنين الأمريكيين داخل أمريكا. وكانت الافتتاحية بعنوان (تهديد للحرية) وقالت فيها: إن إدارة الرئيس بوش تعمل الآن على إصدار قانون فيدرالى أساسى جديد يمنح الحكومة سلطات كبيرة جداً أكبر من السلطات التى يمنحها لها قانون مكافحة الإرهاب، ولا تسمح الإدارة بتوجيه نقد أو اعتراض على هذا المشروع.. وبذلك تكتم أصوات العقلاء الذين يحاولون الدعوة إلى تضييق نطاق السلطة الهائلــة التى أصبحــت بيد الحكومــة بعــد 11 سبتمبر بصورة لم تحدث فى التاريخ الأمريكى أبدا.. وقد أعلن الرئيس بوش 3 نقاط جوهرية فى المشروع الجديد:
أولاها: منح السلطات الحكومية حق التفتيش للأماكن والمنازل، والاستيلاء على الأوراق والوثائق والمستندات، وانتزاع الشهادة أو الاعتراف من الأشخاص دون أمر من السلطة القضائية ودون حضور محام..
وثانيتها: التوسع فى عقوبة الإعدام.
وكانت أمريكا تهاجم بشدة الدول التى تطبق عقوبة الإعدام.
وثالثتها: التضييق فى حق المحبوسين والمعتقلين فى طلب الإفراج عنهم بكفالة.
هذا طبعا بالإضافة إلى زيادة الاعتمادات المالية للمخابرات الأمريكية وإنشاء وزارة للأمن الداخلى والسماح بالتنصت على المكالمات التليفونية ورقابة المراسلات البريدية والإليكترونية وتجنيد أعداد كبيرة جدا من سائقى التاكسى، والعاملين فى شركات النظافة والمطاعم للعمل لحساب المخابرات ومكتب التحقيقات الفيدرالية.. ووضع كاميرات فى كل الأماكن العامة (وبعض الأماكن الخاصة!)..
وعلقت هيرالد تريبيون على ذلك بقولها: إن هذه السلطات والأدوات تهديد وانتهاك للحريات المدنية للأمريكيين، وهى سلطات أكثر مما يجب وليست ضرورية لمحاربة الإرهاب كما تدعى الإدارة الأمريكية.. وإن أكثر ما يسبب الإزعاج هو الاتجاه إلى توسيع نطاق حرية الحكومة فى انتهاك الخصوصية والحرية الشخصية والحصول دون إذن قضائى على البيانات الخاصة بالأفراد التى يجب أن تظل ملكا لأصحابها فقط، مثل البيانات عن الحالة الصحية والمالية والأسرار والعلاقات الشخصية..
وقالت هيرالد تريبيون: إن إدارة بوش تدعى أنها لا تملك صلاحيات قانونية كافية لمحاربة الإرهاب، مع أن ما لديها من صلاحيات يكفى، بل هو زيادة عما يلزمها لمحاربة الإرهاب.. ولم يسبق لأية إدارة فى التاريخ الأمريكى أن أمسكت بالمواطن الأمريكى وضيقت عليه الخناق كما يحدث الآن.. وكان الأجدر أن تقوم باحترام وحماية أمن وحرية المواطن الأمريكى.. وما كان يجب أن تقوم بخنق الحريات التى كانت موضع فخر أمريكا والأمريكيين (!)
قبل ذلك- يوم 11 سبتمبر 2003- قالت صحيفة واشنطن بوست إن الرئيس بوش يستغل أحداث 11 سبتمبر لتبرير ما تفعله القوات الأمريكية من اعتداءات فى العراق، وتبرير سعيه للاستيلاء على البترول فى العراق وبحر قزوين والقطب الشمالى، ويعمل على إسكات المعترضين على سياسته المالية مثل تخفيض الضرائب على الأغنياء، وسياسته الاقتصادية التى أدت إلى زيادة البطالة، وزيادة عجز الميزانية، كما أنه يستغل أحداث 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب لإسكات المطالبين بمناقشة تزايد الإنفاق العسكرى الهائل فى عهده وخاصة فى حرب العراق. وبالإضافة إلى ذلك فإن الإدارة الحالية تحارب كل من يبدى ملاحظة أو ينتقد فجاجة الدعاية السياسية التى بدأت الإدارة فى تنفيذها فى محطات التليفزيون والإذاعات التى أنشأتها، أو فى الخطب والبيانات الرسمية التى تلقى فى الكونجرس، أو التصريحات التى يتم الادلاء بها للصحافة، وحتى الإخراج الاستعراضى للاحتفال بإعلان انتهاء الحرب والنصر على العراق عندما هبط الرئيس بوش وهو فى ملابس الطيران القتالية من طائرة هليكوبتر على سطح مدمرة ينتظره عليها مئات من الشخصيات وصفوف من القوات.. أو تقديم فيلم تليفزيونى يوم 11 سبتمبر 2003 فى ذكرى الهجمات الإرهابية، عن حياة الرئيس بوش وشخصيته مما أثار المشاهدين حتى من أنصاره.
وعلّق قبل ذلك الكاتب بول كروجمان يوم 13 سبتمبر فقال: إن الإدارة الأمريكية تستغل أحداث 11 سبتمبر وهدفها تحقيق مكاسب سياسية وحزبية لها وليس محاربة الإرهاب.. وقال: هل الشعب الأمريكى على استعداد الآن لكشف حقيقة الخداع الذى يتوارى وراء ستار الوطنية؟. لأن ذلك ضرورى الآن.. لأنه سوف يحدد مستقبل أمريكا.. والصحافة من جانبها أصبحت أقل ترددا فى التصريح باستغلال الرئيس بوش لأحداث 11 سبتمبر، بعد أن أصبح هذا الاستغلال واضحا ولم يعد من الممكن الاستمرار فى الخداع أكثر من ذلك، كما لم يعد ممكنا أن تستمر حملة إدارة بوش على كل من ينتقد سياسته وتوجيه تهمة عدم الوطنية إليه فى الوقت الذى يصعب فيه القول بأن تصرفات هذه الإدارة تحركها دوافع الوطنية فقط.
هذا ما يقوله الأمريكيون عما وصلت إليه الديمقراطية فى أمريكا.
<U>حكومة سرية</U/>
والكاتب الأمريكى تشارلز ليفيندوسكى كتب فى صحيفة نيويورك تايمز وهيرالد تريبيون مقالا يوم 19 ديسمبر 2001 بعنوان (الخوف أدى إلى نشأة حكومة سرية) قال فيه: إن حكــومة الرئيس بوش أصبحت حكـــومة سرية، لا يملك أحد الحق فى محاسبتها سوى الرئيس بوش نفسه، أما الكونجرس فإنه- رغم ما يفعله هنا وهناك- لا يستطيع إيقاف هذه الحكومة عن سوء استخدامها لعمليات التفتيش والاعتقال، ونتيجة للخوف الذى تنشره هذه الحكومة فى نفوس الأمريكيين، فإنهم لا يستطيعون الاعتراض. لكن الخوف أو الرغبة فى الانتقام من الإرهاب والإرهابيين ليس سببا منطقيا مقبولا لما يحدث من انتهاك تقاليد الحرية الأمريكية والاستهانة بالدستور وميثاق الحقوق والقانون على أنها مجرد قصاصات ورق!
وإن ميثاق الحقوق يفرض حماية قانونية لكل شخص أجنبى يدخل الأراضى الأمريكية، ولا يتحدث الميثاق عن حقوق الأمريكيين فقط، ولكنه يتحدث عن حقوق الناس سواء كانوا أمريكيين أو أجانب. وقد أرسلت منظمة العفو الدولية (آمنستى الدولية) مذكرة من 26 صفحة إلى النائب العام الأمريكى عبّرت فيها عن قلقها بشأن معاملة أكثر من 600 معتقل، وحرمان بعضهم من الأدوية الضرورية ومن الطعام، ووضعهم فى القيود، وتعرضهم للضرب وسوء المعاملة. وفى يوم 5 ديسمبر 2001 قدم الاتحاد الأمريكى للحريات المدنية، كما قدمت اللجنة الأمريكية العربية لمقاومة التفرقة العنصرية، و16 منظمة، مذكرات للحكومة، وقاموا برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الفيدرالية للمطالبة بإعلان أسباب اعتقال هؤلاء المئات.. ولم يحصلوا على الحكم بذلك.. وعلّق كان مارتن مدير مركز التحقيقات الأمنية، وهى منظمة للدفاع عن الحريات المدنية: (إن استخدام قانون الأدلة السرية لا يتم لأسباب تتعلق بالتحقيقات، ولكن لأسباب تتعلق بالتستر وإخفاء الانتهاكات لحقوق الإنسان. التى تحدث فى المعتقلات.. وعندما طالبت اللجنة التشريعية بمجلس الشيوخ وزير العدل اشكروفت ببيان أسباب الاعتقال ومعاملة المعتقلين قال أمام اللجنة إنها ليس لها سلطة الرقابة على سلطات العدالة، وأنه لن يجيب إلا عن الأسئلة التى يرغب فى الإجابة عنها..
يقول تشارلز ليفيندوسكى فى مقاله: واستجاب الكونجرس لما قامت به الحكومة من اغتصاب سلطة الكونجرس ذاته عندما أصدرت ميثاقا آخر يمنح الحكومة المزيد من الصلاحيات.. ومن الواضح أن الكونجرس قد تخلى عن دوره فى الرقابة على الحكومة.. وبذلك فقدت أمريكا التوازن بين السلطات ولم تعد فى أمريكا سوى سلطة واحدة هى سلطة الرئيس.
هذا ما قاله مفكر أمريكى.
***
فى نوفمبر 2003 ألقى اللورد جون استين قاضى المحكمة العليا فى بريطانيا محاضرة نشرت الصحف البريطانية والأمريكية ملخصها قال فيها: إن القوانين الجديدة فى أمريكا نتيجتها المؤكدة ضياع الحرية، وإن ما يحدث فى سياق الحرب على الإرهاب يمثل مشهدا كئيبا للاعتداء على حقوق الإنسان.
وبعد سرد القوانين والإجراءات المعادية للديمقراطية وحقوق الإنسان قال اللورد جون استين: لقد نشأت على الإعجاب بمثاليات الديمقراطية والعدالة فى أمريكا، والآن أجد نفسى مضطرا للإعلان عن فشل هذه العدالة.. وهذه أزمة تواجه الديمقراطيات، وعلى الحكومة البريطانية أن تعلن صراحة إدانتها لغياب القانون وحقوق الإنسان فى أمريكا..!
فهل تستجيب الحكومة البريطانية لنداء الضمير الذى أعلنه كبير القضاة؟!
***
كريس باتن، مفوض الاتحاد الأوروبى للعلاقات الخارجية، كتب مقالا بعنوان(الديمقراطية لا تتحقق بالقنابل الذكية) فى مجلة السياسة الخارجية قال فيه: لقد كنت فى التسعينات آخر حاكم بريطانى لهونج كونج وبقيت فى هذا المنصب خمس سنوات وكنت مسئولا عن عملية عودتها إلى الصين، وكنت بذلك فى قلب الجدل بشأن الديمقراطية فى آسيا، وتوصلت إلى آراء عن الديمقراطية وثيقة الصلة بقضية الإصلاح السياسى فى الشرق الأوسط ملخصها أن الديمقراطية مطلب عالمى، ولا ينبغى الانتقاص منها بحجة الظروف الاقتصادية أو الثقافية فى أى بلد، ولكنها فى نفس الوقت يجب أن تنشأ، وتنمو، من داخل كل مجتمع، وقد ينجح الضغط الخارجى فى فرض هياكل وممارسات شكلية للديمقراطية، ولكن لا يمكن أن تتعمق جذور ديمقراطية حقيقية بالقوة فى أى بلد، ولا يمكن أن تتحول إلى أسلوب حياة بالضغوط من الخارج.. وفى نفس الوقت على الجناح اليمينى المتشدد الحاكم فى أمريكا أن يراجع تصوره غير الصحيح عن وجود تناقض بين العالم الإسلامى والديمقراطية، والواقع يشهد أن ثلاثة أرباع العالم الإسلامى يعيش فى ظل ديمقراطيات بأشكال ودرجات مختلفة، وهذا ما يجب أن يتفهمه صقور البنتاجون والبيت الأبيض.. ويتفهموا أيضا أن الديمقراطية لا يمكن إدخالها فى يوم وليلة.. والولايات المتحدة تريد أن تفرض على الدول العربية والإسلامية التحول إلى الاقتصاد الحر، وإطلاق الحرية لرأس المال، وتفكيك سلطة الدولة، وقيام الحكم على الشفافية والقانون.. وكل ذلك لا يمكن أن يتحقق بدون إقامة نظام نيابى، وانتخابات حرة، وترسيخ التعددية وحرية الرأى وحقوق الإنسان.. وكل هذه المقومات لا يمكن أن تكون حقيقية إلا إذا نشأت نشأة طبيعية من داخل المجتمع، وبأيدى شعوبها، وبدون ضغوط خارجية، لأن الضغوط الخارجية يمكن أن تؤدى إلى عكس ما هو مطلوب.. ولقد قدمت أمريكا للدول مثالا سيئا بما فعلته فى أفغانستان والعراق، لأن الديمقراطية لا تتحقق بتدمير الدولة والمدن، وقتل عشرات الآلاف، وانتشار القوات والدبابات والطائرات، فى كل مكان.. وماذا تنتظر أمريكا من الشعب العراقى بعد ذلك غير أن يرفض هذه الديمقراطية؟!.
والحل- كما يقول مفوض الاتحاد الأوروبى كريس باتن- ليس فى نظرية بول وولفويتز بأن سقوط صدام حسين سيؤدى إلى تغيير ديمقراطى فى العراق الأمر الذى يؤدى إلى تغيير الدول العربية جميعها.. إنما الحل أن تساعد الدول الكبرى على تطوير دول وشعوب الشرق الأوسط.. بتشجيع التجارة.. وتقديم المساعدات المالية والتكنولوجية بطريقة كريمة ودون شروط.. وتشجيع مبادرات الإصلاح التى تتخذها الدول العربية والإسلامية.. والمساعدة على تحقيق انتعاش اقتصادى حقيقى فيها.. بذلك يتم تغيير الشرق الأوسط.. ويتحول تلقائيا إلى الديمقراطية.. بدون غزو عسكرى.. وبدون ضغوط.. وبدون استفزاز لمشاعر الشعوب.. وإذا غيرت الولايات المتحدة سياستها فى الشرق الأوسط وأصبحت أكثر عدالة وتوازنا وإنصافا، فسوف يتغير الشرق الأوسط أسرع، وسوف تكسب أمريكا صداقة الشعوب العربية.. وتضمن حماية مصالحها.. ويختفى الإرهاب.. وتضمن أمن إسرائيل الذى يمثل الهدف الأول لها.
***
ليس هذا كل ما يقال عن التشوهات الديمقراطية فى أمريكا.. فهناك الكثير مما يقوله الأمريكيون أنفسهم تعبيرا عن رفض الحال الذى وصلت إليه الحريات والقيم الأمريكية فى بلد كان دائما المثل الأعلى للديمقراطية وحقوق الإنسان.. لكن ألا يستحق ما ذكرناه من بعض أقوال الأمريكيين أن تفكر الدول العربية وبقية دول العالم المتحضر فى تقديم مبادرة أو نصيحة للإدارة الأمريكية لإعادة الديمقراطية إلى أمريكا؟! ألا يمكن أن تقدم أمريكا لدول الشرق الأوسط نموذجا أفضل مما تقدمه الآن؟!

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف