السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

تجديد المذهب الشيعى

 

معظم الكتابات عن الشيعة تدور فقط حول عقائدهم التى كانت سائدة فى العصرين الأموى والعباسى وما بعدهما، ومن النادر أن نجد متابعة لما حدث فى المذهب الشيعى من تطور، وعلى سبيل المثال فليس هناك كثيرون يعلمون أن الإمام الخمينى أصدر فتوى بتحريم التقية، وما زال الباحثون يتحدثون عن التقية كأصل من أصول المذهب الشيعى.. وهكذا الحال فى المسائل الأخرى.
ومن الكتب القليلة التى نجد فيها متابعة لعملية تجديد الفكر الشيعى كتاب (الثورة الإيرانية- الجذور- الأيديولوجية) وكتاب (الثورة الإيرانية- الصراع- الملحمة- النصر) وهما للدكتور إبراهيم الدسوقى شتا أستاذ اللغات الشرقية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وكتاب (إيران من الداخل) للأستاذ فهمى هويدى وهو حصيلة مشاهداته واتصالاته مع قادة إيران، وميزة هذا الكتاب أن ثورة إيران فى فبراير 1979 لم تكن بعيدة عن الأستاذ فهمى هويدى، لأنه كان يعمل فى ذلك الوقت فى مجلة (العربى) بالكويت على مسافة 40 دقيقة بالطـائرة من طـهران.
وكان يقيم فى حى تسكنه أغلبية شيعية هو منطقة (بنيد القار) ومن حصيلة الاتصال المباشر ببعض العناصر وثيقة الصلة بالثورة، والاطلاع المبكر على كافة أدبيات ومطبوعات الثورة، وذهب الأستاذ فهمى هويدى إلى إيران على أول طائرة مدنية هبطت فى طهران استأجرها شيعة الكويت لتقل وفدا ذهب لتهنئة الإمام الخمينى بنجاح الثورة. وتعددت زياراته لإيران بعد ذلك، وهذا ما يجعل لهذا الكتاب قيمة كبيرة لفهم ما جرى فى الفكر الشيعى وفى النظام السياسى فى إيران، خاصة أنه ظل على وعى بصعوبة الوصول إلى (الحقيقة) فى مجتمع باطنى بطبيعته وتاريخه، كما أن عقدة التوجس من الأجانب راسخة فى الوعى الإيرانى الرسمى. وقد استفاد بالمراجع العربية التى عثر على بعضها فى مكتبات (قم).
وقد توصل فهمى هويدى إلى أن فهم الحاضر الإيرانى يتعذر بدون استيعاب الماضى، وأن مفاتيح الحاضر كامنة فى الماضى، وتوصل أيضا إلى أن التجربة الإيرانية لا ينبغى أن تحسب على الإسلام بأى حال من الأحوال، إنما ينبغى أن تحاسب بمقدار البعد أو القرب من مبادئ وتعاليم الإسلام، كما توصل إلى أنه ليس من الضرورى أن تكون مع الشىء كله أو ضده كله، فقد تتفق مع جانب وترفض جانبا آخر.
كانت بداية التجديد فى المذهب الشيعى فى العصر الحديث بدخول الإمام الخمينى من باب الفقه السياسى، وفتح باب الفتوى الذى ظل مغلقا على مسائل العبادات وعلاقة الناس بالله، وأطل منه على مختلف القضايا السياسية والاجتماعية، أى علاقة الناس بالناس، والشعب بالحكومة، والدولة بالعالم الخارجى، وكانت هذه لغة جديدة فى الخطاب الدينى فى (قم)، وفى إيران كلها.
ازدهر الفقه الشيعى فى إيران فى عصر البويهيين فى القرن العاشر الميلادى واستمر مزدهراً فى القرنين الحادى عشر والثانى عشر، وكان الخليفة الناصر (السلجوقى) 1178- 1325 يعاونه عدد من الوزراء الشيعة، وفى هذه المرحلة ظهرت الكتب الأساسية للمذهب الشيعى. إلى أن أعلن الشاه إسماعيل الصفوى أن المذهب الشيعى الجعفرى هو المذهب الرسمى لإيران، وأصدر قرارا بأن تضاف إلى الأذان عبارة (أشهد أن عليا ولىّ الله) وكانت أغلبية سكان إيران وعلمائها من السُنّة، ومنها خرج الإمام أبو حنيفة، والبخارى، والزمخشرى أقدم المفسرين، وغيرهم من أعلام أهل السُنّة.
وفى العصر الحديث ظهرت نظرية (الولاية) وهى الصيغة التى ابتكرها فقهاء الشيعة لتحل محل (الخلافة)، وبذلك يصبح رجل الدين الشيعى (الولى) فى منزلة موازية لمنزلة الحاكم (الخليفة)، وظهرت فكرة (المرجعية) لتكون صيغة موازية لفكرة الحكومة، وفكرة (التقليد) أى التزام الشيعة بتنفيذ تعليمات وأحكام أئمتهم لتحقيق معنى الانتماء للمذهب.
وظهر فى تيار (الأصوليين) فى المذهب الشيعى تياران: الأول يرى استحالة تطبيق الشريعة فى غيبة الإمام، ويدعو للمشاركة فى الحياة السياسية فى حدود، ولا يزال ذلك موقف أغلبية مراجع (الحوزة) إلى الآن كما يقول فهمى هويدى، وأما التيار الثانى الذى قاده الإمام الخمينى فيرى أن الفقهاء هم الذين يجب أن يقيموا الدولة الإسلامية رغم غيبة الإمام. وتبلورت دعوة الخمينى إلى (ولاية الفقيه) بعد أن نفاه الشاه إلى النجف بالعراق. وعزّز دعوته بالقول: كيف يمكن إنفاق نسبة الخُمس المفروضة فى أرباح كل شيعى؟.. وهل تُلقى هذه الثروة فى البحر أو ندفنها فى التراب إلى حين ظهور الإمام الغائب، أو نوزعها على 50 ألفا أو 500 ألف هاشمى من آل البيت، أو الأولَى إنفاقها فى تسيير شئون الدولة وتحسين أحوال الناس؟. وهكذا بدأ الدعوة إلى حكومة الفقهاء، ويقول إن الفقهاء لهم الولاية من الله ويجب على الفقيه أن يعمل بموجب ولايته قدر المستطاع، فيأخذ الزكاة والخُمس لينفق كل ذلك فى مصالح المسلمين، وعليه- إن استطاع- أن يقيم حدود الله. ويستند فى ذلك إلى تفسيره الخاص لقول الإمام علىّ (الفقهاء أمناء الرُسل). على أن الأمانة ليست فقط فى تفسير أحكام القرآن والحديث ولكن فى تنفيذها أيضا، ويكرر (الفقهاء حكام على الملوك) والحاكم الأعلى هو (الفقيه) الذى يحيط بجميع الأحكام الإسلامية، ويكتفى بقية الولاة والعمال بالعلم بما يتصل بمهمتهم.. والاستفادة من ذوى الاختصاص العلمى والفنى يكون فى حدود الأعمال الإدارية والفنية، أما الإدارة العليا للدولة، والقضاء، والحكم، فتلك أمور يختص بها الفقيه.
ويلاحظ فهمى هويدى على نظرية ولاية الفقيه عن الخمينى عدة ملاحظات. منها عدم وضوح كيفية ممارسة الفقيه للولاية، وكيف يطبق مبدأ الخمينى (الفقهاء هم الحكام الحقيقيون، والسلاطين عمال لهم) كما جاء فى كتاب الخمينى المشهور (كشف الأسرار) الذى صدر فى الأربعينات، وفى هذه النظرية التى طرحها الخمينى على طلاب حوزة النجف بالعراق فى منتصف الستينات ثغرات ولم تقدم صياغة لنظرية متكاملة.
***
وكما يذكر فهمى هويدى فإن الإمام الخمينى لم يكن أول قائل بولاية الفقيه، ولكنه هو الذى قدم الفكرة فى الظرف التاريخى المناسب فتحولت (ولاية الفقيه) إلى (حكومة الفقيه)، وكانت هى الصيغة التى طرحت لتملأ الفراغ فى قمة الهرم الشيعى بعد اختفاء الإمام، والإمامة فى المذهب الشيعى من أركان العقيدة وليست من الفروع كما هى عند أهل السُنّة، بل إن قضية الإمامة هى أهم ما يميز الشيعة الإمامية عن أهل السُنّة وعن فرق الشيعة الأخرى، ففى أصل عقيدتهم أن الله لا يخلى الأرض من (حجة على العباد، من نبى أو وصى، ظاهر أو غائب مستور)، فالإمام عندهم منصب إلهى يختاره الله بسابق علمه كما يختار النبى، ويأمر النبى بأن يدل الأمة عليه، ويعتقدون أن الله أمر نبيه بأن ينص على الإمام علىّ، واستمدت الإمامة بعده من النص حتى الإمام الثانى عشر (محمد المهدى المنتظر). وإزاء هذا العمق الاعتقادى للإمامة يبدو أمرا بالغ الشذوذ أن يظل الشيعة الإمامية بغير قيادة طوال 12 قرنا، ومن الناحية التاريخية تشير كتب الشيعة إلى أن الإمام الثانى عشر بعد أن اختفى تولى النيابة عنه فى قضاء شئون الشيعة أربعة فقهاء هم: عثمان بن سعيد، ثم ابنه الشيخ الخلانى (المتوفى سنة 304 هـ) ثم الحسين بن روح النوبختى (المتوفى سنة 326 هـ) ثم على بن محمد السمرى (المتوفى سنة 329 هـ).
والفقيه الشيعى له دور كبير، فهو مرشد روحى، يفتى بالحلال والحرام، وهو يتلقى الزكاة والخُمس من أرباح كل شيعى، وهذا أدى إلى الاستقلال الاقتصادى للفقهاء والمؤسسة الدينية الشيعية، مما جعل هذه المؤسسة غير مرتبطة بالحكام، وبالتالى تحقق لها الاستقلال السياسى أيضا. وفى المذهب الشيعى أحاديث كثيرة ترفع شأن الفقهاء مثل: (الفقهاء أمناء الرُسل، ما لم يدخلوا فى الدنيا، قيل يا رسول الله، وما دخولهم فى الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإن فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم) ومثل (علماء أمتى كسائر الأنبياء من قبلى) ومثل (العلماء ورثة الأنبياء- العلماء أمناء- الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها- منزلة الفقيه فى هذا الوقت كمنزلة الأنبيياء فى بنى إسرائيل) ومثل القول المنسوب للإمام جعفر الصادق: (الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك) وقد كرر الإمام الخمينى هذه العبارة كثيرا فى محاضراته.
***
وقد حدد الشيخ النراقى (من كبار علماء الشيعة) وظائف الفقهاء ومنها: الإفتاء وعلى الرعية اتباعهم وتقليدهم فى أحكامهم- والقضاء، وعلى الرعية قبول أحكامهم- وتطبيق الحدود والتعزيرات- والولاية على أموال اليتامى بما فى ذلك البيع والشراء والمعاملات المتعلقة بها. وكذلك الولاية على أموال الغائبين عن ديارهم وأموال المجانين والسفهاء- والولاية على عقود الزواج- والتصرف فى أموال الإمام (نصف الخُمس- والمال المجهول مالكه- والمال الذى لا وارث له) وبذلك فإن هذا المفهوم يعنى أن ولاية الفقيه تشمل كل أمور الدين والدنيا. وهذه هى الفكرة التى تبناها الإمام الخمينى وظل ينادى بتحقيقها.
هذه الفكرة عن الولاية المطلقة للفقيه وجدت فى ذلك الوقت انتقادا ومعارضة من زعيم شيعى عراقى معروف هو السيد الخوئى فى النجف، وكتب رسالة بعنوان (أساس الحكومة الإسلامية) يرفض فيها هذه الدعوة، كما رفضها الفقيه الشيعى اللبنانى الشيخ محمد جواد مغنية فى كتابه (الخمينى والدولة الإسلامية)، رفض فيه فكرة سيطرة الشيوخ على الحكم واحتكارهم لسلطان السياسة، وتمسك بأن الأصل عدم ولاية أى إنسان على آخر إلا ما خرج بآية محكمة أو رواية قائمة، وأن المجتهد العادل له ولاية الفتوى والقضاء وإدارة الأوقاف وأموال الغائب وفاقد الأهلية، ولا تتعدى ذلك، وبذلك فإن الشيخ محمد جواد مغنية يفرق بين الإمام المعصوم وهو غائب وغير موجود، والفقيه واختصاصه محدود، ولذلك فإنه يرفض نظرية الخمينى بأنه لا فرق بين ولاية الإمام المعصوم الغائب وولاية المجتهد العادل وإن وظيفتهما واحدة حتى فى السلطة والحكم. وانتهى الشيخ محمد جواد مغنية إلى أنه ليس هناك دليل على وجوب طاعة الفقيه كطاعة الإمام.
والنظرية المعارضة للخمينى التى طرحها الشيخ محمد جواد مغنية هى أن اختيار رجال الدولة فى العصر الراهن بيد المسلمين المحكومين، وليس بيد الفقهاء، لأن ولاية الفقيه أضعف من ولاية الإمام المعصوم، وعلى ذلك يمكن أن يتولى أمر الدولة غير المتخصصين فى الشريعة، ويمكن أن تتفرغ طائفة من علماء الشريعة لصياغة قوانين تتفق مع الكتاب و السُنّة وتقترب من الأذهان والأفهام.
ويقول الشيخ محمد جواد مغنية: إذا ساغ للشيخ محمد عبده أن يقول: قد تجد فى أوروبا مسلمين بلا إسلام وفى البلاد الإسلامية إسلاماً بلا مسلمين. فإنه يسوغ القول بأن أية دولة تحسن العمل فهى مسلمة، حتى لو كان قادتها من غير الفقهاء، وأية دولة تسىء فليست من الإسلام فى شىء حتى لو تخرج قادتها من النجف أو الأزهر!.
***
يصف فهمى هويدى مدينة (قم) الإيرانية التى ارتبط اسمها باسم (الحوزة العلمية) فيقول إن الحوزة العلمية فى هذه المدينة ليست معهدا علميا واحدا كما يتصور الكثيرون،ولكنه وصف ينصرف إلى المدينة كلها باعتبارها ساحة لتلقى العلم فى عديد من المدارس الدينية مختلفة المراتب، ولا علاقة للدولة بإدارتها أو الإنفاق عليها، وهى تحت رعاية رؤوس المذهب الذين يطلق عليهم اسم (مراجع التقليد) ويصل عدد المدارس فيها إلى 55 مدرسة، وكانت الدراسة فى الحوزة العلمية مقصورة على الشباب وفى السنوات الأخيرة دخلتها الفتيات وصارت لهن عشر مدارس، وأقيمت جامعة الزهراء للفتيات فى قم تتسع لإقامة وتعليم 1500 فتاة، وبدأت قبول أول دفعة من الفتيات عام 1986 وبذلك وضعت اللبنة الأولى فى (حوزة النساء).
ولا تزال المساجد هى مقر الدراسة، وفيها يلقى الشيوخ الدروس على تلاميذهم، ولكن المدارس هى مقر الإقامة والمذاكرة. وفى المدارس القديمة يحصل كل طالب فى المرحلة الأولى على مبلغ كان فى عام 1988 حوالى عشرة دولارات فى الشهر وربما زاد الآن يدبر بها أمور معيشته وكتبه، ويسكن كل 3 طلاب فى غرفة واحدة، ويتولون الطبخ والغسل والتنظيف، ولكن الوضع مختلف فى المدارس الحديثة التى بنيت بعد الثورة ففيها مطاعم وفرشت أرضية الغرف بالموكيت وينام الطلاب على الأرض وهذا تقليد إيرانى ليس مقصورا على الحوزة وحدها. ويتدرج التعليم فى مراحل: المرحلة الأولى خمس سنوات يدرس فيها الطالب اللغة والبيان والفقه والأصول وعلم الكتاب وكل المراجع باللغة العربية ومنها ألفيه بن مالك، والمرحلة الثانية ثلاث أو أربع سنوات ويبدأ الطالب فيها فى التخصص على يدى أحد المراجع ويتقاضى راتبه من خزانة المرجع (فى عام 1988 كان الراتب 15 دولارا فى الشهر للأعزب و30 دولارا للمتزوج ويقيم الطالب فى أحد البيوت التى ينفق عليها المرجع) ويتخصص الطالب فى هذه المرحلة فى التفسير، أو الفلسفة، أو نهج البلاغة (خطب وكلمات الإمام على) أو التاريخ والاقتصاد المقارن.
والمرحلة الثالثة من التعليم غير محددة بفترة معينة وهى أشبه بالدراسات العليا فى الجامعات العليا وتؤهل الطالب لكى يضع قدمه على أبواب مرحلة الاجتهاد، والدراسة تنحصر فى إعداد البحوث الفقهية، وتلقى العلم من المراجع أنفسهم. ويصبح الطالب مجتهدا حين يقرر المرجع ويعطيه إجازة بذلك. وعليه أن يعد بحثا أشبه برسالة الدكتوراه يسمى (الرسالة العلمية)، والدارس يحصل على لقب علمى بعد كل مرحلة. ففى المرحلة الأولى (مبتدئ) وبعد المرحلة الثانية يمنح لقب (ثقة الإسلام) وبعد المرحلة الثالثة يصبح (حجة الإسلام). وإذا أجيز للاجتهاد فإنه يحمل لقب (آية الله). وإذا بدأ يمارس الاجتهاد فى حلقات الدرس ويؤسس قاعدة شعبية فى الحوزة ويقبل عليها (المقلدون) فإنه يصبح (آية الله العظمى) وإذا اتسعت دائرة مقلديه فإنه يصبح (مرجع التقليد) ويظل محتفظا بلقب آية الله العظمى.
***
ويصف فهمى هويدى عالم المراجع، فيقول: إنهم دولة داخل الدولة، لا سلطان للدولة عليهم، بل إن المرجع يفوق الدولة أحيانا فى أن أتباعه يدينون له بالولاء ويتجاوزون فى ذلك حدود الولاء للدولة. فالمراجع هم قيادة الطائفة عقائديا وسياسيا، والشيعة ملزمون باتباع المراجع، وهذا ما يسمونه (التقليد) ويعتبرونه من أصول المذهب. ومراجع النجف فى العراق كان لهم نفوذ أكبر من مراجع إيران فى الستينات، ويليهم المراجع فى منطقة الخليج والجزيرة (المنطقة الشرقية بالسعودية) ولبنان، ويمتد هذا النفوذ إلى غرب أفريقيا حيث يكثر المهاجرون اللبنانيون الشيعة. وقد انتقل مركز الثقل بعد ذلك فى قيادة المذهب الشيعى من النجف الأشرف إلى قم، ولكل مرجع مملكته العريضة التى تتجاوز أحيانا حجم دولة، ولديه موارد كبيرة من أموال الزكاة والخُمس، ولكل مرجع (وكلاء) يمثلونه فى تجمعات (المقلدين) يقومون بدور حلقة الاتصال، وللمرجع (هيئة مكتب) لمتابعة شئون الأتباع المقلدين وإدارة الشئون المالية، وأحيانا يكون أعضاء المكتب أقرب إلى الوزراء، يختص أحدهم بالشئون العلمية، وآخر بالشئون المالية، وثالث بالشئون الإدارية، ورابع لشئون الخدمات.. وهكذا. وقد أصبح للمراجع قوة ووزن نتيجة الاستقلال المالى وترتب على ذلك استقلال سياسى وفكرى تجاه الدولة.
ويضرب فهمى هويدى مثلا بالمرجع الشيعى سيد محمد رضا كلبايكانى فقد كان عدد أتباعه بين 10 و13 مليون نسمة فى إيران وباكستان وأفغانستان والخليج والسعودية، وله عشرة آلاف وكيل يمثلونه فى تلك المناطق، ويتلقى أموالا بالملايين من أتباعه، وبينما تلاحق الدولة الناس وتذهب إليهم لتحصل على الأموال، فإن الوضع معكوس بالنسبة للمرجع، فإن الناس هم الذين يأتون إليه ليدفعوا الزكاة والخُمس. وكان هذا المرجع يشرف على 6 مدارس أنشأها ويتولى الإنفاق على تلاميذها، بالإضافة إلى مجمع حديث يضم مدرسة ومسجدا ومكتبة، وهو يدفع نفقات تلك المدارس المجانية، ويسهم مع غيره من المراجع فى نفقات 45 مدرسة دينية فى أنحاء إيران، وأنشأ مستشفى فى قم به 200 سرير للعلاج مجانا، ويتكفل بجميع نفقاته، وأقام مستشفى آخر فى بلدة (يزد) الإيرانية. ومدينة الزهراء فى جنوب لبنان لإيواء وتعليم أبناء الشهداء، وله مكتب يتبعه فى لندن يشرف على شئون أتباعه ويعمل فيه 14 موظفا، ويرسل بعثة حج كل سنة ويتحمل نفقاتها بخلاف المساعدات التى يقدمها للمحتاجين.
وهذا مجرد نموذج يؤكد فعلا أن المراجع دولة داخل الدولة فى النظام الشيعى.
ويكشف فهمى هويدى عن الخلاف بين المراجع الكبار حول مسألة ولاية الفقيه، بينما يتصور معظم الدارسين للفكر الشيعى الجديد أنها مسألة يتفق عليها الجميع. والحقيقة أن هناك اتفاقاً بين الجميع على المبدأ، مبدأ ولاية الفقيه، ولكن الخلاف بينهم على نطاق الولاية.. هل تشمل الحكم وإقامة الدولة أو هى مقصورة على الشئون الدينية؟.
أغلبية المراجع- كما يقول فهمى هويدى- ضد فكرة إقامة الدولة التى يحكمها رجال الدين، ويقولون إن الإمام الذى له الحق فى الحكم هو الإمام الغائب، أما رجال الدين الكبار فلهم ولاية الفتوى. والقضاء وإقامة الشعائر والإشراف على إدارة الأوقاف. وبعض آيات الله يقول بأن ولاية الفقيه ليست معارضة سياسية، إنما هى مسألة فقهية لا شأن لها بالسياسة.
***
فالتيار السائد إذن فى الفقه الشيعى، وفى الحوزات العلمية فى قم ضد فكرة الولاية المطلقة للفقيه التى نادى بها ومارسها الإمام الخمينى، وأيده فيها آية الله منتظرى الذى جاء بعده، بينما كان آية الله شريعتمدارى أول من جاهروا برأيهم فى معارضة صيغة الولاية التى تبناها الخمينى وسجل رأيه فى بيان صدر عنه، وفى تصريحات صحفية عديدة، وكان بذلك معبّرا عن عدد كبير من آيات الله فى قم ومشهد واصفهان فى إيران، والنجف الأشرف فى العراق وعلى رأسهم آية الله الخوئى. وعدد آخر من آيات الله يرفض ولاية الفقيه من حيث المبدأ، وهؤلاء يرون أن الولاية للإمام الغائب فقط ولا تجوز لغيره، وفى الوقت ذاته هم ضد اشتغال الفقهاء بالسياسة ورسالتهم مقصورة فى التربية والتوجيه الدينى. وبعد قيام الدولة الدينية التى يحكمها الفقهاء صارت الولاية مناصب يسعى إليها رجال الدين ويتنافسون عليها، وبعد أن كان آيات الله عاكفين على الدرس والبحث والتعليم الدينى انشغلوا ببريق السلطة، ولأنهم بشر قبل أن يكونوا فقهاء، فقد أطلت فتنة التنافس برأسها وأفسدت العلاقات التى كانت قائمة على الزهد والورع، وبعد أن كان الفقهاء يتمتعون بالاستقلال عن وظائف الحكومة أصبحوا جزءا من السلطة، وفقدوا بذلك استقلالهم عنها، وأغرقتهم المواقع التنفيذية فى تفصيلاتها وتعقيداتها، وأصبحت أوجه القصور والفساد فى هذه المواقع تنسب إلى الفقهاء أنفسهم، ولأن الفقهاء بطبيعة تكوينهم وثقافتهم لا خبرة لهم بإدارة مرافق الدولة فقد أثر ذلك على كفاءة الأداء فى هذه المواقع. ولذلك دعا حجة الإسلام مهدى هاشمى إلى استقلال رجال الدين عن جهاز الدولة الرسمى والبيروقراطى وابتعاد الفقهاء عن محظور التحول إلى وظائف الحكومة.
***
يقول فهمى هويدى بعد دراساته العميقة وهو يلخص تجربته ومعايشته للفكر والمفكرين الشيعة إن العلماء والبسطاء يحكمهم الثالوث: الحسين، عاشوراء، كربلاء. وليس يسيرا أن تصل إلى أعماق الإيرانى، فالباطنية خرجت من هنا، وهم أساتذة التقية، والمبشرون بها، وكلما اقتربت من أعماق الناس اضطررت للخوض فى أعماق التاريخ، حتى عام 61 هجرية سنة مقتل الحسين فى كربلاء ومصارع أهل بيته وأصحابه، فى يوم عاشوراء الذى يحفظه أطفال الشيعة بكل تفاصيله وشخوصه، ويستحضرونه فى كل مناسبة، وجميع الشيعة الجعفرية (كربلائيون) ولا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن عندهم (التفسير الكربلائى للتاريخ) ويشير فهمى هويدى إلى نموذج لهذا الفكر بكتاب بعنوان (عاشوراء استمرار لحركة الأنبياء) ومؤلفه السيد محمد تقى المدرسى يقول فيه: كربلاء لها علاقة بكل شىء فى الحياة.
وفصائل التطرف والتشدد فى الفكر الشيعى الآن يتخذون مدينة (أصفهان) الإيرانية معقلا لهم. وأصفهان كانت مركز المرجعية الدينية للشيعة الإمامية فى الدولة الصفوية (1501- 1722م) وهى الدولة التى فرضت المذهب الشيعى على إيران بعد أن كان أهلها من السُنّة وأغلبهم شافعية، وفى أصفهان خرجت الدعوة إلى (الخيار الكربلائى). ففى كربلاء كان الإمام الحسين وصحبه هم رمز الحق والعدل، وأحاطت بهم رموز الظلم تطاردهم وفى نفس الوقت تخلى عنه أهل الكوفة، وأفتى القاضى شريح بوجوب قتال الحسين، فأحاط به ثلاثون ألفا من جيش يزيد بن معاوية يتقربون إلى الله بسفك دمه- كما يروى الإمام جعفر الصادق- ولم يجد الحسين ومن معه سوى صحراء كربلاء يلجأون إليها، واستمرت الحرب، ولم يتراجع الحسين، واختار الاستشهاد، حتى قتل كل أصحابه، وكل أهله وفيهم طفلاه الرضيعان، وسقط هو وفى جسمه مائة سهم- كما يقال- وقطع رأسه، وسبى من بقى من آل البيت.. فالخيار الكربلائى هو اختيار المواجهة، والقتال، والصمود حتى آخر رجل وطفل، فإن تحقق النصر كان بها، وإن استشهد الجميع فقد ساروا على درب الحسين ولحقوا به وتحقق لهم المراد.. وتتناقل كتب التراث الشيعى أنه فى يوم عاشوراء (رفرف النصر على رأس الإمام الحسين، وخُير بين النصر والشهادة، فرفض النصر واختار الشهادة).
***
يشير فهمى هويدى أيضا إلى أن المرأة لها دور فى المجتمع الإيرانى الشيعى، وهناك نساء برزن فى مجال الفقه والدعوة، وفى مجلس الشورى، وإن لم يكن لهن حضور سياسى ظاهر، وتشارك الفتيات فى تشكيلات حرس الثورة، والاختلاط مباح فى ظل الاحتشام بفتوى من الإمام الخمينى، ولكن عادات المجتمع المحافظ تغلب ففى التجمعات تجلس النساء فى جانب والرجال فى جانب آخر وكذلك فى دروس الجامعة، والمؤتمرات، والمحاضرات، وحفلات الزفاف، والمواصلات العامة والشواطئ والأندية الرياضية. ولكن الاختلاط قائم فى دواوين الحكومة، والمرأة تعمل فى كثير من المجالات، وجماعات الضغط المحافظة التى تضم الفقهاء التقليديين وأتباعهم من الشباب المندفع تسعى إلى وضع المجتمع المنفصل وتوسيع نطاق العزل بين الجنسين وتقليص مجالات التوظف أمام النساء. ولكن عندما تقلع بك الطائرة من طهران تلاحظ أن كثيرا من المحجبات كشفن شعورهن وأظهرن المساحيق الكثيفة، وخلعن المعاطف الفضفاضة، مما يدل على أن واجهة الإسلام التى رفعت فى طهران لم تترجم تماما إلى واقع كما يقول فهمى هويدى.
***
أعيدت صلاة الجمعة إلى مجتمع الشيعة فى إيران بعد تنصيب الخمينى نائبا للإمام، واعتبروا صلاة الجمعة صلاة عبادة وسياسية وصار منبر الجمعة منصة للتوجيه السياسى، ومن فوقه تعلن المواقف وتذاع الأخبار، ويذكر فهمى هويدى دليلا على أن خطبة الجمعة تحولت إلى توجيه سياسى ودينى، أن خطيب الجمعة فى طهران هو رئيس الجمهورية (على خامنئى) وحجة الإسلام هاشمى رافسنجانى رئيس مجلس الشورى، وهكذا فى بقية المدن فإن خطباء الجمعة هم رجال القيادة.
وموقف الشيعة الإمامية فى إيران من التليفزيون والفن عموما، فقد تأثر بما أعلنه الخمينى فى البداية فى كتابه (تحرير الوسيلة) بأن لهذه الأجهزة منافع مشروعة ومنافع محرمة، فيجوز الانتفاع بالحلال ولا يجوز الانتفاع بالمحرم، ولكن الأمر اختلف بعد ذلك.
وأما موقف الشيعة فى إيران من أهل السُنّة فلا يزال إلى حد ما متأثرا بخلافات الفرق الإسلامية القديمة، بما فيه من سب الخلفاء الراشدين الثلاثة، وزيارة العتبات المقدسة فى العراق بديلا عن الحج إلى مكة، مما يحتاج إلى مراجعة، وكذلك فإن الحملات التى يشنها السلفيون والوهابيون على الشيعة تحتاج أيضا إلى مراجعة، مع ملاحظة أن فى إيران سبعة ملايين إيرانى من السُنّة، وإن كان الدستور الإيرانى ينص على أن الدين الرسمى لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفرى الإثنى عشرى، كما ينص على أن المذاهب الإسلامية الأخرى التى تضم المذهب الحنفى والشافعى والمالكى والحنبلى والزيدى فإنها تتمتع باحترام كامل.
وبعد أن أصبح المذهب الشيعى دولة فى إيران وصار رجال الدين الشيعة هم رجال الحكم والسلطة هل تغير موقفهم من السُنّة عموما ومن سب الخلفاء الراشدين الذى يثير مشاعر أهل السُنّة؟.
الإمام الخمينى فى كتابه (كشف الأسرار) الذى صدر فى الأربعينات تضمن نقدا لأبى بكر وعمر وذكر أنهما خالفا نصوص القرآن بحرمان السيدة فاظمة الزهراء من ميراث أبيها عليه الصلاة والسلام والادعاء بأن الحديث الشريف نص على عدم توريث الأنبياء. وفى كتابه (تحرير الوسيلة) أفتى الخمينى بأن الصلاة وراء الإمام السُنى باطلة وأن صلاة الجمعة فى غياب الإمام لا تجوز، ومثل هذه الفتاوى حذفت من الطبعات العربية للكتابين. لكن الخمينى عاد بعد الثورة إلى إصدار فتاوى بجواز صلاة الشيعة فى جماعة مع أهل السُنّة، واتباع الشيعة لأحكام أهل السُنّة فى الوقوف بعرفة والمزدلفة فى الحج حتى لو حدث القطع بخلاف ذلك عند علماء الشيعة. بل إن منظمة الإعلام الإسلامى بطهران أصدرت كتابا بعنوان (حول الوحدة الإسلامية) جاء فيه: (إن طرح مسألة تقسيم المسلمين إلى سُنى وشيعى وحنفى وحنبلى وإخبارى لا معنى لها أساسا، والمجتمع الذى يريد أفراده جميعا خدمة الإسلام والعيش تحت ظلاله لا ينبغى أن يثير هذه المسائل) وهذا اتجاه جديد فى الفكر الشيعى. وتأكيدا لهذا الاتجاه أصدر الخمينى بيانا فى 21 يوليو 1980 قال فيه: على الإخوة الشيعة والسُنّة اجتناب كل اختلاف، فالاختلاف بيننا اليوم هو لصالح الذين لا يؤمنون بالسُنّة ولا بالشيعة.. هؤلاء يريدون القضاء على هذا وذاك، فهدفهم هو بث الفرقة بينكم.. عليكم أن تتنبهوا جيدا إلى أننا جميعا مسلمون، وأتباع القرآن، وأهل التوحيد. وفى موسم الحج الذى يليه أصدر الخمينى بيانا قال فيه: (إن إثارة الخلافات بين المذاهب الإسلامية تعتبر من الخطط الإجرامية التى تدبرها القوى المستفيدة من الخلافات بين المسلمين). وبذلك فإن الرسالة التى وجهت إلى الحجاج الشيعة فى السنة الأولى للثورة هى الأولى من نوعها من مرجع شيعى كبير منذ قرون بعيدة، ويعلّق فهمى هويدى عليها بقوله إنه: لم يحدث من قبل أن حث فقيه شيعى أتباعه على الصلاة وراء السُنّة، إنما العكس هو الصحيح، والمستقر بين فقهاء الشيعة هو بطلان الصلاة وراء السُنّة، كذلك فإن إعادة صلاة الجمعة رسميا فى جميع أنحاء إيران اعتبرت مؤشرا إيجابيا فى اتجاه (تطبيع) العلاقات مع أهل السُنّة، وهذا الموقف تحفظ عليه فقهاء النجف فى العراق وعلى رأسهم آية الله الخوئى وظل على الرأى التقليدى الذى لا يجيز صلاة الجمعة فى زمن غيبة الإمام (المهدى المنتظر).
***
والجديد فى فكر الشيعة فى إيران ما يذكره فهمى هويدى الاتجاه إلى التقريب بين الشيعة والسُنّة، وفى هذا الاتجاه عقد أول مؤتمر باسم (مؤتمر أئمة الجمعة والجماعة) بطهران فى أبريل 1984 ودعى إليه فقهاء من السُنّة والشيعة كانوا يتناوبون إمامة الصلاة طوال فترة المؤتمر، وفى كلمة الافتتاح قال السيد على خامنئى رئيس الجمهورية: (الوحدة الإسلامية واجب دينى إضافة إلى أنها حركة سياسية.. والمقصود من الوحدة ليس إزالة الاختلافات الفكرية والفقهية بين المسلمين، وليس دفع المسلمين إلى اعتناق مذهب فقهى معين، فمثل هذه الاختلافات لا تحول دون وحدة المسلمين، ولقد حاول نفر من المتلبسين بلباس علماء الدين من عملاء القائمين على أمر تنفيذ عملية التجزئة فى عالمنا الإسلامى أن يشيع فكرة استحالة الوحدة بين المسلمين متذرعا بوجود الخلاف بين الفرق وخاصة بين الشيعة والسُنّة، وهذه لا تصدر إلا عن جاهل بالإسلام وبمعنى الوحدة الإسلامية) وكرر خامنئى الآيات:(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) و(وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم..) وفى الاحتفال بذكرى المولد النبوى الشريف فى العام الهجرى 1402 دعا آية الله منتظرى إلى إقامة (أسبوع الوحدة الإسلامية) فى هذه المناسبة من كل عام.
ويذكر فهمى هويدى أن التعليمات صدرت بوقف إعادة طبع الكتب القديمة التى تضمنت تجريحا لأهل السُنّة، والعهدة فى ذلك على آية الله على المشكينى رئيس مجلس الخبراء فى الوقت الذى زار فيه فهمى هويدى إيران، وتوقف الأئمة والمبلغون عن إثارة أى موضوع يمس أهل السُنّة من فوق المنابر العامة.
وهذا الخط انعكس فى كتب المراحل التعليمية التى وضعت بعد الثورة الإيرانية، وقد لاحظ فهمى هويدى أن هناك كتباً دينية خاصة للتلاميذ المسلمين وكتباً أخرى لغير المسلمين تركز على القدر المشترك بين الأديان من إيمان بالله ودعوة إلى الفضائل والخير والعدل.. الخ، أما كتب المسلمين فإنها تختلف فى محتواها، فالكتب التى تدرس فى مناطق الشيعة تذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم أوصى بأن يخلفه على بن أبى طالب، لأن قضية الإمامة ركن من الإيمان فى المذهب الشيعى وهى من أهم الخلافات بين السُنّة والشيعة، ولا تذكر الكتب المخصصة لمناطق السُنّة هذه الوصية، إنما تذكر الخلفاء الراشدين. وفى كتاب السنة الرابعة الابتدائية المقرر على التلاميذ الشيعة درس بعنوان (شيعة وسُنّى) يقول: (الإمام على هو أول المسلمين وأفضلهم، وقد كرّس حياته لحماية الإسلام، ولم يكن يخشى فى سبيل ذلك أحدا)، وفى زمن النبى صلى الله عليه وسلم كان بعض المسلمين أقرب إلى الإمام على، وخاضوا إلى جانبه معارك الإسلام عن الإسلام الحق، هؤلاء المسلمون الذين التفوا حول الإمام علىّ أحبوه وأطاعوا أوامر النبى صلى الله عليه وسلم وتعاليمه، قال النبى صلى الله عليه وسلم عنهم للإمام: (أنت وشيعتك أفضل الناس فى الجنة) ومنذ ذلك الحين وإلى الآن فإن الذين أحبوا عليّا وآل البيت وأطاعوا الله ورسوله يسمون (شيعة) ونحن نؤمن أيضا بأنه بعد الرسول صلى الله عليه وسلم تتابع 12 إماما من آل البيت، واحدا تلو الآخر، وهؤلاء هم أئمتنا، وقد أصبح التشيع هو المذهب الرسمى لجمهورية إيران الإسلامية. وهناك فريق آخر من المسلمين يسمون السُنّة، وهم يعرفون الإمام علىّ بأنه الخليفة الرابع، ويحبونه، وكل المسلمين سُنّة وشيعة يعبدون الله ويؤمنون برسوله ويؤمنون بالقرآن ككتاب سماوى ويعارضون الشِرك وعبادة الأصنام ويعتبرون ذلك كفرا، هم يتبعون أحكام وتعاليم الإسلام ويعرفون بعضهم بعضا كإخوة لهم عقيدة واحدة، وهم محبون لبعضهم البعض ويعايشون ويحاربون أعداء الإسلام. وأعداء الإسلام يحاولون دائما تعميق الخلافات والشقاق بين الفريقين (السُنّة والشيعة) والآن يعرف المسلمون ذلك جيدا، ويدركون مؤامرات أعدائهم، ويحاولون أن يحسنوا عقائدهم كل يوم.. الخ.
وكتاب السنة الخامسة المخصص لأهل السُنّة تضمن درسين أحدهما عن الخلفاء الراشدين والثانى عن أئمة أهل البيت الإثنى عشر ثم درسا خاصا عن الإمام الرضا باعتباره (عالم آل البيت). وفى كتاب الاجتماع لطلبة السنة الأولى الإعدادية السُنّة والشيعة درس بعنوان (العلاقة بين أتباع المذاهب فى إيران)، يشير إلى أن مذاهب السُنّة يجب أن تحظى بكل احترام ولأتباعها حرية ممارسة تعاليم مذهبهم وأن يخضعوا لأحكامه. وفى كتاب الأدب للسنة الأولى الإعدادية قصة عن (دهاء الإمام الشافعى) فى صغره وقصة عن (فراسة أبى حنيفة)..
وهكذا فإن الكتب الدراسية كما يستعرضها فهمى هويدى تدل على أن تجديد المذهب الشيعى يشمل مناهج الدراسة ويسعى إلى إزالة حدة الصراع القديم بين السُنّة والشيعة. وإن كانت الاختلافات بين طبيعة مجتمع السُنّة ومجتمع الشيعة فى إيران ما زالت قائمة، فالسُنّة يعيشون فى مناطق على الأطراف، وحظ هذه المناطق النائية من العناية أقل من حظ المناطق الشيعية فى القلب، فالتنمية فى هذه المناطق محدودة، وفرص التعليم ضيقة، حتى أن الأمية بين سكان مناطق السُنّة 80% تقريباً، ومن الطبيعى لذلك أن تكون الكفاءات المؤهلة بينهم نادرة، وأن يكون نصيبهم من المشاركة فى الحياة الثقافية والسياسية محدودا إن لم يكن منعدما.
***
والحقيقة أن كتاب الأستاذ فهمى هويدى يصف المجتمع الشيعى فى إيران وصفا دقيقا وتفصيليا، كما أن كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل (مدافع آية الله) هو أدق كتاب فى تحليل عوامل وظواهر الثورة الإيرانية التى امتزج فيها المذهب الدينى بالدوافع السياسية.
يقول الأستاذ هيكل إن بعض فقهاء القانون المصريين البارزين فى القرن العشرين- مثل الدكتور عبد الرزاق السنهورى- شعروا بالحاجة إلى أن ينظروا خارج نطاق المذهبين الحنفى والشافعى السائدين فى القانون وبعد أن قفل باب الاجتهاد منذ العصر العثمانى، لذا اتجه هؤلاء المفكرون باهتمام بالغ إلى المذهب الشيعى الذى كان باب الاجتهاد فيه ما زال مفتوحا للفقهاء فى غيبة الإمام صاحب السلطة. وقد لاحظ هؤلاء المفكرون أن الشيعة- نظرا للقمع الذى تعرضت له منذ بدايتها احتفظت بتقاليد المعارضة للسلطات الدنيوية، لذا كانت أكثر استجابة للأفكار الثورية من السُنّة التى عادة ما تحالفت مع الدولة أو خضعت لها، ولذلك كان أناس مثل السنهورى على استعداد لأخذ بعض الأفكار من الشيعة، مدافعين عن موقفهم بأن الشيعة فى نهاية الأمر تمثل جزءا مهما من تراث الإسلام، وقد قام شيخ الأزهر أيام حكم عبد الناصر، الشيخ محمود شلتوت الذى كان يؤمن ببعض الأفكار التقدمية، بتشكيل لجنة فى الأزهر أوكل إليها مهمة تقليل الخلافات بين المذاهب الإسلامية المختلفة، لذا كان الخمينى يعتبره آخر شيوخ الأزهر العظام.
ومعنى ما يشير إليه الأستاذ هيكل أن بعض أهل السُنّة تقدموا خطوات نحو الشيعة، وأن بعض الشيعة تقدموا أيضا نحو السُنّة، وقد سمح بذلك- دون شك- المراجعات التى تمت فى المذهب الشيعى، والتراجع عما كان يثير ويستفز مشاعر أهل السُنّة من سب الخلفاء الراشدين وتحريم الصلاة خلف الإمام السُنّى وغير ذلك من أفكار يمثل التنازل عنها خطوة مهمة لنزع فتيل الصراع الطويل بين السُنّة والشيعة حول الماضى، دون أن يكون بينهما خلاف حول قضايا الحاضر والمستقبل.
وفى البحث عن جذور الثورة الشيعية الإيرانية، يقول الأستاذ هيكل إن السبب الاقتصادى كان ضمن دوافع الثورة، وهذا شىء جديد لم يلتفت إليه الدارسون لشيعة إيران، وفى ذلك يقول إن علماء الدين الشيعة لا يتقاضون مرتبات من الدولة، كما هو الحال فى البلاد السُنّية، لكنهم يعتمدون فى بقائهم على التبرعات الخاصة (الزكاة والخُمس) لكن جشع الأسرة المالكة وبعض الشركات الأجنبية متعددة الجنسية كانا السبب فى إرهاق السوق الذى كانت تأتى منه هذه التبرعات وبذلك انخفض دخل الحوزات وآيات الله انخفاضا شديدا، كذلك أشار الأستاذ هيكل إلى تحول جديد فى المذهب الشيعى وهو إعلان الخمينى بأن الإيرانيين قد وصلوا إلى مرحلة النضوج والاستقلال، تجعل مبدأ التقية الذى أساءوا تطبيقه كثيرا فى الماضى لا لزوم له على الإطلاق، ولكن لم يتضح إن كان هذا هو رأى آيات الله جميعا أو هو رأى الخمينى وأتباعه فقط، كما لم يتضح إن كان ذلك مجرد رأى أو هو جزء من تجديد للمذهب.
وما أشار إليه الأستاذ هيكل عن طبيعة الشخصية الشيعية الإيرانية يستحق أن نضعه دائما فى الاعتبار عند الحديث عن شيعة إيران وعن الشيعة عموما، وهو أن المذهب الشيعى يتسم بنوع من الحزن المأساوى، فالتوتر والحزن هما السمتان الواضحتان فى احتفالات المحرم الخاصة بإحياء ذكرى استشهاد الحسين، ولا يمكن للمشاهد أن ينساها أبدا. إذ تتضافر عمائم رجال الدين السوداء مع الشادور الأسود الذى ترتديه النسوة لتؤكد هذا الإحساس بالحزن.. فهم ولمدة ألف عام ينتظرون عودة الإمام المحرر المخلص، وهذا الإحساس بالحزن وبالمأساة الذى يتخلل عقيدتهم وتاريخهم هو الذى يخلق هذا الخليط المتفجر فى المجتمع الشيعى.
***
ويبدو أن ثورة الخمينى الشيعية كانت امتدادا لثورات وحركات فكرية ثورية ملأت تاريخ الشيعة، فالمذهب الشيعى تأسس فى الأصل من حركة سياسية ثورية رافضة للخلفاء الراشدين، ولحكام الدولة الأموية والعباسية، وفى العصر الحديث فإن من أعظم مفكرى الإسلام الذين يجلهم قادة الثورة الإيرانية هو جمـال الديــن الأفغــانى، الـذى كان يـرى- على حد تعبير الأستاذ هيكل- أنه لا ينبغى على الدول الإسلامية أن تخشى الهجوم العسكرى الغربى المباشر (وإن كان ذلك قد أدى إلى احتلال مصر) بقدر خشيتها من الأثر الهدام الخفى للفكر الغربى عن طريق الآثار المخرّبة للمادية والعقلانية والجماعات التبشيرية، فهذه المؤثرات كلها هى التى أدت بالعالم الإسلامى إلى هذه الحالة من الضعف التى يعانى منها، لكن إذا ما تفكر المسلمون فى دينهم وفهموه حق الفهم، فمن المحتمل أن يكون لديهم من القوة الكافية لمقاومة الغرب ماديا وروحيا. والإسلام- كما قال الأفغانى- أكبر بكثير من مجرد كونه صلوات وشعائر، بل ينبغى أن ينظم كافة أوجه المجتمع.. علاقة الإنسان بأخيه.. وعلاقته بسلطات الدولة.. وعلاقة الدولة بالدول الأخرى، ولو أدرك الناس ذلك فقط لكان الإسلام هو الدين الكامل الشامل، لكن الأمر يحتاج إلى نهضة وإصلاح دينى.
والأفغانى ولد فى إيران إلا أنه كان يفضل أن يعده الآخرون سنيا من أفغانستان كما يدل على ذلك اسمه، وكان يرى أن إيران هى إحدى الدول التى يظهر فيها أثر الغرب الهدام بشكل واضح للغاية، وظهرت آثار هذه الأفكار بعد ذلك عندما منحت حكومة الشاه فى عام 1890 امتيازا إلى رجل إنجليزى يدعى ج. هـ. ف. تالبوت يقضى بحقه فى احتكار إنتاج وبيع وتصدير كل الدخان الإيرانى لمدة 50 عاما مقابل 15 ألف جنيه استرلينى سنويا للشاه ويعود صافى الربح إلى الشركة البريطانية، فتحرك علماء الشيعة لمقاومة التدخل الأجنبى، وأصدر زعيم المجتهدين فى ذلك الوقت (ميرزا شيرازى) فتوى بأن شراء واستعمال الدخان رذيلة، فأطاع الناس هذه الفتوى بإجماع مدهش، وانتشرت المقاطعة والإضرابات، فتم سحب الامتياز، ولحقت الهزيمة بالحكومة وبأصحاب الامتيازات الأجانب بسبب ذلك الاتحاد الذى قام بين رجال الدين والإصلاحيين، وقد طرد الأفغانى من إيران عام 1891.
وهكذا سارت حركة التجديد والإصلاح فى الفكر الشيعى فى إيران بامتزاج ما هو دينى بما هو سياسى، وليس ذلك غريبا على المذهب الشيعى على أية حال لأنه منذ البداية كان سياسيا واصطبغ بالصبغة الدينية بعد ذلك وظـل كذلك إلى اليوم.
والتجديد فى الذهب الشيعى ليس مقصورا على العقائد والسياسة فقط ولكنه امتد إلى الأمور الاقتصادية على النحو الذى شرحه الدكتور إبراهيم الدسوقى شتا فى كتابه (الثورة الإيرانية- الجذور- الأيديولوجية).
وأهم ما فى البنية الفكرية للنظـام الاقتصادى عند الشيعة موقفهم من ملكية الأرض. فهم يقولون إن منابع الثروة الطبيعية التى تتصل اتصالا مباشرا بحياة الناس لا ينبغى أن تكون ملكا لأحد، والمالك المطلق لها هو الله، ولهم فى ذلك نظرية متكاملة تحتاج إلى تفصيل *

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف