السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

أزمة أخلاق .. أم توظيف أقلام؟!

 

مازالت المرارة فى حلوقنا من مأساة شركات توظيف الأموال. ونحن الآن نشهد الوجه الآخر من العملة فى صورة توظيف أقلام!
هل هى أزمة أخلاق؟
عندما يتحول القلم إلى سلاح للإرهاب والابتزاز، ويتحول الرأى إلى سلعة معروضة للبيع لمن يدفع أكثر وفق قانون العرض والطلب. وعندما يتحول صاحب قلم يفترض فيه أنه يمثل صوت الشعب، وضمير المجتمع، إلى أداة للإضرار بمصالح الشعب وهدم استقرار المجتمع. وعندما يتحول القلم إلى أداة تضليل بدلا من أن يكون أداة تنوير، ويتحول صاحب قلم إلى تاجر شنطـة، أو مداح فى مولد يكيل قصائد المديح لمن يدفع، ويتحول من صاحب مبدأ، وصاحب كرامة إلى منافق ومضلل، يكيل المديح لمن يعطيه وينقلب عليه إذا توقف عن العطـاء. ويرفع من يحقق له مصالحه، ويهاجم من لا يخضع للابتزاز..
إذا حدث ذلك، فماذا نقول؟
هل نقول: على الدنيا السلام؟!
وحين يتنازل صاحب القلم عن دوره كصاحب رسالة ويختار أن يكون (دوبلير) أو (سنيد) لمن له مصلحة لا يظهر فى الصورة، سواء كان صاحب المصلحة فى الداخل أو الخارج. وحين يتحول صاحب القلم الذى يفترض فيه أنه صاحب مبدأ، فيدخل السباق على الثروة بأى طريق مشروع أو غير مشروع، ألا يكون فى هذه الحالة أكثر خطرا على المجتمع من لصوص البنوك، والنصابين أصحاب شركات توظيف الأموال، ومشروع التاكسى، ومقاولى بناء العمارات المنهارة؟. فهؤلاء ضحاياهم مهما بلغوا يمكن حصرهم. أما ضحاياه فلا يمكن حصرهم، وإذا كان الفاسد فى أى موقع يمكن حصاره، ومحاكمته، إلا الفاسد من أصحاب الرأى والفكر لا يمكن حصاره، ولا يمكن تقديمه للمحاكمة، لأنهم يجيدون ادعاء البطولة ويزايدون الوطنيين على ادعاء الوطنية والإخلاص والحرص على مصالح الوطن..! والمخلصون الحقيقيون عادة يتحدثون بعقلانية وهدوء وتواضع، والفاسدون هم دائما أصحاب الصوت العالى، وأبطال المعارك الوهمية، وفرسان لا يشق لهم غبار فى ساحة الأكاذيب والافتراءات!
والشكوى عامة من أنه ظهر من يكتب دون مبالاة، ولا يهمه أن تكون نتائج كتاباته سلبية تضر المجتمع وقضاياه وتسىء إلى صورته. ولا يهمه إذا كانت كلماته معاول هدم فى أسس الاستقرار الاجتماعى. ولا يهمه أن يصرف الناس عن القضايا المصيرية ويشغلهم بكتابات مثيرة عن مسائل فرعية، من تأليفه غالبا، ونادرا ما يكون فيها قليل من الحقيقة وكثير من الكذب لمجرد الإثارة، وإرضاء الميول الاستعراضية.
لا شك أن ما نراه من عنف الحوار بين المثقفين ليس سوى مظهر من مظاهر الأزمة الأخلاقية، وتعبير عن الفهلوة والشطارة وغيرها من سمات الشخصية التى انتقلت مع الأسف من قاع المجتمع إلى من يُفترض أن يكون مكانهم فى القمة، والمفروض أن يكون للصفوة من أهل الفكر، وقادة الرأى والثقافة، مكان الصدارة وأن يحملوا مشاعل التنوير، ويتقدموا الصفوف، ويتولوا هداية المجتمع إلى الطريق الصحيح للتقدم. لكن ما يسجله الاجتماعيون على عكس ذلك، فهم يقولون إن من الظواهر التى استجدت فى المجتمع المصرى اتساع الفجوة بين النخب والجماهير، واتساع الفجوة بين القول والفعل، واتساع الفجوة بين الحقيقة والتعبير عنها، ويرون أن الإعلام عموما مسئول عن هذه الظاهرة، لأن بعض المشتغلين بالإعلام يغرسون فى عقول الناس القيم السلبية الهدامة، وأن ذلك يؤدى إلى تشوه الضمير العام.
ولابد من وقفة. وقفة مع الصديق والعدو. ندعو فيها المارقين إلى وقفة مع النفس ومع الضمير.
لابد من وقفة مع قلة تختار التضحية بالمبادئ والشرف من أجل الثروة والمكانة، الذين يعتبرون ذلك شطارة واغتناما للفرص المتاحة أمامهم، ويحسبون أن ادعاءهم بأنهم هم ذوو الأيدى النظيفة وغيرهم أيديهم ملوثة يمكن أن يصدقه الناس، فإن الادعاء الكاذب إذا انطلى على الناس يوما لابد بعده من أن ينكشف المستور ويظهر ما كان خافيا، كما حدث عندما ظهرت كشوف الرشوة التى كان يقدمها صدام حسين لمن كانوا يدعون أمام قومهم بأنهم مثال الوطنية، وكما حدث مع المرتشين بكشوف البركة لشركات توظيف الأموال.. وليت هذه الكشوف – وغيرها وغيرها – تنشر على الناس ليتبين الخبيث من الطيب!
وفى تفسير هذه الظاهرة يقال إنها من تجليات سياسة الانفتاح الاستهلاكى التى رفعت القيم المادية على حساب القيم الأخلاقية، وألهبت الرغبة فى التملك والحصول على أكبر قدر من الربح فى أسرع وقت وبأية طريقة وبأقل مجهود أو بدون مجهود، وإن هذه الظاهرة هى التى يعتبرها الاجتماعيون (ثقافة السوق فى عصر العولمة) وإعلاء مبدأ العرض والطلب.
والنتيجة.. تسميم الجو السياسى والثقافى.. وإفساد عقول بعض الشباب الذى يصدق ما يقرأونه والسذج يتصورون أن كل ما هو منشور لابد أن يكون صحيحا..
وإذا استمرت هذه الظاهرة فستؤدى إلى نتائج خطيرة، منها أن الناس سوف يتعودون على الحكايات المثيرة حتى ولو كانت كاذبة، وهذه مسألة سيكولوجية نراها فى إدمان مشاهدة الأفلام الخيالية والقصص الوهمية.. ومن نتائجها أيضا أن الناس يمكن أن يفقدوا مع الوقت والاستمرار القدرة على التمييز، والفرز، والحكم على ما يقرأونه وما يسمعونه، وتختلط فى أذهانهم معايير الصدق والكذب، والصواب والخطأ، ماداموا يقرأون ويسمعون كل يوم أن كل شىء خطأ.. وكل إنسان فاسد.. كل شىء وكل إنسان دون استثناء..
والنتيجة – مع الوقت – تعميق الشعور بالإحباط، والسلبية، وعدم الانتماء.. فهل هذا ما يريده هؤلاء..؟ وإن كانوا يريدون ذلك لأهداف لديهم فهل يسكت المخلصون والحريصون على البلد؟
أليس من الواجب أن يقف المثقفون الحقيقيون، الجادون، لإعادة الكلمة إلى نقائها وشرفها وصدقها، وإعادة الرأى إلى مكانته المحترمة، وإعادة الفكر إلى الصواب، وإعادة الثقة فيما يكتب وما يقال لكى يصدق الناس أنه صادر عن نوايا حسنة، ورغبة فى البناء والإصلاح.
هل من الممكن أن يعود الفريق الشارد إلى الصواب؟ هل يمكن أن يدرك أن الظروف التى يمر بها المجتمع المصرى الآن ليست مناسبة لاستخدام معاول الهدم، أو وسائل الدس لتمزيق وحدة الشعب، بينما هناك من يتربص بنا ولا يخفى على أحد.
أصحاب القلم يجب أن يحرصوا على الكرامة والشرف لكى يظلوا أهلا للمكانة المحترمة التى يستحقونها.. مهمتهم رفع مستوى الوعى الاجتماعى والسياسى وليس تزييف الوعى.. ودورهم تنمية التفكير الموضوعى العقلانى لدى الناس وليس إغراءهم بالتفكير العشوائى غير المنطقى. وإثارة الانفعالات القائمة على الأوهام.
مهمتهم أن يقولوا الحق، ولا شىء غير الحق.
لوجه الله، والوطن، وليس لأى شىء آخر.
وليس ذلك على الله ببعيد. *

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف