السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

   الرجل الأسود فى البيت الأبيض (4)  

بدأ باراك أوباما يومه الأول كرئيس للولايات المتحدة بالذهاب إلى كاتدرائية واشنطن لحضور احتفال دينى لم يحدث مثله فى عهد أى رئيس سابق، فقد أقامت الصلوات وإدارة الحفل لأول مرة كاهنة وليس كاهنا، وقام بتلاوة الصلوات فيه رجال دين يهود ومسلمون ومسيحيون. أراد أوباما بذلك أن توجه رسالتين: احترام المرأة والاعتراف بحقوقها كاملة وأول هذه الحقوق المساواة أمام الله، وهو بذلك منطقى مع ما حققه من المساواة بين البيض والسود فى بلد يمثل أكبر قلعة للتمييز العنصرى ضد السود. والرسالة الثانية: احترام الأديان الثلاثة: اليهودية، والإسلام، والمسيحية، والتأكيد على أن رسالة الأديان السماوية واحدة لأنها من إله واحد.. وملخص الرسالتين: التسامح والمساواة.. ومن الواضح أنهما أساس التفكير السياسى الجديد للإدارة الأمريكية بدلا من سياسة التخويف وغطرسة القوة.
وكان أول مرسوم رئاسى يوقعه أوباما يضمن إغلاق أبشع معسكر للاعتقال عرفه العالم أقامه بوش فى قاعدة جوانتانامو على أن تتم تصفية أوضاع المعتقلين خلال عام واحد، وتضمن المرسوم أيضا تعديل قواعد الاعتقال بحيث لا يتم اعتقال شخص إلا لأسباب حقيقية وأدلة كافية، ومنع استخدام العنف فى الاستجواب، وبذلك طوى صفحة سوداء فى التاريخ الأمريكى من صفحات سوداء كثيرة شوهت صورة أمريكا فى العالم فى عهد بوش، وجعلت أمريكا تبدو قوة عمياء تستهين بالعدالة وبالقانون وبالأخلاق وتضرب بكل القيم والمبادئ الأمريكية عرض الحائط! تضمن المرسوم أيضا وقف محاكمات المعتقلين فى جوانتانامو، وهى محاكمة موضع شك، والتهم الموجهة إلى المعتقلين ملفقة، والاعترافات انتزعت منهم بأبشع صور التعذيب التى لا تخطر على البال ولا يصدقها العقل.
انتهى عهد النازية الأمريكية بجرة قلم!
فى نفس اليوم سجلت أسهم بورصة نيويورك ارتفاعا لأول مرة منذ شهور دليلا على عودة الثقة والتفاؤل إلى السوق والمتعاملين فيها بعد فقدان الثقة فى عهد بوش.
عادت الثقة.. وعاد التفاؤل بعد ثمانى سنوات عجاف عاشتها أمريكا وعاشها العالم تحت قيادة بلا ضمير وتفتقد الكفاءة!
فى نفس اليوم أيضا قرر أوباما أن يبعث وزيرة خارجيته هيلارى كلينتون إلى الشرق الأوسط لإجراء مباحثات مع أطراف الصراع العربى الإسرائيلى بحثا عن طريق حقيقى- ليس مثل الطريق الوهمى الذى باع بوش خريطته الكاذبة المضللة للعرب!
صدق الرجل فى وعده بأن يكون لأمريكا دور إيجابى لتحقيق السلام وقيام الدولة الفلسطينية.. وقد تكون هذه الزيارة أول خطوة على طريق يستمر السير فيه بجدية إلى أن يتحقق السلام والاستقرار للمنطقة ويستريح العالم من تداعيات هذا الصراع الذى يولد الانفجار الذى أطلق الإرهاب.
ومما يؤكد جدية أوباما أنه أصدر قرارا بتعيين السناتور ميتشل مبعوثا خاصا للشرق الأوسط وهو من أكبر الخبراء فى أزمات الشرق الأوسط. وله تقرير شهير من أيام حكم كلينتون أدان فيه إسرائيل بسبب توسعها فى بناء المستوطنات.
من الواضح أن إدارة أوباما تستعد لتنفيذ بقية الوعود بجدية فهذا رجل لا يعرف الأساليب الميكيافيلية القائمة على الخداع والكذب كما كان يفعل بوش ووزيرة خارجيته.. ومن الواضح أن الإدارة الجديدة سوف تستخدم الدبلوماسية- وليس الحرب- لتضع حدا لبرنامج إيران النووى بالتفاوض مباشرة مع إيران.. وتسعى إلى القيام بدور فعال فى المفاوضات بين سوريا وإسرائيل. انتهى عهد استخدام الجيوش والطائرات وأسلحة الدمار الأمريكية لإخضاع الدول والشعوب.. فى نفس الوقت قرر أوباما تعيين مبعوث خاص على مستوى عال لبحث المشاكل فى أفغانستان وباكستان.. والمشاكل فيهما هى مشاكل أمريكا التى أوقعها بوش فى أكثر من مستنقع فى العراق وأفغانستان.
بدأت إذن سياسة أمريكية جديدة لإعادة التوازن إلى علاقات أمريكا مع العرب، والأفغان، والباكستانيين، وأيضا مع سوريا ومع إيران.. علاقة قائمة على الشراكة وليس على القمع والقرارات الأحادية التى كان يتخذها بوش دائما بصلف زائد على الحد دون إبداء الاحترام لشركاء وأصدقاء أمريكا.
سياسة جديدة.. ودبلوماسية جديدة.. هذه هى بوادر التغيير الذى وعد به أوباما، فقد أثبت من أول يوم أن شعار التغيير حقيقى وليس مجرد وعد من الوعود الزائفة التى برع فيها بوش وبطانته.. لقد ذهب رجل الوعود الزائفة إلى غير رجعة ليرعى البقر فى مزرعته فى تكساس!
***
بوش ترك أمريكا وقد بلغت ديونها الخارجية 12 تريليون دولار، وهذه الديون تساوى الناتج القومى الأمريكى مرة وربع المرة! وترك لأوباما الأزمة الاقتصادية التى بدأت فى أمريكا فى سبتمبر من العام الماضى وامتدت إلى جميع دول العالم، بدأت بانكماش اقتصادى وتحولت - قبل أن يبدأ أوباما رئاسته- إلى ركود وفى طريقها أن تكون تكرارا للكساد العظيم الذى عانى منه العالم بعد الحرب العالمية الأولى، حتى أن صندوق النقد الدولى توقع انخفاض معدلات النمو الاقتصادى العالمى بصورة لم تحدث من قبل، والبعض يتوقع ألا يحدث نمو فى أمريكا هذا العام على الإطلاق ولكن سيحدث انخفاض فى الإنتاج والدخل القومى.. بوش نجح فى نشر الخراب فى العالم وفى أمريكا أيضا!
***
من يصدق أن رئيس الدولة العظمى التى تتولى قيادة النظام العالمى، وتضع على بابها تمثال الحرية، وترفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، من يصدق أن رئيس هذه الدولة وضع 600 معتقل فى سجن جوانتانامو فى أقفاص من الفولاذ دون محاكمة، وكتب خطابا سريا وقعه فى 7 فبراير 2002 يأمر فيه بعدم تطبيق اتفاقيات جنيف الخاصة بحقوق المعتقلين والأسرى على المعتقلين فى سجون أمريكا المنتشرة فى عدة دول. ورفض السماح للصليب الأحمر والصحافة وجمعيات حقوق الإنسان بدخول سجن جوانتانامو وبقية السجون. ومن يصدق أنه سمح بأن يكون فى العراق فى وقت من الأوقات خمسين ألف معتقل فى سجون أمريكية تتم فيها عمليات التعذيب والإعدام لمجرد الاشتباه فى مقاومة قوات الاحتلال الأمريكى، وتخصيص 3400 جندى أمريكى للقيام بعمليات التعذيب، وقد ثبت بعد ذلك أن 60% من المعتقلين تم اعتقالهم عشوائيا ولم يرتكبوا جريمة من أى نوع؟ ومن يصدق أن رئيس أكبر دولة فى العالم نسج مجموعة من الأكاذيب لتبرير غزو العراق، وأنه أعد خطة تدمير العراق قبل أحداث 11 سبتمبر وكذب بادعاء بأن ذك كان حربا على الإرهاب.. ونسج أكذوبة حصول صدام حسين على شحنة اليورانيوم المزعومة من النيجر بينما كان المبعوث الأمريكى إلى النيجر قد راجع السجلات وأجرى تحقيقات فى النيجر وتقدم بتقرير يؤكد فيه أن صدام حسين لم يتعامل مع النيجر فى شراء يورانيوم، ونسج الأكاذيب حول وجود معامل لإنتاج أسلحة دمار شامل فى العراق على سيارات متحركة لتضليل أقمار التجسس الأمريكية، ودفع وزير خارجيته فى ذلك الوقت كولن باول إلى عرض صور لهذه المعامل المتنقلة فى جلسة رسمية لمجلس الأمن، ثم اعترف كولن باول بعد أن ترك موقعه أنه كان مخدوعا هو الآخر وأنه اكتشف أن هذه الصور مزورة! واخترع أساليب لإثارة الخوف فى نفوس الأمريكيين ليتقبلوا إجراءات التجسس والقمع والاعتداء على الحريات.
***
أوباما يبدو على عكس بوش رئيسا محترما ولذلك يحظى باحترام العالم حتى الآن، وبخاصة بعد أن أعلن أنه لا يستبعد ملاحقة عدد من المسئولين فى الإدارة السابقة على ما يثبت عليهم من تجاوزات فى الحرب على الإرهاب، وأنه كلف وزير العدل فى إدارته ببحث هذا الموضوع.
تقول الصحافة الأمريكية عن أوباما إن سجله نظيف، ليس فيه سقطات أو جرائم يخفيها مثل بوش الذى كان فى فترة من حياته شابا مستهترا مدمنا للخمر وكانت له فضائح شخصية كثيرة وقالت عنه والدته إنه لم يكن يتمتع بالذكاء مثل أخيه ولذلك كان والده يعمل على إعداد أخيه ليكون رجل سياسة ويصل إلى الرئاسة ولم يفكر فى ذلك بالنسبة لجورج دبليو أى أن الرئيس السابق بوش أصبح رئيسا واستمر رئيسا ثمانى سنوات.. بطريق الخطأ إنه جاء رئيسا فى الفترتين بطريق التزوير وهذه قصة.. بطول شرحها تحدثت عنها الصحافة الأمريكية بالتفصيل كما تحدثت عن أنه يمتلك اسهما بعشرات الملايين فى شركات البترول الأمريكية الكبرى ولذلك حرص على الاستيلاء على بترول العراق ومعه نائبه تشينى وكونداليزا رايس.
أوباما على العكس مستقيم.. نظيف.. بلا ماض مشين.. لديه احساس وطنى وإنسانى.. يحترم نفسه ويحترم الآخرين.. ويعلن لأول مرة أن سياسة أمريكا يجب أن تكون سياسة أخلاقية.
وهو نفسه قال فى يومه الأول إن مهمته الأولى أن ينظف البيت الأبيض من "الزبالة" وينزع الحشائش المتطفلة!
ولذلك قالوا إنه رجل أبيض دخل البيت الأبيض الذى جعله بوش "البيت الأسود".

1/2/2009

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف