السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

ومتى يرحل الاحتلال؟!

 

 يبدو أن أصحاب العقول فى البيت الأبيض يتصورون أن العرب -والعـالم-بلا عقول!
لقد أرادوا أن يصوروا للعرب-وللعالم-أن رحيل السفير بريمر الحاكم الأمريكى للعراق، ووصول السفير نجروبونتى إلى بغداد يمكن أن يفهم على أنه إعادة السيادة للعراق.
رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء تم اختيارهما من سلطـات الاحتلال وقاما بحلف اليمين أمام الحاكم بريمر، ووصل السفير الأمريكى نجرو بونتى على رأس جيش من رجال المخابرات ومكتب التحقيقات الفيدرالية قوامه ثلاثة آلاف شخص انتشروا فى جميع أنحاء العراق، وأصبحت سفارة أمريكا فى بغداد أكبر سفارة فى العالم وفى التاريخ، وفى الحقيقة هى دولة داخل الدولة.
سلطات الاحتلال ألقت نتائج كارثة الغزو على أكتاف الحكومة الجديدة وتخلت عن مسئولية إدارة المرافق التى دمرتها (المياه-الكهرباء-الصرف الصحى-تدبير رواتب الموظفين-إدارة شئون الأمن) لتتحملها هذه الحكومة العراقية وتتخلى أمريكا عن مسئوليتها عن إصلاح ما دمرته أو دفع تعويض عنه، وتبقى قوات الاحتلال قوامها 140 ألف جندى فى أمان، تماما كما فعلت إسرائيل بإلقاء مشكلة إدارة المرافق للسلطة الفلسطينية وحرمتها من السلطة السياسية وظلت قوات الاحتلال تعربد كما تشاء. كذلك قوات الاحتلال الأمريكى تقتل وتدمر وترتكب جرائم حرب وليست للحكومة العراقية سلطة عليها.
فالحكومة العراقية تسلمت السلطة ولم تتسلم السيادة. وهناك فرق. ولا يمكن وجود سيادة فى ظل وجود احتلال عسكرى أجنبى للبلاد، ودون أن تكون قوانين البلاد هى السارية على كل من يوجد على أرضها، ولا يوجد على أرضها إلا من يدخلها بإذن وتأشيرة دخول. بينما نحن أمام عراق مدمر، والنفط تديره سلطات الاحتلال باسم مستعار أو من وراء ستار، ولا أحد يعرف أين ذهبت أموال الدولة العراقية التى كانت فى البنك المركزى وفى الخارج وفى الوزارات والمخابىء وفى قصور صدام، ولا أين ذهبت أموال البترول الذى يستنزف منذ عام ونصف العام تقريبا. وفى تقرير أصدره الحزب الليبرالى الديمقراطى البريطانى وهيئة (كريستيان ايد) أن الغموض يشمل 20 مليار دولار هى عائدات النفط. ووكالة اسوشيتدبرس تقول فى تقرير لها: لا أحد يعرف كيف كانت السلطات الأمريكية تتصرف فى أموال العراق! وشركة المحاسبة العالمية kpmg قالت: إن السلطات الأمريكية تعمدت عدم قياس إنتاج النفط مما يثير الشكوك فى إنفاق عائداته. والصحف الأمريكية أشارت إلى عملية النهب التى قامت بها شركة هليبرتون للنفط التى كان يديرها ديك تشينى نائب الرئيس الأمريكى. والحزب الديمقراطى الليبرالى البريطانى أصدر بيانا طالب فيه بفتح تحقيق حول أموال العراق وعائدات النفط وكيف تصرفت سلطات الاحتلال والشركات الأمريكية والسماسرة والمغامرون الأمريكيون فيها.. هل تملك الحكومة العراقية سلطة التحقيق فى عمليات نهب ثروة الشعب العراقى؟ لقد أعطت الأمم المتحدة للسلطات الأمريكية فى مايو 2003 السلطة فى إدارة أموال وموارد العراق واشترطت أن يكون الانفاق مقصورا على مصلحة الشعب العراقى، هل تملك الحكومة العراقية مطالبة الإدارة الأمريكية بتقديم كشف الحساب؟!
ثم إن الإدارة الأمريكية تحمل الحكومة العراقية-منذ الآن-مسئولية الأمن. أمن قوات الاحتلال واستقرار الحال على ما هو عليه وجعلت من مهامها إسكات الشعب العراقى وإرغامه على قبول استمرار احتلال بلاده وقبول الادعاء الأمريكى بأن العنف المنتشر فى أنحاء البلاد هو إرهاب تقوم به جماعات من خارج العراق. وربما تسلل إلى العراق أفراد من جماعات إرهابية، لكن الشعب العراقى كله لا يمكن أن يرضى باستمرار تواجد جيوش أجنبية على أرضه. ونحن فى مصر نستطيع أن نفهم ذلك، فقد كان لدينا ملك، وحكومة، ودستور، وبرلمان، وأحزاب، ولم يستسلم الشعب المصرى، وقاد الشباب المقاومة ضد الاحتلال إلى أن رحل فى عام 1954.
فالمسألة إذن ليست حكومة. المسألة هى وجود قوات احتلال عسكرى فى البلاد. مهما اختلفت التسمية، ومهما قيل من مبررات، فكل وجود عسكرى أجنبى هو احتلال، وصحيفة اندبندنت البريطانية تقول: إن الحكومة العراقية لن تكون سوى دمى تحركها قوات الاحتلال، وتقول: إن ذلك سوف يشعل المقاومة بصورة أكبر. الصحيفة البريطانية هى التى قالت ذلك تحت عنوان (العنف لن ينتهى إلا بانتقال حقيقى للسيادة).. قالته يوم 29 يونيو.. فى اليوم التالى لرحيل بريمر.
أمريكا تريد أن يكون العراق نسخة ثانية لافغانستان بعد الغزو.. حكومة ورئيس للعرض فقط! بينما أحوال الشعب فى تدهور مستمر.. ومتى انصلح حال شعب على يد قوات غزو أجنبى؟
والأمريكيون أنفسهم يطالبون بانهاء الاحتلال الأمريكى للعراق. وفى استطلاع للرأى قامت به شبكة (سى.إن.إن) الإخبارية، وصحيفة (يو.اس.ايه) الواسعة الانتشار، مع معهد جالوب نشر يوم 29 يوينو قال 60% من الأمريكيين إنهم يرون أن عملية تسليم السلطة مؤشر على الفشل الأمريكى وليست مؤشرا على النجاح. و63% يعتقدون أن القوات الأمريكية ستبقى لمدة ثلاثة أعوام أو اكثر، وفى استطلاع آخر قامت به شبكة c.b.s الإخبارية مع صحيفة نيويورك تايمز قال 55% من الأمريكيين الذين شملهم البحث: إن الغزو الأمريكى للعراق خلق المزيد من الإرهابيين الذين يخططون لاستهداف الولايات المتحدة.. معنى ذلك أن الأمريكيين يدركون أن الغزو والاحتلال هما الدافع للإرهاب. وإذا رحل الاحتلال فسوف تنتهى المقاومة وتستطيع الحكومة بعد ذلك السيطرة على الأمن وإدارة شئون البلاد لصالح الشعب العراقى وحده.
وفى سجون القوات الأمريكية خمسة آلاف سجين عراقى لم توجه لهم تهمة وهم فى 13 سجنا أسوأ من سجن أبو غريب، بخلاف آلاف المعتقلين الذين أفرجت عنهم سلطات الاحتلال لأنهم اعتقلوا عشوائيا وبدون سبب. ولا أحد يعرف ماذا يجرى فى هذه السجون الآن بعد أن فرضت الإدارة الأمريكية التعتيم الإعلامى على الانتهاكات والفظائع التى حدثت والتى تحدث!
والاحتلال ترك للحكومة تشريعات تثير الشكوك أغلبها يسمح للشركات الأجنبية بامتصاص ثروات العراق تحت ستار إعادة الإعمار، ولن تستطيع الحكومة العراقية إلغاء قوانين الاحتلال. ولن تستطيع التصرف فى شىء دون اعتماد السفير الأمريكى الذى يذكرنا بالمندوب السامى البريطانى فى مصر قبل الثورة.
والشعب العراقى يعيش فى أوضاع مهينة.. بطالة.. وتخريب المرافق.. انهيار الخدمات العامة.. فقدان الأمن.. ومداهمات القوات الأمريكية تهدد الجميع.
وقد عبرت صحيفة الجارديان البريطانية عن الحقيقة فقالت: إن انتقال السلطة لا يعنى أن العراق حصل على استقلاله أو أنه استرد شخصيته القومية أو أصبحت له إرادة فى صنع القرار لأن القرار الأخير لن يكون للحكومة العراقية بل للولايات المتحدة. وقالت أيضا: حتى إذا طلبت الحكومة العراقية الجديدة بقاء قوات الاحتلال فمن يصدق أن مثل هذا الطلب صادر عن إرادة حرة ومعبر عن الشعب العراقى؟
طبعا هى مناورة من أجل تجميل صورة الاحتلال وصورة الإدارة الأمريكية أمام الرأى العام الأمريكى وأمام العالم من أجل انتخابات الرئاسة فى نوفمبر.. وكم من الجرائم ترتكب من أجل الفوز فى الانتخابات؟!
وإذا كانت أمريكا جادة فأمامها أن تعلن عن جدول زمنى لخروج قوات الاحتلال وقوات المرتزقة التى تستأجرها.. وتسحب الآلاف من عملاء المخابرات الأمريكية والإسرائيلية الذين يعيثون فى البلاد فسادا ويشعلون الفتنة تمهيدا لتقسيم البلاد. تحت ستار أنهم مقاولون وموظفو شركات. ويمكن الاستعانة بقوات من الأمم المتحدة بديلا عن قوات الاحتلال.
ولكن هل تريد أمريكا حقا إنهاء الاحتلال؟!

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف