السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

خلافات السنة والشيعة

 

 إذا كان الشيعة يتفقون مع السُنّة فى أصول وأركان الإسلام، فما هى نقاط الخلاف بينهما؟
الاختلافات فى الفروع بين السُنّة ومذهب الشيعة الجعفرية الإمامية الاثنى عشرية، ومذهب الشيعة الزيدية وهما أكبر وأهم فرق الشيعة، بينما هناك خلافات مهمة بين السُنّة وفرق أخرى من فرق الشيعة، بعضها اندثر ولم يعد له وجود فى الوقت الحاضر سوى فى الكتب القديمة، وبعضها ما زالت له بقايا محدودة العدد والتأثير.
والشيعة عموما كانوا أهم انشقاق فى التنظيم السياسى للدولة الإسلامية، حتى أن بعض الباحثين يعتبرونهم أقوى أحزاب المعارضة فى التنظيم السياسى للدولة الإسلامية، وقد استندت معارضتهم لحكم معاوية إلى أساس عقائدى، كانت بدايته نظرية الإمامة التى وضعها على بن إسماعيل بن ميثم الثمار الذى ألف كتاب (الإمامة) وكتاب (الاستحقاق)، وتبلورت النظرية بعد ذلك حتى أصبحت أصلا من أصول الإسلام عند الشـيعة، فالشـيعة لا يستخـدمون لفظ الخليفـة لأنـه - حسب اعتقـادهم - يشـير إلى الذين اغتصبــوا حقوق آل البيت فى ولاية أمر المسلمين.
والشيعة حين يذكرون لفظ (الإمام) دون تحديد اسمه يقصدون الإمام علىّ بن أبى طالب، وفى أدبيات الشيعة أن الإمامة هى خلافة النبوة فى حراسة الدين وسياسة الدنيا، وهى رئاسة عامة فى أمر الدين والدنيا خلفا عن النبى صلى الله عليه وسلم فى إقامة الدين وحفظ حوزة الله ولذلك يجب اتباع الإمام، فهو الذى يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويدافع عن دين الله، وهو مطهر من الذنوب، مبرأ من العيوب، واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل، وليس له مثيل أو نظير، اختصه الله الوهاب بالفضل كله من غير طلب منه أو اكتساب.
والإمام عند الشيعة ليس حاكما سياسيا فقط ولكنه جامع لكل السلطات الدينية والدنيوية، وهو معيّن من الله وليس من البشر، واختيار الإمام من البشر خروج على إرادة الله، وفى ذلك يظهر الخلاف مع أهل السُنّة الذين رأوا أنه ليس هناك شخص واحد يمكن أن يكون الوارث لرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم واختيار الإمام أو الخليفة أو الحاكم يتم عن طريق أهل الحل والعقد، والمجتهدين من الأئمة، أى بالطريق الديمقراطى وليس بالسلطة الإلهية، وعموما فإن أهل السُنّة ليست لهم أبحاث حول الإمامة مثل أبحاث الشيعة، لأن مذهبهم قائم على حق الإمام علىّ ونسله فى الخلافة وعدم أحقية الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم.
فالشيعة - كما يقول الدكتور مصطفى الشكعة - لم يكونوا فى أول الأمر فرقة دينية، بل فكرة سياسية تعبر عن رأى سياسى فى أن عليـّـا أحق بالخلافة من معاوية، وانتصارهم للإمام علىّ كان انتصارا سياسيا ولم يكن انتصارا دينيا، وقد رأوا أنه أحق بالخلافة لفضله وعلمه وحكمته وسابقته فى الإسلام، ثم أخيرا لأنه ابن عم النبى وزوج ابنته ويضيفون إلى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة لعلى وأن الصحابة خالفوا الوصية!
والدكتور الشكعة يرى أن الفرس اعتنقوا المذهب الشيعى لأسباب سياسية، فهم يعتقدون أنهم أنسباء الحسين لأنه تزوج شهر بانو (سلافة) ابنة يزدجر بعد أن وقعت أسيرة فى يد المسلمين، وابنها من الإمام الحسين هو الإمام علىّ زين العابدين رضى الله عنه، وإذن فإن الفرس يرون أنهم أخوال الإمام على زين العابدين، وجاء تشيعهم أقرب إلى العصبية منه إلى تشيع العقيدة، وتشيع العصبية يساوى تشيع السياسة، أما حب آل البيت فيشترك فيه المسلمون جميعا لا فرق بين سُنّة وشيعة.
أما جمهور الشيعة الإمامية الأقرب إلى أهل السُنّة، فيشملون ثلثى سكان إيران تقريبا، وأكثر من نصف سكان العراق، ومئات الآلاف من أبناء لبنان، وملايين فى الهند والجمهوريات الإسلامية التى كانت ضمن الاتحاد السوفيتى السابق وحصلت على استقلالها. والشيعة الإمامية فيها فرق متعددة ولذلك يجب الحذر عند الرجوع إلى كتب هذه الفرق فلا ننسبها إلى الإمامية جميعا. وأكبر الفرق هى الإمامية الاثنا عشرية وتسمى أحيانا الجعفرية لأنها تستمد الفقه من الإمام جعفر الصادق، ولم يكن جعفر الصادق إماما للشيعة وحدهم، ولكنه كان إماما لجميع المسلمين، مثل أبى حنيفة والشافعى ومالك وابن حنبل، وكان يجلس فى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وتتلمذ على يديه مئات، وفى نفس الوقت كان إماما عند الشيعة الإمامية ورأوا أن له الولاية والوصاية.
والاثنا عشرية - كما يقول الدكتور الشكعة - بعيدة عما تورطت فيه فرق شيعية كثيرة، فهم يبرأون مما جاء على لسان بعض الفرق ويعتبرونه كفرا وضلالا. وباب الاجتهاد عندهم مفتوح لم يغلق أبدا، وللمجتهد أن يبدى رأيه ويؤخذ به إن كان متفقا مع الكتاب والسُنّة متمشيا مع المعقول، وهم يزيدون على أركان الإسلام الخمسة ركنا آخر هو الاعتقاد بالإمامة، ويعتقدون أن الإمامة منصب إلهى كالنبوة، فكما أن الله يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة، فإنه كذلك يختار من يشاء للإمامة، ويأمر نبيه بالنص عليه، وأن ينصبه إماما للناس من بعده للقيام بما كان النبى يقوم به، والفارق بين الإمام والنبى أن الإمام لا يوحى إليه كالنبى، فالنبى مبلغ عن الله، والإمام مبلغ عن النبى.. وكل إمام لابد أن ينص على الإمام اللاحق، والإمام عندهم - كالنبى - معصوم من الخطأ، فهو فى منزلة دون النبى وفوق البشر كما يقول واحد من كبار رجال الشيعة هو الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء فى كتابه (الشيعة: أصلها وأصولها).
ويرى الشيعة الإمامية الاثنا عشرية أن الاعتقاد فى الإمامة ركن جوهرى فى العقيدة، لكنهم يرون أن عدم اعتقاد غيرهم بالإمامة لا يخرجهم من الإسلام، ولكن تتفاوت درجات المسلمين فى الآخرة، لأنهم يعتقدون أن الله يختار الإمام كما يختار النبى، ولا يخلى الأرض بعد النبى مــــن حجة على العباد ويروون الأحاديث بأن النبى صلى الله عليه وسلم أوصى عليـّـا، وأن عليّـا أوصى ابنه الحسن، وأن الحسن أوصى الحسين، وهكذا حتى الإمام الثانى عشر محمد القائم بالحجة، وهو الإمام الغائب، وهو الإمام المنتظر، وحين يظهر يملأ الأرض عدلا، وهو المهدى المنتظر عند كثيرين منهم.
***
الإمامية لا يقبلون الأحاديث بغير طريق أهل البيت عن الإمام على.
أما الأحاديث التى جاءت عن أبى هريرة مثلا وعن غيره فلا يقبلونها، ولذلك لا يعترفون بكتب الأحاديث التى يعتمد عليها أهل السنة مثل موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، والصحيحين.
وهم لا يأخذون بالقياس الذى سار عليه بعض فقهاء السُنّة.
وفى الصلاة لا خلاف بين السُنّة والإمامية إلا فى صلاة الجمعة والعيدين، فصلاة الجمعة معطلة عند بعضهم (وليس كلهم) لأن هذا الفريق يرى أن صلاة الجمعة لا تجوز ما دام (الإمام) غائبا، أما بقية الإمامية فإنهم يؤدون صلاة الجمعة. وصلاة العيدين عند الإمامية فريضة مثل الصلوات الخمس ومثل صلاة الجمعة، بينما عند الحنفية صلاة العيدين واجبة وليست فريضة، وعند الشافعية هى سُنّة، كذلك النوافل فى رمضان فهم يزيدون فيها ويصلونها فرادى فى بيوتهم وليس فى جماعة فى المسجد لأنها سُنّة وليست فرضا، والجماعة لا تكون - عندهم - إلا فى فرض ويستشهدون فى ذلك بحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم - والزكاة عندهم مثل الزكاة عند السُنّة، وكذلك زكاة الفطر، ويضيفون زكاة مقدارها (الخمس) يعتبرونها فريضة فرضها الله لآل البيت، وتقسم إلى ستة أجزاء، ثلاثة للإمام إن كان ظاهرا، ولنائبه إن كان الإمام مستترا، والأجزاء الثلاثة الأخرى للفقراء والمحتاجين من نسل النبى صلى الله عليه وسلم.
***
ونقطة الخلاف الأساسية بين الإمامية والسُنّة حول زواج المتعة، وهو زواج بعقد مؤقت وبأجل محدود، وهذا الزواج كان معمولا به فى أيام النبى صلى الله عليه وسلم وقيل فى بعض الروايات إن عمر بن الخطاب أوقفه وحرمه، لأنه رأى فيه رأيا غير كريم، والقول الراجح أن النبى صلى الله عليه وسلم هو الذى حرّمه، ونسخ الحكم الذى كان يبيحه. أما الشيعة الإمامية فإنهم يرون أن هـذا الــزواج مشروع معتمدين على الآيـــة الكـــريمــــة (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) ويقولون: إن عددا من كبار الصحابة والتابعين أباحوا هذا الزواج مثل عبد الله بن عباس، وجابر ابن عبد الله الأنصارى، وابن مسعود، وأبى بن كعب، وعمران بن الحصين، وأنهم كانوا يفتون بإباحته.. ومازالت هذه هى نقطة خلاف إلى اليوم. والخلاف فيها ليس بين السُنّة والشيعة الإمامية فقط، بل بين أهل السُنّة أنفسهم، لأن بعض علماء السُنّة قالوا: إن ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يبطله عمر. وقالوا: إنه كان معمولا به فى أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وأبى بكر، وفترة من خلافة عمر، والبعض الآخر من علماء السُنّة يقول: إن عمر لم يحرمه تجاوزا من عنده ولكن لما علمه من نسخ الرسول لهذا الزواج.
وقد وضع الشيعة الإمامية لزواج المتعة نظاما، فهو يتم بعقد ومهر، ويحفظ للولد حقه وينسب إلى والده ويرثه، وبعد انتهاء المدة لابد للمرأة من العدة غير أن عدتها حيضتان بالإضافة إلى شروط أخرى.
ويصل الدكتور الشكعة إلى أن الخلاف لن ينتهى فى هذه المسألة وسيظل مستمرا أبدا. لكن أهل السُنّة فى عمومهم يحرمون هذا الزواج.
***
مسألة أخرى تمثل خلافا بين السُنّة والشيعة، هى مسألة (التقية). كأن يتظاهر الشخص باعتناق عقيدة لا يؤمن بها فى داخله، لكى يحافظ على ماله وعرضه ودينه وعقيدته. وبعض فقهاء السُنّة يقولون بها فى حالات الضرورة القصوى كما يقول أحمد أمين فى كتابه الشهير (فجر الإسلام). وبينما يظهر بعض الشيعة عدم اقتناعهم بمبدأ التقية فإن الإمام الخمينى يقول: إن التقية جزء من العقيدة غير منفصل عنها، وإن كل من له أقل قدر من التعقل يدرك أن حكم التقية من أحكام الإله المؤكدة، فقد جاء أن من لا تقية له لا دين له، قال الإمام الخمينى ذلك فى كتابه (كشف الأسرار) الذى ترجمه الدكتور محمد البندارى ونشر فى عمان. لكن العلامة الشيعى موسى الموسوى ينكر التقية ويقول: إنها لا تليق بالمسلم إلا فى حالة واحدة لخصها الإمام محمد الباقر فى كلمتين حين قال: إنما حُلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية.
وينقل الدكتور الشكعة عن موسى الموسوى قوله: لقد أراد بعض علمائنا رحمهم الله أن يدافعوا عن التقية التى يتحدث عنها علماء الشيعة، وتعنى أن تقول شيئا وتضمر شيئا آخر، وتقوم بعمل عبادى أمام سائر الفرق الإسلامية وأنت لا تعتقد به، ثم تؤديه فى بيتك بالصورة التى تعتقد بها، وقد نفى موسى الموسوى أن يكون أىّ من الأئمة قد عمل بها، ابتداء من الإمام علىّ وانتهاء بالحسن العسكرى، ويقف عند الإمام جعفر الصادق لينفى عنه هذه الظاهرة لأن أكثر فتاوى التقية نسبت إليه كما نسب إليه قوله بوجوبها، والإمام جعفر الصادق لم يقل بها، ولم يكن فى حاجة إليها، لأنه كان يدرس فى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وحوله آلاف من التلاميذ فكيف يمكن لمدرسة فقهية أن تبنى على التقية.. ويقول الموسوى: الآن وبعد أن أصبحت الحرية الفكرية حقـا مقدسا، فكيف يعيش المجتمع الشيعى بقيادة زعاماته مغلقا على نفسه بالتقيـة، يظهر شيئا ويبطن شيئا آخر، مثلما يفعلون فى الشهادة الثالثة وهــى (أشهد أن عليـّا ولى الله) بينما جميع علماء الشيعة يتفقون على أنها بدعة لم تكن معروفة فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى عهد الإمام علىّ، ومع ذلك فلا يجرؤ واحد منهم على أن يقرر أنها بدعة. ويبرر السكوت على أنه التقية!
***
خلاف آخر مهم حول اعتقاد الشيعة بأن الأئمة الاثنى عشر سيعودون إلى الدنيا الواحد بعد الآخر فى آخر الزمان، ويحكمون الدنيا، وأول إمام يرجع إلى الدنيا هو الإمام الثانى عشر محمد بن الحسن العسكرى ثم يأتى آباؤه وأجداده بعده ليتولوا الحكم واحدا بعد الآخر حسب التسلسل الزمنى لهم، بحيث يحكم الواحد منهم فترة ثم يموت مرة أخرى ليتولى بعده الحكم من يليه، وهكذا حتى الإمام الحسن العسكرى وتقوم القيامة بعد ذلك. وقد نسبت فى ذلك روايات كثيرة إلى الإمام محمد الباقر، وابنه الإمام جعفر الصادق، وهما من أئمة بيت النبوة ويرفض بعض علماء الشيعة الإمامية ما ينسب إليهما فى هذا الشأن. وفى مقدمتهم موسى الموسوى فى كتابه (الشيعة والتصحيح) وهذا يعنى أن هناك الكثير من الأقوال فى الكتب القديمة منسوبة إلى أئمة الشيعة ليس لها أساس من الصحة أو لم يعد كثيرون يعتقدون فى صحتها.
يقول العلامة موسى الموسوى عن فكرة الرجعة بأنها بدعة من البدع الأخرى التى أضيفت إلى الأفكار الشيعية لم يترتب عليها عمل سياسى أو اجتماعى، اللهم إلا شىء واحد قد يكون هو السبب فى اختلاق فكرة الرجعة، هو استكمال العداء وتمزيق الصف الإسلامى بمثل هذه الخزعبلات التى دونت وقيلت فى انتقام الأئمة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويقول الدكتور مصطفى الشكعة إن ما يجعل من قضية رجعة الأئمة إلى الحياة تستدعى المراجعة ذلك الكلام الكثير الذى يجرى حول ما إذا كان الإمام محمد الثانى عشر شخصية حقيقية أم أنه شخصية وهمية، ذلك أن الإمام الثانى عشر هو أول الأئمة رجوعا إلى الدنيا، يخرج من السرداب الذى اختفى فيه فى مدينة سامرا ليحكم المسلمين وينشر العدل فى أرجاء الأرض ويمهد لآبائه وأجداده الأحد عشر لكى يرجعوا أو يبعثوا من جـديد، يتولى كل واحد بالتسلسل حكم المسلمين، فإذا ما كان هذا الإمام شخصية وهمية انهارت قضية الرجعة من أولها إلى آخرها.
إن الحقيقة الراجحة عند جمهرة المؤرخين المسلمين أن الإمام الحسن العسكرى- الإمام الحادى عشر - قد مات عن غير ولد، أى أنه لم ينجب، وقام أخوه جعفر بتصفية تركته على أنه لا ولد له، إذ أن للعلويين سجل مواليد يقوم عليه نقيب بحيث لا يولد لهم مولود إلا سجل فيه، وهذا السجل لم يسجل فيه للحسن العسكرى ولد، ويشيع بين كثير من العلويين المعاصرين أن الحسن العسكرى مات عقيما، فإذا صحت هذه الأخبار يكون المعنى أن شخصية الإمام الثانى عشر شخصية غير حقيقية، وإنما اخترعها من اخترعوا غيرها من الموضوعات الشيعية التى ينكرها كثير من كبار عقلاء الشيعة، فإذا ما كان الأمر على هذا النحو من الحقيقة انهارت عقيدة الرجعة من أولها إلى آخرها.
هذا ما وصل إليه الدكتور مصطفى الشكعة.
***
من ناحية أخرى يجب أن نحذر من تصديق كل ما فى الكتب القديمة عن الشيعة لأن كثيرا منها يمثل اتجاهات عدائية للشيعة هى فى الأصل عداء سياسى وليست خلافات عقائدية، وإن كان فى كتب الشيعة ما يسميه بعض علمائهم (خزعبلات)، فإن فى كتب السُنّة القديمة أيضا ما يماثلها.
***
وهناك موضوع آخر للخلاف حول المهدى المنتظر، وفى كتاب بعنوان (سيد البشر يتحدث عن المهدى المنتظر) من تأليف حامد محمود محمد ليمود كتب شيخنا الشيخ حسنين مخلوف مفتى الديار المصرية الأسبق وعضو جماعة كبار العلماء بالأزهر، ورئيس جمعية النهوض بالدعوة الإسلامية مقدمته وقال فيها:كثر الحديث فى موضوع (المهدى المنتظر) قديما وحديثا وألّفت فيه كتب عديدة، والثابت فى الموضوع أن المهدى المنتظر من أمارات الساعة، وأن ظهوره سيكون فى الزمن الذى ينزل فيه عيسى بن مريم عليه السلام آخر الزمان قرب الساعة. وأن خروجه حق تدل عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة التى سردها المؤلف جزاه الله خيرا، كذلك الأحاديث الحسنة رواية والضعيفة رواية، وكلها مُجمِعَة على ظهوره، وفى نشرها فى هذه الأيام تعريف للمسلمين بأمر دلت عليه الأحاديث النبوية، وإثبات لما سيكون إن شاء الله فى الوقت المحدد.
ويقول الشيخ مخلوف: وننصح المسلمين أن يتقبلوا الأحاديث الصحيحة بقلوب مطمئنة، ويؤمنوا بظهور المهدى فى آخر الزمان إيمانا صحيحا، ويتركوا الأقوال التى تهدم هذه الأحاديث لصدورها ممن لا علم لهم بالأحاديث، بـــل لا تقدير لهم ولا عقيدة عندهم بوجودها. ويقول: وإنى أستوعبت هذه الرسالة سماعا، وأسدى لمؤلفها الشكر المزيد لاهتمامه بهذا الموضوع وتقديمه للمسلمين كتابا قيما، وبيانا صحيحا، بأسلوب جيد، خدمة للإسلام، وقياما بواجب أكيد على مثله، والله المستعان..
ويختم الشيخ مخلوف مقدمته بقوله: وأرجو من الكُتّاب بعد صدور هذه الرسالة أن يلموا بها إلماما قويا، وينصحوا شبابنا المسلم بدراستها، ليتفقهوا فى موضوعها ويعتمدوا العلم الصحيح، والله الموفق والهادى إلى السبيل الأقوم.
هذا ما كتبه شيخنا وهو من أئمة أهل السُنّة، وصدر الكتاب فى أول يناير سنة 1980 فى حياة شيخنا الجليل.
أما المؤلف - فيقول فى مقدمته إنه بعد حادث الاعتداء على بيت الله الحرام على أيدى أناس تعدوا حدود الله، وسعوا فى أشرف بقعة فسادا يتزعمهم مدّعى المهدية، والذى أغضب المسلمين فى جميع أنحاء العالم غيرة على حرم الله وحرماته، حدثت خلافات بين الناس حول ظهور المهدى المنتظر، فهم بين مقر ومنكر، وبين مثبت لرواياته وطاعن فيها. ونتيجة لهذا الخــلاف وقعت حيرة عند أكثر المسلمين، إلى أى قـــول يجنحــون، وإلى أى رأى يميلون، ورأيت أنه لا سبيل للخلاص من هذا إلا بوضع رسالة خاصة فى هذا الشأن تحوى ما يحسم هذا الخلاف.. فاستخرت الله تعالى على أن أقوم بوضع هذه الرسالة، وإن كنت لست أهلا لها، فشرح الله صدرى، فقمت بجمع ما تيسر لى من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فى هذا الموضوع، مع بيان حال أسانيدها، فوقفت على أكثر من ثمانين رواية، منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف، ومنها الصريح ومنها المشير، ومنها الموجز ومنها المطوّل، ومنها المجمل ومنها المفصل، تكمل بعضها بعضا وتفسر بعضها بعضا، وتلتقى كلها على هدف واحد وهو إثبات ظهور المهدى المنتظر، مع ذكر بعض أوصافه وأماراته إثباتا لا يدع مجالا للشك بعد ذلك فى هذا الأمر ولا مجال للطعن فيه.
وينقل مؤلف الكتاب - حامد محمود ليمود - عن السفارينى من كتابه لوامع الأنوار البهية: (وقد روى عن الصحابة والتابعين ما يفيد العلم القطعى، فالإيمان بخروج المهدى واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون فى عقائد أهل السُنّة والجماعة). ويقول بعد ذلك: فلو رد ما ورد فى شأن المهدى من الأحاديث الصحيحة بأى لون من ألوان الطعن، وردّ ما أقره هؤلاء الأعلام لفُتح المجال لرد سائر الأمور الدينية والأحكام الشرعية لأن الجميع قد غرف من بحر واحد.. ويضيف إلى ذلك قوله: والجرأة على مثل هذا محاربة للدين لا دفاع عنه والعياذ بالله.
يورد حامد ليمود تحت عنوان: الأحاديث الصحيحة الصريحة والمشيرة إليه- نسب المهدى ومدة خلافته وعدله ورخاء عهده: عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبشّركم بالمهدى يبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا وظلما، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحا.. قال له رجل: ما صحاحا؟ قال: بالسوية بين الناس، ويملأ الله قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم غنى، ويسعهم عدله حتى يأمر مناديا فينادى فيقول: من له من مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل واحد فيقول: ائت السدان- يعنى الخازن- فقل له: إن المهدى يأمرك أن تعطينى مالا، فيقول له: أحث حتى إذا جعله فى حجرة وائتزره ندم، فيقول كنت أشجع أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو عجز عنى ما وسعهم؟ قال: فيرده، فلا يقبل منه، فيقال له: إنّا لا نأخذ شيئا أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين، أو ثمانى سنين، أو تسع سنين، ثم لا خير فى العيش بعده -أو قال- ثم لا خير فى الحياة بعده) رواه أحمد بأسانيد، وأبو يعلى باختصار كثير. قال الهيثمى ورجالهما ثقات، وقال السيوطى فى الحاوى: وإسنادهما جيد.
ثم ينقل المؤلف عشرات الأحاديث تكرر هذا المعنى تقريبا ومنها عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وجورا وعدوانا، ثم يخرج من أهل بيتى من يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأقره الذهبى.
ويذكر بعد ذلك تحت عنوان (خسوف الجيش الذى يخرج لقتال المهدى): عن أم سلمة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بهم. قلت يا رسول الله فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته) رواه البخارى ومسلم وأبو داود والحاكم وقال: على شرط الشيخين، وأقره الذهبى والترمذى.. وهكذا يورد أحاديث كثيرة بذات المعنى.
وتحت عنوان: (خروج المهدى بعد ظهور كنز الفرات) يقول: عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا) رواه الشيخان وأبو داود والترمذى، وعن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيُقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم لعلِّى أكون أنا الذى أنجو) رواه أحمد ومسلم. وأحاديث أخرى بذات المعنى.
وتحت عنوان (فتح قسطنطينية على يد المهدى يقول: عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سُبُوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلى بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدا فيفتحون قسطنطينية. فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح (الدجال) قد خلفكم فى أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذا أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح فى الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله تعالى بيده، فيُريهم دمه فى حربته) رواه مسلم واللفظ له، والحاكم وقال صحيح، على شرط مسلم، وأقره الذهبى.
وتحت عنوان (بعض أحاديث المهدى متواتر) عن أبى الحسن محمد بن الحسن فى مناقب الشافعى، قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم بمجىء المهدى وأنه من أهل بيته، وقال الشوكانى: الأحاديث الواردة فى المهدى التى أمكن الوقوف عليها خمسون حديثا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهى متواترة بلا شك ولا شبهة.
لكن ابن خلدون قال بأن كل الأحاديث عن المهدى ضعيفة، أما الشيخ أحمد شاكر -وهو من كبار المحققين للتراث- فقد ذكر فى مقدمته لكتاب مسند الإمام أحمد ما قاله ابن خلدون فى مقدمته وقال: إن ابن خلدون أراد تضعيف أحاديث المهدى بما غلب عليه من الرأى السياسى فى عصره. فابن خلدون حكم على جميع الأحاديث الواردة فى خروج المهدى بأنها من خرافات الرافضة ودسائسهم، ورأى الشيخ شاكر أن ما قاله ابن خلدون طعن بمجرد الرأى لا يحث إلى تحقيق علم الرواية.
وتحت عنوان: (المهدى من ولد الحسن) يذكر عن ابن القيم إن أكثر الأحاديث تدل على أن المهدى من ولد الحسن بن على، لأن الحسن ترك الخلافة لله فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذى يملأ الأرض، وهذه سنة الله فى عباده، أنه من ترك لأجله شيئا أعطاه الله - أو أعطى ذريته - أفضل منه. وقال الحافظ عماد الدين: الأحاديث دالة على أن المهدى يكون بعد دولة بنى العباس، وأنه يكون من أهل البيت، من ذرية فاطمة، من ولد الحسن لا الحسين.
ثم يورد المؤلف بعد ذلك الاختلافات فى المهدى. قال بعضهم إنه المسيح بن مريم، وقال بعضهم إنه من بنى العباس، وقال الجمهور: إنه من أهل بيت النبى عن ولد الحسن بن على. وقال الشيعة الإمامية: إنه هو محمد بن الحسن العسكرى المنتظر، من ولد الحسن، وزعموا أنه اختفى يوما من أعدائه، وسيظهر فيملأ الدنيا عدلاً كما ملئت ظلما، وقال ابن القيم: أما المهدى عند المغاربة فهو محمد بن تومرت، فإنه رجل كذاب ملك بالظلم فقتل النفوس وأخذ أموال المسلمين وكان شرا على الملة من الحجاج بن يوسف بكثير، وكان يودع بطن الأرض جماعة من أصحابه أحياء يأمرهم أن يقولوا للناس إنه المهدى الذى بشّر به النبى صلى الله عليه وسلم، ثم يردم عليهم ليلا لئلا يكذبوه بعد ذلك، وسمى أصحابه الجهمية: الموحدين واستباح قتل من خالفهم من أهل العلم. وقال ابن القيم: ثم خرج المهدى الملحد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان جده يهوديا من بيت مجوسى، فانتسب بالكذب والزور على أهل البيت وادعى أنه المهدى الذى بشّر به النبى، وملك، واستفحل أمره إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون –الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ولرسوله- على بلاد المغرب ومصر والحجاز والشام، واشتدت غربة الإسلام ومحنته ومصيبته بهم. وكانوا يدّعون الألوهية، ويدّعون أن للشريعة باطنا يخالف ظاهرها. وهم ملوك القرامطة الباطنية، فتستروا بالانتساب كذبا إلى أهل البيت ودانوا بالإلحاد وروجوه إلى أن أنقذ الله الإسلام منهم ونصر الإسلام بصلاح الدين الأيوبى فأبادهم وعادت مصر دار إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد فى زمنهم- هذا ما جاء فى كتاب نقد المنقول -أو المنار فى الصحيح والضعيف- لابن القيم.
هكذا نجد أن موضوع المهدى المنتظر شغل السُنّة والشيعة معا، وذكرت فيه أحاديث كثيرة، حتى أن شيخنا الشيخ مخلوف يدعونا إلى التصديق والإيمان به دون تردد.
***
ويقول الدكتور الشكعة إن الشيعة يعتقدون أن من يزور قبور أئمتهم أو يسهم فى بنائها ينال ألوانا من الثواب لا نهاية له -وينالون شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويصيبهم ثواب سبعين حجة غير حجة الإسلام، وتمحى خطاياه، ويورد عن الإمام الخمينى فى كتابه (كشف الأسرار) رواية منسوبة عن الإمام جعفر الصادق تقول: (ينقل الشيخ الطوسى عن أبى عامر عن الحسين بن على بأن الرسول قال للإمام على: إنك ستنقل إلى العراق وتدفن فى أرضه، فقال: يا رسول الله وما هو أجر من يزور قبورنا ويقيمها ويجدد العهد معها؟ فقال: يا أبا الحسن، إن الله جعل قبرك وقبور أولادك بقعة من بقاع الجنة، وإن الله أدخل فى قلوب المختارين من خلقه حبكم، وجعلهم يتحملون الأذى والذُل من أجلكم، ويقومون بإعادة بناء قبوركم، ويأتون لزيارتكم تقربا إلى الله وزلفى إلى رسوله، وهؤلاء مشمولون بشافعتى. يا على، إن من يبنى قبوركم ويأتى إلى زيارتها يكون كمن شارك سليمان بن داود فى بناء القدس، ومن يزور قبوركم يصيبه ثواب سبعين حجة غير حجة الإسلام، وتمحى خطاياه، ويصبح كمن ولدته أمه. إنى أبشرك، وبشر محبيك بهذه النعمة التى لم ترها عينى، ولم تسمع بها أذن، ولم تخطر على بال أحد، إلا أن هناك توافه من الناس يلومون زائرى قبوركم كما يلومون المرأة الزانية، إن هؤلاء هم أشرار أمتى، والله لا يشملهم بشافعتى). هذا ما قاله الإمام الخمينى.
وعن تربة كربلاء حيث قبر الإمام الحسين رضى الله عنه يقول الإمام الخمينى: إن طلب الشفاء منها أمر لا حرمة فيه ولا حرج، ويرى أن لها خاصية ليست لأحد حتى قبر النبى نفسه (!) ويقول آية الله الخمينى فى كتابه (تحرير الوسيلة ) إن تربة كربلاء تخرق الحجب السبع، وترتفع على الأرضين السبع، وهذه الخاصية ليست لأحد حتى قبر النبى صلى الله عليه وسلم، والشىء نفسه يذكره الخمينى عن تربة النجف حيث مرقد الإمام علىّ.
ويقول إن من العادات المعروفة أن الشيعة يقيمون مجالس للعزاء فى شهر المحرم من كل عام، وكان آية الله الخمينى لا يحب أن يترك هذه العادة حتى يجعل لها أصولا دينية ومذهبية، فيقول فى كتابه (تحرير الوسيلة):
(إن مجالس العزاء تقام لدى الشيعة فى كل مكان، ومع ما فى هذه المجالس من نقص إلا أنها تروج تعاليم الدين وأخلاقياته، وتشيع الفضيلة ومكارم الأخلاق والدين الإلهى، والقانون السماوى المتمثل فى المذهب الشيعى المقدس الذى يدين به اتباع علىّ عليه السلام).
***
وبعض علماء الشيعة - وليس كلهم - اعتادوا شتم الصحابة وفى مقدمتهم أبوبكر وعمر وعثمان، وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة. والبعض منهم يردد دعاء يسمى (دعاء صنمى قريش) ويقصدون بهما أبا بكر وعمر رضى الله عنهما.
ومن الضرورى أن يكون واضحا أن هذا التجاوز فى سب الصحابة لا يصدر عن جميع الشيعة وإنما عن قلة منهم، ولكن خصوم الشيعة يرددون ذلك على أنه عند جميع الشيعة بطوائفهم المختلفة، بينما نجد من كبار علمائهم من نزهوا فكرهم وأقلامهم عن سب الصحابة، ومن هؤلاء الشيخ حسين كاشف الغطاء، والشيخ محمد جواد مغنية، والسيد موسى الصدر، وغيرهم وغيرهم من علماء الشيعة الكبار، وفى ذلك يقول الدكتور موسى الموسوى فى كتابه (الشيعة والتصحيح): إن الاختلاف فى الرأى بين الشيعة والسُنّة اتخذ طابعا حادا وعنيفا عندما بدأت الشيعة تجرح الخلفاء الراشدين وبعض أمهات المؤمنين بعبارات قاسية وعنيفة لا يليق بأن تصدر من مسلم فى حق مسلم، ناهيك أن تصدر من فرقة إسلامية نحو صحابة الرسول وأزواجه اللاتى لقبهن أمهات المؤمنين.
والمؤكد أن الإمام علىّ كرم الله وجهه كان شديد الحب للخلفاء الراشدين، وتعاون معهم، وتحمل مسئولية الحكم بالنيابة عنهم أثناء سفرهم، وكانوا يندبونه لذلك، وعندما توفى أبو بكر وقف الإمام علىّ قائلا: (رحمك الله يا أبا بكر، كنت أول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأعظمهم غناء، وأحفظهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنسبهم برسول الله خلقا وفضلا وهديا، فجزاك الله عن الإسلام، وعن رسول الله، وعن المسلمين خيرا. صدقت رسول الله حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله فى كتابه صديقا، والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون، يريد محمدا ويريدك، وكنت والله للإسلام حصنا وعلى الكافرين عذابا، لم تقلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك. وكنت كالجبل الذى لا تحركه العواصف كنت كما قال رسول الله ضعيفا فى بدنك قويا فى أمر الله، متواضعا فى نفسك، عظيما عند الله، جليلا فى الأرض كبيرا عند المؤمنين، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، فالقوى عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوى حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك).
فإذا كان هذا هو رأى الإمام علىّ فى أبى بكر فكيف بعد ذلك لفئة من اتباعه أن يرموه بأبشع النعوت. يقول العلامة الشيعى موسى الموسوى: لا يجوز تجريح الخلفاء وذمهم بالكلام البذىء الذى نجده فى كتب الشيعة، فهو كلام يغاير الموازين الإسلامية والأخلاقية، ويناقض كلام الإمام علىّ ومدحه وتمجيده فى حقهم، ويجب على الشيعة أن تحترم الخلفاء الراشدين وتقدر منزلتهم من الرسول، فالنبى صلى الله عليه وسلم صاهر أبا بكر وعمر، وعثمان صاهر النبى مرتين، وعمر بن الخطاب صاهر الإمام علىّ وتزوج من ابنته أم كلثوم. ولو التزمت الشيعة بما قاله الإمام علىّ فى حق الخلفاء لانتهى الخلاف وساد الأمة الإسلامية سلام فكرى فيه ضمان الوحدة الإسلامية.
هذا ما قاله العلامة الشيعى موسى الموسوى فى كتابه (الشيعة والتصحيح) وقاله أيضا كثير من علماء الشيعة المعاصرين الذين تربطهم بأهل السنة روابط أخوة إسلامية.
***
ويضيف الدكتور الشكعة إن الإمام علىّ لشدة تعلقه بالخلفاء الراشدين الثلاثة الذين سبقوه سمى ثلاثة من أبنائه بأسمائهم، فقد سمى أحد أولاده أبا بكر، وسمى ولدا ثانيا عمر، وسمى ولدا ثالثا عثمان، وهذه قرينة كبرى على حب سيدنا علىّ لإخوانه الراشدين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
كذلك فإن فى الشيعة من ينفى أن الإمامة منصب إلهى وإنها إحدى دعائم الإسلام، هذه القضية التى فرقت المسلمين، وجعلتهم فرقا متناحرة بعد أن كانوا إخوة متحابين، أشداء على الكفار رحماء بينهم.
***
والحقيقة أن الشيعة الآن ليسوا هم الشيعة فى عصور الفتنة التى اجتاحت المسلمين بسبب الاختلاف على الحكم. الشيعة الآن يقتربون أكثر من السُنّة، كما أن السُنّة تقترب من الشيعة، بحثا عن نقاط الالتقاء والاتفاق وهى كثيرة، أما نقاط الخلاف التى تثير المشاعر وتزيد نار الفتنة فهى كثيرة فى الكتب القديمة وعند طوائف تنسب إلى الشيعة بعضها لم يعد له وجود الآن.
لكن الذين يريدون إشعال الفتنة بين السُنّة والشيعة يخرجون من الكتب ومن أقوال هذه الفرق المتطرفة ما يثير حفيظة أهل السُنّة. ومعروف أن الغلو عند بعض فرق الشيعة بدأ بإسباغ القداسة على الإمام على بن أبى طالب، ونسجت أساطير لتبرير هذا الغلو، ونسبت إلى شخصية يهودية هى شخصية عبد الله بن سبأ، فظهرت طائفة السبئية يهتفون: (أنت أنت. أنت الخالق البارى) وإن كان هناك من يشكك فى وجود عبد الله بن سبأ لكن هذا الفكر وجد فى مرحلة من المراحل ونسب إليه، وتسبب هذا الفكر وأمثاله من مذاهب الغلو والتطرف فى الأضرار بالمسلمين وبالإسلام ذاته، ولاشك أن هذا الفكر غريب على الإسلام، ولا يمكن أن يحسب عليه؛ مثل القول بإسباغ الألوهية على النبى صلى الله عليه وسلم والقول بأن روح القدس كانت فى النبى، ثم فى علىّ وأولاده حتى الإمام الثانى عشر، وفكرة حلول الروح القدس فى إنسان ليست فكرة إسلامية فى أصلها، ومنهم من قال إن الإمامة نور يتناسخ من شخص إلى شخص، وذلك النور فى شخص يكون نبوة وفى شخص يكون إمامه وربما تتناسخ الإمامة تكون نبوة.. وكان بشار بن برد الشاعر المعروف من أنصار هذه الفرقة.. وهناك من قال بأن الله خلق محمدا صلى الله عليه وسلم، ووكل الأمور وفرضها إليه، فخلق محمد صلى الله عليه وسلم الدنيا، ثم فوض الإمام على بعد ذلك فى تدبير العالم، فهو المدبر الثانى بعد الرسول، ويقول فخر الرازى فى كتابه (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين): إن الذين يقولون إن الله خلق روح علىّ وأرواح أولاده وفوض العالم إليهم، فخلقوا هم الأرضين والسموات، ومن هنا نقول فى الركوع سبحان ربى العظيم وفى السجود ربى الأعلى، فالإله الأعلى هو علىّ وأولاده، والإله الأعظم هو الذى فوض عليهم العالم.
ولست أريد أن استطرد فى ذكر أمثال هذه الأفكار المخالفة للعقيدة الإسلامية التى تسربت إلى الإسلام من عقائد أخرى غير الإسلام، ونحن نعرف أن فئة من المنافقين كانوا من أعداء الإسلام، أعلنوا إسلامهم فى الظاهر وأبطنوا العداء ، وتسللوا حتى أصبحوا فى المقدمة فدسوا فى عقائد المسلمين ما ليس منها بادعاء أن ذلك هو التعبير عن شدة الإيمان وشدة الحب لآل البيت.
صحيح أن هناك أقوال شاذة، وفرق شاذة، ذكرتها الكتب القديمة وركزت عليها، وكأنها هى عقائد جميع الشيعة، وهذا خلط يجب التنبه إليه.
الشيعة فى عمومهم أقرب إلى السُنّة كما قال لى الشيخ يوسف القرضاوى وهو من العلماء الثقات.
وهناك بقايا خلاف بين السُنّة مع الشيعة، لكن هذا الخلاف ليس على القرآن، أو التوحيد، أو الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو على أركان الإسلام الخمسة، ولكنه حول أفكار ونظريات ذكرنا أمثلة منها.. أما الغلو والتطرف فقد انتهى تقريبا، ولم يعد سوى صفحات فى الكتب القديمة، يحلو للبعض أن يقلب فيها ويستخرج منها أقوالا مثل الأقوال الغريبة الشاذة التى ذكرت بعضها.
والخلاصة : نحن مع الغالبية العظمى من الشيعة. ونحن مع التجديد والمراجعة فى المذهب الشيعى والمذاهب السُنّية بحثا عن تنقية الكتب مما فيها من أكاذيب وما دسه فيها أعداء السُنّة والشيعة معا وأرادوا أن يظل المسلمون فى خلاف إلى يوم الدين.
ونحن مع الدعوة إلى التقريب بين المذاهب. حتى نصل إلى نقطـة ينتفى عندها الخلاف، ويصبح المسلمون جميعا مسلمين.. بلا تعصب.. وبلا مذهبية.. وبلا إصرار على العيش فى الماضى إلى حد التقديس.. فالماضى مضى وانتهى.. ونحن نعيش عصرا مختلفا ليس فيه الصحابة ولا معارك فيه حول الخلافة.. نحن فى عصر يواجه فيه المسلمون حروب إبادة.. ومن يشعل الفتنة والخلافات بينهم هو عون لأعدائهم وسلاح ضد المسلمين فى هذه الإبادة.
ومن يتبع دعوة الله فهو المسلم حقا.. فقد دعانا ربنا الواحد الأحد إلى أن نكون إخوة، وأن نعتصم بحبل الله جميعا، ولا نتفرق فتذهب ريحنا، بعد أن أصبحنا بفضل الله إخوانا. ومن يستجيب لدعوة الله غير المؤمنين الصادقين؟..
ربنا سمعنا وأطـعنا سبحانك.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف