السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

 الكرة الآن فى ملعب الحكومة!

 

بخطـابه فى مؤتمر تطوير التعليم ألقى الرئيس مبارك الكرة فى ملعب الحكومة، وألقاها فى نفس الوقت فى المجتمع كله، وبذلك فإن كل واحد فى البلد عليه مسئولية يجب أن يتحملها ولا يلقيها على غيره.
أعتقد أن الخطـاب فى جوهره إعلان تحول استراتيجى فى الفكر السياسى، يبدو أولا فى اتجاه الرئيس إلى نقل الحوار الوطنى من القاعات المغلقة بين عدد محدود من قادة الأحزاب إلى ساحة المجتمع كله ليشارك كل صاحب رأى برأيه، وبذلك تدب الحيوية فى العمل الوطنى، ويشعر كل مصرى بأن له دورا وأن رأيه له قيمة وأن هناك من يستمع إليه ويتجاوب معه، ومن تفاعل الآراء وتعددها تتبلور اتجاهات جديدة للبناء والتقدم..
كما يبدو هذا التحول ثانيا فى أن الرئيس تحول بالحوار من المحور السياسى وحده إلى سائر المحاور الأخرى، ففتح الباب للاجتهاد فى القضايا الاقتصادية، والاجتماعية، بالإضافة إلى القضايا السياسية بطبيعة الحال. وعلى ذلك فليست هناك فرصة للندابين والمتباكين على الحريات والديمقراطية، فها هى ذى أبواب الحرية والديمقراطية مفتوحة، والموضوع الذى نحتاج فيه إلى عبقرية غربان الشؤم هو المساهمة الإيجابية فى بناء مصر وتحديث كل ما فيها.. قولوا لنا رأيكم وما يجب أن نفعله بدلا من أن تهيلوا التراب على كل إنجاز وكل إنسان وتلقوا نقائصكم على غيركم، وتعيبوا كل شىء والعيب فيكم!
ولأن مبارك قائد لديه رؤية مستقبلية للنهضة فقد بدأ الحوار بموضوع التعليم، وهذه هى البداية الصحيحة، وكل بلد بدأ مرحلة جديد للنهضة بدأها بالتعليم. مصر بدأت نهضتها الحديثة فى عصر محمد على بالنهوض بالتعليم، وعبد الناصر بدأ بناء نهضة مصر فى القرن العشرين بتعميم مجانية التعليم حتى شملت الجامعة والدراسات العليا حتى الدكتوراه وأرسل بعثات إلى الدول المتقدمة ومن بينها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا. ومبارك بدأ مشروعه للنهضة فى الثمانينات بالتعليم، وتحققت انجازات تفوق ما أنجز فى مائة عام، إلا أنه لم يشعر بالرضا ولم يقنع بما تحقق فأعلن فى سنة 1991: (إن أزمة التعليم قد مست المدرسة، والمعلم، والمنهج، والطالب، وإنه برغم كل الجهود المخلصة التى بذلت، فإن الحصيلة النهائية مازالت قاصرة عن تحقيق آمال هذا الشعب). وبعد 13 سنة، أنجز خلالها الكثير جدا، مثل إنشاء 15 ألف مدرسة، وزيادة التلاميذ من 7.5 مليون إلى 15 مليونا، وزيادة ميزانية التعليم العام من 388 مليون جنيه عام 1981 حتى أصبحت اليوم 1700 مليون جنيه، بخلاف بعثات للمدرسين وحوافز لتحسين مستواهم المادى، وبرامج تدريب، ومدينة تعليمية لا مثيل لها فى المنطقة، وتطوير المناهج.. و.. و.. برغم كل ذلك فإن الرئيس- وهو يبدأ الصعود بمصر درجة أعلى، ويبدأ مرحلة جديدة- يعلن فى المؤتمر:(إن المسئولية تحتم علينا أن نعترف بكل صراحة ووضوح بأن منتج التعليم النهائى فى مصر لا يزال فى حاجة إلى قدر كبير من التطوير والتحديث). وهذا هو مبارك، كلما حقق إنجازا تجاوزه ولم يقف طويلا أمامه بالاعجاب، لأن طبيعته لا تقبل التوقف، أو الاعجاب بالذات، أو التباهى بالمعجزات التى حققها دون ضوضاء حتى ظن البعض أنها تحققت من تلقاء نفسها.. ولذلك فإنه يطالب بإنشاء هيئة لقياس الجودة فى المدارس والجامعات، ومصر أول دولة من الدول النامية أعدت مشروع هذه الهيئة، واعتمدتها هيئة اليونسكو وأشادت بإنجاز قطاع التعليم، ويتبقى إصدار قانون بإنشاء هذه الهيئة.
من هنا أقول: إن الكرة فى ملعب الحكومة لأن الحكومة السابقة تلكأت فى إحالة مشروع قانون إنشاء هيئة الجودة إلى مجلس الشعب كما فعلت مع قوانين أخرى شديدة الأهمية. وفى الدول المتقدمة توجد هذه الهيئة لتقييم مستوى التعليم فى كل كلية وكل جامعة وكل مدرسة، ومستوى الأساتذة، والأبحاث الجديدة التى قدمها كل منهم، ومستوى الخريج بالمقارنة مع المستويات العالمية، وتعطى لكل جامعة درجة، ولو فتحت الانترنت على مواقع الجامعات الأمريكية والبريطانية فسوف تجد مستوى كل كلية وكل جامعة محددا، ويتغير هذا المستوى سنويا ارتفاعا أو انخفاضا، ولذلك يقال: إن جامعة ييل فى أمريكا مستواها كذا، وجامعة جورج واشنطن مستواهـا كذا، وجامعة بتسبرج مستواها كذا، ولا يقال ذلك إلا بناء على دراسات وقياسات. وليس لدينا هذا الأسلوب، وكل الجامعات، وكل الكليات تبدو فى مستوى واحد، لأن الحابل اختلط بالنابل، ولأن معايير الجودة والتفاضل غائبة. وجامعات العالم تتنافس فى إنتاج المعلومات والأبحاث الجديدة ونشرها، وفى تطوير التكنولوجيا المتقدمة، والصناعات فائقة الجودة، والتكنولوجيا الحيوية، والعلاج بالجينات والليزر، والدول تتسابق فى تطوير التعليم الجامعى والعالى لأنها تدرك أن التنمية البشرية تعنى التعليم فى الأساس، وأنه المسئول عن تكوين شخصية متوازنة للمواطن من جميع الجوانب الدينية، والجسمية، والعقلية، والاجتماعية، والسلوكية، وتحرص على إكساب كل مواطن الأسلوب العلمى فى التفكير، والتفكير الابتكارى الذى يساعد على التجديد والاختراع.. وهذا هو مفهوم الجودة الشاملة الذى كلف الرئيس الحكومة بتنفيذه دون إبطاء أو تلكؤ.
والرئيس يطالب بتعميق ثقافة البحث العلمى، وبأن تكون لكل جامعة شخصية مميزة ولا تكون الكليات كيانات مكررة ومستنسخة فيكون الخريجون جميعا نسخا مكررة ليس بينها تمايز أو اختلاف فى القدرات والمهارات.. والرئيس يطالب بنظم جديدة فى تعيين وترقية وتقييم أساتذة الجامعة لتكون الأولوية للكفاءة وحدها.
وهذه رؤوس موضوعات يحتاج كل منها إلى بحث وتحليل ومناقشة، ولذلك أعتقد أن الحكومة لابد أن تشكل لجانا حقيقية لا تحصل على مكافآت إلا بعد إنجاز أعمالها لتحويل هذه المطالب الرئاسية إلى أعمال، ونشهد التغيير على الأرض فعلا وليس على الورق.
الحكومة مسئولة أمام الرئيس وأمام الشعب بأن تهتم بمرحلة الطفولة من الحضانة إلى الروضة وهذه المرحلة قبل الابتدائى هى فى الحقيقة أهم مراحل حياة الإنسان، لأن ما نزرعه فيها سوف نحصده فى المستقبل عندما يصبح الطفل شابا، فإذا أردنا شخصية متوازنة متسامحة متعاونة فلابد أن نبدأ من هذه المرحلة.
والرئيس يلقى على الحكومة مسئولية بناء مجتمع المعرفة، لأن هذا البناء يبدأ بالتعليم، وإذا لم تقدم الجامعة المعرفة للطالب، وإذا لم تعوده على الأساليب الصحيحة لاكتساب المعرفة، وإنتاج المعرفة، فأين يمكن أن يتعلم ذلك.. من التليفزيون.. أو من أصدقاء النادى؟
ثم إن الرئيس يطالب بتعميق روح الانتماء، وغرس القيم، وتماسك المجتمع الدينى والاجتماعى، ويطالب أيضا بالحرص على العدالة الاجتماعية وعدم التفريط فى مبدأ المساواة فى فرص التعليم.. من الذى سيفعل كل ذلك.. طبعا الحكومة مع المجتمع المدنى، لكن الحكومة تتحمل النصيب الأكبر.
نحن ندرك أن الظروف صعبة، وأن الأوضاع الدولية غير مواتية، وأن احتياجات الناس كثيرة، وأن كل حكومة تقول إنها ورثت تركة ثقيلة من المشاكل المتراكمة.. كل ذلك ندركه، ونسمعه من كل حكومة ومن كل وزير، ولكن هذه هى مسئولية الحكومة فى النهاية، مسئوليتها أن تجد الحلول للمشاكل، وإذا لم تكن هناك مشاكل فلن نحتاج إلى حكومة ووزراء وهيلمان..
والخلاصة أن الأعذار غير مقبولة، وإما أن تنجز الحكومة ما حدده لها الرئيس بمنتهى الوضوح، وإما أن تعلن أنها غير قادرة، وسوف يوفقنا الله لحكومة تقدر. *

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف