السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

من الجامعات يبدأ الاصلاح الشامل

 

 ما دمنا متفقين على ضرورة البدء الآن وفورا فى الإصلاح الشامل للمجتمع المصرى، فإن نجاحنا فى ذلك يتوقف على اختيار نقطـة البداية الصحيحة، وأعتقد أن نقطـة البداية الصحيحة للإصلاح السياسى والاقتصادى والاجتماعى هى إصلاح الجامعات، إذا أردنا أن نقيم البناء على أساس سليم.
وقد أضعنا سنوات طويلة فى خداع النفس بالحديث الإيجابى المتفائل، وبالتقارير الوردية عن إنجازات غير مسبوقة فى تطوير التعليم الجامعى، والحقيقة أن التعليم الجامعى تراجع، وبعد أن كان يقارن بنظيره فى جامعات أوربا أصبح لا يقبل المقارنة بجامعات بعض الدول النامية مثل الهند وماليزيا وكوريا والصين.
ولم تكن هذه الحقيقة غائبة أبدا، ولكن كان يتم إخفاؤها وتزييفها، فقد سبق أن أعلن كبار الخبراء وأساتذة الجامعات على الملأ فى تقرير منشور قدم إلى المؤتمر القومى لتطوير التعليم منذ أكثر من أربع سنوات عن وجود خلل فى نوعيات التعليم العالى، وعن اختلاف القوانين واللوائح المنظمة لكل نوع، وقالوا بعبارات صريحة: إن كليات التعليم العالى أصبحت أقرب إلى الجزر المنعزلة، وتشبه المدن العشوائية. وقالوا أيضا بمنتهى الوضوح: إن الرؤية الاستراتيجية غائبة لربط التعليم الجامعى والعالى بسوق العمل. ودللوا على العشوائية وعدم التنسيق وغياب الاستراتيجية أن كثيرا من الكليات والمعاهد تغيرت وظائفها، وأن كليات جديدة أنشئت بدون تحديد هدف محدد لكل منها، مثل الكليات العديدة للتربية، وكليات التربية للأطفال، وكليات التربية النوعية، وأنشئت فروع للجامعات فى 8 محافظات تكدس فيها الطلبة، ولم يتحقق الوعد بإعادة توزيع هيئات التدريس فكانت النتيجة كليات بها آلاف الطلبة بدون أساتذة، وأساتذة فى الجامعات الأم بدون عمل!
إن الضمير العلمى لكبار الأساتذة جعلهم يقولون فى تقريرهم: أصبحت مؤسسات التعليم العالى مثل غابة من النباتات البرية منها ما يجب أن يهذب، ومنها ما يجب اقتلاعه. فهل يمكن أن تمر مثل هذه العبارة دون أن نشعر بالانزعاج؟!
قالوا أيضا: حان الوقت لإعادة بناء منظومة التعليم الجامعى والعالى بأنواعها المختلفة (الحكومى والخاص والأزهرى) لكى يلبى احتياجات سوق العمل.. لأننا نعانى من كثرة عدد الخريجين ولكنهم غير صالحين للأعمال التى يحتاج إليها المجتمع.. لأنهم لم يؤهلوا تأهيلا حقيقيا للعمل، خريج الطب لا يصلح لممارسة مهنة الطب إلا بعد سنوات من التدريب وإعادة التأهيل، وخريج الحقوق لا يصلح لبدء العمل فى المحاماة أو القضاء إلا بعد سنوات يتعلم فيها من جديد، وخريج الهندسة لا يمكن أن توكل إليه مسئولية فنية إلا بعد سنوات من التدريب، وخريج التجارة.. وخريج العلوم.. و.. و.. كلهم يتخرجون غير مؤهلين للعمل، بينما فى جامعات الدول النامية يصبح الخريج قادرا على العمل فى المهنة التى أعد لها منذ تخرجه وعلى الفور.. نحن نعطى شهادات ولا نعد إخصائيين.. ثم إن العالم سوف يتغير بعد سنوات قليلة، سوف تفتح الحدود، وسوف يقل الانحياز والتفضيل لأبناء البلد، وستكون الأولوية للأكثر كفاءة من أى بلد ومن أية جنسية، وقد بدأ ذلك الآن فعلا فى أوربا وآسيا وطبعا فى أمريكا.. فالشركات البريطانية تعين مهندسين وإداريين من الهند والفلبين وفرنسا وبلجيكا وسويسرا دون اعتبار من أى بلد هم، والأساس الوحيد للتفضيل أن يكون الاختيار من أفضل العناصر القادرة على أداء العمل بكفاءة. وقريبا سيكون هذا هو الحال فى مصر. سوف تفضل الشركات الاستعانة بعناصر متعلمة ومدربة ولديها الكفاءة بصرف النظر عن الجنسية، وفى هذه الحالة سيكون خريج الجامعات المصرية خارج المنافسة.
وإذا لم تأخذنا العزة بالإثم فإننا نعرف -ويجب أن نعترف- بأن خريجى الجامعات المصرية حين يبعثون للدراسات العليا فى أوربا وأمريكا يفرض عليهم دراسة مواد جديدة لم يدرسوها، وتفرض عليهم امتحانات لإعادة قياس قدراتهم العلمية، ويعاد تأهيلهم، لكى يصبحوا فى مستوى خريجى هذه الدول قبل أن يبدأوا دراساتهم العليا، وهذا هو السبب فى أن الطالب الأوربى أو الأمريكى يحصل على الدكتوراه فى سنتين أو ثلاث سنوات والطالب المصرى -والعربى- يحصل عليها فى خمس سنوات على الأقل وقد تمتد إلى عشر سنوات.
المؤتمر القومى للتعليم العالى فى فبراير 2000 أجمع على أن استراتيجية التطوير لن تكفى، ولابد من العمل فورا باستراتيجية التغيير.. والفرق بين التطوير والتغيير معروف.. وطالب أيضا بإنشاء مركز لقياس وتقدير الاحتياجات المستقبلية للمجتمع من خريجى كل تخصص، ومركز لقياس مستوى الخريجين وقدراتهم التنافسية، ومركز لإعداد أعضاء هيئات التدريس على أن هذه من ضرورات وضمانات جودة التعليم.
ومنذ عشرات السنين والمسئولون عن التعليم الجامعى يقولون: إنهم سيغيرون نظام الاعتماد على الكتاب المقرر لكل مادة الذى جعل الجامعات لا تختلف كثيرا عن المدارس الثانوية، وامتد وباء الدروس الخصوصية إلى التعليم الجامعى وهذا شىء ليس له مثيل فى العالم، حتى طلبة الطب، والهندسة، والتجارة، والحقوق، وحتى طلبة الفنون الجميلة أصبحوا يعتمدون على الملخصات تماما مثل تلاميذ الابتدائى، وعلى الدروس الخصوصية.. نحن جميعا نعلم ذلك ونسكت أو نكذب وندعى أننا نتجمل!
والجميع متفقون على أن الوضع القائم فى التعليم الجامعى يشجع ثقافة الحفظ والتلقين، ويبتعد عن ثقافة التجديد والابتكار وتشجيع التفكير المستقل، أو القدرة على التحليل والنقد، وقيل ما هو أخطر.. قيل إن معظم الأساتذة يحددون الأسئلة والموضوعات للطلبة ثم يجدونها أمامهم فى الامتحانات، وبذلك تحولت العملية التعليمية كلها إلى الحفظ، وبحسب تعبير خبراء المؤتمــر فــإن النتيجـة أن المجتمــع يحصل فى النهـاية عـلى خريجين لا يستطيعون القيام بأى عمل إبداعى ذى قيمة تذكر، ولا يستطيعون التصرف فى المواقف والمشكلات التى تواجههم بعد ذلك فى العمل.. والتقرير فيه اعتراف صريح بأن معظم أساتذة الجامعات ليسوا خبراء فى وضع الامتحانات، وأنهم تعلموا ذلك عن طريق التقليد والأخذ من أساتذتهم القدامى، ونتج عن ذلك عدم وجود معيار مرجعى للحكم على سلامة ودقة الامتحانات فى قياس قدرة وكفاءة الطالب، فإما أن تأتى الامتحانات صعبة إلى حد التعجيز، وإما أن تكون سهلة يحصل فيها الطالب على الدرجات النهائية، والامتحان هدفه الوحيد قياس درجة الحفظ وتقسيم الطلبة بين ممتاز ومقبول دون أن تكون لذلك مرجعية تقيس مستوى الإتقان.
هذا المؤتمر دق ناقوس الخطر، ولم يستمع ولم يستجب أحد. قيل إن كليات إعداد مدرسى الابتدائى والإعدادى والثانوى لا تؤهلهم التأهيل الذى يجعلهم قادرين على أداء عملهم بكفاءة. وهنا يجب أن نتوقف، لنعلم أن أزمة التعليم العام سببها التعليم الجامعى، وماذا تستطيع وزارة التربية والتعليم أن تفعل إذا كان المدرسون الذين يأتون إليها من الكليات الجامعية ليسوا على المستوى المطلوب؟
ولكى نبسط المسألة نسأل الحكومة الجديدة: إذا كنتم تريدون أن تكونوا حكومة ذكية فهل تريدون أن يكون الشعب المصرى أيضا شعبا ذكيا؟ وكيف نصل إلى ذلك بدون تعليم جامعى جيد؟ وإذا كنتم تريدون حكومة إلكترونية، كيف تحققون ذلك إذا كان خريجو الجامعات غير مؤهلين لهذه النقلة الكبيرة؟ وإذا كنتم تريدون إصلاح الإدارة الحكومية، وتحسين الخدمات، وزيادة الصادرات، ورفع مستوى الترويج السياحى، وتحسين مهارات التسويق، من الذى سينفذ لكم هذه الأهداف إذا كان خريجو الجامعات لم يؤهلوا لذلك؟
باختصار.. ليس هناك إصلاح بدون الانطلاق من نقطة البداية الصحيحة.. وهى إصلاح الجامعات.. التغيير وليس التطوير.. وقد تكون المهمة كبيرة.. وقد تكون صعبة.. ولكنها ليست مستحيلة.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف