السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

 الأزمة ثلاثية الأبعاد!

أخيرا اعترفت الحكومة بأن الأزمة الاقتصادية العالمية أثرت علينا بعد أن كان رئيس الوزراء يقول إننا- بفضل حكمة الحكومة- لن نتأثر بهذه الأزمة وكأننا فى واد والعالم فى واد آخر!. اعترف رئيس الوزراء بأن تأثير الأزمة المباشر على جميع القطاعات الاقتصادية، ولكنه- كالعادة- أعطانا جرعة تفاؤل فقال إن هذا التأثير سيكون ضعيفا لأن الحكومة- الرشيدة- عملت حسابها. ولديها "خميرة" وبفضل هذه الخميرة لن يشعر المواطن بوطأة الأزمة. بعد ذلك بيومين أعلن وزير التنمية الاقتصادية فى مؤتمر صحفى بأن الأزمة لن ينجو منها أحد، ولم يذكر حكاية "الخميرة" بكلمة واحدة.. مع ملاحظة أن رئيس الوزراء لم يقل ما هى بالضبط هذه الخميرة.
قال وزير التنمية الاقتصادية إن الأزمة الاقتصادية "تهز" اقتصادنا، معدل النمو تراجع إلى 4% بعد أن كان 7.7%، ومعدل البطالة زاد- وسوف يزيد- وحتى الآن أضيف 82 ألف عاطل إلى طابور البطالة، وقطاع السياحة تأثر بالأزمة وانخفضت أعداد السياح عن معدلاتها.. ومعدل التضخم أصبح 14%.. وانخفضت عائدات قناة السويس.. بالإضافة إلى انكماش استثمارات القطاع الخاص.
وكان السيد صفوت الشريف أكثر صراحة فقال من منصة رئيس مجلس الشورى إن الناس لا تشعر بإنجازات الحكومة وتشعر فقط بارتفاع الأسعار على الرغم من انخفاض الأسعار عالميا، وقال إنه أرسل يشترى ربع كيلو جبنة من السوبر ماركت فوجده بعشرة جنيهات ووجده فى المجمع الاستهلاكى بأقل من ذلك بجنيهين ونصف، مما يدل على أن التجار لا يفهمون أن حرية السوق لا تعنى حرية الاستغلال.. وألقى صفوت الشريف المسئولية على الحكومة لأنها لا تمارس دورها فى الرقابة وضبط الأسواق.
وزير التنمية الاقتصادية أيضا اتهم الحكومة صراحة بالبطء فى التعامل مع الأزمة، وقال إن تجاوب التجار مع مشكلة الأسعار لا يزال سلبيا. ولكن لا أحد فى الحكومة لديه حل لمشكلة التجار.. الحديد يرتفع سعره كل يوم بشكل جنونى وينخفض يوما ليرتفع من جديد.. والأسمنت وصل سعر الطن إلى 800 جنيه، وأسعار المواد الغذائية وصلت إلى معدلات قياسية وغير مسبوقة ولا يستطيع المواطن العادى- متوسط الدخل- أن يدير احتياجات أسرته من الطعام، أما الفقراء ومحدودو الدخل فليس لمشكلتهم حل إلا فى التصريحات وعلى صفحات الصحف.. والحكومة بعد أن باعت وسائل الإنتاج وأصول الدولة وأنفقت الثمن فى تغطية العجز فى الموازنة وأعطت أموال البنوك – مدخرات المواطنين- لرجال الأعمال.. لم يعد لديها أسلحة للسيطرة على السوق إلا أن تناشد التجار ورجال الأعمال بأن يكونوا على مستوى المسئولية، ولذلك أعلنت عن أنها ستبدأ الحوار مع الغرف التجارية واتحاد الصناعات ومنظمات رجال الأعمال لمخاطبة ضمائرهم لكى يتجاوبوا مع حركة السوق التى تتجه عالميا نحو انخفاض الأسعار.. ويرحموا المستهلكين!
الحكومة البريطانية أعلنت عن تشكيل لجنة تحقيق مع إدارات البنوك للتعرف على دور القيادات فى الحالة التى وصلت إليها البنوك ومراجعة الأموال التى حصلوا عليها كمكافآت وحوافز وبدلات وهى بالملايين. وقال وزير الخزانة البريطانى: "من الخطأ منح المكافآت للفاشلين". لقد كانت المكافآت تمنح لمن اجتهد وحقق نجاحا والآن أصبحت المكافآت وكأنها حق للمديرين وللعاملين بصرف النظر عن الاجتهاد. وضرب مثلا ببنك أوف اسكتلاندا الذى وزع على المديرين 1470 مليون دولار حوافز ومكافآت على الرغم من أن هذا البنك يتلقى دعما من أموال دافعى الضرائب وبلغت خسائره 28 مليار جنيه استرلينى.. وفى ألمانيا قررت الشركات عدم صرف أرباح للمساهمين على أن تستثمر الأرباح فى مشروعات لتوفير فرص عمل تعوض الذين فقدوا وظائفهم بسبب الأزمة مع ملاحظة أن هذه الشركات قطاع خاص.. وقدم وزير الاقتصاد استقالته.. كذلك بدأت اليابان والصين وكوريا تنفيذ برامج لمعالجة الأزمة منذ شهور.
***
وعندنا قررت الحكومة مؤخرا تخصيص 15 مليار جنيه لزيادة الإنفاق العام فى مجالات البنية الأساسية كثيفة العمالة، وتوجيه المدخرات القومية نحو مشروعات ذات عائد اقتصادى واضح، والسعى إلى جذب الاستثمارات العربية، وتخفيض أسعار الطاقة لبعض الصناعات مثل صناعات الزجاج والسيراميك والكيماويات مقابل الحفاظ على العمالة.. ولكنها ترفض مساعدة المؤسسات الصحفية!
***
لم يعد فى وسع الحكومة إنكار وجود أزمة اقتصادية، لأن الناس تشعر بها وتعانى منها، وقد اعترف وزير التنمية الاقتصادية بأن الحكومة تأخرت فى مواجهة هذه الأزمة، ومن الواضح أن الأزمة ثلاثية الأبعاد.. الحكومة.. والقطاع الخاص.. والمواطن، بالإضافة إلى البعد الخارجى، فالأزمة فى دول العالم انعكست علينا.. انخفضت أعداد السياح.. وانخفضت عائدات قناة السويس.. وانخفضت أسعار البترول.. وانخفضت تحويلات المصريين فى الخارج ومن المتوقع عودة أعداد من العاملين بالخارج.. وهذه آثار مفهومة ولا دخل لنا بها. ولكن الحكومة مسئولة عن الجزء الخاص بالداخل أولا لأنها توسعت فى بيع الشركات والأصول المملوكة للدولة وكانت هذه الأصول هى صمام الأمان فى الأزمات، كانت الحكومة توجه الشركات المملوكة للدولة لتحقيق الأهداف الاجتماعية بالمحافظة على البيع بأسعار معقولة يتحملها المستهلك، وبعدم تسريح العمال وتشريدهم وبالحفاظ على الشركات.. الآن بدأ القطاع الخاص فى وقف خطوط إنتاج، ووقف جانب من النشاط الاقتصادى وتوفير العمالة، وبدأ التجار فى رفع الأسعار لتحقيق أكبر قدر من الربح على حساب الشعب على الرغم من انخفاض الأسعار عالميا نتيجة للأزمة أيضا وانخفاض قيمة العملات بما فيها الدولار واليورو.
فالأسعار فى العالم تتجه نحو الهبوط وعندنا تتجه نحو الارتفاع ولا تملك الحكومة وسائل فعالة للسيطرة على الأسعار. والتجار لا يستجيبون للمناشدات التى توجهها الحكومة لهم وهذا طبيعى.
***
وأخيرا جدا جدا أدركت الحكومة أن المجمعات الاستهلاكية هى الحل، وبعد أن كانت قد شرعت فى بيعها والتخلص منها، ونفذت حيلتها المعتادة بإهمال هذه المجمعات لكى تخسر وتكون الخسارة مبررا للتخلص منها، تحولت الحكومة 180 درجة وبدأت الاهتمام بهذه المجمعات لأنها المنافذ الوحيدة التى تملك الحكومة السيطرة عليها وتحديد أسعارها دون مغالاة، لكى تحقق التوازن فى السوق.
أما التجار والقطاع الخاص ورجال الأعمال فإن المتوقع أن يستمروا فى استغلال الأزمة لمص دم المستهلك وتحقيق المزيد من الأرباح والابتعاد عن كل نشاط لا يحقق لهم ذلك تحت شعار "نحن تجار ولسنا جمعيات خيرية".. وأما الفقراء ومحدودو الدخل فسوف يكتوون بنار الأسعار وبالبطالة التى بشرنا وزير الاستثمار بأنها سوف تزيد.
ونعود مرة أخرى إلى الحديث الذى كانت الحكومة تتهم إصحابه فى عقولهم ووطنيتهم.. الحديث عن دور الدولة.. لقد ثبت فشل النظرية التى كان يرددها معظم الوزراء عن أن دور الدولة يقتصر على التنظيم والإدارة والأمن، أما وظيفتها الاقتصادية ومسئوليتها الاجتماعية فهى من مخلفات العهد البائد.. ثبت فشل نظريتهم بإلغاء التعليم والعلاج المجانى تدريجيا بشعار (كل خدمة لها ثمن).. وإلغاء دعم الدولة للسلع الأساسية والإسكان بشعار "اللى ما معاهوش ما يلزموش" ثبت فشل نظرية انسحاب الدولة من المجالات الاقتصادية وقصر دورها على فتح الأبواب أمام المستثمرين ورجال الأعمال. ثبت أن دور الدولة هو الأساس لتوفير الأمن والاستقرار فى المجتمع بوضع السياسات النقدية والمالية لتخفيض البطالة واستقرار الأسعار والمحافظة على قوة الدفع فى النشاط الاقتصادى.
ثبت عدم صحة نظريات فلاسفة الليبرالية الجديدة ولعلهم يدركون الآن إن التفاعل الحر لقوى السوق لابد أن تنتج عنه آثار سلبية ويؤدى إلى نشأة الاحتكار.. الاحتكار الآن أصبح فى أكثر من مجال. بارونات الاحتكار لا يهمهم حال الفقراء ومحدودى الدخل، طبيعة نظام السوق الحر تؤدى إلى أن الأقوى يأكل الضعيف، والغنى يزداد غنى من دم الفقير، وهدف بارونات القطاع الخاص هو تحقيق أكبر قدر من الربح بطرق مشروعة أو غير مشروعة.. وما أكثر قضايا الغش والنهب والاستيلاء على أراضى الدولة وأموال الناس وما أكثر قضايا الفساد.
هل يمكن أن تقف الدولة على الحياد؟
الآن ثبت أن ذلك مستحيل ولابد أن تتدخل الدولة وبقوة لأن الأمور يمكن أن تصل إلى المساس بالأمن القومى.. وعلى لصوص المال العام أن يرفعوا أيديهم.
وعلى فلاسفة الحرية الاقتصادية المطلقة أن يراجعوا أنفسهم وينظروا حولهم ليروا كيف تتدخل الدول لشراء الأصول من القطاع الخاص لكى تستعيد قدرتها على قيادة الاقتصاد لصالح الشعب.
والاعتراف بالحق فضيلة.

22/2/2009

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف