السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

العداء للإسلام وصل إلى سويسرا!

كنت أظن أن روح العداء للإسلام فى الولايات المتحدة ودول أوروبا لا يمكن أن تصل إلى سويسرا.. لأن صورة  الشعب السويسرى فى ذهنى أنه أرقى الشعوب، وأكثرها حياداً وإنصافاً، وأقلها تأثراً بالدسائس والمؤامرات التى ناصبت الإسلام العداء منذ بداية نشأته وظلت تطارده على امتداد التاريخ لأكثر من أربعة عشر قرناً.

ولكن الباحث المصرى المتميز الدكتور ثابت عيد بجامعة زيورخ بسويسرا فاجأنى بترجمة من اللغة الألمانية لكتاب بعنوان (الإسلام فى سويسرا) للباحثين كريستوف بيتر باومان، وكريستيان ياجى، مع مقدمة كتبها عالم الأديان السويسرى هانس كينج، فدفعنى هذا الكتاب إلى البحث عن المزيد من المراجع والمعلومات عن صورة الإسلام فى سويسرا ربما تفيد فى تنبيه الغافلين والمستسلمين لاحلام اليقظة فى العالم الإسلامى.

يشير عالم الأديان السويسرى هانس كينج فى المقدمة إلى رسالة وصلته من المسيحيين فى مصر تتضمن إعلاناً على صفحة كاملة فى صحيفة هيرالد تريبيلون الأمريكية فى عدد 5 نوفمبر 1998 موقعاً من 20 شخصية مرموقة فى مصر و 2000 من مشاهير الكتاب والصحفيين ورجال الأعمال والمحامين والأطباء والفنانين والمطربين، جميعهم أقباط مصريون، ويقول الإعلان ( إن مسيحى مصر يشجبون المحاولات المتواصلة لقوى الظلام العدائية الذين يروجون مزاعم باطلة عن اضطهاد الأقباط فى مصر، فى حين أن الحقيقة أن الأقباط يمارسون شعائر دينهم بحرية فى مصر، ويشيدون كنائسهم بالرغم من البيروقراطية الحكومية، كما أن علاقاتهم بالمسلمين ودية جداً، وهم مندمجون كلية فى المجتمع، ويقر البيان بوجود ما يدعو أحياناً إلى الشكوى، إلا أن هذا يرجع إلى أفراد وليس إلى الحكومة المصرية.

ويعلق البروفيسور هانس كينج على هذا البيان بقوله: هكذا يعلن مسيحيو مصر اعتراضهم على دسائس الأجانب!، ويضيف أننا فى عصر لا يروج فيه المسيحيون عن الإسلام إلا السلبيات ، فيأتى هذا النداء من المسيحيين فى مصر كاحتجاج على التصورات العدائية عن الإسلام التى يروجها المسيحيون، وغير المسيحيين فى الغرب.. وبالطبع يوجد أيضاً فى مصر وفى الدول الإسلامية الأخرى مسلمون يغرسون تصورات عدائية عن المسيحية ، وليس هذا بمستغرب، فالتصورات العدائية عن (الدين الآخر) مهما كانت متحيزة أو باطلة، فهى أسلوب مريح للغاية، ويمكن استخدامه بسهولة، كما أن التصورات العدائية تؤدى وظيفة سيكولوجية للشخص، ووظائف سياسية اجتماعية للمجتمعات ، فهى تخفف الأعباء عن الذات، وتقنع الإنسان بأنه ليس (نحن)، وليس أصدقاؤنا الذين يتحملون الوزر، ولكن (العدو) وحده هو الذى يتحمل الوزر كله، وكذلك فإن الإحساس بالذنب.. والشعور بالنقص .. والاحباطات.. والمشاعر العدوانية.. كل ذلك يمكن تحويله إلى الخارج، وإسقاطه على (العدو).. أى أن (التصورات العدائية) تسهل لنا إيجاد (كبش الفداء).. والتصورات العدائية لها مهمة أخرى فوق كل ذلك، فهى تساعد على التماسك، ومهما اختلفنا فى أمور كثيرة، نبقى متماسكين (ضد العدو) وهكذا يمكن فهم (سيكولوجية العداء فى الغرب للإسلام واختياره كعدو مشترك) لأن وجود عدو مشترك يجعلنا متماسكين، فالتصورات العدائية تشجع على التفكير بأسلوب الكتل.

التصورات العدائية أيضاً تساعد على الاستقطاب، وتجعل الخيار أمامنا، إما هذا وإما ذاك، وتقسيم البشر وتوظيفهم على أساس: صديق أو عدو.. والتصورات العدائية تؤدى إلى التنشيط واليقظة.. تجعل من حقنا أن ندافع عن أنفسنا ضد الآخرين سواء كان الآخرون هم الغرباء، أو الأعداء ، وسواء كان (الآخرون) فى الداخل أو فى الخارج.. وبذلك فإن (الريبة) وحدها لا تكفى، ولن يكون مبرراً استخدام (الأعمال) العدائية، والعنف، سواء العنف المادى، أو النفسى، أو السياسى، وحتى العسكرى، فالتصورات العدائية تحسم حالة التردد والحرج من القتل.. إن التصورات العدائية تؤدى بسهولة إلى الحرب الباردة ، أو الحرب الساخنة.

وأعتقد أن هذا التحليل للباحث السويسرى هو افضل ما يمكن قوله لفهم ضرورة وجود (عدو) للغرب.. وعندما انتهى وجود العدو السوفيتى كان (الإسلام) هو المرشح الأول ليكون (العدو) لأن الغرب لا يمكن أن يتفوق ويحتفظ بتفوقه إلا بإيجاد (عدو) يحقق له ما ذكره البروفيسور السويسرى هانس كينج.. ولكنه يطرح بعد ذلك سؤالاً صعباً: هل يمكن تغيير التصورات العدائية؟.. ويجيب: بالقطع إن هذه التصورات ليست أفكاراً خالدة أو من الضرورات الثابتة،ولذلك يمكن أن تفقد معناها وتصبح غير ذات موضوع، كما حدث فى تصورات الغرب العدائية تجاه النظام السوفيتى، ولكن التصورات العدائية يمكن أن تنتقل من الروس إلى المسلمين والعرب واليابانيين.. من يا ترى سيأتى عليه الدور؟.. وفى نفس الوقت يمكن تصحيح التصورات العدائية، ويمكن أن ينقلب الأعداء أصدقاء كما حدث مع دول أوروبا، وذلك عندما يتم التركيز على الجوانب المشتركة والواجبات المشتركة.

يقول البروفيسور هانس كينج إنه يوجد حالياً خمسة وعشرون نزاعاً إقليمياً تتورط فيها أربعون دولة، وغالباً ما تلعب الأديان فيها دوراً، وللحق فإن الإسلام ليس وحده فى هذه النزاعات.. ويرفض الباحث السويسرى نظرية صدام الحضارات الذى تقوم الأديان بإشعاله والذى يقال إنه واقع لا محالة، لأنه لن يكون هناك سلام بين الأمم، بدون سلام بين الأديان.. وأن حوار الأديان أظهر أن الإسلام أيضاً بوسعه أن يسهم بنظامه الأخلاقى فى تشكيل نظام أخلاقى إنسانى مشترك، يتكون من القيم المشتركة والمعايير الثابتة.

***

ويقول ثابت عيد إنه ليس صحيحاً أن خوف الغرب من الإسلام لم يبدأ إلا بعد سقوط الشيوعية، وتفكك الاتحاد السوفيتى ، وأثناء حرب الخليج، لأن خوف الغرب من الإسلام قديم قدم الإسلام ذاته، ولكن ينبغى أن نفرق بين نوعين من الخوف: خوف له ما يبرره من أسباب مقنعة، وخوف مبنى على الأوهام، فالحضارة الإسلامية بدأت مرحلة الانحطاط حوالى سنة 1111 ميلادية، وهى السنة التى تمثل بداية عصر الحضارة الأوروبية ، ومنذ ذلك الوقت وأوربا تتقدم، والمسلمون يتأخرون، فأوربا قوية، والمسلمون ضعفاء ، والقوى لا يخشى الضعيف إلا عن جهل بقوته، وضعف الآخر، أو ربما عن مرض نفسى يتوهم فيه القوى نفسه ضعيفاً ، وأن خصمه الضعيف قوى، وينتهى ثابت عيد من بحثه إلى أن مخاوف الغرب من الإسلام لها سببان: الجهل، والخبث، فهناك فئة  الجهلاء فى الغرب يسمون أنفسهم (خبراء فى شئون الشرق الأوسط) دون أن يكونوا قد درسوا تاريخ الإسلام والعرب، ودون أن يفهموا عقلية تلك الشعوب، وهؤلاء يتاجرون بتخويف الغربيين من الإسلام ولكن عن خبث، ولعل برنارد لويس خير من يمثل هذه الطائفة، وأغلبها من ذوى الاتجاهات الصهيونية.

ويورد الدكتور ثابت عيد حوارا طريفا قال فيه لأحد أساتذة الدراسات السياسية الألمان: لماذا المخاوف المزعومة من الإسلام وهى مخاوف ليس لها ما يبررها فالمسلمون اليوم فى حالة استضعاف وهم عاجزون عن تصنيع دراجة أطفال دون الاستعانة بالتكنولوجيا الغربية، بينما الغرب لديه أسلحة فتاكة، وقنابل مدمرة، تكفى لسحق المسلمين، بل تكفى لتدمير الكرة الأرضية، ويقول: الحمد لله أن الغرب لم يعدم المتخصصين العقلاء الذين يحاولون تصحيح صورة الإسلام المشوهة فى الغرب، منهم عميدة الاستشراق الألمانى البروفيسورة آنا مارى شيمل، وهانس كينج أشهر علماء الأديان السويسريين، والمستشرق الألمانى جرنوت روتر استاذ الدراسات الإسلامية فى جامعة هامبورج.

أما كتاب (الإسلام فى سويسرا) الذى ألفه كريستوفر بيتر باومان، وكريستيان ياجى فإنه يبدأ بالحديث عن المذاهب الإسلامية ويقول: إن المتداول فى الغرب أن الشيعة طائفة متطرفة، وفى ذلك تعميم سطحى، ثم ينتقل إلى الحديث عن المرأة فى القرآن فيقول: إن القرآن يميز بين علاقة الإنسان بربه من ناحية، وعلاقة الإنسان بالإنسان من ناحية أخرى، ففى علاقة الإنسان بالله يتساوى الرجل والمرأة أمام الله، كما جاء فى الآية : (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساء).. (النساء : 1) فالمرأة فى الإسلام لم تخلق للرجل كما يقول البعض بل إن الرجل والمرأة خلقا ليكمل أحدهما الآخر، ويساوى الإسلام بين الرجل والمرأة فى الجزاء والحساب والعقاب: (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) (غافر: 40) وبعكس رواية الإنجيل، لا يتهم القرآن حواء وحدها بمعصية الله، بل إن آدم أيضاً كان شريكاً لها: (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما وورى عنهما من سواءتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين، فدلاَّهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين، قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين) (الأعراف 24-19).

ويقول المؤلفان إن الإسلام لا يساوى بين المرأة والرجل فى كل شىء، فلكل منهما حقوق وواجبات منفصلة، فالرجل مسئول عن الانفاق على الأسرة، وهو الذى يمثلها أمام المجتمع، والمرأة تنجب الأطفال، وتقوم بتربيتهم، والرجل هو رب العائلة، والمرأة تدين له بالطاعة: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله) (النساء 34) والرسول (صلى الله عليه وسلم) أوصى بحسن معاملة النساء والرفق بهن، وتثير مسألة تعدد الزوجات فى الإسلام الكثير من الجدل فى أوربا (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) (النساء: 3) ويبرر المسلمون ذلك بأن تعدد الزوجات له أسباب تاريخية ، حيث كان عدد النساء يفوق عدد الرجال فى الجاهلية وصدر الإسلام بسبب الحروب وارتفاع عدد القتلى من الرجال، وبالتالى زيادة الأرامل، فكان حل هذه المشكلة فى نظام تعدد الزوجات، وبينما يقول الحديث: (الجنة تحت أقدام الأمهات) ورفع بذلك شأن المرأة إلى أعلى درجة فإن المرأة لا تتمتع بحقوق الرجل فى الدول الإسلامية فى الحياة اليومية ، وفى الحياة العامة..

ولقد لعبت رواية (ليس بدون ابنتى) التى كتبتها المؤلفة الأمريكية بيتى محمودى دورا كبيرا فى تشويه مكانة  المرأة فى الإسلام، وإساءة إلى الإسلام فى الغرب بشكل عام، فقد بيع من الترجمة الألمانية لهذه الرواية ثلاثة ملايين نسخة، والرواية تحكى مأساة زواج فاشل بين مؤلفة الرواية ومسلم إيرانى، وعامة الغربيين يعممون أحداث هذه الرواية، حتى أن بعض المسلمات فى سويسرا قمن بتوجيه نقد لاذع للرواية وقالت إحداهن: قبل أن ينتقد السويسريون وضع المرأة فى الإسلام، عليهم أن يصلحوا أوضاعها فى سويسرا، فالمرأة فى سويسرا حتى الآن لا تحصل على نفس أجر الرجل إذا قامت بنفس العمل، وحتى عهد قريب كانت المرأة السويسرية فى بعض المناطق لا يحق لها الإدلاء بصوتها فى الانتخابات.. والسويسريون يؤسسون بيوتا خاصة للنساء المضطهدات الهاربات من تعذيب أزواجهن الذين يقومون بضربهن وإساءة معاملتهن، ووضع المرأة فى الكثير من الدول الإسلامية اليوم يشبه وضعها فى سويسرا حتى فترة ليست بعيدة. ويستنكر السويسريون الحجاب، والفصل بين النساء والرجال، وتزويج الآباء بناتهن فى سن مبكرة.

ويبدى المؤلفان انزعاجهما من السيدات المسلمات اللاتى يرتدين الحجاب، بينما كان الحجاب فى الجامعات ممنوعا فى تركيا حتى أكتوبر 1990، وتواجه السيدات المحجبات فى سويسرا مشاكل عديدة، ويتعرضن فى الطريق للسباب والشتائم، وقد تمتد أيدى المعاكسين إلى الحجاب لتمزيقه، ويسجل الكتاب شكوى إحدى المسلمات فى سويسرا قائلة: (فى سويسرا يوجد أيضا مسيحيات محجبات مثل الراهبات والممرضات، فلماذا يضايقوننا نحن فقط؟) ويقول المؤلفان إن حصول سيدة مسلمة محجبة على مسكن غالبا ما يكون أمرا عسيرا، وقد يكون الحجاب سببا للطرد من العمل.

***

يقول المؤلفان أيضا إن الاهتمام بالإسلام ازداد فى السنوات الأخيرة، كما يتضح من الكم الهائل من الكتب والمقالات وبرامج الإذاعات وشبكات التليفزيون التى تعالج موضوع الإسلام. وليس نقص المعلومات فقط هو المشكلة، ولكن المعلومات المتحيزة هى التى تسهم فى نشر الصورة المشوهة عن الإسلام، فكتاب مثل (ليس بدون ابنتى) يجد رواجا وقبولا من القراء أكثر آلاف المرات من أى كتاب موضوعى عن الإسلام، ومثل هذه الكتب تؤكد وتثبت تصورات الأوربيين الخاطئة عن الإسلام. ويضيف المؤلفان أن الخمينى أسهم فى تشويه صورة الإسلام فى الغرب، ويواجه الباحثون الأوربيون مشاكل جمة عندما يبحثون عن مسلم متدين ليجيب لهم عن بعض الأسئلة المتعلقة بالإسلام، أو لمراجعة ما كتبوه أو قرأوه، فاللغة تقف عائقا، فضلاً عن أن المسلمين يتشاجرون دائما ويتبادلون الاتهامات بعدم فهم الإسلام أو بالبعد عن الإسلام.

***

يقول المؤلفان إن الجهل بالإسلام يبدأ بتسمية المسلمين (محمديين) ويعتبر معظم المسلمين هذه التسمية إهانة لهم، لأنهم لا يعبدون محمدا (صلى الله عليه وسلم) ولكن يعبدون الله، وبعض الباحثين السويسريين يفرقون بين لفظ (الله) بالألمانية GOTT ولفظ (الله) عند المسلمين، ويقولون إنهم يعبدون GOTT بينما يعبد المسلمون الله ALLAH وكأن هذا إله غير ذاك، ولا يفهمون إن مفهوم اللفظين واحد.

ويتساءل المؤلفان: لماذا لا نعرف إلا القليل عن بعضنا البعض؟

ويجيبان بأن السبب هو الخوف المستتر من الآخر، وبسبب الكراهية المتبادلة لا يسعى أى طرف إلى حوار مع الطرف الآخر، وليس لدى أى طرف استعداد كاف لمعرفة واكتشاف عقيدة الآخر، ويضاف إلى ذلك اعتماد السويسريين فى معرفتهم عن الإسلام على كتب غير موضوعية فى الغالب، ومتحيزة ضد الإسلام، مثل: (سوف يفترسنا الإسلام) و(التحدى الإسلامى) و(سيف الإسلام) وتكشف عناوين أمثال هذه الكتب عن مضمونها، كذلك فإن من المؤكد أن المناهج الدراسية المقررة فى كثير من دول الغرب أسهمت فى الإبقاء على هذا المستوى المتواضع من المعلومات عن الإسلام، ويظهر العداء بشكل واضح عندما يبحث المسلمون عن مكان لبناء مسجد يعبدون الله فيه فإنهم يواجهون الاعتراضات على ذلك.

***

هل يمثل الإسلام تهديدا للغرب؟

يجيب المؤلفان عن هذا السؤال بأن حرب الخليج لم تكن سبب ظهور مخاوف الغرب من الإسلام، كما لم يكن تزايد أعداد المسلمين فى أوربا سببا لهذه المخاوف، لأن معظم مخاوف الغرب من الإسلام كانت موجودة بالفعل على المستوى الشخصى، ومن خلال التقارير الصحفية عن استخدام الأتراك السكاكين فى المعارك التى تنشب فيما بينهم أو مع جنسيات أخرى، ازدادت التصورات الخاطئة والمتحيزة عن (الأجانب الأشرار) ولأن معظم الأتراك مسلمون فقد ظهرت المعادلة التى تقول إن المسلم يعنى طعنات سكين، وقد انتشرت هذه المعادلة لفترة طويلة، دون مناقشة هل الجرائم بين المسلمين أكثر من الجرائم بين المسيحيين، والإسلام والمسيحية يرفضان الجريمة بنفس الدرجة، ولكن الخوف من العنف يطفو على السطح دائما كلما أثيرت فكرة إنشاء مركز لتجميع اللاجئين فى سويسرا.

***

ويتحدث المؤلفان عن مسلسل تليفزيونى من أربعة أجزاء عرضته القناة الثانية الألمانية كتبه الصحفى الألمانى بيتر شول لاكور بعنوان (سيف الإسلام) وكانت الفكرة التى غرسها هذا المسلسل فى أذهان من شاهدوه من الأوربيين أن الإسلام لن يمكن وقفه إلا باستخدام السلاح، بعد أن قدم المسلسل نماذج عديدة استخدم المسلمون فيها العنف ضد خصومهم، مما أثار مخاوف كل من تابعوه، فضلا عن أن أعمال الخومينى (الوحشية) لا تزال حاضرة فى أذهان الأوربيين، وفتواه بإهدار دم سلمان رشدى بسبب كتابه (آيات شيطانية) بالرغم من أن إيران رجعت عن هذه الفتوى، وتنقل سلمان رشدى بحرية فى معرض فرانكفورت للكتاب فى عام 1998، ولكن الأوربيين يتحدثون دائما عن موجة العنف الإسلامى على أنها فى تصاعد مستمر، كما أن عدد الدول المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية فى تزايد مستمر، وكل ذلك ساعد على تزايد مخاوف الغرب من الإسلام. ويقول المؤلفان إن المسيحيين الذين يمارسون النقد الذاتى لابد لهم أن يتذكروا الأحداث المخزية فى تاريخ الكنيسة قبل أن يعلنوا استنكارهم للإسلام.

***

يؤكد المؤلفان مرة أخرى: أن الصراع بين الإسلام والمسيحية حقيقة ثابتة، حيث يرى كل منهما أنه الدين الحق، ولدى المسيحيين عدد من الجمعيات التبشيرية هدفها تنصير المسلمين، وقد أصدر البابا يوحنا بول الثانى منشورا بابويا فى يناير 1991 طالب فيه بتكثيف الحملات التبشيرية، وعلى الرغم من ذلك فالحقيقة أن الإسلام هو أكثر الأديان انتشارا، وهذا يشير إلى نجاح الدعوة الإسلامية، وكذلك فإن أعداد المسلمين الذين يعيشون فى الغرب فى تزايد مستمر، وقد تعدى عددهم فى سويسرا- حسب إحصاء عام 130- 1990 ألف مسلم، وفى ألمانيا أكثر من مليون ونصف مليون، وقد انتشرت المخاوف من أن هذه الأعداد المتزايدة من المسلمين جاءت إلى سويسرا وألمانيا بهدف نشر الإسلام فى البلدين، مع أن تفنيد هذا الادعاء سهل، لأن تزايد أعداد المسلمين فى العالم يرجع إلى أن نسبة تزايد المواليد فى دول العالم الثالث التى ينتمى إليها المسلمون مرتفعة جدا، وبزيادة عدد السكان يزداد الفقر، أى أن المسلمين يزدادون عددا ويزدادون فقرا فى نفس الوقت، ولهذا يتطلعون إلى الهجرة إلى الدول الغنية فى وسط أوربا بحثا عن فرص عمل وسعيا لتحسين مستوى معيشتهم، وهذا هو سبب هجرة المسلمين إلى أوربا، وليس السبب رغبتهم فى الدعوة للإسلام.. فمعظم العمال المسلمين فى سويسرا عمال بسطاء، غير مثقفين، أو من طالبى اللجوء السياسى، وهم إن كانوا متدينين فإنهم لا يتطلعون إلى نشر دينهم بين الشعب السويسرى.. وإن كان لفظ (التبشير) فى المسيحية يكاد يتطابق مع لفظ (الدعوة) عند المسلمين، وكما أن التبشير فرض فى المسيحية كما جاء فى إنجيل مرقص (16- 16): (اذهبوا إلى العالم أجمع وكرزوا (أى بشروا) بالإنجيل للخليقة كلها ) فلا يوجد مقابل لذلك فى الإسلام، وعلى العكس يقول القرآن: (ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله..) (يونس 100- 99) ويقول المؤلفان بالإضافة إلى ذلك إنه على الرغم من وضوح هذا المبدأ القرآنى فإن الواقع قد يختلف أحيانا عن النظرية، فالمسلمون فى دول وسط أوربا يقومون بالدعوة، ولكنها دعوة داخلية، أى تقتصر على تعليم ودعوة المسلمين فحسب، بمعنى محاولة إحياء الحس الدينى لدى المسلمين غير المتدينين.

***

ويبحث المؤلفان عن أسباب المخاوف، ويصل بهما بحثهما إلى أن اختلاف العقليات، وعدم إتقان لغة الآخر، يؤديان إلى صعوبة الفهم المتبادل، وتظهر مخاوف السويسريين من الإسلام عندما تبحث مجموعة من المسلمين عن مكان يمارسون فيه عبادتهم، ولأن السويسريين يخشون من الإسلام منذ البداية فإنهم يرفضون منح المسلمين التصاريح لبناء مساجد، ومن بين الحجج التى يسوقها السويسريون لموقفهم قولهم بأن المسلمين لا يحسنون معاملة المسيحيين فى العالم الإسلامى، حتى أنه كان ممنوعا على قوات الحلفاء فى السعودية أثناء حرب الخليج أن تحتفل بأعياد الميلاد (وهذا غير صحيح) فى الوقت الذى يسمح فيه المسيحيون للمسلمين بإقامة مساجد وبناء مراكز إسلامية، ويرى المؤلفان أن هذا الادعاء صحيح جزئيا حيث أقامت السعودية ثلاثة مراكز إسلامية فى سويسرا بينما الجالية السعودية لا يتعدى أفرادها ألف سعودى، (السعودية لا تقيم المراكز والمساجد للسعوديين فقط ولكن للمسلمين المقيمين من أى جنسية).

ويقول المؤلفان إن نسبة الأطفال الأجانب فى بعض دور الحضانة السويسرية يصل أحيانا إلى 75% من عدد الأطفال، ومن هذه النسبة عدد كبير من الأطفال المسلمين، وذلك يمثل فى ذاته حقيقة مزعجة جدا لكثير من السويسريين، حيث يتساءل بعضهم: كيف يمكننا تدريس الثقافة المسيحية وتأصيلها لدى أطفالنا فى الحضانة، فى حين أن معظم الأطفال ليسوا مسيحيين؟ وهذه الأوضاع لا تقلق السويسريين المعادين للأجانب فحسب، بل إن هناك فئة كبيرة من السويسريين الآخرين يخشون فقدان الهوية نتيجة لهذه التغيرات. ويقول المؤلفان: الواقع أن فقدان التدين، والابتعاد عن المسيحية بدأ فى عائلات سويسرية كثيرة قبل ذلك بوقت طويل، ومن السهل جدا اتخاذ الأجانب كبش فداء، ولكن ذلك لن يحل المشكلة، فإذا كان التدين غير موجود أصلا فى الأسرة، فمن الصعب على الحضانة، أو المدارس أن تعوض هذا النقص.

***

يقول المؤلفان: إن مستوى المعلومات لدى أصحاب كل دين عن دين الآخر متواضع، فالمسلم العادى لا يعرف عن الدين المسيحى فى الغالب إلا القليل، ونادرا ما يكلف المسلم نفسه عناء معرفة المسيحية بقراءة الإنجيل.. ويتحفظ المسلمون على عقيدة التثليث، ويرون أن المسيح تلقى إنجيلا واحدا من الله، ولكن أتباعه جعلوه خمسة أناجيل، كما يجهل المسلمون تاريخ الكنيسة كما يجهل المسيحيون تاريخ الإسلام، وتوجد بالإضافة إلى ذلك تصورات خاطئة لدى المسلمين عن المرأة الأوربية، حيث يحكمون عليها من خلال ما ترتديه من ملابس تبدو لهم شبه عارية، يضاف إلى ذلك أن معظم المسلمين فى سويسرا وألمانيا لا يتمتعون سوى بقدر ضئيل من الثقافة، ومعرفتهم بالإسلام محدودة جدا، بالرغم من تمسك بعضهم بالعبادات، ويشمل هذا الجهل، أو نقص المعلومات، هؤلاء الذين يعلنون إسلامهم من الأوربيين، وغالبا ما تكون معلوماتهم عن المسيحية أيضا متواضعة جدا.

لذلك- كما يقول المؤلفان- لابد من التفريق فى المسيحية والإسلام بين الدين واتباعه ولا ينبغى الخلط بين ديانة ما والطريقة التى يعيش بها أصحاب هذه الديانة، ولا يمكن استنتاج تعاليم ديانة معينة من خلال سلوك اتباع هذه الديانة، على الرغم من أنهم قد يترددون بانتظام على الكنيسة أو المسجد، كما لا يمكن الحكم على دين من خلال حياة فرد واحد من اتباع هذا الدين، أو عن طريق التقارير الصحفية التى تميل إلى المبالغة والتهويل. فالفرد المسلم لا يمكن اعتباره ممثلا للإسلام كله.. وكذلك الحال بالنسبة للفرد المسيحى والمسيحية، فكما توجد اتجاهات مختلفة فى المسيحية توجد أيضا فى الإسلام اختلافات ثقافية، واجتماعية، وسياسية، تبعا للاتجاه العقائدى، والبلد، والطريقة المثلى لفهم العقيدة هى دراسة الكتب السماوية ذاتها، أو الكتب التى تعطى القارئ فكرة عن تلك العقائد، وبعكس المسيحية التى رفضت الاعتراف بالقرآن على مر القرون، واعتبرته من تأليف محمد (صلى الله عليه وسلم) يعترف القرآن بالكتب السماوية الأخرى ومنها الإنجيل.

ويشير المؤلفان إلى كتاب من تأليف الباحث السويسرى هانس كينج بعنوان (مشروع أخلاق عالمية) يقول فيه: (لن يكون هناك سلام عالمى بدون سلام بين الأديان) فإذا كانت سويسرا لا تستطيع أن تسهم فى تحقيق السلام العالمى، فلا أقل من أن تعمل على تحقيق التعايش السلمى بين مختلف الأديان، والجنسيات، والأجناس فى داخلها. ويضيف المؤلفان: لا يختلف اليوم اثنان على استحالة تجاهل وجود المسلمين فى أوربا، وهناك تطورات إيجابية تشير إلى التفهم المتزايد للإسلام فى سويسرا، فليس المطلوب إدخال المسلمين فى المسيحية، ولكن المطلوب هو الحوار، ولذلك أصبحت جمعيات التبشير السويسرية منذ اجتماعها سنة 1991 لا تعتمد على (مبشرين) للتبشير بالمسيحية فى مختلف دول العالم، ولكن تعتمد على موظفين يتقنون الحوار.

***

ويتحدث المؤلفان عن المهاجرين المسلمين فى سويسرا، وقد أصبح عددهم أكثر من 130 ألف مسلم، وهم مثل كل المهاجرين يواجهون فى البداية مشكلة التأقلم مع المجتمع الجديد، فالناس فى سويسرا يتحدثون لغة أخرى، ولهم سلوك مختلف، وملامحهم قد تبدو غريبة، ويلبسون ملابس غير معتادة، وطعامهم غير مألوف، وعلاقة الرجال بالنساء على غير ما اعتاد المهاجرون، ونظم التعليم مختلفة، والأجور تبدو مرتفعة ولكنها تتضاءل بسرعة عند سداد قيمة الإيجار والاكتواء بنار الأسعار، وفضلا عن ذلك فالعمل مختلف، وأوقاته مختلفة، ونظمه وقوانينه، وأساليب الإدارة الحديثة، وعادات عجيبة.. كل ذلك يمثل مشاكل يواجهها المهاجرون جميعا، وكما أثبت عالم الاقتصاد والاجتماع يوخايم هوفمان نووتنى، فإن القاعدة إن وضع المهاجرين فى المجتمع يكون فى مرتبة ثانية بحقلهم يواجهون مشكلة مزدوجة، فمن ناحية يجد المهاجرون الجدد أنفسهم أمام تحد جديد تجعلهم يكافحون من أجل تحسين وضعهم الاجتماعى فى بلد المهجر، ومن ناحية أخرى عليهم أن يظهروا دائما أمام أبناء بلدهم الذين لم يهاجروا، والذين هاجروا معهم، بمظهر المحتفظين بأصالتهم، وهذا يعنى المحافظة على شرف العائلة وسمعتها فيما يخص البنات والنساء حتى لو أدى ذلك إلى مشاكل شائكة فى مجتمع يمارس التعليم المختلط.

وعدد المسلمين الذين يحملون الجنسية السويسرية وفقا لتعداد عام 1990 يبلغ خمسة آلاف مسلم تقريبا، منهم عدد كبير ليس سويسرى الأصل، ولكنه نشأ فى عائلة مسلمة، أما السويسريون الذين يعلنون إسلامهم فلا يترددون كثيرا على المساجد، لأن اللغة تبقى عائقا كبيرا بالنسبة لهم، على الرغم مما يشعرون به من جاذبية نحو الإسلام، وبعكس ألمانيا، لا يوجد فى سويسرا جمعيات إسلامية للمسلمين الناطقين بالألمانية باستثناء الجماعات الصوفية.. وقد وصل عدد المسلمين فى سويسرا وفق إحصاء 1990 إلى 130 ألف مسلم أى 2% من السكان تقريبا، وهم من دول العالم الإسلامى المختلفة، ونسبة منهم حصلت على الجنسية السويسرية، كما يوجد عدد غير قليل من السويسريين أعلنوا إسلامهم وتزوجوا من مسلمات، ولكن هناك أيضا عددا كبيرا من السويسريين يشهرون إسلامهم دون أن يكون الزواج هو الدافع لذلك، وعدد السويسريات اللاتى يدخلن فى الإسلام بدون ارتباط بزوج مسلم فى تزايد مستمر، وتأثير الأقلية المسلمة فى سويسرا على الحياة السياسية والثقافية ضئيل جدا، ويعتبر الإسلام ثالث أكبر الأديان فى سويسرا، إلا أنه ما زال يمثل أقلية دينية، ويذهب كثير من المسلمين إلى المساجد فى الأعياد، وفى صلاة الجمعة يذهب عدد كبير، أما الأطفال المسلمون فإنهم يواجهون مشكلة الانقسام بين ثقافة علمانية غربية، وثقافة إسلامية شرقية.

***

وعن مشاكل المسلمين فى سويسرا يقول المؤلفان إن أولها الصيام فى رمضان، فإنه حين يأتى فى فصل الصيف ترتفع درجة الحرارة، وتزداد ساعات النهار، ويختلف الأمر عن الصيام فى دولة إسلامية حيث يصوم فيها الجميع، وتقل ساعات العمل، أما فى مجتمع علمانى مثل سويسرا فإن المسلم الصائم عليه أن يمارس عمله كالمعتاد، ولأن معظم المسلمين يمثلون عمالة غير مؤهلة فإنهم يقومون بالأعمال الشاقة والقذرة، ويكون الصيام بالنسبة لهم مشكلة كبيرة، لأن المجتمع يطالبهم بالإنتاج بذات الطاقة التى يعملون بها فى سائر شهور السنة، كذلك فإن تأدية الصلوات الخمس فى مواقيتها مشكلة حيث يرفض مديرو الشركات والمصانع منح العمال المسلمين فترة للصلاة والسبب هو الجهل بالإسلام، ومعاداة الأجانب، والخوف من كل ما هو غريب، ويعبر عن ذلك أحد المديرين بقوله: (لابد أن يتأقلم هؤلاء المحمديون على الحياة هنا، هل يعتقدون أننا نريد أن يصبح الإسلام دين الدولة فى سويسرا؟) ومشكلة أخرى أن معظم المسلمين فى سويسرا يجهلون قواعد العبادات فى الإسلام، فلا يعرفون أن الجمع بين الظهر والعصر ممكن لضرورة، ويترتب على ذلك أن معظمهم يترك الصلاة كلية بمجرد أن يواجه بتعذر تأدية بعض الصلوات فى مكان العمل، وبعد ذلك قد يفقدون كل ما يربطهم بالإسلام وأخلاقياته وروحه.

مشكلة أخرى.. هى الحصول على اللحم المذبوح وفقا للشريعة الإسلامية، وكثير من المنتجات الغذائية تحتوى على دهن الخنزير ويكتفى بذكر أنها تحتوى على (دهن حيوانى). والذبح فى سويسرا ممنوع بالقانون، ولذلك يضطر المسلمون إلى أكل اللحوم المتوافرة على الرغم من أنها ليست مذبوحة بالطريقة الإسلامية، بينما تشترى فئة أخرى من المسلمين ما تحتاج إليه من لحوم من محلات الجزارة اليهودية حيث لا يأكل اليهود لحم الخنزير، ويذبحون الحيوان، ولا يقتلونه بالصدمة الكهربائية أو بالرصاص على الطريقة السويسرية.. وليس هناك غير قلة من المسلمين يخالفون القانون ويذبحون الحيوان بالطريقة الإسلامية، والشائعات المتداولة تقول إن المسلمين فى سويسرا يذبحون الماعز والخرفان خفية فى حمامات البيوت ولكن ذلك غير صحيح، بينما فى العاصمة الألمانية برلين أصبح منذ عام 1989 مسموحا بذبح الحيوان ولكن بعد تخديره أولا والتأكد من ذلك طبيا، وتقوم بعض محلات الجزارة فى سويسرا بالذبح فى فرنسا فى مذبح خاص يستخدمه اليهود وبعد ذلك يقومون باستيراد هذه اللحوم إلى سويسرا بتصريح خاص.

ليست هذه كل مشاكل المسلمين فى سويسرا.. هناك مشكلة تربية الأطفال.. فالأطفال المولودون فى سويسرا يتقنون إحدى لغات سويسرا، ويتحدثون لغة آبائهم فى البيت، لكن لغة الآباء تتحول مع الوقت إلى لغة أجنبية بالنسبة لهم، والشىء نفسه ينطبق على الثقافة والدين، فالأطفال يعيشون فى عالمين، أو ثقافتين مختلفتين، دون أن يشعروا بالانتماء الكامل لإحداهما، أما بنات المسلمين فتواجههن مشاكل عديدة بسبب اختلاف التقاليد الإسلامية عن تقاليد المجتمع السويسرى فى الاختلاط، والجنس، والزواج، ولا تقل مشاكل الآباء عن مشاكل الأبناء صعوبة، فتأدية حقوق المجتمع السويسرى، ومحاولة التأقلم مع عاداته وتقاليده غالبا ما تصطدم من الناحية الأخرى بالتعاليم الإسلامية والعادات الشرقية.

والهرم الاجتماعى فى سويسرا كما يقول المؤلفان فى قمته السويسريون، وبعدهم الألمان، ثم النمساويون، ثم الفرنسيون، ثم الإنجليز، ثم الإيطاليون، ثم الأسبان، ثم البرتغاليون، ثم اليوغسلاف، ثم الأتراك، ثم السود، ثم طالبو اللجوء السياسى.

ويمثل الأتراك أكبر جالية مسلمة فى سويسرا من ناحية العدد، وهم أكثر الجاليات تنظيما و90% من المساجد فى سويسرا وألمانيا أسسها أتراك، ولأنهم نشطون فقد صار السويسريون يعتقدون خطأ أن كل ما هو تركى لابد أن تكون له علاقة بالإسلام، ويختلف الأتراك المقيمون فى سويسرا فى موقفهم من الحكومة التركية، فبعضهم يرفض التعامل معها، بينما لا يمانع البعض الآخر من التعامل معها، ويتراوح عدد المنظمات الإسلامية التركية التى تتلقى معونات من الحكومة التركية بين عشر وعشرين منظمة. بينما يبلغ عدد المسلمين اليوغسلاف حسب إحصاء 1990 حوالى 35 ألف مسلم يتحدث معظمهم اللغة الألبانية، ولكنهم غير منظمين مثل الأتراك، وتلتقى جماعة منهم فى مسجد فى زيورخ من وقت لآخر، وفى بازل تلقى خطبة الجمعة أحيانا باللغة الألبانية، أما السعوديون المقيمون فى سويسرا فعددهم حوالى 1500. وعلى الرغم من ضآلة العدد فإن نفوذ السعودية فى سويسرا كبير وحضورها قوى- كما يقول المؤلفان- وذلك بسبب الميزانية الضخمة التى تخصصها السعودية للدعوة الإسلامية، وقد رفضت السلطات السويسرية الترخيص ببناء مسجد جديد فى برن، وقد شيدت السعودية مسجدا كبيرا فى العاصمة جنيف وهو يتسع لمئات المصلين وفيه مكان خاص للسيدات ويحتوى على مكتبة، وقاعة اجتماعات، وقاعة محاضرات، ومعمل لغات، ومطبخ، ويضم مكانا لحفظ جثث الموتى المسلمين إلى حين إرسالها للدفن فى بلادها الأصلية. وقد افتتح هذا المسجد عام 1978 وتم تحويله إلى وقف إسلامى مستقل عن الحكومات الإسلامية، وتلقى فيه خطبة الجمعة باللغة العربية، وتترجم ترجمة فورية إلى اللغتين الإنجليزية والألمانية.. ويوجد فى مدينة بازل خمسة مساجد يجتمع فيها للصلاة بين 500 و900 مسلم، وتتراوح نسبة المتدينين بين المسلمين فى سويسرا بين 20% و25% وهى فى تزايد مستمر، ونظرا لتزايد أعداد السويسريين الذين يترددون على الكنائس، فإنهم يقولون: هل سنسمع قريبا صوت المؤذن بدلاً من أجراس الكنائس؟

***

يقول المؤلفان: كلما كانت الاختلافات الثقافية بين بلد المهجر وبلد المنبع كبيرة ازدادت مشاكل المهاجرين صعوبة، وكمثال لذلك نجد أصحاب الأعمال السويسريين يفضلون العمال من البرتغال عن العمال الأتراك، لأن العمال البرتغال لا يسببون مشاكل فى أماكن العمل بعكس الأتراك الذين يواجهون صعوبة فى التأقلم مع نظم العمل فى سويسرا وإطاعة أوامر القيادات النسائية، ولا توجد دراسات عن (الصدمة الحضارية) التى يواجهها المهاجرون إلى سويسرا من مختلف دول العالم، ولكن المرجح أن هذه الصدمة أشد بالنسبة للمهاجرين المسلمين الذين نشأوا فى مجتمعات إسلامية محافظة أو متشددة، وتعتبر (العودة إلى الإسلام) بين المهاجرين تعبيرا عن الاحتجاج على ما يواجهونه فى بلد المهجر من تمييز واضطهاد، وإن كان المسلمون المتعلمون لا يواجهون أية صعوبة فى التأقلم مع المجتمعات الحديثة، ومن هؤلاء: الأطباء، والمهندسون، وأساتذة الجامعة، أما الطبقات الدنيا من المسلمين وأصحاب التعليم المتواضع والثقافة السطحية شديدة التمسك بالشكليات على حساب جوهر الدين فهى التى تواجه مشاكل التأقلم.

***

كتاب آخر أهدانى الدكتور ثابت عيد ترجمة وتلخيصا له، بعنوان (العالم العربى فى عيون السويسريين: الشرق الأوسط بؤرة الصراعات) تأليف أريك جيسلنج وأرنولد هوتينجر، والفصل الأول من الكتاب بعنوان (دار الإسلام ودار الحرب)، يقول فيه جيسلنج: هناك زعم بأن سكان الشرق الأوسط يتصرفون تصرفا عاطفيا وليس عقلانيا، وأنى أشعر بأننا- كأوربيين- نتحمل جانبا من المسئولية عن تأسيس دولة إسرائيل وعن الاستعمار، ولقد اكتشفنا منذ تولى الخومينى السلطة أن العالم العربى لديه أولويات مختلفة عن الأولويات عندنا، فنحن نفترض أن الحرية هى أسمى ما يمكن أن يتملكه الفرد، ونحن نتقبل نتيجة لذلك الشعور بعدم الأمان، فنحن مسئولون عن كل عمل من أعمالنا، ونحن مستعدون لأن نتحمل عواقب كل أعمالنا، أما العالم الإسلامى، فقد علمنا أنه من الممكن أن يؤدى انعدام الحرية إلى الشعور الداخلى بالأمان واليقين، وكان الخومينى يقول: (إذا فعلت هذا فأنت تقترب من الله قليلا، وإذا لم تتبع ذلك فإنك تبتعد عن الله) فإن هذا النظام يمنح الأفراد إحساسا عميقا بالأمان والطمأنينة، وهذا شىء لا يفهمه الكثيرون فى الغرب. ويرد عليه هوتينجر فيقول: نحن أيضا كان لدينا فى الماضى حضارة يحكمها الدين وأوامره، والكنيسة كانت تقول: (هذا مسموح وذاك محرم) وفى الإسلام ما زال الوضع هكذا إلى حد مذهل. فمنذ القرون الوسطى (من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر) تطورت الحضارتان فى اتجاهين مختلفين، فعلى أحد جانبى البحر المتوسط ظهرت حركة النهضة والإصلاح والتنوير، وجعلت الأولوية للعقلانية، والتكنولوجيا، وأخيرا الثورة الصناعية، بينما ظلت الصورة الدينية الإلهية للعالم قائمة على الجانب الآخر من البحر المتوسط. وصحيح كانت هناك ديانتان قبل هذا التطور، لم تعترف أى منهما بالأخرى، دانتى اعتبر محمدا (صلى الله عليه وسلم) زنديقا، ولا شك أن المسلمين أيضا كانوا ينظرون إلى المسيحيين باحتقار، ولكن مع ذلك كانت هناك حضارتان فى العصور الوسطى متشابهتان من حيث إن كلا منهما محكومة بالشريعة أو بالقانون الإلهى، وكانت كل منهما تعرف الأخرى، وخاصة المسلمين فلم يكن المسيحيون بالنسبة لهم غرباء، لأن المسيحيين عاشوا فى الدول الإسلامية كطائفة دينية معترف بها، صحيح أنهم كانوا فى منزلة أقل من المسلمين، ولكنهم كانوا يتمتعون بحمايتهم، ولم يظهر الخندق الكبير الذى لم يعد ممكنا عبوره حتى يومنا هذا إلا عندما بدأ فى الغرب التطور العقلانى سريعا، عن طريق ديكارت مثلا، وفصل الغرب بين الدين والعقلانية، وشهد البحر المتوسط تصادم الحضارتين مرارا وتكرارا.

ويتوقف جيسلنج عند مفهوم دار الإسلام ودار الحرب عند المسلمين، فيقول إن دار الإسلام تعنى الخضوع والقبول، ودار الحرب هى العالم الأجنبى الغريب، ومن المرجح أن الطرفين افترضا أن هناك ما يشبه منطقة نفوذ مشتركة بينهما كحل وسط فيما بينهما، وهى منطقة كان يوجد بها نوع من التسامح المتبادل. وبصفة عامة ظلت الحدود الفاصلة بين العالمين قائمة من الناحية النظرية ولكن ما يشغلنى بصورة دائمة هو قلة ما يعرفه كل طرف عن الطرف الآخر.

***

ويقول هوتينجر إن المسلمين لم ينظروا إلى المسيحيين كمثل أعلى لهم، وكانت المسيحية بالنسبة لهم ديانة ناقصة، وثقافة ناقصة أيضا، وعندما يكون صاحب الثقافة المسيطرة هو الأقوى، تتكون لديه مشاعر الاحتقار للثقافة الأضعف، ويظل هذا الاحتقار لفترة طويلة، حتى عندما تنقلب الظروف، وتصبح الثقافة الأضعف سابقا هى الأقوى والأهم بعد ذلك. وهذا ما حدث للمسلمين، كانت أوربا تزداد قوة وأهمية، وظل العثمانيون متفوقين من الناحية العسكرية لقرون طويلة، وكان المسلمون حتى أواخر القرن الثامن عشر يعتقدون أن الدول الأوربية عديمة الأهمية، وأنهم ليسوا بحاجة إلى الاهتمام بها، فالمسيحيون واليهود كانوا معروفين من قديم للمسلمين، وكان أهل الذمة فى الإسلام من المسيحيين واليهود وغيرهم هم الذين انهزموا أمام المسلمين، ولكن حدث فى أوربا تطور عكسى.. فقد ترجم يوحنا يعقوب هوتينجر معانى القرآن قبل أن يهتم المسلمون بالديانة المسيحية لفترة طويلة، ومع روح النهضة، والبحث عن طريق إلى الهند.. (وكان هذا الطريق معروفا للمسلمين منذ قرون)، ومع روح التنوير، ظهر فى أوربا اهتمام بالثقافات الأخرى، وبدأ الأوربيون ينظرون إلى هذه الحضارات كشىء مختلف جدا، ولكن له صلة بهم فى نفس الوقت، وهذه الروح الجديدة كانت موجودة عند المسلمين فى فجر الإسلام، ولكنها تكاد تنعدم فى العصور المتأخرة، فلم ير المسلمون أنهم مضطرون للتعلم من الأوربيين، أو اقتباس بعض عناصر الحضارة الغربية، إلا فيما بعد، عندما ظهر تفوق الأوربيين بصورة واضحة جدا، ولم يكن ذلك عن حب ولا من موقف أساسى، ولكنه حدث إجباريا، حين ظهر تفوق الأوربيين وقوتهم، ولذلك فإن المسلمين يتعلمون من الغربيين على كره منهم فى حقيقة الأمر.. فليس لدى المسلمين بحث علمى ولكن عندهم تقليد واقتباس إجبارى.. لقد كان المسلمون فى البداية متفوقين.. ثم خلدوا إلى الراحة بعد ما حققوه من نجاح، وعاشوا فى استرخاء، ولم يشعروا بحافز يدعوهم للاهتمام بالحضارات الأخرى، بينما حدث العكس فى الحضارة الغربية، التى بدأت منذ عصر النهضة تنطلق نحو الخارج، وتهتم بالحضارات الأخرى، وحدث نفس الشىء فى التجارة.. تجار مدينة البندقية كانوا يذهبون إلى الإسكندرية.. ولكن أبناء الإسكندرية لم يذهبوا إلى مدينة البندقية.. كان حب المعرفة فى عصر النهضة الأوربية شيئا غير مألوف أدى إلى تغيير علاقة الحضارتين بعضهما ببعض فى أوربا.

***

ويقول جيسلنج: عندما حدثت اتصالات بين أوربا والعالم الإسلامى فى العصور المبكرة اعتبر العرب الذين ذهبوا إلى أوربا فى ذلك الوقت أن التنوع والتعدد فى أوربا تخلفا سواء تعدد اللغات أو تعدد الثقافات.. لأن المسلمين كانوا يرون أن الحضارة ينبغى أن تكون حضارة واحدة.. واللغة يجب أن تكون واحدة.. والثقافة.. والدين.. كل شىء يجب أن يكون واحدا.. وهذا أمر ينظر إليه الفكر الغربى على أنه سلبى بينما يعتبره المسلمون إيجابيا، وينظرون إلى التنوع والتعدد فى الغرب على أنه ظاهرة همجية، ومن ناحية أخرى فإن الإسلام يرفض قبول البدع، ومن ناحية أخرى هناك استثناء إذا كان من شأن (البدع) تقوية المسلمين بتكنولوجيا الأسلحة من الأعداء الأجانب مثلا فيكون ذلك مسموحا به، وهذا ما فعله الإيرانيون فى فضيحة (كونترا- إيران) فلقد حاولوا الابتعاد عن الغرب ولكنهم قبلوا الأسلحة الحديثة من الأمريكيين.

ويعلق هوتينجر على ذلك بقوله: لقد وجد العثمانيون أنفسهم مضطرين إلى اقتباس الأنظمة الحربية من الأوربيين، واقتبسوا الأسلحة، ثم الزى، ثم صناعة البارود، وهكذا بدأ التيار الجارف لما يطلق عليه (التغريب). وما زال الوضع هكذا مع (البدع) حتى اليوم. لقد ضيع المسلمون قرونا برفضهم الجديد واعتباره من (البدع) حتى أغلقوا باب الاجتهاد.. وفتحوا باب الجمود القائم منذ ذلك الوقت واستمر هذا الجمود حتى عصر النهضة العربية فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. والواقع أن هذا الجمود ما زال مستمرا حتى الآن، ففى الجامعات مثلا، لا يوجد نظام للتعليم أو البحث العلمى بالمعنى الأوربى الحديث، بينما اقتبس اليابانيون نظام البحث العلمى الأوربى، ولكن المسلمين لم يفعلوا ذلك، ويرجع ذلك إلى استمرار العلاقة التقليدية بالعلم، فالمرء يتعلم من كتاب، ويحفظ ما فى هذا الكتاب، ويتقن ما فيه، فيصير بذلك (عالما)، لأن لفظ (علم) فى اللغة العربية يعنى العلم بما هو موجود، وهذا العلم يكون الحصول عليه بالحفظ، أما البحث والاكتشاف فشىء آخر.. إنه إضافة معلومة جديدة إلى العلم القائم.. وهذا هو ما ظل شيئا مريبا فى الإسلام منذ إغلاق باب الاجتهاد فى القرن التاسع وأوائل القرن العاشر، منذ وفاة الإمام الغزالى عام 1111 ميلادية، ويمثل هذا التاريخ تقريبا نهاية عصر ازدهار الحضارة الإسلامية وبداية ازدهار الحضارة الأوربية.

***

ليس هذا كل شىء فى الكتاب القيم الذى لخصه وترجمة الدكتور ثابت عيد.. ولكن فى ذلك الكفاية لنعرف كيف يفكرون فى سويسرا.. وما هى أحوال المسلمين والإسلام هناك..

وما يثيره المفكرون السويسريون يستحق إن ندرسه جيداً وبموضوعية ،ويدور حوله حوار معهم ولا يكفى أن نحاور أنفسنا ونكشف لأنفسنا ما فيه من وباطل ..

وشكرا للدكتور ثابت عيد.

أعلي الصفحة

هل يستمع بوش إلى حكمة أبيه؟

تشويه الإسلام.. صناعة قديمة!

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف