السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

أوباما و الإسلام 1

يقود الرئيس الأمريكى «باراك أوباما» عملية تحول تاريخية كبرى فى علاقة الولايات المتحدة بالإسلام، وبالمسلمين، وبالدول الإسلامية. يواجه مشاكل وصعوبات لتحقيق ذلك من التيارات والجماعات الأمريكية المتشددة فى بعض المواقع المؤثرة فى القرار، ولكنه مع ذلك يخطو خطوات متتالية تؤكد اقتناعه واقتناع إدارته وغالبية أعضاء الكونجرس ووسائل الإعلام المؤثرة فى الرأى العام بأن سياسة الرئيس السابق جورج دبليو بوش قد أساءت إلى علاقة أمريكا بالعالم الإسلامى إساءات بالغة، وأن الولايات المتحدة نتيجة لذلك خسرت كثيراً، ومن الضرورى أن تعمل فوراً وبقوة على تحسين هذه العلاقات ووقف تدهور العلاقات حفاظاً على مصالحها، وحماية لأمنها وللأمن والسلام فى العالم.
بعد 11 سبتمبر صدرت من الرئيس السابق بوش عبارات فهم منها المسلمون فى أنحاء العالم أنه يحمل مشاعر عدائية للإسلام والمسلمين. قال مرة إنه سيعلن «الحرب الصليبية»، وهى عبارة لها مدلول خاص محملة تاريخيا بمشاعر الاعتداء على المسلمين، وقال مرة أخرى «هؤلاء المسلمون الفاشيون»، وأحاط نفسه بشخصيات مشهورة بالتعصب الدينى ومعاداة الإسلام والمسلمين، من قادة تيار اليمين الدينى فى أمريكا، وكثير من المحللين الأمريكيين قالوا إن بوش نفسه ينتمى إلى هذا اليمين الدينى المتعصب، وإنه يؤمن بأفكار صديقه القس «فرانكلين جراهام» المتطرف والذى يلقى مواعظ نارية مليئة بالهجوم والإهانة للإسلام والمسلمين، وهو ابن القس الشهير «بيلى جراهام» صاحب قناة تليفزيونية مشهورة كان يردد فى أحاديثه «إن الإسلام دين شرير وكريه جداً».. ومن أقرب المقربين إلى بوش داعية التبشير المسيحى المشهور «بات روبنسون» الذى يلقى أحاديث منتظمة على التليفزيون وفى الكنائس، ويردد «إن التفكير فى أن الإسلام دين سلمى تفكير مخادع.. وأن النبى محمد صلى الله عليه وسلم متعصب راديكالى.. سارق.. ولص.. وقاتل» استغفر الله.. ومع هؤلاء القس الشهير «جيرى فالويل» الذى كان يطلق على الرسول صلى الله عليه وسلم لقب «الإرهابى» استغفر الله.. هؤلاء وأمثالهم كانوا أقرب الناس إلى بوش حتى أن صحيفة «هيرالدتريبيون» نشرت افتتاحيتها يوم 8 أكتوبر 2002 بعنوان (بوش والذين يكرهون الإسلام) قالت فيها إن هذه العبارات التى يستخدمها بوش فى أحاديثه عن المسلمين ليست فقط عبارات متطرفين، ولكنها تعبر عن موقف قادة حركة اليمين الدينى من الدين الإسلامى، وهى حركة قريبة من رئيس يتحدث لغتهم، ويتبادلون معه الأفكار، وهذا ما يجعل المسلمين لا يصدقون ما قاله بعد ذلك عن الإسلام هو السلام، وإدانته للإرهابيين المسلمين على أنهم خانوا عقيدتهم، ولا يشعرون بصدق النية فى زيارته التى قام بها للمركز الإسلامى بواشنطن.. ولو كان صادقا فى ذلك لما ظل صامتا على الهجوم على الإسلام والمسلمين من تيار اليمين الدينى المتعصب المتحالف مع التيار الصهيونى، ولقام بإعلان صريح بأنه لا يوافق على ما يقوله وما يفعله هؤلاء الكارهون للإسلام، ثم أصبحت قراراته وسياساته متفقة مع هذا التوجه.
***
وظلت الصحافة الأمريكية تحذر بوش من استمرار التعبير على لسانه ومن أصدقائه عن كراهية الإسلام والمسلمين، ومن ذلك المقال الذى نشرته صحيفة نيويورك تايمز فى عدد 24 يوليو 2004 بقلم الكاتب الأمريكى «ديفيد سانجر» بعنوان «على أمريكا إعادة النظر فى استراتيجيتها تجاه المسلمين» أشار فيه إلى تقرير اللجنة العليا المشكلة لدراسة أحداث 11 سبتمبر الذى انتهى إلى دعوة الإدارة الأمريكية لإعادة النظر فى سياساتها الخارجية تجاه العالمين العربى والإسلامى، وعدم التركيز على الحلول العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية فى التعامل مع البلاد الإسلامية، وبدلاً من الحروب على أمريكا المساعدة على تنمية الدول التى يجد فيها الإرهابيون ملاذا آمنا مثل باكستان، وأفغانستان، وغرب أفريقيا، ودول جنوب شرق آسيا، والفلبين، وأندونسيا.. وبالتنمية لن تكون هذه الدول أرضاً صالحة لظهور الإرهابيين، وجاءت التوصية فى فصل كامل من تقرير هذه اللجنة يدعو الرئيس بوش إلى تطبيق استراتيجية أمريكية عالمية لاقتلاع جذور الإرهاب، وفى هذا التقرير عبارات صريحة تقول إن جهود إدارة بوش غير مناسبة للتعامل مع الإرهاب ومع المسلمين، وأن على إدارة بوش أن تضرب مثالاً للقيادة الأخلاقية فى العالم، وأن بوش يدعى أن سياسته سياسة أخلاقية، ولكن أفعاله عكس ذلك.. وقد أساء بوش إلى العالم الإسلامى بغزوه للعراق وإدعائه أن العراق جبهة القتال المركزية فى الحرب على الإرهاب، وكانت النتيجة أن صار العراق مهدداً بأن يصبح دولة فاشلة، وملاذا للإرهابيين من خارجه، وساحة للهجوم على الأمريكيين، ومنصة انطلاق لتهديد المصالح الأمريكية!
***
وعلى الجانب الآخر كانت مشاعر الغضب تجتاح البلاد الإسلامية، وكانت المظاهرات الرافضة لسياسات إدارة بوش تجاه المسلمين تسير فى 57 دولة إسلامية، وفى دول أوروبا، وفى المدن الأمريكية أيضاً، وكانت مشاعر الإحباط لدى الشعوب الإسلامية مناخاً صالحاً لإعطاء المبرر للمتطرفين فى العالم الإسلامى.. ولم يستطع الرئيس بوش أن ينكر أن الشعور بالعداء لأمريكا منتشر فى العالم الإسلامى، وكان اعترافه بهذه الحقيقة بأنه طلب من مراكز التفكير وصناعة الرأى العام بحث «لماذا يكرهوننا؟» و«ماذا نعمل لنستعيد الثقة»، ولكنه لم يفعل شيئاً لتخفيف حدة العداء، خاصة بعد أن قدمت إليه توصيات بألا يستمر فى تأييد إسرائيل فى اعتداءاتها على الفلسطينيين وحصارها لهم وحرمانهم من ضرورات الحياة، وإقامتها جدران حولت مناطق إقامتهم إلى سجون، ورفضها التوصل إلى سلام مع العرب.. وقدمت لنا النصيحة مراراً بألا يتجاهل الرأى العام المعادى لأمريكا فى البلاد الإسلامية من المغرب إلى أندونسيا، وتجاهل بوش للرأى العام، وتعامله مع العالم الإسلامى بالغطرسة، ولغة القوة هو ما أدى إلى تقوية التنظيمات الإرهابية وانتشار فكر الإرهابيين على أنه الطريق الوحيد لمقاومة الامبريالية الأمريكية.
***
الرافضون لسياسة بوش تجاه الإسلام والمسلمين كانوا هم الأغلبية فى أمريكا ذاتها وفى أوروبا، وطبعاً فى العالم الإسلامى، وعبر عن ذلك صراحة الكاتب البريطانى «باتريك سيل» بمقال اختار له هذا العنوان المباشر (هل أعلنت إدارة بوش الحرب على الإسلام؟)، قال فيه إن بوش وجماعة المحافظين الجدد الذين يرسمون السياسة الأمريكية يتصورون أن معركتهم عبارة عن حرب بين الديمقراطية الأمريكية وأعداء الحرية المسلمين.. بين الحضارة الغربية والهمجية فى العالم الإسلامى.. بين الغرب والإسلام، ويبدو أنهم ابتلعوا نظرية «هنتجتون» المريبة عن صراع الحضارات وجعلوا منها الأساس العقائدى لسياسة أمريكا الخارجية، مما يدعو إلى التساؤل: هل هذه الحروب الأمريكية فى بلاد المسلمين، ومطاردة الإرهابيين حول العالم بأسره ما هى إلا مناوشات أولية لحرب طويلة بين الامبراطورية الأكبر والديانة الأكثر نموا فى العالم؟ وقال باتريك سيل إن ما يؤيد ذلك إشارة بوش نفسه بأن الحرب قد تستمر لأجيال شأنها شأن الحروب الدينية التى هزت العالم فى القرون الماضية.. وبوش هو الذى قال بنفسه «إن النصر قد يأتى بعد يوم أو شهر أو سنة أو عشر سنوات» وجاء الصدى على لسان تونى بلير رئيس الوزراء البريطانى الذى كان يؤيد بوش تأييداً أعمى بأنه سوف يكمل المهمة مهما طال الزمن.. وكان التعبير عن سياسة بوش يتجلى فى ميزانيات القوات المسلحة الأمريكية فى عهده والتى وصلت إلى 400 مليار دولار فى سنة واحدة تفوق الميزانيات العسكرية لجميع الدول الكبرى، وكشف «بول ولفوتيز» نائب وزير الدفاع الأمريكى فى ذلك الوقت نوايا بوش الحقيقية بقوله إن القدرة الحربية الأمريكية ستحول كل الامبراطوريات التاريخية السابقة إلى أقزام بما فى ذلك الامبراطورية البريطانية فى أوج عظمتها! وعلق على ذلك باتريك سيل بقوله «فى كل مسارح النزاع تبدو السياسة الأمريكية غارقة فى الخطأ، ومؤكدة لاعتقاد معظم المسلمين بأن بوش يشن حربا ضد الإسلام، وعلى الإدارة الأمريكية أن تحذر.. هذه حرب لا يمكن كسبها بسهولة كما يتصور بوش والمحافظون الجدد.
أخيراً بعد ما حدث من خراب وخسائر فى العالم الإسلامى وفى أمريكا أيضاً، بل وفى كثير من دول العالم.. أخيراً ذهب بوش غير مأسوف مشيعا، وانطوت صفحته السوداء فى تاريخ أمريكا والعالم.. وجاء رئيس آخر.. مختلف.. باراك أوباما.. يريد إصلاح ما أفسدته إدارة بوش، ويستعيد مكانة أمريكا فى العالم الإسلامى واحترام المسلمين لها.
وهذا حديث آخر.

24/5/2009

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف