السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

  يهــــــــود مصريون أحبـبناهم

فى التاريخ المصرى الحديث أسماء يهود مصريين أحببناهم وساهموا مع غيرهم فى النهضة الثقافية والفنية وفى النهضة الاقتصادية أيضاً، وأسماء يهود آخرين كانوا مصريين، وأعطتهم مصر الثروة والمجد والشهرة، ولكنهم تنكروا لها بعد ذلك وقابلوا الإحسان بالإساءة..
صديقنا الأستاذ سليمان الحكيم الكاتب المعروف يروى لنا سيرة بعض هؤلاء وهؤلاء لكى نزداد حبا للأولين ونأسف لجحود الآخرين، وندرك أن الوفاء والجحود من طبائع البشر بصرف النظر عن جنسياتهم ودياناتهم.. ففى كل شعب.. ومن أصحاب كل دين سنجد الوفاء والجحود كما سنرى..
وليست ليلى مراد وحدها اليهودية المصرية التى أخلصت فى حبها وولائها لمصر، وعاشت حياتها وماتت مصرية تفخر بمصريتها كما تفخر بها مصر..

يعقوب صنوع هو الآخر يهودى وهو الذى أنشأ المسرح المصرى. ولد يوم 15 أبريل 1839 فى حى باب الشعرية بالقاهرة.. لم يتنازل عن ديانته اليهودية، وكان والده مستشارا للأمير أحمد يكن حفيد محمد على. ولأن يعقوب كان ينظم الشعر منذ الصغر فقد نظم قصيدة فى مدح الأمير ألقاها أمامه فى عيد ميلاده فأعجب به الأمير وقرر أن يرعاه، فأوفده فى بعثة دراسية إلى إيطاليا لدراسة الموسيقى والأدب والرسم فأعجب فى إيطاليا بفن الأوبرا، وبعد عودته كان الأمير قد مات فبدأ فى اكتساب رزقه من إعطاء الدروس لأبناء الأمراء والأغنياء فى اللغات والموسيقى، وفى عام 1868 عين مدرسا فى مدرسة الفنون والصناعات، وكان يكتب مقالات عن الآداب الإسلامية فى الصحف الإنجليزية، ثم تفرغ لتأليف التمثيليات باللغة الإيطالية وقدمها على مسرح الجالية الإيطالية بالقاهرة كما قدمها فى إيطاليا أيضا.. وكتب وترجم عددا من الكتب العربية إلى الإنجليزية والفرنسية، وترجم جزءا من القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية، وبعد ذلك عمل على تأسيس المسرح المصرى على منصة مقهى كبير وسط حديقة الأزبكية فى سنة 1870. وكتب تمثيليات غنائية من فصل واحد باللغة الدارجة. وكان يختار أحد تلاميذه ليقوم بالدور النسائى بملابس النساء لأن ظهور المرأة على المسرح كان مرفوضا فى ذلك الوقت..
وصرح الخديوى اسماعيل ليعقوب صنوع بتقديم مسرحياته على مسرح الأزبكية وشهد الافتتاح جميع رجالات القصر والوزراء ورجال السلك السياسى الأجانب، واستطاع أن يجذب فتاتين للتمثيل لأول مرة هما «ليزة» و «ماتيلده» وقد استقبلهما الجمهور بتصفيق شديد. بعدها دعاه الخديو اسماعيل لتقديم مسرحياته على مسرحه الخاص بسراى قصر النيل، وقال له الخديوى اسماعيل: إننا ندين لك بإنشاء مسرحنا القومى.. إنك موليير مصر وسيبقى اسمك ساطعا فى تاريخ مسرحنا.. ولكن- كالعادة- ظهرت حاشية السوء فأقنعت الخديوى اسماعيل بأن مسرحيات يعقوب صنوع فيها إيحاءات بالتعريض بالحاشية والحكومة وبالخديوى نفسه.. فأصدر الخديوى أمره بإيقاف هذا المسرح الذى بدأ يضمن مسرحياته بعض النقد الاجتماعى والسياسى!
***
لم يكن يعقوب صنوع مؤسس المسرح فقط، ولكنه كان مؤسس المسرح الاجتماعى والسياسى أيضا، وطرح فيه قضايا التناقض الطبقى بين الأغنياء والفقراء، ونقد حكم الخديوى اسماعيل مما أثار غضب الخديوى فقرر نفيه إلى باريس، وفى باريس تتلمذ على يد جمال الدين الأفغانى والشيخ محمد عبده، وكلاهما كان منفيا أيضا فى باريس لتنفيذهما لسياسات الخديو، وفى باريس أصدر يعقوب صنوع عددا من المجلات والصحف منها أبو نظارة، وأبو زمارة، والحاوى، والعالم الإسلامى، وظل يصدرها 32 عاما عاشها فى المنفى وحصل خلالها على عدة نياشين وأوسمة من ملوك ورؤساء بلجيكا، وأسبانيا، وفرنسا، وتونس، وتركيا إلى أن مرض وتوفى عام 1912 فى باريس.
هذا يهودى أحببناه.. عاش ومات مصريا ويهوديا فى نفس الوقت وكان له فضل تأسيس المسرح المصرى والصحافة المصرية المعارضة والنقد السياسى والاجتماعى وفن الكاريكاتير..
وداود حسنى.. اسمه الحقيقى «دافيد» كان مولعا بالموسيقى منذ الصغر، وبسبب حبه للموسيقى هرب من والده لمعارضته للموسيقى وذهب إلى المنصورة. وهناك التقى بالحاج محمود شعبان الذى تتلمذ على يديه عبده الحامولى أشهر مطربى عصره.. وبعد أن استكمل تعليمه للموسيقى عاد إلى القاهرة ليبدأ مشواره الفنى بتقليد مشاهير الغناء فى عصره.. عبده الحامولى، ومحمد عثمان، والشيخ عبد الرحيم المسلوب الذى كان من أساطين الغناء.. ولحن داود حسنى بعد ذلك أغانى استقرت فى الوجدان الشعبى ولا تزال تتردد حتى اليوم مثل أغنية «قمر له ليالى» و«عصفورى يا أمه» و « على خده يا ناس ميت وردة» وغيرها من الأغانى الشعبية المصرية، كما قدم مسرحيات غنائية من التاريخ المصرى مثل «كليوباترا» التى وضع موسيقاها الدكتور حسين فوزى وأصبح بذلك أول من وضع الموسيقى التعبيرية فى المواقف المختلفة فى المسرحية، وكذلك لحن داود حسنى أول أوبرا مصرية هى «شمشون ودليلة» بعد أن كانت الأوبرا فنا مقصورا على إيطاليا فقط، وبعدها لحن أكثر من ثلاثين أوبريت لكبار المطربين فى عصره، وأثبت مقدرة الموسيقى العربية على الأداء فى الأوبرا والأوبريت بعد أن كانت مقصورة على الطرب والغناء الفردى.. وكان تلميذه عبقريا أيضا وهو محمد عثمان ولحن داود حسنى لأم كلثوم أغانيها التى اشتهرت بها فى بداياتها.. ولحن أيضاً الأغانى التى اشتهرت بها ليلى مراد فى بداياتها أيضا.. ولا تزال موشحات داود حسنى تتردد إلى اليوم وأشهرها «لما بدا يتثنى»..
وداود حسنى هو الأستاذ والأب الروحى لكثير من الموسيقيين وأولهم سيد درويش وكامل الخلعى ورياض السنباطى.. وداود حسنى هو الذى لحن أغانى منيرة المهدية التى اشتهرت بها..
ومات داود حسنى فى 10 ديسمبر عام 1937 ودفن فى تراب مصر..
هذا يهودى مصرى.. أعطى مصر.. وأعطته مصر.. ودخل التاريخ المصرى.
***
وقصة ليلى مراد معروفة، ولكن قصة شقيقهامنير مراد غير معروفة.. ولد بالأسكندرية عام 1928.. اسمه الأصلى «موريس» واختار اسم «منير» ليكون اسمه الفنى.. عمل فى البداية بائعا ثم أصبح مساعدا لمصور سينمائى فى أفلام المخرج اليهودى السكندرى «توجو مزراحى» ثم عمل مساعدا لعدد من المخرجين منهم حسن الصيفى، وفطين عبد الوهاب، وأحمد بدرخان، وأنور وجدى، وبعد أن تزوج أنور وجدى شقيقته ليلى مراد اختاره مديرا لمكتبه ثم مساعدا له فى الإخراج، وأقنع أنور وجدى بموهبته الموسيقية فأسند إليه تلحين أغنية لشادية شجعه نجاحها على التفرغ للموسيقى والتلحين لعدد من مشاهير الغناء منهم: صباح، وشادية، وعبد الحليم حافظ، ونجاة الصغيرة، وشريفة فاضل، ولحن لشقيقته ليلى مراد أغنية واحدة.. واشتهر بأداء الأغنيات الاستعراضية وتقليد كبار المطربين، وفى رأى النقاد المتخصصين أن منير مراد انتقل بالأغنية العربية وخلصها من التطريب. واشتهر منير مراد بتقليد أصوات المطربين، وكان مجموعة من المواهب فهو مطرب وملحن وممثل وراقص وأديب يكتب قصص أفلامه بنفسه، على الرغم من أنه كان تلميذا فاشلا فى مدرسة الليسية الفرنسية وتركها ليعمل بالتجارة فى بداية حياته. وأخيرا قررت الدولة تكريمه تقديرا لمكانته فمنحه الرئيس جمال عبد الناصر وسام الفنون والعلوم عام 1966.. وتوفى عام 1981 وعمره 53 عاما.
***
نجمة ابراهيم، الممثلة التى اشتهرت بأداء أدوار الشر فى المسرح والسينما، يهودية مصرية، ولدت عام 1914 وتوفيت عام 1976. وكانت ممثلة بالفرقة القومية «المسرح القومى» التى تأسست عام 1936 مع أمينة رزق وعلوية جميل وزينب صدقى.. ولا يزال اسمها مقترنا بدورها فى فيلم «ريا وسكينة» الذى برعت فيه فى دور «ريا» . تزوجت من الممثل عباس يونس، وفى سنة 1955 خصصت إيراد الليلة الأولى من مسرحيتها لتسليح الجيش المصرى بعد أن أعلن الرئيس عبد الناصر قراره بكسر احتكار السلاح، وحضر أنور السادات عضو مجلس قيادة الثورة ليلة الافتتاح، وبعد انتهاء العرض صعد على خشبة المسرح لمصافحتها ومصافحة الممثلين جميعا، وحين فقدت بصرها عام 1963 سافرت إلى أسبانيا للعلاج على نفقة الدولة إلى أن عاد إليها بصرها ومنحتها الدولة وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، ومعاشا استثنائيا هى وزوجها.
***
هذه مجرد نماذج لمصريين يهود لم يعرفوا لأنفسهم وطنا غير مصر.. أعطوا مصر.. وأعطتهم مصر.. وأحبوا مصر.. وأحبهم المصريون.. وماتوا كما عاشوا مصريين فى بلد لا يعرف التفرقة بين أبنائه بسبب الجنس أو الدين
.

27/9/2009

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف