السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

قصة الشيعة

 

 لن نستطيع أن نفهم المذهب الشيعى جيدا إلا إذا عرفنا قصة نشأة هذا المذهب وتطوره. وذلك لأن لهذا المذهب خصوصية تفصله عن مذاهب السُنّة من حيث النشأة والتطور. فالمذهب المالكى أو الشافعى أو الحنبلى أو الحنفى بينها اختلافات ولكنها اختلافات فى الفهم والتفسير للآيات والأحاديث فقط لا غير، واختلافات فى القياس والاستنباط أى اختلافات فى المنهج. ولم تكن هناك أسباب سياسية لهذه الخلافات على الإطـلاق، أما الشيعة فهم فى الأساس أصحاب نظرية فى الحكم وقد أثاروا خلافات شديدة وصلت إلى حد الحروب الدموية حول من هو الأحق بالخلافة.
فالشيعة فى بدايتها أقرب إلى الحزب السياسى المعارض للحزب الحاكم بالتعبير الحديث. لكنه حزب يصبغ مطلبه السياسى بصبغة دينية فيبحث لها عن أدلة وأسانيد فى الكتاب والسُنّة، ويرفض مصادر الحديث من الفريق الآخر (فريق السُنّة) ويترتب على ذلك ظهور نظرية سياسية ملتبسة بالدين أو مذهب دينى ملتبس بالسياسة وله فقه خاص قد لا يختلف كثيرا عن فقه السُنّة عند الشيعة الإمامية والزيدية ولكنه يختلف كثيرا وإلى حد التناقض عند غيرهم من الفرق. وككل مذهب معارض دخل فيه كل من أراد محاربة السلطة الحاكمة، وكل من أراد محاربة أهل السُنّة، بل وكل من أراد محاربة الإسلام من الداخل. فأصبحت ساحة الشيعة خليطا عجيبا من الكفر والإيمان، ومن الاتفاق والاختلاف، ومن الحقائق والأكاذيب، ومن العقل والخرافة، وهذا هو سر البلبلة التى عانى منها أهل السُنّة فى علاقتهم بالشيعة بعد ذلك.
وأضيف إلى ذلك عاملان جعلا الفهم والتفاهم بين السُنّة والشيعة من الأمور الصعبة. العامل الأول هو أن بعض فرق الشيعة تحولت إلى فرق باطنية، تعمل فى الخفاء، ولا تعلن أفكارها ومواقفها، وتتناقل سرا المفاهيم والكتب بعيدا عن متناول أهل السُنّة، وهذا الغموض أدى إلى الشك والتباعد ثم أدى إلى العداء، فوق ما كان قائما من عداء لأسباب سياسية. والعامل الثانى هو ما عرف عن مبدأ (التقية) عند الشيعة، وفهم أهل السُنّة أن هذا المبدأ يعنى أن الشيعى يظهر غير ما يبطن، وأن مسايرته للآخر ليست عن اقتناع أو صدق، ولكنها مجرد تمويه، ولهذا شعر أهل السُنّة أنهم لا يطمئنون إلى كل ما يقوله الشيعة لأنهم لا يستطيعون أن يفرقوا بين ما هو حق وصدق وما هو (تقية).
لكن الزمن اختلف الآن.
أولا: لم تعد الخلافات السياسية القديمة عاملا مؤثرا فى العصر الحاضر، أو هذا ما يجب أن يكون، إذ ليس مطروحا الآن أن يتولى حكم المسلمين أحد من آل البيت، ونحن فى عصر الشعوب والديمقراطية والأحزاب والانتخابات، ولم يعد العقل المعاصر يتقبل توارث الحكم فى نسل أسرة واحدة حتى ولو كانت من نسل النبى صلى الله عليه وسلم خاصة وأن الرسول نفسه هو الذى أعلن أن الأنبياء لا يورثون. فالخلاف إذن خلاف تاريخى ليس من العقل أو الحكمة أن نجعله يستمر أكثر من أربعة عشر قرنا بينما لا نستطيع تولية الإمام على أو الإمام الحسن أو الحسين الآن وليس أمامنا سبيل لتدارك الظلم الذى حاق بهم. ولا نستطيع أن نعزل أبا بكر وعمر وعثمان، وباختصار لا نستطيع أن نعيد عجلة التاريخ إلى الوراء.
ومن ناحية أخرى فقد تكشف الكثير من أسرار وخفايا الشيعة وأصبحت كتبهم منشورة ومتداولة، وأفكارهم معلومة، المعتدلة والمتطرفة، كما أن كتب وأفكار السُنّة معروفة ومتاحة، المعتدلة والمتطرفة، وبالتالى لم يعد التخوف من (التقية) له ما يبرره.
ويضاف إلى ذلك أن كثيرا من علماء الشيعة قاموا ويقومون بعملية مراجعة شاملة سارت شوطا طيبا، وأعلنوا التخلى عن بعض الأفكار القديمة التى كانت وليدة ظروف وأسباب سياسية واجتماعية قديمة ترجع إلى القرون الأولى للإسلام، ولم تعد هذه الظروف والأسباب قائمة الآن، وهذه المراجعات أيضا منشورة فى كتب متاحة للجميع. والحوزات العلمية فى إيران والعراق تقترب فى الفقه والتفسير من السُنّة يوما بعد يوم. كما أن أهل السُنّة يتفهمون ما فى مذهب الشيعة الإمامية والزيدية مما يوافق الشرع ويمثل إضافة لإثراء الفقه الإسلامى وهذا الاتجاه يجد من يعارضه فى صفوف الشيعة وفى صفوف السُنّة أيضا، ولكن الواجب يقتضى تشجيع هذا التيار، لأن التقريب بين المسلمين المختلفين من أهم الواجبات التى فرضها الله على المسلمين. (إنما المؤمنون إخوة) و (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) و(وكونوا عباد الله إخوانا).. الخ.
***
وبدايــة الشيعة كانت فى الخلاف حول من هو الأحق بالخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد توفى الرسول ولم يحدد بشكل قاطع صريح من يخلفه، ولم يبين كيفية اختيار من يحكم المسلمين بعده، وهذه حكمة بالغة، لأن وسائل الاختيار سوف تختلف من عصر إلى عصر، والإسلام جاء لكل العصور، ولكل الشعوب، ولهذا ترك أمور تنظيم الحكم لاجتهاد الناس وفقا للحديث الشريف (أنتم أدرى بشئون دنياكم). فإذا كان اختيار الحاكم فى عصر باتفاق النخبة من أهل الحل والعقد فإنه سيأتى عصر يكون فيه الاختيار بالانتخاب المباشر الذى يشترك فيه الناس جميعا وهكذا تختلف وسائل الاختيار من عصر لعصر ومن مجتمع لآخر وتبقى شروط الحاكم هى هى: العدل ومراعاة مصلحة الناس.
وكان من الطبيعى أن يحدث خلاف بين المسلمين عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه مسألة لا دخل للدين فيها، وإنما هى مسألة ترجع إلى الطبيعة البشرية، لذلك سارع الأنصار إلى عقد اجتماع فى سقيفة بنى ساعدة ليبتوا فى الأمر، وأدركهم أبو بكر وعمرو بن العاص وأبو عبيدة ابن الجراح وغيرهم، وفى هذا الموقف اختلف المجتمعون إلى قسمين، وهم جميعا من كبار الصحابة. فريق قال: يجب أن يكون الخليفة من الأنصار، ودللوا على ذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام فى مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الإسلام فلم يؤمن إلا قلة، ولم يمنعوا الرسول من الأذى، وبعد ذلك هاجر إلى المدينة فوجد النصير القوى من الأنصار.. آمنوا به.. ووفروا له الحماية.. وحاربوا معه.. واقتسموا أموالهم مع المهاجرين.. فهم أولى الناس بأن يخلفوه. أما الفريق الآخر من المهاجرين فقالوا إن الخلافة يجب أن تكون فيهم، لأنهم أول من آمن به، وأكثر من صبروا على الأذى، وهم قومه وعشيرته، وهم من قريش والعرب لا تدين إلا لهم، وكما هى العادة حاول البعض إيجاد حل وسط فظهر اقتراح بأن يكون من الأنصار أمير، ومن المهاجرين أمير، ورفض المهاجرون هذا الاقتراح، وحسم الخلاف عمر ابن الخطاب حين أخذ بيد أبى بكر الصديق وأعلن البيعة له على أساس أنه أول من آمن من الرجال، وهو صاحب النبى فى رحلة الهجرة، وأنابه الرسول صلى الله عليه وسلم ليؤم المسلمين فى الصلاة عندما كان مريضا مرض الموت، وانتهى الخلاف بأن تقدم الجميع لمبايعة أبى بكر.
لكن الإمام عليا لم يكن حاضرا هذا الاجتماع لانشغاله فى تجهيز الرسول صلى الله عليه وسلم والإعداد لدفنه، فلما بلغه خبر البيعة لأبى بكر لم يرض عنها، وتكوّن رأى ثالث هو أن تكون الخلافة فى بيت النبى، وأقرب الناس إليه هو الإمام علىّ فهو أول الناس إسلاما، وهو زوج السيدة فاطمة بنت النبى صلى الله عليه وسلم، ومكانته فى الجهاد والعلم بالدين لا يمكن إنكارها. وإذا قال المهاجرون إنهم قوم النبى وعشيرته فأهل بيت النبى أولى. واستندوا إلى قول الله: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين. ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) وقالوا إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الصفوة من نوح، وهو وارث علم آدم، وعلىّ بن أبى طالب وصى محمد ووارث علمه، وجعلوا من هذه الآية دليلا على أحقية ذرية الرسول صلى الله عليه وسلم فى الخلافة، وأن هذا الحق مقرر فى الكتاب و السُنّة. ولهذا السبب تأخر الإمام علىّ فى مبايعة أبى بكر، ولكنه بايعه فى النهاية. وانتهى الخلاف، ولكن أنصار هذه المواقف الثلاثة ظلوا مختلفين. الأنصار أحق، أم المهاجرون، أم أهل البيت، وهذا الخلاف تحول بعد ذلك إلى صراع سياسى ثم تحول إلى تراجيديا سفكت فيها دماء عزيزة وغالية هى دماء الإمام علىّ والإمام الحسين وكثير من أهله جعلت الخلاف يتحول إلى ثأر تاريخى.
ولم يظهر الخلاف فى عهد أبى بكر وعمر، لانشغال المسلمين بالحروب والفتوح، ولرضا المسلمين عن حكمهما لما فيه من عدل وإنصاف، لكن الخلاف تفجر بقوة ابتداء من عهد عثمان وظل يزداد اشتعالا بعد مقتله. فقد كان عثمان أمويا، واستعان بالأمويين، وتحركت الحساسيات القديمة التى كانت قبل الإسلام بين بنى هاشم وبنى أمية، ويصف أحمد أمين هذه الفترة فى كتابه (فجر الإسلام) فيقول: انتشرت الجمعيات السرية فى آخر عهد عثمان تدعو إلى خلعه وتولية غيره، ومن هذه الجمعيات من كانت تدعو إلى علىّ، ومن أشهر الدعاة له عبد الله بن سبأ - وكان من يهود اليمن فأسلم- وتنقل فى البصرة والكوفة والشام ومصر ويقول: (إنه كان لكل نبى وصى، وعلىّ وصى محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ووثب على وصيته) ويقول أحمد أمين: إن عبد الله بن سبأ كان من أكبر الذين حرضوا على قتل عثمان.
ولما قتل عثمان بايع كثير من المسلمين الإمام علىّ بالخلافة، وأيده كثير من كبار المهاجرين، لكن معاوية وطلحة بن الزبير خرجا على علىّ وشاركا فى الإيعاز بأن الإمام عليا كان له ضلع فى قتل عثمان وعلى أقل تقدير فإنه لم يبادر إلى نصرته وحمايته ممن قتلوه. كما أنه -بعد أن بويع بالخلافة- لم يقتص من قتلة عثمان. ثم أعلن كل من طلحة والزبير أنه الأولى بالمطالبة بدم عثمان لأن كلا منهما من الستة الذين اختارهم عمر للشورى وقال معاوية إنه أولى الناس بعثمان، لأنه من أهل بيته، وأمام هذا الانشقاق وقف جماعة من كبار الصحابة بعيدا فلم يبايعوا عليا ولم يبايعوا غيره، وفضلوا العزلة، ومن أشهرهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسعد ابن أبى وقاص، وحسان بن ثابت ، وأسامة بن زيد، وبعد ذلك انتهى أمر طلحة والزبير بانهزامهما وقتلهما فى موقعة الجمل، وأما معاوية فكانت له جيوش فى الشام، وخاض حربا مع على فى موقعة صفين، فلما أحس أن الدائرة كادت تدور عليه أمر جنوده برفع المصاحف على الرماح، وطلب التحكيم إلى كتاب الله. وهكذا كانت بداية النشأة لثلاث فرق من أكبر الفرق الإسلامية هى الخوارج، والشيعة، والمرجئة.
***
الخوارج قالوا إن الإمام على أخطأ حين قبل التحكيم فقد اختار معاوية أن يمثله عمرو بن العاص، واختار على أن يمثله أبو موسى الأشعرى، واتفقا على أن يخلع كل منهما صاحبه، وبدأ أبو موسى الأشعرى فأعلن أنــه يخلع الإمام علىّ، لكن عمرو ابن العاص قام فأعلن أنه يثبت معاوية خليفة للمسلمين، وظل الخوارج يعارضون الإمام علىّ لأنه قبل التحكيم ويتهمونه بالكفر ويرفعون شعار (لا حكم إلا لله) وأصبح اسمهم الخوارج لأنهم خرجوا على الإمام علىّ، وظل الخوارج شوكة فى جنب الدولة الأموية وحاربوها حربا متصلة، وحاربوا الإمام علىّ فى موقعة النهروان وهزمهم وقتل منهم الكثير، وزادت هذه الهزيمة فى كراهية الخوارج للإمام علىّ حتى دبروا قتله، وقتله عبد الرحمن بن ملجم وكان جيش الإمام علىّ قد قتل الكثير من أسرة زوجته فى موقعة النهروان.
وكانت أهم أفكار الخوارج هى: صحة خلافة أبى بكر وعمر والسنوات الأولى من خلافة عثمان، وأقروا بصحة خلافة علىّ وبأنه أخطأ فى التحكيم ولهذا حكموا بكفره، وطعنوا فى الصحابة الذين قاتلوا الإمام علىّ فى موقعة الجمل: السيدة عائشة، وطلحة، والزبير، وحكموا بكفر أبى موسى الأشعرى وعمرو بن العاص. ووضعوا نظرية للخلافة هى أن تكون بالاختيار الحر من المسلمين، ومن يختاره المسلمون لا يجوز أن يتنازل أو يقبل التحكيم، وليس من الضرورى أن يكون الخليفة من قريش، وتحولت أفكار الخوارج بعد ذلك من أفكار تدور كلها حول الخلافة والسياسة إلى أفكار لها صبغة دينية، وقالوا من آمن بالله ورسوله ولم يعمل بأوامر الدين من صلاة وصيام وزكاة وعدل فهو كافر. لأن العمل جزء من الإيمان.
***
والمرجئة أيضا بدأت حزبا سياسيا، أعلن رفضه على الاختلافات القائمة والحروب على الخلافة، ورفضوا الانحياز لفريق ضد فريق كما رفضوا إصدار أحكام إدانة لفريق معين وقالوا: نرجئ أمر الفريقين إلى الله حتى يكون الله هو الذى يحكم بينهما. وانتقلوا من المسألة السياسية إلى المسائل الدينية فأصبحت لهم أفكار خاصة بهم فى الدين، حول الإيمان، والكفر، ومن هو المؤمن ومن هو الكافر، بعد أن رأوا أن الخوارج يحكمون بالكفر على من يختلفون معهم، والشيعة كذلك، فزاد الخوارج وحكموا بأن كل كبيرة يرتكبها الإنسان هى كفر، وقد دمرت الدولة العباسية هذه الطائفة.
***
فى هذا الوقت الذى اشتدت فيه خلافات المسلمين، تبادل المسلمون الاتهام بالكفر، يرمى به بعضهم بعضا حتى أن الخوارج حكموا على الإمام علىّ ذاته بالكفر.. فى هذا الجو المضطرب الذى يصدق عليه وصف طه حسين له بأنه (الفتنة الكبرى) أصبحت الشيعة فرقة لها نظرية فى السياسة ذات صبغة دينية، والتبست السياسة بالدين بالفقه وظهرت فى داخل الشيعة فرق مختلفة، قالوا إن الإمامة -أو الخلافة- ليست باختيار الأمة، بل هى ركن من أركان الدين، ولا يجوز لنبى أن يترك الأمة دون تحديد الإمام بعده، ويكون هذا الإمام معصوما من الخطأ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم هو الذى عين الإمام علىّ إماما بعده بنصوص وبأحاديث نبوية يذكرونها لا يقرها أهل السُنّة. ونشأت فكرة الوصية، ولقب الإمام علىّ بلقب (الوصى) وبعد ذلك فإن الإمام -أو الحاكم- يجب أن يكون من نسل الإمام على ولا يجوز أن يكون الإمام من غير أهل البيت.
وقد اتفقت تعاليم الخوارج والشيعة على أن خلفاء بنى أمية مغتصبون للسلطة وظالمون لأهل البيت، فاشتركوا فى معارضتهم، يحاربونهم جهرا إذا تمكنوا من ذلك، وفى الظروف التى لا تسمح لهم بمحاربتهم فى العلن فإنهم يحاربونهم فى السر، وفقا لمبدأ التقية ولكن شدة الحذر من جانبهم جعلت بنى أمية يراقبونهم ويتخذون أقصى درجات الحذر، ورصدوا أعوانهم لمتابعة تحركات وتجمعات الشيعة، واضطهدوا كل من عرف عنه الانتماء إلى هذه الفرقة، حتى الإمام الحسن فقد سلطوا عليه من يطعنه بالخنجر فى جنبه فأصيب ولم يمت، وحاربوه حتى أعلن ابتعاده عن السياسة والخلافة، ثم قتلوا الإمام الحسين فى موقعة كربلاء، ثم تتبعوا أهل البيت بالإهانة والقتل، وسجنوا كل من عرف عنه انتماؤه للشيعة، إلى أن جاء الحجاج بن يوسف الثقفى فقتل منهم أعدادا كبيرة وفى عهده قال الرواة (إن الرجل يقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال إنه من شيعة علىّ). وينقل أحمد أمين أمثلة كثيرة على الاضطهاد الذى لا مثيل له الذى تعرض له الشيعة، من ذلك أن رجلا -يقال إنه جد الأصمعى- وقف أمام الحجاج وقال: أيها الأمير، إن أهلى عقّونى فسمونى عليا، وإنى فقير بائس، وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك الحجاج وولاه عملا، كما ينقل عن المدائنى: (إن زياد بن سمية كان يتتبع الشيعة فى الكوفة، وهو يعرفهم، لأنه كان منهم أيام علىّ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدى والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخيل، وطردهم، وشردهم عن العراق فلم يبق منهم أحد وكتب معاوية إلى عماله فى جميع الآفاق بأن شهادة الشيعة وأهل بيت علىّ لا تقبل شهادتهم، وكتب إليهم أن يقرّبوا أنصار عثمان بن عفان وينشروا فضائله، وأن يبلغوه باسم كل من يروى فضائل ومناقب عثمان واسم أبيه وعشيرته، وفعل حكام الأقاليم ذلك فتنافس الناس فى الإشادة بعثمان، وكتب معاوية إلى عماله: (انظروا إلى من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه). وحتى بعد زوال دولة الأمويين ومجىء دولة العباسيين، اضطهد العباسيون الشيعة ونكلوا بهم بأكثر مما فعل الأمويون لأنهم كانوا يعلمون أسرارهم وخفاياهم عندما كانوا منضمين إليهم ويعملون معهم على إسقاط حكم بنى أمية.
***
يقول أحمد أمين: إن هذه الاضطهادات كان من نتائجها إحكام الشيعة للسرية ونظامها، حتى أصبحوا أقدر الفرق الإسلامية على العمل فى الخفاء والكتمان حتى يتمكنوا من عدوهم، وهذه السرية استلزمت الخداع والالتجاء إلى الرموز والتأويل، كما كان من أثر ذلك أيضا اصطباغ أدبهم بالحزن العميق، والنوح والبكاء، وذكرى المصائب والآلام. واستخدموا السلاح الذى حاربهم به الأمويون، وكما وضع الأمويون أحاديث نسبوها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عن فضائل الصحابة دون ذكر علىّ والهاشميين وخاصة عثمان بن عفان، فقد وضع الشيعة أحاديث كثيرة جدا فى فضائل علىّ وفى المهدى المنتظر وفيما يؤيد مذهبهم، وفاقوا الأمويين فى ذلك، وتخصص بعض علمائهم فى علم الحديث وسموا (الثقات) وحفظوا الأسانيد الصحيحة، ثم وضعوا بهذه الأسانيد أحاديث تتفق ومذهبهم، ويقول أحمد أمين إنهم أضلوا بهذه الأحاديث كثيرا من العلماء لانخداعهم بالأسانيد، بل كان منهم من سُمى بالسُّدى، ومنهم من سمى بابن قتيبة، فكانوا يروون عن السدى وابن قتيبة، فيظن أهل السُنّة أنهما المحدثان الشهيران، مع أن السدى وابن قتيبة اللذين ينقل عنهما الشيعة الحديث إنما هما من الغلاة، وقد أدى ذلك بعلماء الحديث من السُنّة إلى التمييز بينهما بنسبة الحديث إلى السدى الكبير أو السدى الصغير، الأول ثقة، والثانى من الذين اشتهروا بوضع الحديث ونسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك ابن قتيبة، فقد ميز علماء الحديث بينه وبين عبد الله بن مسلم بن قتيبة راوى الحديث الذى يثق أهل السُنّة فى روايته.
كذلك وضع الشيعة الكتب وملأوها بتعاليم نسبوها إلى أئمة أهل السُنّة، مثل كتاب (سر العارفين) الذى نسبوه إلى الإمام الغزالى، ومن ذلك ما نراه فى الكتب من المبالغات وإسناد كل فضل وكل علم إلى الإمام علىّ إما مباشرة وإما فى ذريته. حتى قالوا إن واصل بن عطاء -فقيه المعتزلة- تلقى العلم عن واحد من ذرية علىّ هو أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأن أبا هاشم تلقى العلم عن جده الذى كان تلميذا للإمام علىّ، وكذلك قالوا إن الإمام السنى أبو حنيفة أخذ العلم عن جعفر الصادق، وإن مالك بن أنس قرأ على ربيعة الرأى الذى استمد علمه من سلسلة تتصل بالإمام علىّ، وإن فقه الإمام الشافعى يرجع إلى الإمام علىّ لأن الشافعى كان تلميذا للإمام مالك، بل قالوا إن فقه عمر بن الخطاب يرجع إلى الإمام علىّ لأنه كان يرجع إليه فيما يشكل عليه من المسائل، ونسبوا إليه أنه كان يقول: لولا علىّ لهلك عمر، وكذلك اعتمدوا فى تفسير القرآن على عبد الله بن عباس وقالوا إنه أخذه عن علىّ، ورووا أنه قيل لابن عباس: أين علمك من علم ابن عمك (الإمام علىّ) فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط، وقال الشيعة إن أبا الأسود الدؤلى واضع علم النحو أخذه عن علىّ الذى أملى عليه: الكلام كله ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف.. وعلمه تقسيم الاسم إلى معرفة ونكرة، وتقسيم الإعراب إلى رفع ونصب وجر وجزم، وهكذا لم يدع الشيعة علما إلا ونسبوا أصله إلى الإمام علىّ.
***
ومن الواضح أن أحمد أمين تحامل على الشيعة، وبالغ فى أمرهم حتى وصل إلى القول بأن التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية، ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على الدولة الإسلامية.. كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم، ويرى أحمد أمين أن اليهودية ظهرت فى التشيع بالقول بالرجعة، والقول بأن النار محرمة على الشيعى إلا قليلا، كما قال اليهود:(لن تمسنا النار إلا أياما معدودات) والنصرانية ظهرت فى التشيع فى قول بعضهم إن نسبة الإمام علىّ إلى الله كنسبة المسيح إلى الله، وقولهم إن اللاهوت اتحد بالناسوت فى الإمام، وإن النبوة والرسالة لم تنقطع بوفاة الرسول ولن تنقطع أبدا، فمن اتحد فى اللاهوت فهو نبى، وتحت ستار التشيع ظهر القول بتناسخ الأرواح، وتجسيم الله، والحلول، أى أن تحل الروح الإلهية فى الإمام، ونحو ذلك من الأقوال التى كانت معروفة عند البراهمة والفلاسفة والمجوس قبل الإسلام، وتستر بعض الفرس بالتشيع وحاربوا الدولة الأموية، بما فى نفوسهم من كراهية للعرب ودولتهم، والسعى لاستقلالهم.
ويستشهد أحمد أمين بقول المقريزى: (اعلم أن السبب فى خروج أكثر الطوائف عن ديانة الإسلام أن الفرس كانت لها سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر على أنفسهم بحيث إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدى العرب، وكان العرب فى نظر الفرس أقل الأمم خطرا، تضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة فى أوقات شتى.. فرأوا أن الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل البيت واستبشاع ظلم علىّ، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى).
ويشير أحمد أمين إلى قول المستشرق ولهوسن إن العقيدة الشيعية نبعت من اليهودية أكثر مما نبعت من الفارسية، ودليله على ذلك أن مؤسسها عبد الله بن سبأ يهودى. كما يشير إلى قول مستشرق آخر هو (دوزى) بأن أساس الشيعة فارسى، فالعرب تدين بالحرية، والفرس يدينون بالملك، وبالوراثة فى البيت المالك، ولا يعرفون معنى لانتخاب الخليفة، وقد مات محمد (صلى الله عليه وسلم) ولم يترك ولدا، فأولى الناس بعده ابن عمه علىّ بن أبى طالب، فمن أخذ الخلافة منه كأبى بكر وعمر وعثمان والأمويون فقد اغتصبها من مستحقها، وقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى إلهى، فنظروا هذه النظرة نفسها إلى علىّ وذريته، وقالوا إن طاعة الإمام أول واجب، وإن طاعته طاعة لله).
والرأى الذى توصل إليه أحمد أمين أن القول عن تأثير الفرس على التشيع يتناقض مع الحقيقة التاريخية وهى أن التشيع للإمام علىّ بدأ قبل دخول الفرس فى الإسلام، ولكنه بدأ بداية ساذجة، بالقول بأن الإمام علىّ أولى من غيره من ناحية كفايته وعلمه وجهاده فى الإسلام، ومن الناحية الأخرى لقرابته للنبى صلى الله عليه وسلم وقربه منه، والعرب من قديم تفخر بالرياسة وبيت الرياسة، لكن حزب الشيعة الذى نشأ بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، ازداد نموا بمرور الزمان وبالمطاعن فى عثمان، ولكن هذا التشيع -بعد ذلك- أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الأخرى فى الإسلام من يهودية ونصرانية ومجوسية، وكل قوم من هؤلاء كانوا يصبغون التشيع بصبغة دينهم، وكان أكبر العناصر التى دخلت الإسلام العنصر الفارسى فكان من الطبيعى أن يكون لهم أكبر الأثر.
وقد بالغ الشيعة فى القول فى حب علىّ حتى جعله البعض منهم مساويا لحب الله، ومن أشهر الأدباء، والشعراء الشيعة أبو الأسود الدؤلى، وله قصيدة يقول فيها:
بنـو عــم النبى وأقربــوه      أحب الناس كلهمـو إليّــا
أحبهـم كحــبِّ الله حتى      أجىء إذا بُعثتُ على هويـا
والشاعر المشهور كثيّر عزة وكان شيعيا من الغلاة، ومن شعره فى آل علىّ وأحقيتهم فى خلافة الرسول:
فإن هى لم تصلح لحى سواهمو      إذا فـذوو القـربى أحق وأقرب
***
ومن يدرس تاريخ الشيعة وتعاليمهم سيجد نفسه أمام أقوال كثيرة متضاربة ومتناقضة بشكل يثير الحيرة. فمن يؤيدون الشيعة يؤيدونهم بقوة، ويدافعون عن كل أعمالهم وأفكارهم، ويبررون الرجعة والتقية، وتقديس الأئمة، والقول بالمهدى المنتظر، ولعن الخلفاء الراشدين على المقابر. ومن يعارضون الشيعة يلصقون بهم اتهامات كثيرة تصل إلى حد اتهامهم بالخروج على الإسلام ويستدلون على ذلك بقول البعض عن تأليه الإمام علىّ أو نبوته أو اختلاط ما هو إلهى بما هو إنسانى فى شخص الأئمة، وقد امتلأت الكتب بأقوال الطائفتين، ولذلك يجب الحذر عند الرجوع إلى الكتب القديمة، وتناولها بمعايير النقد، والتحليل التاريخى والموضوعى، وإلا فسوف يجد الإنسان نفسه وقد وقع من حيث لا يدرى فى تصديق كتابات كانت تهدف إلى تحقيق مصالح سياسية أو شخصية.
فنحن نجد الباحث الباكستانى إحسان إلهى ظهير يقول فى كتابه (الشيعة و السُنّة) إن عبد الله بن سبأ أراد مزاحمة هذا الدين بالنفاق والتظاهر بالإسلام لأنه عرف هو وذووه أنه لا يمكن محاربته وجها لوجه، ولا الوقوف أمامه جيشا لجيش، فإن أسلافهم من اليهود: بنى قريظة، وبنى النضير، وبنى قينقاع جربوا هذا فرجعوا خاسرين، فخطط عبد الله بن سبأ هو ويهود صنعاء خطة ذهب بها هو ورفاقه إلى المدينة، عاصمة الخلافة، فى عصر كان يحكم فيه عثمان بن عفان وهو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبه، وهو الذى قال عنه الرسول إنه (ذو النورين) فبدأوا ينتظرون الفرصة، وجعلوا الإمام عليا ذريعة يتولونه ويتشيعون له ويتظاهرون بحبه، وعلىّ منهم برىء، وظلوا يبثون فى نفوس المسلمين سموم الفتنة والفساد ويحرضون على عثمان خليفة رسول الله الذى ساعد الإسلام والمسلمين بماله كما لم يساعدهم أحد، فهو الذى تولى تجهيز الغزوات ومنها جيش العسرة حتى قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم) أى أن هذا العمل يغفر لعثمان كل ما يعمله بعد ذلك، وقد بشر الرسول عثمان بالجنة مرات ومرات وأخبره بأنه سيموت شهيدا. لكن جماعة عبد الله بن سبأ ظلت تنشر فى المسلمين عقائد تتنافى مع عقائد الإسلام، وكان هدفها الإضرار بالإسلام والدس فى تعاليمه والانتقام منه وسمت نفسها (الشيعة) لعلىّ ولا علاقة لها به، وقد تبرأ منهم، وعذبهم فى حياته، وأبعدهم بنوه ولكن الحقيقة غابت عن المسلمين مع مرور الزمن، وفازت اليهودية بعد ما وافقتها المجوسية من ناحية والهندوسية من ناحية أخرى وفازت فى مقاصدها الخبيثة وهى إبعاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن رسالته التى جاء بها. وقد اعترف كبار الشيعة ومؤرخوهم مثل الكشى من علماء القرن الرابع قال فى كتاب (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) الذى يعتبر من أصول الشيعة: ذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم، ووالى عليا عليه السلام، وكان يقول -وهو على يهوديته- فى يوشع بن نون بالغلو، فقال فى إسلامه بعد وفاة الرسول فى علىّ مثل ما كان يقوله فى يوشع بن نون، وكان أول من أشهر القول بأن إمامة علىّ فريضة من فرائض الإسلام، وقال بأن كل من يخالف ذلك كافر.
***
لكن الشيعة -على الجانب الآخر- يقولون شيئا آخر، وفى كتاب للسيد محمد باقر الصدر وهو من علماء الشيعة عنوانه (التشيع ظاهرة طبيعية فى إطار الدعوة الإسلامية) يقول إن بعض الباحثين يرون التشيع ظاهرة طارئة فى المجتمع الإسلامى، وإن القطاع الشيعى من جسم الأمة الإسلامية تكون على مر الزمن نتيجة أحداث وتطورات اجتماعية معينة، أدت إلى تكوين فكرى ومذهبى خاص لجزء من ذلك الجسم الكبير ثم اتسع بالتدريج، ومنهم من يفترض أن عبد الله بن سبأ ونشاطه السياسى هو الأساس لقيام ذلك التكتل الشيعى، ودور عبد الله بن سبأ فيما يتعلق بالتشيع فى نظر جمهور السُنّة يكاد يقرر أنه حقيقة ثابتة، ولكن بعض الدراسات التاريخية الحديثة تشجب الوجود التاريخى لهذه الشخصية، وتعتبره من الخرافات والأوهام، ويستشهد بالدكتور أحمد محمد صبحى الأستاذ بجامعـة الإسكندرية فى كتابــه (نظرية الإمامــة) الذى ذكر أن المستشرقين فلها وزن وفريد ليندر توصلا إلى أن ابن سبأ شخصية من اختلاق المتأخرين، كما استشهد بقول طه حسين فى كتابه (الفتنة الكبرى) الجزء الثانى: إن عبد الله بن سبأ لم يكن إلا وهما، واستشهد أيضا بالدكتور محمد كامل حسين الذى قال فى كتابه (أدب مصر الفاطمية) إن قصة عبد الله بن سبأ أقرب إلى الخرافات منها إلى أى شىء آخر، وبالدكتور حامد حفنى داود فى مقدمته لكتاب (عبد الله بن سبأ) للسيد مرتضى العسكرى طبعة بيروت: إن ابن سبأ من أعظم الأخطاء التاريخية التى أفلتت من زمام الباحثين، وغم عليهم أمرها، فلم يفقهوها ويفطنوا إليها.. هذه المفتريات التى افتروها على الشيعة حتى لفقوا عليهم قصة عبد الله بن سبأ فيما لفقوه واعتبروها مغمزا يغمزون به عليهم، ويستشهد أيضا بقول الشيخ محمد جواد مغنية -من الباحثين الشيعة-: إن عبد الله بن سبأ هو البطل الأسطورى الذى اعتمد عليه كل من نسب إلى الشيعة ما ليس لهم به علم، وتكلم عنهم جهلا وخطأ، أو نفاقا وافتراء. ويستشهد أيضا بقول الدكتور عبد الله فياض: إن ابن سبأ كان شخصية إلى الخيال أقرب منها إلى الحقيقة، وذلك فى كتابه (تاريخ الإمامة – طبعة بغداد) ويستشهد بغيرهم من الباحثين القدامى والمحدثين.
ويقول الدكتور على النشار: إن مؤرخى الشيعة الأقدمين اعتبروا عبد الله بن سبأ حقيقة تاريخية لا شك فيها. وأنه كان أول من بدأ الطعن على أبى بكر وعمر وعثمان والصحابة وأعلن التبرؤ منهم، ولكن كاتب الشيعة الكبير المعاصر الدكتور على الوردى فإنه يقدم تحليلا لقصة عبد الله بن سبأ وينتهى إلى إنكار وجود هذه الشخصية إطلاقا وأنه شخصية وهمية نسبت إليها العقائد الناشزة المنتشرة فى كتب يلعنها أهل السُنّة والجماعة كما يلعنها الشيعة الإمامية أيضا، وقد انتهى الدكتور النشار من بحثه إلى احتمال أن تكون شخصية عبد الله بن سبأ شخصية مختلقة.
وكذلك يستبعد السيد محمد باقر الصدر نظرية نشأة الشيعة على يد عبد الله بن سبأ. كما يستبعد إرجاع نشأة التشيع إلى عهد خلافة الإمام علىّ وما هيأه من مقام سياسى واجتماعى على مسرح الأحداث، ثم يستبعد أن سبب ظهور الشيعة يرجع إلى أحداث سياسية متأخرة بعد مقتل الإمام علىّ والإمام الحسين. ويرى أن ما دعا إلى الافتراض بأن التشيع ظاهرة طارئة أن الشيعة كانوا فى صدر الإسلام قلة قليلة، فأوحى بذلك بأن وجودهم استثناء من القاعدة. ويرى أن التشيع كان موجودا فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم دون أن توجد كلمة (الشيعة) فى اللغة السائدة فى ذلك الوقت، وأن التشيع كان يتمثل فى حب النبى وأهل بيته وذريته والولاء لهم.
وبالحماس للشيعة يقول السيد محمد باقر الصدر إن أصول العقائد عند الشيعة محددة ومؤصلة بواسطة أمير المؤمنين علىّ نفسه، كما ذكر الشريف المرتضى فى كتابه (الأمالى): اعلم أن أصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين -صلوات الله عليه- وخطبه.. ولم تتبلور هذه الأصول عند السُنّة إلا فى القرن الرابع الهجرى بواسطة أبى الحسن الأشعرى المتوفى سنة 324 هـ، وأبى منصور الماتريدى المتوفى سنة 333 هـ، كما أن الشيعة كانوا أيضا أسبق من السُنّة فى الفروع الفقهية، وتأصيلها، حيث بدأ ذلك عند الشيعة بأمير المؤمنين عليه السلام، وتم تأصيله بواسطة الإمام جعفر الصادق الذى تتلمذ عليه لمدة سنتين أبو حنيفة النعمان صاحب أقدم المذاهب الفقهية السنية،وقد عبر عن ذلك أبو حنيفة بقوله:(لولا السنتان لهلك النعمان).
***
فى الإجابة عن سؤال: كيف ولد التشيع؟ يقول السيد محمد باقر الصدر إنه ولد نتيجة طبيعية للإسلام، لأن النبى كان يباشر قيادة انقلابية،وعملية تغيير شامل للمجتمع ونظمه ومفاهيمه، وكان الطريق طويلا أمام عملية التغيير، فكان على الدعوة التى يمارسها النبى أن تبدأ بإنسان الجاهلية فتنشئه إنشاء جديدا وتجعل منه الإنسان الإسلامى، وكان لابد من مواصلة الطريق بعد وفاة النبى، وكان أمام الرسول أن يترك مستقبل الدعوة بعده للظروف والصدف وهذه السلبية لا يمكن افتراضها فى النبى، كما أن خطورة الموقف بعد وفاة النبى لم تكن تخفى على خاتم الأنبياء، كما أن حرص النبى على الدعوة كان يحتم أن يوحى بمن يخلفه.
والسيد محمد باقر الصدر يستبعد القول بأن الرسول ترك الخلافة ليقررها المسلمون بالشورى، ويرى أن الرسول لم يمارس عملية إعداد المسلمين للأخذ بنظام الشورى، ويغفل قول الرسول فى المواقف الحاسمة: (أيها الناس أشيروا علىّ). لكنه ينكر الشورى فى دعوة الرسول وسلوكه ومنهجه ليصل إلى أن اتجاه الرسول كان إلى خلافة أهل البيت وأنه أوصى بذلك وكان يتولى إعداد على بن أبى طالب لهذه الخلافة.
أما طه حسين فيرى أن نشأة الشيعة كانت عقب مقتل عثمان والحيرة التى انتابت المسلمين. وكان الثائرون على عثمان قد ملأوا المدينة خوفا ورعبا حتى أن دفن الخليفة المقتول تم فى الليل، وكان لابد من وجود إمام فى أسرع وقت قبل أن يرسل معاوية جيشه إلى المدينة ليخضعها لسلطانه ويعاقب الثائرين على ما فعلوا، وكانت الأهواء مختلفة: هوى أهل مصر مع علىّ، وهوى أهل الكوفة مع الزبير، وهوى أهل البصرة مع طلحة، وامتنع الثلاثة عن قبول الإمامة، واتجه الرأى إلى علىّ فتوجه إليه المهاجرون والأنصار يلحون عليه فى قبول الإمامة ولم يجد علىّ سبيلا للامتناع، فجلس للبيعة على منبر النبى كما جلس الخلفاء قبله وأقبل الناس. فبايعوه، ولكن البعض رفض أن يبايعه ومنهم سعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وطلحة والزبير، وتمت البيعة لعلىّ فى المدينة بعد مقتل عثمان بخمسة أو ثمانية أيام حسب الروايات، واستقام الأمر لعلىّ فى الحجاز والكوفة والبصرة ومصر ولكن الشام كانت تحت حكم معاوية ابن عم عثمان. واشتعلت الخصومة القديمة بين بنى أمية وبنــى هاشـم، وظهــرت ضغائــن وصلـــت إلى حـــد اشتــراك أم المؤمنين السيدة عائشة فى قتال علىّ فى واقعة الجمل، ثم تلبية علىّ لدعوة أهل العراق ومقتله هناك، ثم دعوة الإمام الحسين إلى العراق ومقتله هو وكثير من أهل البيت فى ملحمة مليئة بالدم والقسوة. ومن هنا نشأت الشيعة وتكونت عقائد ومعتقدات نابعة من التعاطف والحب لأهل البيت والمبالغة فى ذلك.
والدكتور عبد المنعم النمر يرى أن نشأة الشيعة جاءت بعد مقتل الحسين، فقد عاد الذين تخاذلوا عن نصرته وأسلموه لجيش يزيد يؤنبون أنفسهم فصار معظمهم أشد التصاقا بأهل البيت عما كانوا عليه من قبل تعويضا عن خطيئتهم وناصبوا الأمويين العداء. والفرس الذين أسلموا عن صدق أو تظاهر واعتقدوا أن الحكم يجب أن يستمر فى آل البيت كما يستمر الملك، فجعهم ما حدث فتحمسوا أكثر لآل البيت صدقا أو تظاهرا، ووجد الحاقدون فرصة لتنفيذ خططهم المسمومة ضد الإسلام فى هذا الجو.
وفى تحليل العقاد لأسباب ظهور الشيعة فى كتابه (عبقرية الإمام) يقول: إن فى سيرة على بن أبى طالب ملتقى الواقعية بالخيال، فهو الشجاع الذى نزعت به الشاعرية الإنسانية منزع الحقيقة ومنزع التخيل، ألم يحارب المردة فى فلواتها، ألم يخلق له الرواة أندادا من المبارزين لم يخلقهم الله؟ ألم يستصغر عليه المحبون الغالبون فى الحب أن يصرع خصومه فانشأوا له من الخصوم المغلوبين من لم يعرفهم ولم يعرفوه؟ ألم يوشك من وصفوه ووصفوا وقعاته أن يلحقوه بأبطال الأساطير؟ وتلتقى سيرته بالفكر كما تلتقى بالخيال والعاطفة لأنه صاحب آراء فى التصوف والشريعة والأخلاق سبقت جميع الآراء فى الثقافة الإسلامية، وللذوق الأدبى -أو الذوق الفنى- ملتقى بسيرته كملتقى الفكر والخيال والعاطفة لأنه كان أديبا بليغا له نهج فى الأدب والبلاغة يقتدى به المقتدون.. لذلك ظهر الغلو فى حبه والغلو فى العداء له، وبلغ حب بعضهم أن رفعوه إلى مرتبة الآلهة، وبلغ من كراهة بعضهم إياه أن حكموا عليه بالمروق من الدين.
أما أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة فإنه يرى أن البيت العلوى بعد مقتل الشهيد ابن الشهيد وأبى الشهداء الحسين بن على رضى الله عنهما، انصرف آل البيت إلى العلم النبوى يتدارسونه وبعدوا عن السياسة لأنهم ذاقوا مرارتها، فعلى زين العابدين كان إمام المدينة نبلاً وعلما، وابنه محمد الباقر كان وريثه فى إمامة العلم ونبل الهداية، وكان ممن يزوره علماء من الذين يتشيعون لآل البيت وعلماء من أهل السُنّة، وكان يقصده بعض المنحرفين الغلاة فى تشيعهم الذين أفرطوا فكان يبين لهم الحق، فإن اهتدوا أخذ بيدهم إلى الحق الكامل، وإن استمروا على غيهم صدهم وأخرجهم من مجلسه، وكان يقصده من أئمة الفقه والحديث كثيرون منهم سفيان الثورى، وسفيان بن عيينه محدث مكة، ومنهم أبو حنيفة فقيه العراق.
وقد راجت حول الإمام علىّ والأئمة من بعده أساطير فيها مبالغات كثيرة، يقول البغدادى فى كتابه (الفرق بين الفرق) إن عبد الله بن سبأ زعم بعد مقتل الإمام علىّ أن المقتول لم يكن عليا، وإنما كان شيطانا تصور للناس فى صورة علىّ، أما الإمام على فقد صعد إلى السماء كما صعد عيسى بن مريم عليه السلام، وكذبت النواصب والخوارج فى دعواها قتل علىّ، والقائلون بقتل علىّ إنما رأوا قتيلا يشبهه فظنوا أنه هو بينما علىّ صعد فى السماء وسينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه.. وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، كما قادهم بحجته وبرهانه، وإنه يسمع النجوى، ويلمع فى الظلام.
هذا ما ينسب إلى عبد الله بن سبأ، وسواء كان شخصية حقيقية أو وهمية فقد كانت هناك فرقة اسمها (السبئية) نسبة إلى عبد الله بن سبأ، قالت ذلك وقالت ما هو أكثر.. قالت إن عليا إله العالمين، وإنه توارى عن خلقه سخطا منه عليهم وسيظهر، ويرى البعض منهم أن عليا فى السحاب، وأن الرعد صوته، والبرق سوطه، وكانوا إذا رأوا السحاب أو سمعوا صوت الرعد قالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين.
ويرى الدكتور النشار أن هذه ليست سوى آراء فولكلورية محمّلة بالحشو اليهودى والتى تنتشر عادة لتمجيد الأبطال الكبار حين يموتون ويشعر أتباعهم بالحسرة عليهم، وقد كاد عمر بن الخطاب أن يقع فى ذلك حين قيل له إن الرسول صلى الله عليه وسلم انتقل إلى الرفيق الأعلى فأعلن أن محمدا لم يمت، وإنما رُفع إلى السماء، وسيعود ثانية، قائلاً: والله ما مات رسول الله ولا يموت، وإنما تغيب كما غاب موسى أربعين ليلة ثم يعود، والله يلقطّعن أيدى قوم وأرجلهم.. لكن أبا بكر أسكته بقوله: (من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت) ثم قرأ: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) فرجع الناس إلى قول أبى بكر، وقال عمر: (والله لكأنى ما قرأتها قط ثم قال: لعمرى لقد أيقنت أنك ميت، ولكن أبدى الذى قلته الجزع).
***
وهكذا بدأت قصة الشيعة بحب النبى وآل بيته، ثم تحول الإمام علىّ فى نظر محبيه إلى أسطورة، ثم أصبح الإمام الحسين بطلا لأساطير كثيرة، ودخل فى الشيعة من ليس منهم منتهزاً فرصة معارضتهم للحكم القائم ليدس أفكارا ومعتقدات ليست من التشيع وليست من الإسلام، وهؤلاء هم الذين أساءوا إلى الشيعة حين ظن أهل السُنّة أن هذه الأقوال الغريبة هى أقوال الشيعة جميعا.
ولذلك فإن قصة الشيعة معقدة، من أراد أن يفهمها عليه أن يكون رفيقا ومتفهما للظروف والدوافع، ويكون قادرا على التمييز بين ما هو من مذهب الشيعة وما هو دخيل ومدسوس عليهم، وأن يفرق بين فكر المذهب الآن وأفكار فرق ضالة قديمة كانت تدعى أنها من الشيعة واندثرت وبقى ذكرها فى الكتب القديمة يرجع إليها من يريد أن يسىء إلى الشيعة جميعا.
وفى النهاية فإن من آمن بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا، ولم ينكر أو يتنكر لأركان الإسلام الخمسة، فهو مسلم، وهذا ما ينطبق على الشيعة الإمامية والزيدية، وإن كانت لهم آراء تخالف آراء أهل السُنّة فى قضايا معينة فإن حسابهم – وحسابنا – أمام الله وحده.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف