السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

نظام الحكم فى فكر الشيعة

 

 لا ينفرد الشيعة بفكر خاص فى مسائل العقيدة الدينية، ولكنهم ينفردون أيضا بفكر خاص فيما يتعلق بالنظام السياسى والاقتصادى، وقد طبقوا هذا الفكر فى إيران التى أصبحت الدولة الوحيدة التى يحكمها آيات الله، وفقا لنظرية الخمينى عن (ولاية الفقيه). وتبدو نتائج هذه التجربة غير مشجعة لسببين: أولهما وجود اختلافات بين النظريات والتطبيق، مما يدل على أن إدارة الدولة وما تفرضه من ضرورات عملية واعتبارات سياسية تجعل تحويل الفكر النظرى إلى واقع أمرا بالغ الصعوبة.
والسبب الثانى أن التجربة الإيرانية أثبتت أن رجال الدين بحكم ثقافتهم وتكوينهم العقلى يفكرون وفقا للمبادئ والمثاليات ولا يجيدون فهم الاعتبارات والظروف السياسية الدولية المعقدة التى لا يمكن أن يقوم بها سوى السياسيين المحترفين والاقتصاديين والخبراء المتخصصين فى هذه المجـــالات. فرجل الدين لا يجيد فهم المناورات السياسية، ولا يعلم قواعد اللعبة الدولية، وأساليب الإدارة والحكم فى الشئون الداخلية، وإن كان من الممكن أن يظل فى مكانه الطبيعى كمرشد ، وموجه، يعبر عن المبادئ الروحية السامية، ويمثل (الضمير) للدولة، لكنه لا يصلح ليكون اليد أو العين أو المدبر للشئون اليومية لإدارة أجهزة الدولة.
وقد عبر عن ذلك الأستاذ محمد حسنين هيكل فى كتابه (مدافع آية الله) وقال إن الثورة الإيرانية لم تستطع مواجهة بعض التناقضات الطبيعية التى اعترضت طريقها بأسلوب مستنير، وذلك بسبب الطبيعة الخاصة للعملية الثورية، وأيضا بسبب القيادة التاريخية التى تولت قيادتها، ويقول إنه صارح الخمينى فى لقائه معه فى باريس فى فبراير 1979 قبل قيام الثورة، وقال له: إنك تستطيع أن تقوم بدور المدفعية بسلاح الدين، لكن الأمر يحتاج بعد ذلك إلى الكوادر السياسية وجماعات الفنيين والخبراء القادرين على تنفيذ مهام الثورة وبرامجها، ويقول الأستاذ هيكل إن الخمينى لم تكن لديه إجابة مقنعة على ذلك. وفى ذلك الوقت المبكر كانت هناك تناقضات ظاهرة للعيان أهمها التناقض بين رجال الدين ورجال السياسة وتصورات ومفاهيم كلا الطرفين، والتناقض بين فكرة (الدين)-وهى شاملة-وفكرة (الوطنية)-وهى محدودة-والتناقض بين الأحلام والحقائق فى العلاقات الدولية، والإقليمية، وحتى المحلية، وبالذات مشاكل الأقليات العنصرية فى إيران.
وفى التناقض بين رجال الدين ورجال السياسة-مثلا-اختفى مجلس الوزراء الأول الذى تولى الحكم بعد الثورة، وبسبب التناقض بين الخارج والداخل-مثلا-عاد أبو الحسن بنى صدر-أول رئيس للجمهورية الإسلامية فى إيران إلى المنفى فى باريس، وانزوى آية الله بهشتى-أول رئيس للحزب الجمهورى الإسلامى-فى حديقة الزهراء وهى مثوى الشهداء قرب طهران. وفى التناقض بين فكرة الدين وفكرة الوطنية وجدت الثورة الإيرانية نفسها تتحول من ظاهرة إنسانية إلى ظاهرة شيعية محاصرة فى إيران، وفى التناقض بين الواقع الجديد فى إيران والواقع الإقليمى وجدت إيران نفسها فى حرب مسلحة مع العراق، وفى التناقض بين الأحلام والحقائق ضيعت الثورة الإيرانية سنة كاملة فى مشكلة الرهائن تحت شعار (إذلال الولايات المتحدة) ووجدت الثورة نفسها فى معارك مع الأكراد، والأذربيجانيين، والبالوش، وفى التناقض بين الجماعات الثورية والمؤسسات الدائمة وجدت الثورة نفسها عاجزة عن حماية قادتها، فقد تصورت-مثلا- أنها تستطيع أن تحل جهاز الأمن السياسى وتحرق ملفاته، ولكنها عندما بدأت تواجه أعداءها وجدت نفسها بغير معلومات، وبغير ذاكرة، وكذلك تصورت أنها ليست فى حاجة إلى إدارة ثم اكتشفت أنها غير قادرة على التخطيط أو التنفيذ فى أى مجال من المجالات.
هذه هى الحقيقة التى تكشفت من خلال تجربة عملية لقيادة رجال الدين للدولة. وهذه التناقضات والمشاكل نتائج طبيعية للاختلاف بين طبيعة رجل الدين الذى يفكر ويتحدث عن (المدينة الفاضلة) أى عن الصورة المثالية للدولة، بينما الواقع يفرض أمورا مختلفة تحتاج إلى (رجل الدولة) ورجل السياسة ورجل الإدارة.. وهؤلاء يعملون وفقا لأسس ومبادئ وعلوم وتجارب خبرات عملية وواقعية لا يجيدها رجل الدين. رجل الدين رجل (دعوة) ورجل السياسة أو الإدارة رجل عمل وتنفيذ. ويمكن أن يتحقق التكامل والوفاق بينهما، ولكن لا يمكن أن ينفرد رجل الدين بإدارة شئون الدولة بمشاكلها السياسية والاقتصادية الكثيرة التى تحتاج إلى عشرات التخصصات.
***
ويحلل الأستاذ هيكل تجربة الثورة الإيرانية فى المرحلة الأولى بأنها شعارات ومبادئ لا يملك أحد أن يختلف معها، ثم تجىء بعد ذلك مرحلة الحقيقة حين تظهر مصاعب التغيير وأحيانا مستحيلاته، ويظهر مأزق التناقض بين الثورة والدولة، وفى هذه المرحلة يكون أول الضحايا هم الأصدقاء الذين جاءوا إلى الثورة من خارج صفوفها فيقع الخلاف بينهم وبين قيادات الثورة وتلقى عليهم مسئولية التعثر، لأن القوى الثورية تكون تحت تأثير أحلامها غير قادرة على تصور أنه ليس كل الأحلام قابلة للتحقيق.
***
والبعض يتصور أن رجال الدين قادرون على تولى شئون الحكم وإدارة الدولة، وهذا ما تصوره الخمينى وآيات الله، وقالوا إن القرآن والسنة يحتويان على جميع الأحكام والأنظمة، كما أعلن الخمينى، واستدل على ذلك بما جاء فى كتاب (الكافى) فى فصل بعنوان (بيان جميع ما يحتاج الناس فى الكتاب والسنة) ذكر أن القرآن فيه تبيان كل شىء.
ويشرح الخمينى فى كتابه الشهير (الحكومة الإسلامية) نظرية الشيعة فى (حكومة آيات الله) فيقول : إن (ولاية الفقيه) فكرة علمية واضحة، لا تحتاج إلى برهان، وإن القوانين الأجنبية سبب المشاكل لمجتمع المسلمين، وفى فصل بعنوان (أدلة ضرورة تشكيل الحكومة) يقول الخمينى إن القوانين فى ذاتها لا تكفى لإصلاح المجتمع، لأن القانون يحتاج إلى السلطة التنفيذية، ولذلك فإن الله عز وجل جعل فى الأرض حكومة وجهازاً تنفيذياً وإدارة إلى جانب القوانين، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يترأس أجهزة التنفيذ فى إدارة المجتمع الإسلامى بالإضافة إلى مهمة التبليغ وتفصيل الأحكــام، وكانت مهــام الخليفـــة لا تقل عن مهام الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكن تعيين الخليفة لبيان الأحكام فقط، ولكن لتنفيذها أيضا، والقوانين والأنظمة الاجتماعية بحاجة إلى منفذ، وفى كل دول العالم لا ينفع التشريع وحده، بل تعقب التشريع سلطة التنفيذ، ويذكر الخمينى الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولى الأمر منكم.. .. ) ويفسرها بقوله إن الله فرض علينا طاعة ولى الأمر، وأولو الأمر بعد الرسول هم الأئمة الأطهار الذين كلفوا ببيان الأحكام والأنظمة الإسلامية وكلفوا أيضا بتنفيذ تلك الأحكام والأنظمة، ومن بعدهم فرض على الفقهاء العدول أن ينهضوا بهذه الواجبات. وهكذا يصل إلى أن الولاية والحكم للفقهاء بعد الرسول والأئمة.
ويستطرد الخمينى فى شرح نظريته عن (دولة الفقهاء) فيقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم قام بتشكيل حكومة، وتولى إدارة المجتمع، وأرسل الولاة، وجلس للقضاء بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأرسل إلى أنحاء البلاد من يقضى بين الناس بالعدل، وأرسل السفراء إلى الخارج، كما كان يعقد المعاهدات، ويقود الحروب، ثم استخلف بأمر الله من يقوم بعده بهذه المهام، وهذا الاستخلاف يدل على ضرورة استمرار الحكومة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. بما أن الاستخلاف كان بأمر الله، فاستمرار الحكومة وأجهزتها وتشكيلاتها كذلك بأمر الله. وضرورة تنفيذ الأحكام لم تكن خاصة بعصر النبى صلى الله عليه وسلم بل الضرورة مستمرة، ولذا فإن من الضرورى وجود حكومة تمثل السلطة المنفذة المدبرة.
***
ويشرح الخمينى الجانب الاقتصادى فى نظريته عن الحكم فيقول: إن الضرائب التى شرعها الإسلام ليس فيها ما يدل على أنها خصصت للفقراء أو السادة، وإنما تدل على أن تشريعها كان من أجل ضمان نفقات دولة كبرى، وعلى سبيل المثال، فإن الخُمس مورد ضخم يدر على بيت المال أموالا طائلة تشكل النصيب الأكبر من بيت المال، ويؤخذ الخمس على مذهبنا (الشيعة) من جميع المكاسب والمنافع والأرباح سواء فى الزراعة أو التجارة أو المعادن أو الكنوز، ويساهم فى دفع ضريبة الخُمس بائع الخضروات إذا كان عنده ما يزيد على مؤونته السنوية المتفقة مع تعاليم الشرع فى الإنفاق، كما يساهم فى ذلك ربان السفينة، ومستخرج الكنوز والمعادن، ويدفع الجميع خُمس فائض الأرباح إلى الإمام أو الحاكم ليجعله فى بيت المال، وهذا المورد الضخم يوجه لتسيير شئون الدولة الإسلامية وسد احتياجاتها المالية، وإذا حسبنا خُمس أرباح جميع المسلمين مع الزكاة فسنجد أنها تكفى لسد احتياجات الأمة بأكملها.
عن كل هذه الأموال يتساءل الخمينى : هل نلقى بهذه الثروة الكبيرة فى البحر؟ أو ندسها فى التراب إلى حين ظهور الإمام الغائب الحجة؟ أو نوزعها على الهاشميين آل البيت؟ وإذا أعطيناهم كل هذه الأموال ألا تذهلهم وتحيرهم؟ ويجيب: إن حق الهاشميين من هذا المال إنما هو بمقدار ما يحتاجون إلى إنفاقه بالقصد والاعتدال، كل ما فى الأمر أن الهاشميين يحصلون على حاجتهم من الخُمس دون سواه، ويعيدون إلى الإمام ما زاد على مؤونتهم، وما تحصل عليه الدولة من الخُمس والزكاة ثروة ضخمة، وكذلك فإن ما يفرضه الحاكم من الخراج على الأراضى المستثمرة بإشراف الدولة يضيف موردا آخر، ويلزم لإدارة هذه الأموال دوائر خاصة، وحسابات دقيقة، حتى لا يكون الأمر فوضى، ولا يمكن للتشريعات المالية أن تتحقق عمليا إلا بعد استكمال واستقرار التشكيلات الحكومية. وفى نفس الوقت فإن الجهاد للدفاع عن أوطان المسلمين واستقلالهم يلزم بتشكيل الحكومة.
وفيما يبدو من كلام الخمينى عن الحكومة فى مفهومه فإن الناس ليس لهم شأن أو كلمة فى الشئون العامة ولكن الأمر كله للفقهاء، وهم-كما يقول-يحكمون بما أمر الله، وبالتالى فإن طاعتهم واجبة (...وأطيعوا الرسول، وأولى الأمر منكم) فالأئمة يحكمون، وعلى الرعية الطاعة.
والشروط التى يضعها الخمينى للحـــاكم فى نظريته للحكم هى الشروط العامة كالعقل والبلوغ وحسن التدبير، وهناك شرطان مهمان هما: العلم بالقانون الإسلامى، والعدالة، وإذا كان كل من يشغل منصبا أو يقوم بوظيفة يجب عليه أن يعلم حدود اختصاصه، فإن الحاكم أعلم من الجميع، ولذلك فإن أئمة الشيعة-كما يقول-هم الذين أثبتوا جدارتهم على الناس بما سبقوا إليه من العلم، لأن العلم بالقانون والعدالة من أهم أركان الإمامة.
***
ولكن ما العمل فى زمن غيبة الإمام وليس هناك نص على شخص معين يدير شئون الدولة؟ هل نقول إن الإسلام جاء ليحكم الناس قرنين من الزمان فقط أو نقول إن الإسلام أهمل أمور تنظيم الدولة؟
يجيب الخمينى: بالرغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام فى حالة غيبته فإنه يكفى توافر خصائص الحاكم الشرعى فى أى شخص ليكون مؤهلا لكى يحكم فى الناس، وهذه الخصائص موجودة فى معظم فقهائنا (الشيعة) فى هذا العصر، فإذا أجمعوا أمرهم كان فى ميسورهم تكوين حكومة عالمية عادلة. وإذا نهض بأمر الحكومة فقيه عالم وعادل فإنه يلى من أمور المجتمع ما كان يليه النبى صلى الله عليه وسلم منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا.
***
الفقيه إذن هو الحاكم عند الخمينى وثورته، والحاكم عنده يملك من الأمر ما كان يملكه الرسول صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين علىّ، ليس فى المنزلة، بل فى الوظيفة، وولاية الفقيه مثل تعيين قيّم على الصغار، فالقيّم على شعب بأسره لا تختلف مهمته عن القيّم على الصغار إلا من حيث الأمن حيث الكمية.. الفقيه الحاكم إذن له نفس الولاية والحاكمية التى كانت للرسول وللإمام، بفارق واحد، هو أن ولاية الفقيه على الفقهاء الآخرين لا تصل إلى حد عزلهم أو تنصيبهم، لأن الفقهاء فى الولاية متساوون فى الأهلية. والفقهاء اليوم هم حجة على الناس كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم حجة الله عليهم، وكل ما كان يناط بالنبى صلى الله عليه وسلم إناطة الأئمة بالفقهاء بعدهم، فهم المرجع فى كل الأمور. والمشكلات، وقد فوضت إليهم الحكومة وولاية الناس وسياستهم والجباية والإنفاق، وكل ما يتخلف عن طاعتهم فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك. ويكرر الخمينى كثيرا أن جميع شئون رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة للفقهاء.
هذه هى نظرية (ولاية الفقيه) أو حكم رجال الدين التى أصبحت الأساس لنظام الحكم الشيعى فى إيران منذ ثورة الخمينى، وإن كان شيعة العراق واليمن لهم رأى آخر ويرون أن الفقهاء فى المجتمع لهم مسئولية روحية وليست لهم مسئولية الحكم وأمور السياسة.
وقد أثبتت التجربة فى إيران أن تولى رجال الدين إدارة الشئون الداخلية والخارجية للدولة محفوف بالمخاطر، لأن تكوينهم الروحى لا يتفق مع اعتبارات ومناورات السياسة، وأن إدارة الدولة فى العصر الحديث تختلف اختلافا كبيرا جدا عن الحال فى صدر الإسلام حيث كانت العلاقات الدولية أقل تعقيدا، والتأثيرات الخارجية محدودة، وتكوين المجتمع بسيطاً والقوانين محدودة، أما الآن فإن إدارة الدولة تحتاج إلى أجهزة متعددة متخصصة وخبراء فى مجالات كثيرة وقدرة خاصة على التفاوض والتعامل مع المنظمات الدولية.. الخ وهذا ما جعل الدولة فى إيران تستعين بالخبراء من غير رجال الدين ولا تطبق نظرية ولاية الفقيه بالكامل.
***
المشكلة أن رجل الدين حين يتولى الحكم يجد نفسه فى صراعات السلطة مرغما ويتحول من رجل دين ومثل عليا إلى رجل سياسة ومناورات، والدليل على ذلك ظهور الخلافات حول الحكم بين آيات الله بعد نجاح الثورة الإيرانية وظهور خلافات أخرى بين رجال الدين ورئيس الجمهورية والمجلس النيابى والقضاء والإدارة الحكومية. وعندما جرت الانتخابات العامة فى مارس ومايو 1980 نجح الحزب الجمهورى الإسلامى بقيادة آية الله بهشتى وحصل على الأغلبية، لكن الخمينى لكى يضفى على وضعه شكلا رسميا، قرر توسيع إطار الدستور بإدخال تعديل عليه يقرر أنه فى حالة وجود فقيه أكبر (مثل الخمينى) فإن له الحق فى أن يكون هو السلطة العليا فى الدولة، أما فى حالة غياب هذا الفقيه الأكبر فإن السلطة تنتقل إلى لجنة تقوم بدور الفقيه.
ويشير الأستاذ محمد حسنين هيكل فى كتابه (مدافع آية الله) إلى المناورة السياسية التى قام بها الخمينى للتخلص من أى تهديد لسلطته، وكان الخصم هذه المرة هو الفقيه الآخر آية الله شريعة مدارى الذى كان له أتباع كثيرون، وكان معروفا أن الأمريكيين يأملون فى الاستفادة من آية الله شريعة مدارى، وذهب الخمينى إليه فى (قم) وأطلعه على وثائق عثر عليها فى الأرشيف الإمبراطورى فيها اسمه، وخلال نصف ساعة كان قد انتهى كل شىء، وتوارى آية الله شريعة مدارى من الساحة.
هذا يعنى أن السياسة هى السياسة بمناوراتها وصراعاتها على السلطة سواء كانت السلطة فى يد السياسيين أو كانت فى يد رجال الدين.
وقد حاول الخمينى على سبيل المثال أن يحقق التوازن داخل مؤسسات وقيادات الحكم ولكن الذى حدث لم يكن توازنا وإنما كان مأزقا كما يقول الأستاذ هيكل، وكان أول ضحاياه بازرجان أول مرشحى الخمينى لرئاسة الوزراء، وقد استقال من منصبه فى نوفمبر 1979 ، ووجد بنى صدر-أول رئيس للجمهورية منتخب-أنه كرئيس ليست لديه القدرة على تعيين وزراء يختارهم. ورفضت أغلبية المجلس المكونة من رجال الدين كل ترشيحاته، وفرض رجال الدين على رئيس الجمهورية المنتخب رئيسا للوزراء هو محمد على رجائى. وكان رئيس الجمهورية يرى أنه غير مناسب على الإطلاق لهذه الوظيفة، وأدى الصراع بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء إلى نتائج غريبة وسوء فهم فى الخارج، وأما الخمينى فقد أقنع نفسه بأن الجهاز الرسمى الحكومى ليس على قدر كبير من الأهمية، والخمينى-كما يقول الأستاذ هيكل-أحادى التفكير، إلى حد أنه رأى الثورة لم تقم لتوفير الطعام للشعب كما قال بنفسه للأستاذ هيكل فى لقاء معه، وربما كان يرى أن هدف الثورة التخلص من حكم الشاه وصعود الفقهاء إلى قمة السلطة وتطبيق الشريعة وفق مفهومه لها وإلى حد أنه رأى مشكلة البطالة التى ازدادت بعد الثورة ليست لها أهمية، ولم يهتم الخمينى بالجوانب الاقتصادية، مع صعوبة الاختلاف أو التفاهم معه، وكما يقول الأستاذ هيكل: كيف يمكن التحاور مع المطلق أو إسداء النصح إلى فقيه ملهم؟
***
والدولة التى حكمها الفقهاء فى إيران كانت فى حاجة إلى التخطيط الاقتصادى، وإلى برنامج لاستخدام عائدات النفط الضخمة التى كانت مع بداية الثورة فى حدود 150 مليون دولار يوميا، ومع ذلك فإن المشروعات التى بدأت فى حكم الشاه لصالح الناس لم تنفذ، ومنها مشروع للإسكان يتكلف 600 مليون دولار خارج طهران لتوفير المساكن لمئات الأسر لم يستكمل، ومما ذاع عن الخمينى أنه يقتنع بسهولة برأى آخر شخص يتحدث إليه مما جعل الأمور تزداد سوء، فقد كانت مناقشات تدور بين الخمينى وزائر أو مجموعة زوار وبعد ذلك يقوم هؤلاء بإعلان بعض ما جاء فى هذه المناقشات على أنه أحكام قاطعة صدرت عن الإمام، وكانت نتيجة ذلك الفوضى الشاملة، كما يقول الأستاذ هيكل.
وفى ظل حكم الخمينى-ولاية الفقيه- قبض على عشرات الآلاف، وقدم للمحاكمة 55 ألف شخص، وأعدم 350 شخصا فى الشهور الثلاثة الأولى فقط، واستمر تنفيذ أحكام الإعدام بعد ذلك باتهامات واهية وبعد محاكمات لا تتفق مع أصول العدالة، وأعلن الخمينى أن هذه المحاكمات والأحكام هدفها القصاص وليس الانتقام، وقد أدت مواقفه إلى تعقيدات كثيرة فى الشئون الخارجية والداخلية، وكان من الممكن تلافيها لو أن الخمينى كان يعرف أكثر عن العالم وعلاقاته، ولو أنه تناول الأمور بواقعية، فضلا عن أن بعض رجال الدين-بسبب دوافعهم الشخصية-أرادوا أن يبقوا البلاد فى حالة هيجان دائم، وقد أعلن الخمينى نفسه أن بإمكانه أن يحول الخليج إلى كرة من النيران إن جرؤ أحد على المساس بإيران. وسواء كان يقصد ذلك أو لا يقصده فقد كان لذلك الإعلان أصداء سيئة فى منطقة الخليج، والخليج ينتج نصف البترول الذى يستهلكه العالم، ودول الخليج أصبحت مستوردة لنصف الأسلحة التى تصدرها الدول الصناعية، والثروة فى دول الخليج جذبت العديد من المهاجرين ومنهم أعداد كبيرة من الشيعة الإيرانيين وأدى ذلك إلى تغيير الطابع المتجانس الذى كان يتسم به السكان الأصليون فى دول الخليج.
ومع أن الخمينى كان يدعو إلى هدم فكرة الوطنية والقومية العربية، إلا أنه حين دخل فى الحرب مع العراق فقد المضمون الإسلامى بريقه. وحارب الإيرانيون من أجل إيران، أى بدوافع الوطنية والقومية.
وهكذا يتضح أن فكرة الحكومة الدينية، وولاية الفقهاء تواجه مأزقا يصعب التغلب عليه، هو أن رجال الدين غير مؤهلين لتولى الحكم وإدارة السياسة وشئون الحكم وأن لهذه المجالات رجالها المتخصصين فيها والذين يجيدون السير فى دروبها الملتوية المعقدة خصوصا فى العالم الآن، وقد وصلت فيه تعقيدات وتناقضات المواقف حدا لا يمكن التعامل معه إلا بما يناسبها.
***
وتواجه نظرية ولاية الفقيه تيارا جديدا من النقد يقوده الإصلاحيون من رجال الدين. وقد تبلور فى الفكر الدينى والسياسى الشيعى الحديث تياران: تيار المتشددين التقليديين وتيار الإصلاحيين المجددين، وقد انتقل الصراع بينهما إلى العلن، وإن كان تيار المتشددين لا يزال هو الأقوى حتى الآن رغم أن تيار الإصلاحيين، يتفق مع روح العصر ويلبى ضرورات التطور.
وقد أعلن مؤخرا الشيخ الإيرانى محسن كديوار نظرية الإصلاحيين فى إمكان إعادة النظر فى نظام حكم الفقهاء واعتبارها واحدة من النظريات أو الخيارات الممكنة لحكم البلاد وليست الوحيدة أو التى لا بديل لها. قد نشر الشيخ محسن كديوار آراءه فى كتاب بعنوان (نظريات الحكم فى الفقه الشيعى)، وبسبب هذا الكتاب تم اعتقاله، وقدم إلى محكمة خاصة من رجال الدين وحكم عليه بالسجن. ورجل الدين الشيخ محسن كديوار لا يدعو فى كتابه إلى انقلاب على النظام الدينى الحاكم فى إيران، ولا يوجه نقدا صريحا مباشرا إلى هذا النظام أو إلى الفكر السياسى الشيعى عامة، وإنما يقدم عرضا لنظريات متعددة للحكم فى الفقه الشيعى ويقارن بينها، دون أن يظهر انحيازا لنظرية، أو يعارض نظرية منها، ولكن الهدف الواضح من الكتاب بيان أن نظرية ولاية الفقيه التى تحكم بها إيران اليوم ليست النظرية الوحيدة للحكم فى الفقه الشيعى، والوصول إلى نتيجة هى أن القبول بهذه الحقيقة البسيطة يفتح الباب أمام الاجتهاد واختيار نظرية للحكم قد تكون أفضل وأكثر اتفاقا مع العصر من هذه النظرية، ولذلك فإنه يكرر أن النظريات المختلفة حول الموضوع الواحد ممكنة وليست هناك نظرية واحدة فى الفكر الإنسانى يمكن اعتبارها نهائية وغير قابلة للمناقشة.
والشيخ كديوار كان أستاذا فى الحوزة العلمية (المدرسة الفيضية) فى قم، وأستاذا فى جامعة الإمام الصادق الدينية الحديثة فى طهران، وهو فى كتابه يستعين بنصوص من الإمام الخمينى عن ضرورة فتح باب الاجتهاد وتعريف الشعب الإيرانى بالنظريات المختلفة فى السياسة والاقتصاد والعبادات للفقهاء السابقين.
وبعد ذلك فإن الشيخ كديوار يطالب أصحاب الرأى بعرض أفكارهم بحرية فى الأمور المستجدة مثل الحريات العامة (الديمقراطية)، والحرية الفردية،وحاكمية الفقيه ومدى السلطة التى يحكم بها. ويقول: إذا كانت بعض القضايا لم تعالج أو لم تبحث فى الماضى، فإن على الفقهاء اليوم أن يبحثوا فيها، وعلى ذلك فإن باب الاجتهاد فى تحديد الحكومة الإسلامية يجب أن يبقى مفتوحا، وإن طبيعة الثورة الإيرانية كانت تقتضى إعطاء الفرصة لمختلف وجهات النظر الفقهية الاجتهادية وليس لأحد أن يحول دون ذلك. لكن هذه الأفكار واجهت غضب الفقهاء المتشددين وتعرض بسببها إلى مضايقات كثيرة باسم حماية الثورة والنظام القائم، وكان أن تقرر فصله من التدريس فى الحوزة والجامعة، بمجرد نشر آرائه فى بعض المجلات الإيرانية، ثم تمت محاكمته بتهمة الإساءة إلى الإسلام، وحكم عليه بالسجن واعتبرته المحكمة المشكلة من رجال الدين (مذنبا ومـتآمرا خطيرا).
وكان معنى ذلك أن الصراع بين المحافظين والإصلاحيين فى الجمهورية الإسلامية قد وصل إلى اعتبار نظام ولاية الفقيه خطا أحمر لا يجوز الاقتراب منه، ولا يسمح بمناقشته، واعتباره من المسلمات الثابتة ضمن العقائد الأساسية فى المذهب الشيعى.
والشيخ كديوار لا يتعرض بالنقد لنظرية ولاية الفقيه، ولكنه فقط يقوم باستعراض النظريات السياسية الشيعية فيقول: إنها تسع نظريات وليست نظرية واحدة، ويقول: إن قيام الحكومة الدينية فى إيران وتولى علماء الدين والفقهاء الحكم جعلا الفقه الشيعى ملازما لنظرية واحدة فى الحكم، وأدى ذلك إلى اعتقاد راسخ بأن النظرية السياسية الوحيدة فى الفقه الشيعى هى نظرية ولاية الفقيه. وكتب فى مقدمة الطبعة العربية لكتابه-بعد الحكم عليه بالسجن-إنه لم يحد عن رأيه الداعى إلى تطهير فكر الجمهورية الإسلامية من آفة الاستبداد الدينى، وأن سلامة السلطة السياسية خصوصا عندما تصطبغ بصبغة الدين رهن ببقائها تحت الرقابة والمساءلة وعرضة للنقد والحوار. وهذا ما يرفضه المحافظون الذين يرون أن المرشد (الفقيه الولى) فوق النقد والمحاسبة، بينما يطالب الشيخ كديوار-وبعض المثقفين-بمناقشة النظام القائم وحدود ولاية الفقيه وصلاحيات المرشد.
***
يقول الشيخ محسن كديوار: إن الفكر السياسى الإسلامى عانى من فترة ركود لفترة طويلة، وأدى ذلك إلى تعطيل نموه وتقدمه، ولم يتطرق الفقه الشيعى إلى موضوع الولاية والسياسة كموضوع مستقل إلا متأخرا جدا بعد القرن الثالث عشر الهجرى، ولا يزال يعانى إلى اليوم من الضعف فى تناوله للقضايا الاجتماعية والحقوق العامة، وإن نظرة الفقهاء قلما تتطرق إلى المؤسسات الاجتماعية، وإلى كيفية عمل نظام الحكم وبناء الدولة، ويقول: إن من المثير حقا أن يتوجه الفكر الشيعى إلى بحث المسائل الجزئية ويهمل الموضوعات الكبرى مثل الدولة ووظائفها، وغالبا ما يعزو الباحثون ذلك إلى أن الشيعة أقلية، وإلى ابتعادهم عن السلطة، وإلى مؤامرات الاستعمار، وهى عوامل محتملة وقابلة للنقاش، ولكن السبب الأول فى جمود الفكر السياسى الشيعى-فى رأيه-يرجع إلى نظرية الإمامة الإلهية ومفهوم (الغيبة)، ويقول: إن من نافلة القول أن العصمة للإمام، واعتبار أى قيام فى زمن غيبة الإمام المهدى نوعا من الضلالة، وقد كان التزام الفقهاء الشيعة بنظرية الانتظار السبب فى ابتعادهم عن ساحة الحكم والإدارة والعمل فى المجتمع طوال القرون الماضية، وبالتالى لم يجد الفقهاء أنفسهم مطالبين بتغيير هذا الوضع وتطوير فكرهم الاجتماعى والسياسى.
ويقول الشيخ كديوار: إن الفقه الشيعى اتخذ من الدولة موقفين: سلبياً وإيجابياً، الموقف السلبى تجاه الأنظمة والحكومات الجائرة، أما موقفهم الإيجابى فقد اختلفوا فى الإجابة عن الأسئلة الجوهرية مثل: هل يجب فى زمن غيبة الإمام الثانى عشر (المهدى المنتظر) إقامة الدولة وإدارة شئون المجتمع؟ وهل حدد الشارع نوعا خاصا من أنظمة الحكم أو ترك للناس أن يضعوا لأنفسهم ما يصلح لشئون دنياهم ويتفق مع ظروف عصرهم؟ وهل عين الشرع فئة أو صنفا من الناس أو فردا محددًا لتولى الحكم؟ وما هى الضوابط السياسية لنظام الحكم؟.. الخ . وقد انقسم فقهاء الشيعة إلى قسمين: قسم رأى أنه ليس من الضرورى إقامة الدولة فى زمن الغيبة، وقسم اقترح نظرية إيجابية وشكلا خاصا للحكم فى زمن الغيبة إلى أن يأتى وقت ظهور المهدى المنتظر. ويقول: إن الفكر السياسى الشيعى مر بأربع مراحل منذ غيبة الإمام الثانى عشر (محمد بن الحسن العسكرى):
الأولى : مرحلة ازدهار الفقه الفردى من القرن الرابع إلى بداية القرن العاشر الهجرى، واتسمت هذه المرحلة بعدم الاهتمام بالفقه السياسى والحقوق الأساسية ونظام الدولة. ولذلك لم تظهر أية نظرية سياسية متكاملة، بل إن هذه القضايا كانت بعيدة عن أذهان فقهاء ذلك العصر.
الثانية : مرحلة الولاية (السلطة) من القرن العاشر إلى القرن الثالث عشر الهجرى، وتبدأ مع بداية الدول الصفوية فى بلاد فارس، ولم تكن ولاية الفقيه فى تلك الفترة نظرية مستقلة عن الدولة ونظام الحكم، ولم يتعرض الفقهاء لموضوعات مثل تشكيل مؤسسات الدولة أو نظام الحكم، وكان حديثهم عن ولاية الفقيه بعيدا عن معنى الولاية السياسية وحكم الفقهاء. بل إن بعضهم اعتبر دور الفقهاء محصورا فى القضاء والفتوى وأمور الحسبة، أما الحكم والأمن فهما من الأمور العرفية التى يتولاها الحكام. ثم تطور الفكر الشيعى فى هذه المرحلة من القول بولاية الفقهاء على الأيتام والسفهاء إلى ولايتهم على الحكام باعتبارهم نوابا عن الإمام الغائب (المهدى المنتظر)، وكان هذا التطور على يد الشيخ على عبد العالى الكركى (المتوفى سنة 940هـ)، وهو أول من طبق هذه النظرية بإعطاء إجازة للشاه فى الدولة الصفوية فى إيران السلطة لكى يحكم بالوكالة عنه، وكان الشاه فى ذلك هو (طهماسب بن إسماعيل).
والمرحلة الثالثة: تبدأ مع بداية القرن الرابع عشر الهجرى، حيث قامت فى إيران حركة (المشروطة) التى أقرت الدستور وقيدت سلطة الملوك التى كانت سلطة مطلقة. وفى هذه المرحلة انقسم الفقهاء إلى فريقين: أحدهما رفض التطور الديمقراطى رفضا مطلقا ودافع عن الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، وهذه النظرية تبلورت باسم (الحكومة الشرعية)، أما الفريق الآخر فرأى التوفيق بين (المشروطة) و(المشروعة) مع المحافظة على النظام الملكى الذى يستمد شرعيته من الإذن الصادر عن الفقهاء. وعبر عن الفكر السياسى الشيعى لهذه المرحلة الشيخ محمد حسين النائينى فى كتابه (تنزيه الأمة وتنزيه الملة)، ولكن تعثرت التجربة الدستورية وسقطت، وعادت الآراء التى تنكر على الفقهاء حقهم فى الولاية السياسية، وامتدت هذه المرحلة إلى أواخر القرن الرابع عشر الهجرى.
والمرحلة الرابعة : هى التى شهدت تبلور نظرية ولاية الفقيه التى قال بها الإمام الخمينى وأقام على أساسها الجمهورية الإسلامية، ونظرية الخمينى فى الحكومة الإسلامية تقوم على أربعة مبادئ:
أولا : إن الإسلام محتاج إلى قيام دولة تطبق أحكامه.
ثانيا : الإعداد لقيام الدولة الإسلامية من واجبات الفقهاء العدول واتباع الناس لهم من الأمور الواجبة شرعا.
ثالثا : إن الحكومة الإسلامية تعنى أن يقوم الفقهاء العدول بوظائف الحكم التى كان يقوم بها النبى صلى الله عليه وسلم والإمام المعصوم.
رابعا : إن الحكومة الإسلامية والقوانين الصادرة عنها تعتبر من الأحكام الشرعية ولها الأولوية على جميع الأحكام الفرعية.
ومن المبدأ الثانى ظهرت فكرة تصدير الثورة، لأن الخمينى كان يرى ذلك واجبا كالوضوء للصلاة، وعارض فى ذلك الفقهاء الذين كانوا يرون أن شرط إقامة الحكم الإسلامى توافر الظروف المناسبة شأنها شأن الاستطاعة بالنسبة إلى الحج أو النصاب بالنسبة للزكاة.
وكان الإمام الخمينى أول فقيه شيعى يستخدم مصطلح (الحكومة الإسلامية) وهو الذى قام بتوسيع صلاحيات الفقيه من الولاية العامة التى قال بها بعض من سبقه إلى الولاية المطلقة وهذه الولاية المطلقة اختص بها الإمام الخمينى نفسه.
ولم تكن نظرية الخمينى عن ولاية الفقيه المطلقة هى النظرية والوحيدة فى الفكر الشيعى، فقد عاصرتها نظريات سياسية أخرى من فقهاء الشيعة فى العراق وإيران ولبنان تعتمد على الشرعية الإلهية والشعبية معا، وفى ذلك طرح السيد محمد باقر الصدر نظريته عن (خلافة الأمة تحت إشراف الفقهاء) وذلك فى كتابه (الإسلام يقود إلى الحياة) وطرح السيد محمد الشيرازى نظريته عن (شورى الفقهاء) وطرح الشيخ محمد جواد مغنية والشيخ محمد مهدى شمس الدين نظرية (الحكومة الإسلامية المنتخبة) وطرح الشيخ حسين على المنتظرى نظرية (ولاية الفقيه المنتخبة المحدودة) وطرح الشيخ الدكتور مهدى الحائرى اليزدى نظرية (وكالة الملاّك المشاعة) فى كتاب (الحكمة والحكومة).
ومؤدى ذلك أنه ليست هناك نظرية سياسية واحدة للشيعة، وقد شهد القرن الأخير نشوء نظريات شيعية متعددة من الفقهاء فى الحوزات العلمية الدينية، مما يدل على أنه ليس هناك إجماع على نظرية واحدة يمكن القول بأنها هى المعبرة عن النظام الإسلامى فى فكر الشيعة.. وهذا الاختلاف فى فكر الشيعة-والسنة أيضا-حول نظام الحكم الذى يعبر عن مقاصد الشريعة دليل على خصوبة وتفتح الفكر الإسلامى واستعداده للتطور بما يتلاءم مع كل مجتمع وكل عصر. وليس هناك قالب واحد جامد يتجاهل التطور الإنسانى، أو يتصادم معه.
***
يضاف إلى ذلك أن حكومة الفقهاء لم تنفذ ما أعلنته من شعارات، تحديدا فى العلاقة مع أهل السنة الموجودين فى داخل إيران ويصف فهمى هويدى أحوالهم فيقول: إنهم موزعون على المناطق الحدودية لإيران مع جيرانها، وهم البلوش على الحدود مع باكستان، ويقدر عددهم بمليون شخص يتبعون المذهب الحنفى، والفرس أو الخراسانيون على الحدود الأفغانية ويتبعون المذهب الحنفى أيضا، والتركمان على الحدودالسوفيتية وهم حوالى نصف مليون وهم أحناف كذلك، والأكراد على الحدود التركية والعراقية وهم أغلبية تتجاوز خمسة ملايين ينتمون إلى المذهب الشافعى، وسكان خوزستان أو عربستان فى المناطق الجنوبية الغربية والجزر المواجهة لسلطنة عمان وعددهم حوالى نصف مليون تقريبا. ويقول فهمى هويدى إن ما تحقق فى الواقع العملى لم يكن فى مستوى طموح المسلمين السنة، كما أنه لم يكن تعبيرا عن تصريحات وتوجيهات القيادة السياسية.
لم تستطع حكومة الفقهاء حل مشكلات الأكراد وهم أصحاب قومية ومن أهل السنة وظلت علاقاتهم متوترة مع الأغلبية الشيعية. وقبل الثورة كانت المسألة السياسية والقومية هى موضع الخلاف مع السلطة فى طهران، وبعد الثورة أصبحت المسألة المذهبية موضع خلاف آخر، وقد عين الخمينى الولاة على كردستان من الشيعة، وتحول الحرس الثورى إلى تنظيم عسكرى شيعى فى المنطقة الكردية، وعندما اقترح الخمينى وآية الله منتظرى إنشاء المركز الإسلامى الكبير لتدريس مذاهب أهل السنة فى كردستان عين مديرا شيعيا لهذا المركز، وعندما أنشأ المركز الإسلامى فروعا له بلغت 60 فرعا فإن مديرى هذه الفروع كانوا أيضا من الشيعة لا من السنة، وعندما أنشئت (حوزة) علمية لأهل السنة فى كردستان باسم (مدارس الشيخ محمود شلتوت) صاحب الجهد المشهود فى التقريب وإنصاف الشيعة، فإن مدير تلك المدارس كان أيضا شيعيا، كما أن مسئولها المالى والإدارى كان شيعيا والمدرسون فقط من السنة. وممثل الإمام فى كردستان (موسى موسوى) كان شيعيا، وإضافة إلى ذلك فإن ثمة ممارسات أخرى أثارت حساسية الأكراد السنة، منها أن الشيعة يوفدون الوعاظ (ويسمونهم مبلغين) للدعوة بين الناس فى المواسم الدينية فيحاولون تحويل المستمعين السنة إلى المذهب الشيعى. وكذلك ما يفعله حراس الثورة فى صلاة الجمعة أو فى المساجد، بعد العودة إلى إقامة الجمعة بعد الثورة، أصبحت صلاة الجمعة بمثابة مهرجان سياسى وتراوحت بين تعليق صور الخمينى فى ساحة الصلاة، والهتاف أثناء خطبة الجمعة، وهذه التقاليد غريبة على ممارسات أهل السنة، وظلت هذه الممارسات مصدرا للتوتر بين الجانبين.
ويشرح فهمى هويدى الصورة فى بلوشستان فيقول: إنها صورة من كردستان، وليس هناك حضور للبلوش السنة فى جهاز السلطة بالمقاطعة وكل جهاز السلطة من الشيعة الوافدين من أنحاء إيران، وممارسات المبلغين الشيعة وحرس الثورة تثير الاستياء أيضا، وفى تحليل أسباب التوتر يقول فهمى هويدى: إن أكثر الدعاة ورجال الدين بالمنطقة من الدارسين فى باكستان والسعودية، وفى باكستان هناك حزازات مستمرة بين الشيعة والسنة، وفى السعودية حرب معلنة بين الوهابيين على الشيعة، هؤلاء وهؤلاء يلتقون عند موقف من الشيعة يصل أحيانا إلى حد الإخراج من الملّة والتكفير، وفى تربة ملغومة على هذا النحو لا يمثل السلطة فى طهران من يعالج الموقف برفق وحكمة، ولكن تمارس سياسات أشبه بسكب الزيت على النار، مما يؤدى إلى مزيد من الاشتعال والتفجير وليس التهدئة ومد جسور المودة والتراحم.
وخلاصة مشاهدات فهمى هويدى فى الواقع الإيرانى جعلته يقول إنه لا مجال للأعذار فى العمل السياسى، وإن السلطة تحاكم وتحاسب بقدر ما أنجزته وليس بقدر ما أعلنته من نوايا طيبة، والانجاز يقاس بكفاءة السلطة فى الانتصار على التحديات والصعوبات وليس التذرع بها. وعلى ذلك فلا عذر لدولةالفقهاء التى تعلن التقريب بين المذاهب بينما هناك غياب كبير للسنة فى خريطة السلطة حيث لا وزير ولا سفير، ولا حتى مدير من أهل السنة، وحضورهم رمزى فى السلطة التشريعية لا يزيد على 4% فى مجلس الشورى.
وهذا يعنى فى النهاية أن الدولة الدينية لم تحقق ما أعلنته من مبادئ وما وعدت به من شعارات. وأن السياسة هى السياسة حتى لو تولى أمرها رجال الدين.
***
ولا شك أن حكم رجال الدين فى إيران تجربة لم تتبلور بعد نظريا ولم تصل فى التطبيق إلى الدرجة التى يمكن الحكم لها أو عليها، فالخلاف قائم بين فقهاء الشيعة حول نظرية الحكم وكيفية إدارة الدولة، وهى مسائل غاية فى التعقيد والصعوبة خاصة فى ظل صراعات المصالح القائمة فى عالم اليوم، وحاجة كل دولة إلى خبراء متخصصين فى السياسة وإدارة العلاقات الدولية، وفى نفس الوقت فإن الصراع بين جناح المتشددين يقوده المرشد الأعلى للثورة وجناح الإصلاحيين الذى يقوده رئيس الجمهورية السيد محمد خاتمى مازال محتدما داخل السلطة ولم يصل إلى نهايته ولا يمكن التكهن بمن ستكون له الغلبة، والمؤكد أن لهذا الصراع آثارا سلبية، لأن العالم لا يعرف مع من يتكلم فى إيران، فما يعلنه جناح فى الحكم ينقضه الجناح الآخر، وفى العلاقات الدولية لابد أن تعرف الدول مع من تتحدث، ومع من تبرم الاتفاقات، ولابد أن يكون للدولة موقف واحد وصوت واحد وليست هناك دولة فيها موقفان لكل منهما سلطة القرار وحق النقض.
وهذا يعنى أن التجربة مازالت فى مرحلة لم تكتمل معالمها بعد، وبالتالى يصعب الحكم عليها.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف