السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

   الرجل الأسود فى البيت الأبيض (3)  

بدأ العد التنازلى، والعالم ينتظر دخول الرجل الأسود- باراك أوباما- إلى البيت الأبيض ليكون رئيسا لأقوى إمبراطورية فى العالم ويكون هو أقوى رجل فى العالم! كيف سيكون هذا الرجل رئيسا؟ البعض يعتبر دخوله البيت الأبيض مثل هبوط الإنسان على سطح القمر.. معجزة؟.. شىء لا يصدقه عقل! فى بلد معجون بنزعة التفرقة العنصرية ضد السود.. ولكن أوباما يثبت كل يوم أنه سيكون رئيسا تاريخيا.. وسوف يكون مختلفا - مائة فى المائة - عن بوش - الذى سيخرج من البيت الأبيض غير مأمون عليه ويذكر فى التاريخ على أنه أسوأ من دخل البيت الأيض وصاحب التاريخ الأسود - أوباما سيكون رئيسا مختلفا بدليل أنه على وعى بخطورة رجال «الحاشية» أو «البطانة» الذين يحيطون بكل رئيس ويفرضون عليه حصارا يعزله عن الناس وعن أخبارهم وآرائهم. هؤلاء الرجال الذين يحيطون بكل رئيس ولا يعرفون قول كلمة «لا».. مجموعة المستشارين والوزراء والموظفين القادرين على التنسيق فيما بينهم لتضليل الرئيس هم الذين ضللوا بوش وأفسدوه وكان هو أيضا لديه استعداد لذلك!
وهذا ما عبر عنه أوباما نفسه بقوله: «أحد المخاطر فى البيت الأبيض أن كل شخص يوافق على كل شىء وليست فيه مناقشات ولا معارضة وتلك هى المشكلة التى يجب أن أتعامل معها، كيف تمكن معالجة العزلة هذه العزلة التى تجعل الرئيس يعيش داخل كبسولة؟
والحل الذى اقترحه الكاتب الأمريكى ريتشارد كوهين فى واشنطن بوست هو أن يتعرف أوباما بنفسه على الحقائق من خلال الصحافة ولا يعتمد على الحاشية، والصحافة الأمريكية سوف تمده بالأخبار التى لن يسمعها من المحيطين حوله، لأن الصحف الأمريكية. كما قال الكاتب الأمريكى - لا تكتب الأخبار من أجل الرئيس وليست لها أطماع فى الحصول على منصب أو على مكافأة، وهى عادة تقدم للرئيس عدة خيارات أكثر مما يقدمه له مساعدوه، وفى الصحف سيجد ما لا يسمح الوزراء والمستشارون بإبلاغ الرئيس به من مشاكل وحقائق، وعادة ما يقوم مساعدو الوزراء بتسريب الأخبار التى يخفيها الوزراء وكبار المساعدين عن الرئيس، على أمل أن تصل إلى علم الرئيس.. ويبدو أن أوباما.. على عكس بوش- يحترم الصحافة ويثق فيها ويعتمد عليها فى معرفة الحقائق بدون نفاق المعاونين.
ولكى تعرف الفرق بين أوباما وبوش قارن بين غطرسة ولغة الاستعلاء والتهديد والتحدى التى تتحدث بها كوندوليزا رايس وزيرة خارجية بوش والتى وصفتها الصحف الأمريكية بأنها دبلوماسية الكعب العالى وبين اللغة الهادئة العقلانية التى تحدثت بها أمام الكونجرس هيلارى كلينتون وزيرة خارجية أوباما.. كونداليزا رايس كانت تتحدث بلغة القوة، وهيلارى كلينتون تحدثت عن سياسة جديدة تعتمد على الدبلوماسية، وعن أسلوب مختلف فى التعامل مع إيران، وعن تحرك أمريكى لإنعاش عملية السلام فى الشرق الأوسط، وعن تحقيق الطموحات المشروعة للشعب الفلسطينى.. وهذا كلام لم تقله كونداليزا رايس أبدا - وهى صوت سيدها - وقالته هيلارى كلينتون معبرة بذلك عن توجهات إدارة أوباما فى السياسة الخارجية، وأيدها الكونجرس فى هذه السياسة التى تعنى التخلص من الإرث الثقيل الذى تركته إدارة بوش، والذى قالت هيلارى إن أخطر ما فيه الحرب فى العراق وأفغانستان والأزمات المتشعبة بين غزة ودارفور، والكونغو، وباكستان.
وقالت أيضا إن سياسة الإدارة الجديدة مختلفة عن السياسة السابقة التى كانت معبرة عن عقيدة متصلبة وسياسة انفرادية وضعها المحافظون الجدد وصقور إدارة بوش منذ عام 2000.
وثبت فشل هذه السياسة أن أمريكا لا يمكن أن تحل الأزمات المتفجرة فى العالم وحدها، ولذلك ستعمل الإدارة الجديدة على التعاون مع روسيا، وتحسين العلاقات مع الصين، وتقوية الشراكة مع دول أوروبا، والتعاون مع الأمم المتحدة وإتباع نهج «القوة الذكية» فى الشرق الأوسط.
وشرحت هذه العبارة فقالت إنها تقصد التعامل مع احتياجات الأمن لإسرائيل والتجاوب فى نفس الوقت مع طموحات الفلسطينيين.. وقالت لا يمكننا التخلى عن السلام وإن كان أوباما يفهم ويتعاطف مع رغبة إسرائيل فى الدفاع عن نفسها من صواريخ حماس فإنه فى الوقت نفسه يعى ويتذكر الثمن المأساوى للنزاع فى الشرق الأوسط والذى يدفعه فلسطينيون وإسرائيليون، وهذا يزيد إصرارنا على البحث عن اتفاق سلام نهائى يحقق الأمن لإسرائيل وعلاقات إيجابية مع جيرانها ويحقق الاستقلال والنمو الاقتصادى والأمن للفلسطينيين فى دولتهم وهذه نغمة مختلفة عما كان يردده بوش ورايس من عبارات عدائية للفلسطينيين وانحياز كامل لإسرائيل. وبالنسبة لإيران فإن استراتيجية إدارة أوباما كما أوضحتها هيلارى كلينتون هى التعامل بإيجابية مع إيران لإنهاء برنامجها النووى ودعمها للإرهاب.. وإن التعامل مع إيران سيكون وفق نمط مختلف يعتمد على الدبلوماسية وبالتنسيق مع حلفاء أمريكا فى المنطقة.. وبالنسبة للإرهاب فإن استراتيجية إدارة أوباما تعتمد على تحسين عمل الاستخبارات والدبلوماسية. بما يفتح الباب لإعادة النظر فى الحروب التى أشعلها بوش باسم الحرب على الإرهاب.
لغة جديدة فى أمريكا لم نسمعها من بوش وإدارته خلال السنوات الثمانى العجاف التى حكم فيها.
أوباما بنفسه أعلن رفضه لسياسة بوش الخاصة بالاعتقالات والاستجوابات، وأكثر من ذلك أعلن أنه لا يستبعد ملاحقة عدد من المسئولين فى إدارة بوش عما ارتكبوه من جرائم وتجاوزات تحت شعار الحرب على الإرهاب ومؤكدا أنه لا أحد فوق القانون.. وفى حديث لقناة «إيه. بى. سى» وجه انتقادات لنائب الرئيس «السابق» ديك تشينى الذى شجع سياسة التعذيب فى الاستجوابات.
أوباما لديه مشكلة كبيرة.. هى زيادة حجم التوقعات لدى زعماء وشعوب العالم وقد أصبح فى نظر الجميع وكأنه الرجل الخارق أو السوبرمان القادر على حل جميع المشاكل والمعضلات فى جميع أنحاء الكرة الأرضية وفورا.! وهذا ما جعل نائبه- جوزيف بايدن- يقول لشبكة «سى. إن. إن» إنه يشعر بالقلق الشديد إزاء هذه التوقعات على الصعيد الداخلى وعلى الصعيد الخارجى، ولأن عددا كبيرا من زعماء العالم اتصلوا به وتحدثوا إليه عن أملهم فى أن يكون أوباما زعيما أمريكيا ينتهج سياسة تعكس القيم الأمريكية ويستطيعون التحدث معه. وقال جوزيف بأيدن إن الرئيس «السابق» بوش بدأ هو نفسه فى الاعتراف بارتكاب أخطاء فادحة.
***
أول هذه الأخطاء أن إدارة بوش تركت خلفها عجزا ضخما فى الموازنة نتيجة الركود الاقتصادى الذى جاء نتيجة للأزمة المالية بعد انهيار سوق الرهن العقارى، وقد يصل هذا العجز إلى ترليون دولار.. ونتيجة لسياسات بوش وإدارته فإن الشركات الكبرى بدأت فى الاستغناء عن عشرات الآلاف من العاملين فيها، ويتوقع أن يفقد أكثر من نصف مليون أمريكى وظائفهم.. وهناك شركات وبنوك أفلست وأخرى مهددة بالإفلاس.. والجميع يتوقعون انخفاضا غير مسبوق فى نمو الاقتصاد الأمريكى، وصدر تحذير من ولاية كاليفورنيا بأن الولاية سوف تعلن إفلاسها خلال شهرين. والبقية تأتى.. وكل ذلك بفضل سياسات بوش وعناده وانحيازه لليمين المتطرف.
***
الجميع متفائلون بعهد أوباما، وسعداء بانتهاء كابوس بوش الذى جثم على صدور قادة وشعوب العالم وأدى إلى أن تفقد أمريكا روحها وتنحرف عن مسارها وتضل طريقها على حد تعبير الدكتور حسن حنفى، وجاء مخّلص جديد يعطى للعدل الأولوية على القوة، وللحق الأولوية على المصلحة، ويتدارك الكارثة بسياسة مالية واقتصادية جديدة لإنقاذ الاقتصاد الأمريكى الذى نهبه رجال البنوك والشركات العقارية حتى أوشكت أمريكا العظمى على الإفلاس.
أوباما يكره التبعية وفقدان الذات، وضياع الروح.. وهو شاب.. له شخصية كارزمية وقدرة على اختراق القلوب يّذكر الأمريكيين بالعظماء فى التاريخ الأمريكى من أمثال لينكولن وكيندى ومارتن لوثر كينج.. يتمتع بالذكاء.. دارس للقانون والعلوم السياسية.. وأستاذ جامعى.. يترفع عن سفاسف السياسيين كما بدا فى الدعاية الانتخابية والمناظرات التليفزيونية.. ويترفع عن إلقاء الشائعات على الخصوم السياسيين.
المحللون توقعوا أن تنهى إدارة أوباما الفوضى فى المجتمع الدولى التى أثارتها إدارة بوش والمحافظون الجدد، وأن تبدأ الإدارة الجديدة فى تنفيذ أساليب جديدة فى إدارة العلاقات الدولية وتسوية المنازعات بين أمريكا والدول الأخرى.
وفى الداخل يتوقعون أن ينفذ أوباما برنامجه الخاص بتحقيق العدالة الاجتماعية بزيادة الضرائب على الأغنياء وكبار رجال الأعمال والشركات الكبرى، وخفض الضرائب على العمال والطبقة المتوسطة ودعم نظام التأمين الصحى للفقراء والمسنين وتحسين الأوضاع المتدهورة لمدارس الفقراء وغير القادرين وزيادة الدخول لمحدودى الدخل وأن يكون العلاج للجميع كما هو لأعضاء الكونجرس!
***
قال أنصاره إنه قائد ثورة لتجديد أمريكا وإعادة روحها المفقودة. وقال خصومه إنه اشتراكى فى بلد هى أم الرأسمالية. ولكن الرأسمالية فشلت وجاء الوقت للمراجعة والتصحيح لأفكارها ومبادئها التقليدية والسير على طريق آخر.
وعلينا أن ننتظر ذلك. هل سيحقق أوباما المعجزات التى ينتظرها العالم منه؟!

25/1/2009

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف