السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

لماذا ولمصلحة من نهدم جسور التواصل بين السنة والشيعة؟

 

 معظم أهل السنة لا يعرفون شيئا عن مذاهب وأفكار الشيعة، وبعضهم عرف قليلا عنها من أقوال أو عبارات أو أحكام إدانة وهجوم من هنا وهناك، وبعضهم أخذ معلوماته من كتب قديمة كان لأصحابها عداء شديد للشيعة، وكان هذا العداء فى الأصل لأسباب سياسية حول الخلافة والحكم وليس خلافا حول أصول الدين.. والنتيجة أن فكرة أهل السُنّة عن الشيعة مختلطـة بكثير من الأكاذيب والشائعات.. وهذا هو السبب فى أن معظم أهل السُنّة ينظرون إلى الشيعة جميعا على أنهم فرقة واحدة، مع أنهم فرق كثيرة.. منها فرق معتدلة لا تختلف كثيرا عن السُنّة، وفرق أخرى لها أفكار غريبة وبعيدة هى التى يسمونها (غلاة الشيعة) ولابد أن نفرق بين هؤلاء وهؤلاء، لأن الخلط بينهما واعتبارها شيئا واحدا هو الذى أدى إلى استمرار الجفوة. بدون مبرر.
وأول من كتب عن مذاهب وفرق الشيعة بحياد وموضوعية هو الدكتور على سامى النشار أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الإسكندرية رحمة الله عليه. وقد تتلمذت على يديه، وكنت مفتونا بإخلاصه للعلم، وتفرغه الكامل للبحث، واطلاعه الواسع على كتابات فرق غلاة الشيعة، وهى كتابات لا يطلع عليها غيرهم، ويعتبرونها من الأسرار. ولذلك كان كتابه عن (نشأة التشيع وتطوره) هو أول وأهم كتاب يشرح بالتفصيل كل شىء تقريبا عن المعتدلين و المتطرفين من الشيعة. وقد طبع حتى الآن ثمانى طبعات فى دار المعارف.
وفى سنة 1968 أصدر الدكتور النشار الطبعة الرابعة وفيها أعلن اكتشافه الخطير بعد دراسة التاريخ السرى أو الباطنى للشيعة الغلاة، وهو أن (الكبالا) اليهودية كان لها التأثير الكبير فى عقائد الشيعة الباطنية الغلاة. وتوصل أيضا إلى حقائق مؤيدة بالدليل والوثائق والمراجع وهى باختصار:
أولا: إن الأفكار التى يعتنقها الشيعة الإثنا عشرية فى مجموعها إسلامية بحتة لا تتعارض مع أفكار السُنّة.
ثانيا: إن هناك طوائف شيعية متأثرة بأفكار ومعتقدات دخيلة على الفكر الإسلامى، وأخطر هذه العناصر الأجنبية هى الكبالا أو القبالا اليهودية التى نشأت وعاشت فى الشام والعراق وكان لها موطن خفى فى اليمن حيث كانت اليهودية مترسخة.
ثالثا: إن الاختلافات بين مذاهب وفرق الشيعة اختلافات كبيرة وجوهرية.. وإن كان الإطار العام للتشيع واحدا، إلا أن التشيع يختلف بعد ذلك بين فرقة وأخرى. وعلى سبيل المثال هناك اختلاف بين عقائد الشيعة الإمامية وهى الفرقة التى أنشأها الإمام جعفر الصادق وتلاميذه، وعقائد الشيعة الإثنى عشرية وهى الفرقة التى أنشأها المجتهدون من علماء الشيعة بعد غيبة الإمام الثانى عشر. وهناك اختلاف صارخ بين فلسفة الفرقة الإسماعيلية الأولى وبين فلسفة الغلاة منهم الذين يسمون (الخطابية).
رابعا: إن أهل السُنّة والجماعة استندوا على النقل والعقل، أما الشيعة فإنهم اعتمدوا فى نشأتهم الأولى على النقل فقط، والنقل عن طريق واحد، وعن مجموعة خاصة من أئمة أهل البيت وبعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع الإمام على بن أبى طالب.
خامسا: إن علماء الشيعة المعتدلين فى عصرهم الأول وقفوا بقوة للدفاع عن الإسلام فى مواجهة أعدائه وشاركوا علماء السُنّة فى إقامة البناء العقائدى الإسلامى متكاملا. ومن الثابت تاريخيا أن مدرسة الإمام جعفر الصادق وعالمها الكبير هشام بن الحكم، قامت بالدور الأكبر فى هذا البناء العقائدى الإسلامى.
سادسا: إن الشيعة أقاموا مذاهبهم على شخص واحد هو الإمام على بن أبى طالب وزوجته السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسلهما وأحاطوهم بقداسة كبرى، وشاركهم أهل السُنّة فى محبة علىّ وآل البيت جميعا، ولكنهم أعطوا قداسة كبرى للجماعة ورأوا أن الجماعة لا تجتمع على ضلالة، بينما رأى أهل الشيعة أن الجماعة قد تخطئ وقد تصيب، ولكن الإنسان الفرد ذا السلطة لن يخطئ أبدا، وأضافوا إلى هذا الإنسان العصمة واعتبروه معصوما من الخطأ. ومحبة الإمام على وأهل البيت ليست موضع خلاف، وقصة إسلامه وجهاده وأبوته لنسل الرسول- صلى الله عليه وسلم- (الحسن والحسين) كل ذلك محل تقدير أهل السُنّة، لكن الخلاف يظهر بعد ذلك.. الشيعة آمنت به وحده، بينما أهل السُنّة احترموا أبا بكر وعمر، وازداد الخلاف إلى حد القطيعة والعداء والحرب عندما وقف معاوية ضد علىّ، وحاربه، وهنا بدأ الشيعة فى معاداة معاوية.. بل ومعاداة أبى بكر وعمر أيضا حتى بعد موتهما واعتبروا خلافتهم باطلة لأنهم اغتصبوا الخلافة من صاحبها الشرعى وهو الإمام علىّ؟. وبدأ أبناء الإمام علىّ والسيدة فاطمة الزهراء يكتبون بدمائهم أكبر الملاحم. ومات الإمام الحسن مسموما. وبعد معاوية أصبح ابنه يزيد هو الخليفة، وقتل الحسين بن على بوحشية لم يعرف التاريخ لها مثيلا. وقتل زيد بن على فى ملحمة أخرى.. وتتابعت الملاحم، والمذهب الشيعى يتشعب ويتضخم حتى تولى العباسيون الحكم فذاق نسل علىّ منهم الذل والموت أشد مما ذاقوا من الأمويين، وكلما اشتد الاضطهاد على شيعة علىّ ونسله ازداد المذهب الشيعى تشددا وانتشارا.. وفى العالم اليوم ملايين الشيعة: اثنا عشرية، والأمامية واسماعيلية، وزيدية، ثم غلاة الشيعة المنتشرون.
***
كبرى فرق الشيعة المعاصرة هى الاثنا عشرية، وهى فرقة إسلامية بحتة وعقائدها لا تكاد تختلف عن عقائد أهل السُنّة.
نظرية (الإمامة) هى الأساس فى فقـه الشيعة. وهى عقيدة مؤداهـا أن علىّ بن أبى طالب هو الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده، وإذا خرجت فإن ذلك يكون ظلما ممن اغتصب الإمامة، أو (تقية) منه ومن أولاده.
سابعا: أن مذهب الشيعة الزيدية يقترب من أهل السنة.
وفى عقائد الشيعة مكانة قدسية للسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعتبرونها البرهان على عقيدتهم فى الحق الإلهى للإمام علىّ فى الخلاقة وبأنها الشهادة الكبرى من الرسول صلى الله عليه وسلم على أحقية علىّ فى خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم فى الدين والدنيا، وأهل السُنّة يرفعون السيدة فاطمة إلى مكانة كبيرة إلا أنهم ينكرون أن النبـى صلى الله عليه وسـلم نص صراحـة على ولايــة علىّ.
والإسلام دين واحد ليس فيه سُنّة وشيعة ولا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى. وهذا ما جعل أستاذنا الدكتور مصطفى الشكعة يؤلف كتابا مشهورا يدعو فيه إلى (إسلام بلا مذاهب) قال عنه الشيخ شلتوت فى مقدمته: إنه محاولة لتوحيد الصف الإسلامى. وقال الدكتور الشكعة: إن اختلاف المذاهب والعقائد فى ظل دين واحد ورسول واحد يستغلها ذوو النيات السيئة فى ضرب المسلمين بعضهم ببعض، بينما الفارق ليس واسعا بين كثير من المذاهب واللقاء بينها أيسر مما يظن كثيرون.. وفى اللقاء قوة.
***
وللإمام علىّ مكانة عالية عند السُنّة والشيعة، وإن كان بعض الشيعة قد حمّلوه ما يطيق ومالا يطيق من أحاديث تؤيد وجهة نظرهم. أهل السُنّة يذكرون بطولة وإيمان علىّ فى طفولته وشبابه، ويذكرون شجاعته فى الحروب، وعلمه، وورعه، ويذكرون كيف افتدى الرسول بنفسه فى معظم مواقع القتال.. وهو العالم والفقيه، وقد عاش فى خلافة أبى بكر وعمر منكرا لذاته وقدم لهما العون والنصيحة مخلصا، وهو- عند أهل السُنّة- رابع الخلفاء الراشدين، ويرون أنه كان على حق فى قتاله أصحاب الجمل ومعاوية.. وهو الوحيد الذى احتفظ بلقب (الإمام) فى كتب أهل السُنّة. ولم تفلح دعاية الأمويين ضده فى تغيير نظرة أهل السُنّة إليه.
أما الشيعة فقد تمسك بعضهم بأحاديث نبوية تثبت أنه الخليفة للرسول صلى الله عليه وسلم، وفسّروا بعض الآيات القرآنية تفسيرا خاصا يؤدى إلى أن الإمامة والخلافة له، وذكروا أن هذه وصية الرسول لقوله صلى الله عليه وسلم: (أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى) وتمسك هؤلاء بولاية علىّ وعصمته وبأنه وارث العلم النبوى الخاص الذى لم يُطلع عليه النبى صلى الله عليه وسلم أحدا حين موته سوى علىّ بن أبى طالب. وقال بعض الشيعة فى الكوفة عقب وفاته بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك له كتبا خاصة وحددت الشيعة المتأخرة هذه الكتب على أنها: مصحف فاطمة، وعلى هامشه علم ما كان وما يكون وما هو كائن، وقالوا: إن النبى صلى الله عليه وسلم أملاه لصاحب الأمر بعده.. ثم يظهر أثر الأساطير والفولكلور مثل اختصاص أئمة الشيعة بحقيقة تفسير الاسم الأعظم وأسراره فى ذلك وفى هذا يطول الشرح.. ويتداول الشيعة صور الإمام علىّ وبيده كرامات لا تقل عن المعجزات، حتى أنهم قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن بدء الوجود: (كنت أنا وعلىّ بن أبى طالب قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم، انتقل النور فى الأصلاب الطاهرة، والأرحام الذكية حتى صار فى عبد المطلب، فانقسم النور قسمين: قسم فى عبد الله، وقسم فى أبى طالب، فكان لى النبوة ولعلى الوصية).
ويذكر بعض الشيعة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل الأنبياء فى المعراج عن سبب رفعهم إلى هذه الدرجة، فشهدوا جميعا بأنهم رفعوا بفضل نبوته وإمامة علىّ بن أبى طالب، والأئمة من صلبك، فجاء النداء أن انظر إلى يمين العرش، فنظر النبى فإذا بأشباح علىّ وبنيه وحفدته وهم يصلون فى بحر من النور، فقال الله تعالى: (هؤلاء حججى وأوصيائى وأوليائى، وينتقم آخرهم من أعدائى) وهكذا يروى هؤلاء عشرات الأحاديث فى رفع مكانة الإمام علىّ، حتى عندما دفن فى النجف قريبا من الكوفة حيث مشهد الإمام الحسين، أعلن الشيعة الإمامية المعتدلة أن النبى إبراهيم ذكر أنه سيكون فى هذا المكان قبر عليه مشهد عظيم يفوز به سبعون الفا يدخلون الجنة بغير حساب ويشفعون لغيرهم، وهذا المكان هو وادى السلام، وهو جزء من جنة الله الباقية، وإليه تحشر أرواح الشيعة.
ويجتمع الشيعة الإمامية من كل فج ليقفوا باكين أمام الإمام علىّ المعصوم، أول الأئمة، الصابر على الغضب، المقتول ظلما وعدوانا، يلتمسون منه الشفاعة فى اليوم الآخر، ومن قبره الشفاء فى هذه الحياة الدنيا، وينادون وارث الأنبياء، ويهتف الشيعى منهم: أشهد أنك كلمة التقى والأصل الثابت.
***
ومذاهب الشيعة كثيرة، وبينهم اختلافات، بعضهم معتدل قريب من السُنّة، وبعضهم يشتط بعيدا ويردد أفكارا وأقوالا من أديان أخرى، سنجد الشيعة الحنفية أتباع الإمام محمد بن الحنفية، والشيعة الأبو هاشمية نسبة إلى الإمام أبو هاشم محمد بن الحنفية، وسنجد غلاة الشيعة الإمامية، وغلاة الجعفرية، بينما سنجد الشيعة الإمامية المعتدلة وهؤلاء يؤمنون بالعصمة للأنبياء والأئمة، وسنجد الشيعة الاثنى عشرية يؤمنون بأن الأئمة اثنا عشر إماما أولهم الإمام علىّ بن أبى طالب، وآخرهم الإمام الغائب، ويبدأ الخلاف بين الشيعة الاثنى عشرية وبين أهل السُنّة فى مفهوم الإمامة اختلافا كبيرا، هم قالوا: إن وجود الإمام واجب، والإمامة هى جوهر العقيدة الشيعية الاثنى عشرية، فالإيمان هو الاعتراف بوحدانية الله، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وموالاة إمام العصر، والإمام عندهم هو مصدر التشريع بعد القرآن والسُنّة المؤكدة، والسُنّة المؤكدة عندهم هى الصادرة عن سلسلة الرواة من أهل البيت فقط، ولا يقبل الشيعة حديثا له سند من أحد الرواة من غير أهل البيت، فالإمام هو وارث العلم النبوى، وهو يعلو على البشر باتصاله الدائم بالعلم الإلهى، والإمامة عندهم تنتقل بتسلسل قدرة الله وليس للبشر حق اختيار الإمام وإلا فسد أمر الشريعة، لأن حفظ الشريعة موكول بالإمام المعصوم. ويرى الشيعة الاثنا عشرية أن الإمام له سلطة كونية، وأنه هو الأمان لأهل الأرض كما أن النجوم هى الأمان لأهل السماء، والأئمة هم الذين تُمسك بهم السماء فلا تقع على الأرض، ولا تميد الأرض بأهلها، وينزل الغيث، وتنتشر الرحمة.. الخ
تفاصيل كثيرة.. نجد لها مثيلا فى بعض معتقدات الصوفية وأهل السنة.. بــل نجد لها مثيلا فى كل الديانات نتيجة المبالغة فى الحب.
والمهم أن نفهم منزلة الإمام ومكانته عند الشيعة لنعرف كيف نتعامل مع الأئمة المعاصرين.
***
يقول محمد الحسين آل كاشف الغطاء وهو من كبار علماء الشيعة الذين شاركوا فى تأسيس جماعة التقريب بين المذاهب: إنه من المستحيل إزالة الخلاف بين المذاهب الإسلامية وجعلها مذهبا واحدا لأن الخلاف واختلاف الرأى من طبيعة البشر، وخالق البشر يقول: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم). فلا يجدى التفكير فى إزالة أصل الخلاف بين المذاهب وأقصى ما يمكن الوصول إليه هو إزالة الأسباب التى تجعل هذا الخلاف سببا للعداء. وأن يكون الإخاء والتقارب بديلا عن التباعد والتضارب، لأن المسلمين مهما بلغ الخلاف بينهم فإنهم مجمعون على الشهادتين، ومن شهد الشهادتين فقد اتخذ الإسلام دينا وحُرّم دمه وماله وعرضه.. والمسلم أخو المسلم.. ومن صلى إلى قبلتنا ولم يتدين بغير ديننا فإن له مالنا وعليه وما علينا.
ويقول: إن الفرق الجوهرى بين السُنّة والشيعة هو قضية الإمامة، فالشيعة ترى أن الإمامة أصل من أصول الدين، بعد التوحيد والنبوة، وأنها بالنص من الله ورسوله، وليس للأمة رأى فيها ولا اختيار، كما أن الأمة ليس لها خيار فى النبوة، وإخواننا من أهل السُنّة متفقون على أن الإمامة ليست من أصول الدين، ويرون أن الإمامة يجب أن تكون بإجماع الأمة واختيارها وأنها قضية سياسية ليست من الدين، لا من أصوله، ولا من فروعه، ولكن مع هذا التباعد هل يرى الشيعة أن من لا يؤمن بالإمامة ليس مسلما؟ كلا ومعاذ الله. وهل تجد السُنّة تقول إن من يؤمن بالإمامة غير مسلم؟ كلا ومعاذ الله. هل يقول السُنّة: إن القائل بالإمامة خارج عن الإسلام؟ لا.. وكلا. إذن فإن القول بالإمامة أو إنكارها لا علاقة له بأحكام الإسلام الجامعة من حرمة دم المسلم ووجوب أخوته.
وبصراحة يقول الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء. لعل قائلاً يقول: إن سبب العداء بين الطائفتين أن الشيعة ترى جواز المس من كرامة الخلفاء أو الطعن فيهم، وقد يتجاوز البعض إلى السب، مما يسىء إلى الفريق الآخر ويهيج مشاعرهم فتشتد الخصومة بينهم. ولو تبصرنا قليلا ورجعنا إلى حكم الشرع والعقل لم نجد ذلك موجبا للعداء:
أولا: لأن هذا ليس رأى جميع الشيعة، وإنما هو رأى بعضهم، وربما لا يوافق عليه الأكثر، فلا يصح معاداة الشيعة جميعا لإساءة بعض المتطرفين منهم.
ثانيا: إن هذا لا يكون موجبا للكفر والخروج على الإسلام، وأقصى ما هناك أن يكون معصية، وما أكثر العصاة من الطائفتين، ومعصية المسلم لا تستوجب قطع رابطة الأخوة الإسلامية معه قطعا.
ثالثا: قد لا يدخل ذلك فى المعصية، ولا يوجب الحكم بالفسق إذا كان ناشئا عن اجتهاد واعتقاد، وإن كان خطأ، فإن من المسلم به عند الجميع فى باب الاجتهاد أن من اجتهد وأخطأ فله أجر وللمصيب أجران، وقد صحح علماء السُنّة الحروب التى وقعت بين الصحابة فى الصدر الأول كحرب الجمل وصفين وغيرهما، بأن طلحة والزبير ومعاوية اجتهدوا، وإن أخطأوا فى اجتهادهم فإن ذلك لا ينال من مكانتهم، فإذا كان الاجتهاد يبرر قتل النفوس. فالأولى أن يبرر تجاوز بعض المتطرفين على تلك المقامات المحترمة.
وهكذا مهما تعمقنا فى البحث واعتمدنا على الأدلة العقلية والشرعية وتجردنا من الهوس والعصبيات فلن نجد أى سبب يبرر العداء بين طوائف المسلمين مهما اتسعت الخلافات بينهم فى كثير من المسائل مادامت هذه المسائل الخلافية لا تنكر أصلا من أصول الإسلام أو ركنا من أركانه.
وكيف نقبل استمرار الخلافات بعد كل ما سببته من البلاء، مثل ضياع الأندلس والقوفاز وبخارى ونحوها؟ ولو أن المسلمين كانوا فى تلك الأيام يدا واحدة كما أمرهم الله لما انتزع منهم شبر واحد، ولننظر الآن إلى ما يحدث فى فلسطين وهى الفردوس الثانى المفقود.
وفى هذا السياق كتب الفقيه الأكبر الشيخ حسنين مخلوف وهو مفتى الديار المصرية يقول: إننى من المؤمنين بفكرة التقريب بين المذاهب لأن الإسلام دين الوحدة كما هو دين التوحيد، يشرع أسباب التجمع، وينهى عن أسباب التفرق، وينهى عن الجدال فيما لا يجدى.
(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات).. (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء) الأنعام (159).. و(وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفى شك منه مريب، فلذلك فادع، واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم، وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا وإليه المصير) الشورى- (14- 15).
ويقول الشيخ مخلوف: إن المسلمين منذ عرفوا الاختلاف والطائفية، وصاروا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، وهنت قواهم، وتمكن منهم أعداؤهم، وجعلوا ينحدرون من سىء إلى أسوأ.
***
وكتب الشيخ عبد المتعال الصعيدى وهو من كبار أساتذة الأزهر يقول: إن الخليفة المأمون رأى أن يعقد مجالس مناظرة بين الفرق الدينية، فأمر قاضى القضاة- وكان من أهل السُنّة- أن يجمع الفقهاء وأهل العلم فى بغداد، فاختار أربعين رجلا من الأعلام، ولكنه- مع ذلك لم يستطع أن يجمع المسلمين على مذهب واحد، فلجأ إلى إكراه المخالفين على ترك مذهبهم فلم يحقق ذلك سوى التعصب والعناد، وحتى عندما لجأ المأمون إلى سجن المخالفين لم يحقق ذلك شيئا ولكنه أدى إلى زيادة الخلاف، وقد جعل المأمون أهل السُنّة يقولون بالإكراه: إن القرآن مخلوق، فشغل الدولة بهذه القضية (هل القرآن قديم أو مخلوق؟) وانصرف الناس عن الأمور النافعة وأدى ذلك إلى ضياع سنوات فى الخلافات والصراعات، والدرس المستفاد من ذلك أن يترك الناس أحرار فيما يعتقدون، حتى الكافر المعاند، فلا يصح أن يحمل بالإكراه على ترك الكفر تحت تهديد بالعقاب، لأن الله تعالى قال فى الآية (29) من سورة الكهف: (وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقا) فلم يذكر عقابا للكافر فى الدنيا، ولكن ذكر عقابه فى الآخرة، لأن عقاب الدنيا لا يؤدى إلى الإيمان، ولكن يؤدى إلى النفاق والتظاهر بالإيمان.. وهذا ما تؤيده الآية الكريمة فى سورة البقرة (256): (لا إكراه فى الدين..).
وكان من نتيجة تفهم علماء السُنّة لمذاهب الشيعة أن خرجوا عن دائرة مذاهب السُنّة الأربعة إلى مذهب من مذاهب الشيعة، وذلك فى قانونى الطلاق والوصية وغيرهما فقد أخذوا برأى ابن تيمية، وابن القيم، والشيعة الإمامية، وتم ذلك بهدوء ورضا، وفى الأخذ بمذاهب السُنّة والشيعة المعتدلة توسعة للمسلمين.
***
هل كانت دعوة التقريب بين المذاهب دعوة إلى تنازل أصحاب مذهب معين عن مذهبهم؟ وبمعنى آخر، هل ترضى الشيعة أن تتنازل للسُنّة عن أفكارها، أو ترضى السُنّة باعتناق أفكار الشيعة بالكامل؟.
كانت هذه هى نقطة الهجوم الرئيسية على فكرة التقريب بين المذاهب، بالرغم من أنها دعوة إلى التقريب وليس التوحيد، دعوة إلى التفاهم والتعايش وليست دعوة إلى الإلغاء أو التنازل، وكان الإمام محمد القمى يجيب كلما واجهته هذه الاعتراضات بالقول بأن الفكرة أن يتحد أهل الإسلام على أصول الإسلام التى لا يكون المسلم مسلما إلا بها، أما نقط الخلاف فى الفروع فعليهم أن ينظروا فيها بالتسامح، ويعذر بعضهم بعضا فيها، فإذا استطاعوا أن يصلوا بالحجة والدليل إلى اتفاق فى شىء منها فهذا خير، وإذا بقى كل طرف على موقفه فليحتفظ بما يراه، على أساس أن الخلاف فى أمر لا يدخل ضمن أصول الدين لا ينقص الإيمان، ولا يخرج المختلفين عن دائرة الإسلام. وليس فى نقاط الخلاف بين السُنّة والشيعة ما يستحق الخصام، ولم يحدث أن قال أحد من علماء السُنّة بمذاهبها، والشيعة الإمامية والزيدية، بكفر طائفة منها، أو الخروج عن الإسلام، لأن العلماء فى مذاهب السُنّة والشيعة أجمعوا على أنه لا خلاف فى المسائل الجوهرية، ومن يعرف أصلا من أصول الإسلام أنكرته إحدى هذه الطوائف أو أنها زادت من أصول الإسلام ما ليس منها على سبيل اليقين، فليدلنا عليه ويقدم برهانه على ذلك.
وكان أعضاء جماعة التقريب بين المذاهب متفقين على أن المسلمين كلهم شيعة لأنهم جميعا يحبون أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وكلهم أهل سُنّة لأنهم جميعا ملتزمون بالأخذ بسُنّة الرسول المؤكدة، فنحن جميعا سُنّيون، شيعيون، قرآنيون، محمديون.
وكانوا يرون أن الخلافات بين أهل السُنّة موجودة بين مذهب الشافعية ومذهب الحنفية فى بعض المسائل، مثل نواقض الوضوء مثلا، فهل نعتبر ذلك خلافا يوجب ابتعاد أحدهما عن الآخر؟. وليس من أهداف التقريب بين المذاهب إدماج المذاهب الفقهية، لأن الخلاف أمر طبيعى، ما دام محدودا فى الدائرة التى أباح الله الاجتهاد فيها، فلا ضرر منه فى هذه الحالات، بل فيه خير وتيسير للمسلمين.. ومع ذلك فإن أصحاب المذاهب الفقهية أنفسهم أباحوا الخروج على مذاهبهم، وأباحوا الأخذ ببعض ما فيها والأخذ ببعض ما فى غيرها فى نفس الوقت، وكان الإمام الشافعى يقول: هذا هو الرأى الذى رأيته، فإذا صح الحديث بما يخالف رأيى، فأضربوا بقولى عرض الحائط، فالمرجع هو قول الله والحديث المؤكد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، والقاعدة التى أوجبها الله علينا فى كتابه: (فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا) النساء- 59.. وهكذا فإن كل مجتهد لابد أن يرى أن مذهبه الفقهى صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيره خطأ يحتمل الصواب.
ولماذا لا يدرس أهل السُنّة مذهب الشيعة الإمامية والزيدية، ويدرس الشيعة مذاهب السُنّة الأربعة..؟ لماذا لا يعرف المسلمون بعضهم بعضا؟. ولقد كان الأزهر الشريف قلعة التسامح الفكرى فقرر دراسة مقارنة للمذاهب منذ عهد الإمام الأكبر الشيخ المراغى، وتبعه الإمام محمود شلتوت، كما أن الأزهر حريص على دراسة مذاهب الفلاسفة أيضا، والمعتزلة، والجبرية وغيرهم، ليكون رجل الدين المسلم على علم بكل الأفكار والمواقف فى المذاهب الإسلامية القديمة والحديثة..
ولا شك أن الخطوة الكبرى كانت عندما أخذ قانون الأحوال الشخصية فى مصر فى السبعينات بأحكام من فقه الشيعة وكان الذين أعدوا هذا القانون من صفوة رجال الأزهر وكبار علمائه.
ومع ذلك فلا أحد يدعو، أو يفكر، فى الاندماج أو التوحيد.. الفكر والدعوة إلى التفهم.. والتفاهم.. والتجمع فى خيمة واحدة وتحت راية واحدة.. والتسامح فيما عليه خلاف.
***
عندما ذهب الخليفة المنصور إلى الحج التقى بالإمام مالك ودرس مذهبه، وقال له: قد عزمت أن آمر بكتبك هذه فتنسخ، ثم أبعث بها فى كل الأمصار، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى غيره، فقال له الإمام مالك: يا أميــر المؤمنــين لا تفعل هذا.. فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كل قوم بما وصل إليهم، وأتوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. هذا ما رواه التاريخ فى ذلك الشأن الإسلامى الخطير كما ورد فى كتاب (حجة الله البالغة للدهلوى- ص 45- الجزء الأول).
فالخليفة شهد اختلاف العلماء فى عصره، وأراد أن يوحد المسلمين على مذهب واحد لينتهى الجدل والخلاف بين العلماء، وأراد أن يكون مذهب الإمام مالك هو المذهب الأوحد، لكن الإمام مالك نفسه هو الذى رفض فكرة إلغاء المذاهب أو توحيدها، لأنه يرى أن الخلاف بين المذاهب ليس صادرا عن الهوى أو التعصب، ولكنه صادر عن اختلاف فى الفهم والتفسير وهذا طبيعى بالنسبة للعقل البشرى، وإن كان الجميع متفقون على الأصول إلا أن اعتماد الناس على روايات مختلفة عن أقوال وأفعال الرسول باختلاف الرواه جعلهم يؤسسون مذاهبهم عليها، وربما تكون الرواية قد بلغت أهل بلد ولم تبلغ غيرهم، خصوصا أن الأحاديث النبوية لم تكن قد تم تدوينها وتمحيصها وكان الاعتماد على الذاكرة والحفظ.
وفى هذا الاختلاف بين المذاهب حكمة، لأن المسلم حر فى أن يأخذ من كل مذهب ما يرتاح إليه قلبه ويقتنع به عقله، وكلها معبّرة عن جوهر الإسلام.. ومن مزايا الفقه الإسلامى أنه ترك باب الاجتهاد مفتوحا، لأن القضايا الجديدة التى تطرح للبحث كل وقت لن تنتهى، ولن تتوقف عند حد، وكلما جاء جيل جاءت معه تصرفات وموضوعات وقضايا ومشكلات تحتاج إلى الاجتهاد فى الوصول إلى الرأى الذى يتفق مع أصول الدين.
وليس الإمام مالك وحده هو الذى رفض توحيد أو إدماج المذاهب، ولكن الإمام أبو حنيفة أيضا رفض التعصب لمذهب وكان يقول: لا ينبغى لمن لم يعرف دليلى أن يفتى بكلامى، وكان يقول بعد كل فتوى: هذا رأيى، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب.
كذلك كان الإمام الشافعى يتحفظ فى التمسك بمذهبه، ويقول: إذا صح الحديث (الذى يستند إليه فى فتواه)، فهو مذهبى ويقصد أنه إذا كان هناك حديث صحيح عن الرسول يخالف فتواه. فإن هذا الحديث هو الذى يجب الأخذ به، وقال الشافعى لتلميذه إبراهيم المزنى: يا إبراهيم لا تقلدنى فى كل ما أقول، وانظر فى ذلك لنفسك.
وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: ليس لأحد مع الله ورسوله كلام.
وكان يقول لكل تلميذ من تلاميذه: لا تقلدنى ولا تقلد الإمام مالك ولا الأوزاعى ولا النخعى، ولا غيرهم، وخذ الأحكام من حيث أخذوا.. من الكتاب والسُنّة.
وكان الإمام أبو حنيفة وأصحابه، والإمام الشافعى وأصحابه، يصلون خلف من يختلفون معهم فى المذهب، ويصلون خلف أئمة المدينة وكان مذهبهم ألا يقرأ الفاتحة إلا الإمام ولا يقرأها الآخرون، على أساس أن قراءة الإمام هى الواجبة وليس على الآخرين قراءة..
ولم يقل أحد إن باب الاجتهاد قد أغلق إلا فى عصر انحطـاط المسلمين.
أما الشيعة الإمامية والزيدية فيرون بقاء باب الاجتهاد مفتوحا إلى يوم الدين. والعقلاء من أهل السُنّة يرون ذلك أيضا..

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف