السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

أساطير وأوهام الخطر الإسلامى

 

المستشرق البريطانى البروفيسور فريد هاليداى له مؤلفات عديدة عن الإسلام تتميز بالتحليل العلمى للموجة العدائية ضد الإسلام السائدة فى بريطـانيا والتى يسميها الباحثون البريطـانيون (إسلاموفوبيا) أى مرض الخوف من الإسلام.
والبروفيسور هاليداى أستاذ فى جامعة لندن، وهو الذى تصدى لتفنيد نظرية صراع الحضارات التى ظـهرت وانتشرت فى الولايات المتحدة، وهى النظرية القائمة على حتمية الصراع بين الغرب والإسلام، ويعتبر هاليداى هذه النظرية خرافة ولا تستند إلى أساس علمى أو تحليل واقعى، وهو يرفض أيضا الفكرة السائدة لدى كثير من مفكرى الغرب القائلة بأن شعوب الشرق الأوسط وطريقة تفكيرها تمثل حالة خاصة وأنها شعوب تختلف اختلافا جوهريا عن بقية شعوب العالم.
وهو أيضا يرفض الفكرة السائدة بأن هناك نظاما عالميا جديدا ظهر بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، وتنفرد بقيادته الولايات المتحدة، ويرى أنه من الصعب الحديث عن وجود نظام عالمى جديد حتى الآن، وليس هناك ما يؤيد ذلك سوى إعلان الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش الأب عن ظهور هذا النظام العالمى الجديد، والحديث عن هذا النظام العالمى وعن قيادة الولايات المتحدة للعالم لا ينطلق إلا من الولايات المتحدة نفسها، أو من دول العالم الثالث التى خضعت لهذه الأسطورة، وهى مجرد أسطورة لأنها تفوق القوة السياسية والثقافية الأمريكية وقدرتها على الهيمنة على العالم. وكل ما يحدث منذ انتهاء الحرب الباردة أن طغى الخطاب عن الإسلام كخطر وعدو جديد للغرب، وهذا ما طرحه الباحث الأمريكى صمويل هنتنجتون، وردده الخمينى فى إيران، بينما هذا الصدام المزعوم بين الغرب والإسلام لا أساس له، ومعظم الحروب والنزاعات لم ولا تنشأ بين الحضارات وإنما تنشأ حين تتعارض المصالح والأطماع، كما حدث فى الحرب بين إيران والعراق، والبلدان مسلمان وينتميان إلى حضارة واحدة، وقبل ذلك قامت الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية بين دول تنتمى إلى الحضارة الغربية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا)، كذلك فإن التناقض الذى نشهده فى العالم اليوم قائم بين الصين واليابان وهما ينتميان إلى حضارة واحدة.
***
فلماذا إذن ظهرت نظرية الصدام بين الغرب والإسلام؟
يرى هاليداى أن هناك أكثر من سبب. السبب الأول أن الحكومات والقادة السياسيين يروجون لهذه النظرية لإخفاء الدوافع الحقيقية للصدام، وهى فى الأساس دوافع اقتصادية واستراتيجية، وإلا فكيف نُفسّر التخوف فى بريطانيا من نفوذ السوق الأوروبية المشتركة ومن خطر الثقافة الأمريكية، وكيف نُفسّر تخوف أوربا من الهجرة من العالم الثالث. وهناك سبب ثان: هو الخوف فى الغرب من التعددية الثقافية داخل البلد الواحد، هذا الخوف ظاهر فى الولايات المتحدة كما عبّر عنه صمويل هنتنجتون الذى حذر من خطر تعدد الديانات واللغات والثقافات فى المجتمع الأمريكى ولهذا فهو مجتمع غير متجانس، ودعا إلى بناء وحدة ثقافية فى المجتمع الأمريكى لصهر كل من يعيش فيه فى بوتقة واحدة وتجعل الجميع أمريكيين، ولاؤهم وانتماؤهم لأمريكا وحدها، وثقافتهم هى الثقافة الأمريكية. وهكذا نرى أن الأزمة ليست بين الحضارات وإنما هى أزمة داخل المجتمع الأمريكى، وهو مجتمع له طبيعة خاصة، لأنه مكون من مجموعات من المهاجرين من حضارات متعددة ولهم ديانات ولغات وثقافات وعادات وقيم مختلفة مما يهدد وحدة المجتمع الأمريكى فى رأى هنتنجتون فى كتابه (من نحن؟).
ويشير هاليداى إلى موقف بعض المفكرين الغربيين من الإسلام، ويضرب مثالا بالمفكر الألمانى (جيرهارد لبراند) الذى جعل محور كتاباته التأكيد على ضرورة احتواء الحركة الإسلامية وتوجيهها لتحقيق مصالح أوربا، ثم راجت أفكار تدعى أن الإسلام دين يعادى كل جديد، ويرفض التحديث والتقدم العلمى والحضارى ولا يتقبل الديمقراطية، ويتناقض مع قيم الحضارة الحديثة عموما، ويستدل جيرهارد لبراند على ذلك بتصاعد الحركات الأصولية المتشددة فى عدد من الدول الإسلامية، ويرد هاليداى على هذه الأفكار بأن السبب الرئيسى لتصاعد الحركات الأصولية المتشددة فى العالم الإسلامى يرجع إلى الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تعانى منها هذه الدول لأنها دول نامية وليس لأنها دول إسلامية، خاصة أن حكوماتها لم تنجح فى حل هذه المشكلات.. فالشاه فى إيران مثلا لم ينجح فى حل المشكلات التى كان يعانى منها الشعب الإيرانى، ويعتبر هاليداى أن نظام عبد الناصر فى مصر لم يستطع أيضا حل مشكلات المجتمع المصرى، وهذا هو ما حدث فى أندونيسيا، والجزائر، وباكستان وغيرها من البلاد الإسلامية، ومن هنا ظهرت الأصولية كحركة سياسية اجتماعية تستغل إخفاق التجربة الوطنية العلمانية وتدعو إلى حلول أخرى ولكن هذا التيار الأصولى- كما يقول- لا يملك هذه الحلول، ولكنه يملك فقط خطاب الإغواء والإثارة. بينما يتنكر هذا التيار للديمقراطية والتحديث ويرفض الثقافة الغربية عموما. وهذا ما جعل بعض المفكرين الغربيين يروجون لفكرة وجود قطيعة بين الإسلام وبين الديمقراطية والتحديث والغرب عموما، وهذا غير صحيح، ومن يدرس الإسلام يجد أنه لا يوجد تناقض أساسى بين الإسلام وبين الديمقراطية والتحديث، وحقوق الإنسان وإنصاف المرأة، وأن كانت بعض الحركات الإسلامية تظهر الرفض لهذه المبادئ إلا أن هؤلاء لا يمثلون الإسلام والمسلمين جميعا.
أما موقف هاليداى من المستشرقين فإنه يلخصه بقوله إن هناك جانبين أولهما، دور إيجابى، والثانى دور سلبى، والسبب فى ذلك أن كل عمل أكاديمى تاريخى أو ثقافى يرتبط بقوى سياسية واقتصادية معينة، وليس هناك عمل أكاديمى مستقل عن الأهداف السياسية، وبعض المستشرقين ارتبطوا بالقوى والأهداف السياسية لبلادهم وعملوا مستشارين لحكومات أو لمخابرات أو لقوى اقتصادية وسياسية، وهناك مستشرقون يعملون لخدمة الاستعمار، ولكن يجب ألا نغفل وجود مستشرقين آخرين يقفون إلى جانب شعوب العالم الثالث. والمثال لذلك المستشرق الفرنسى ماكسيم رودنسون الذى دافع عن حقوق الشعب الفلسطينى، وعن النضال العربى للتحرر من الاستعمار الفرنسى فى الجزائر ومن الاستعمار عموما. كذلك كان المستشرق الفرنسى جاك بيرك، وغيرهما من المستشرقين الذين ربطوا بين عملهم الأكاديمى وتضامنهم مع حقوق الشعوب الإسلامية.
وتستحق آراء هاليداى أن نعرض لها بشىء من التفصيل.
<u>خطر الإسلام أم خطر على الإسلام</u/>
يرى فريد هاليداى أن نظرية التهديد الإسلامى التى انتشرت فى الغرب منذ السبعينات من القرن العشرين، وازداد انتشارها بعد قيام الثورة الإيرانية فى عام 1978 و1979، حتى أصبحت قضية تحدى الإسلام للغرب هى القضية التى تشغل السياسيين والقادة والمفكرين فى دول الغرب، ليست سوى خرافة، والغريب أن عددا من القادة المسلمين شاركوا فى تأكيد هذه الخرافة. ونتيجة لتعمق هذه النظرية فى المجتمعات الغربية نشأ شعور بمعاداة الإسلام واتجاه إلى العدوان على المسلمين.
ويعلن هاليداى بوضوح فى كتابه (الإسلام والغرب: خرافة المواجهة) أن القول بأن الإسلام يمثل تهديدا للغرب هو قول مضلل ولا أساس له، وفى الحديث عن الإسلام فى الغرب هناك خلط بين المبادئ والمعتقدات والعقيدة الإسلامية وبين ما تطرحه جماعات الإسلام السياسى والجماعات المتعصبة من فتاوى وأفكار. صحيح أن الجميع مسلمون، ولكن الجميع ليسوا فى هذه الجماعات أو تلك، كذلك ليس كل المسلمين فى إيران التى تعتنق أفكارا خاصة ولها أهداف سياسية وتسعى إلى تصدير الثورة، وليس كل المسلمين مؤيدين للجماعات التى تختطف الرهائن أو تقتل الأجانب. ومع ذلك لا يمكن إنكار المخاوف التى تشعر بها أوربا نتيجة لوجود تيار إسلامى متشدد على الجانب الآخر من البحر المتوسط، وامتداد أفكار وتوجهات هذا التيار إلى داخل الدول الأوروبية.. وفى أوربا ستة ملايين مسلم مهاجرين من دول إسلامية وبعضهم يحملون معهم مشاعر عدائية متأثرة بالأزمات التى تعانى منها بلادهم.
وتستند خرافة التهديد الإسلامى للغرب على ثلاثة أسباب أخرى. السبب الأول هو التاريخ القديم للصراع بين الغرب المسيحى والعالم الإسلامى منذ أكثر من ألف سنة، فمن غزوات ايبريا فى القرن السابع إلى الحملات الصليبية التى بدأت فى القرن الحادى عشر، ثم إلى الحروب والصراعات مع الإمبراطورية العثمانية التى استمرت من القرن الخامس عشر حتى انهيار هذه الإمبراطورية فى سنة 1918، وهذا التاريخ مثقل فى العقل الغربى بذكريات غزو المسلمين لأسبانيا وتحويلها إلى دولة إسلامية وإقامة حضارة إسلامية فيها إلى أن تم استعادتها وتحولها من (الأندلس) إلى (أسبانيا) فى عام 1492. وحتى اليوم ما زالت آثار الوجود الإسلامى فى الدول السلافية. ويضاف إلى ذلك انتشار الأفكار المعادية للأتراك وللإسلام.. وباختصار فإن رأى هاليداى أن فى الغرب حالة يسميها (القلق التاريخى) من الإسلام.
السبب الثانى لدعم خرافة الخطر الإسلامى أن الغرب بعد انتهاء الحرب الباردة، ظهرت فكرة ضرورة وجود عدو جديد للغرب هو العالم الإسلامى وذلك بتأثير المصالح من ناحية، وذكريات الصراع القديم من ناحية أخرى، حتى أن بعض التحليلات فسّرت غزو الولايات المتحدة للعراق بأن الغرب ذهب للقضاء على صدام حسين باعتباره العدو الجديد بديلا عن الاتحاد السوفيتى العدو السابق.
والسبب الثالث لانتشار خرافة التهديد الإسلامى للغرب هو تزايد الهجرة من البلاد الإسلامية إلى دول الغرب، وتخوف الغرب من انتشار الثقافة الإسلامية مع ازدياد أعداد المسلمين، مما يهدد طبيعة هذه المجتمعات باعتبارها مجتمعات مسيحية وثقافتها تستمد جذورها من الثقافة اليهودية المسيحية.
***
وخرافة التهديد الإسلامى للغرب- فى رأى هاليداى- تخدم مصالح الذين يمتلكون القوة فى الغرب وهم مسيحيون، رأسماليون، أغنياء، امبرياليون، وهم وإن كانوا يوجهون إلى شعوبهم إنذارا من خطر الإسلام فهو فى الحقيقة إنذار كاذب، لا يختلف عن الادعاء السابق بأن الاتحاد السوفيتى كان يمثل قوة عسكرية تهدد الغرب وتبين بعد ذلك أن هذا الادعاء لم يكن صحيحا وأن الغرب هو الأقوى عسكريا وهو الذى هدد وفكك الاتحاد السوفيتى، ومثل الادعاء بأن العراق يمثل قوة عسكرية مسلحة بأسلحة الدمار الشامل ويمثل تهديدا للغرب وتبين بعد ذلك كذب هذا الادعاء، وكذلك ما قيل من أن الترابى فى السودان يمثل خطرا يهدد أمن الدول الغربية ولم يظهر شىء يؤكد هذا الادعاء، وكل ذلك ليس سوى ادعاءات، ودعايات، تقدم الإسلام على أنه العدو.
***
والحرب على الإسلام تشمل اتهامه برفض حكم القانون، وعدم الاعتراف بحقوق المرأة ووضعها فى مكانة مهينة بالنسبة للرجل، وعدم المساواة بين المسلمين وغير المسلمين، ومعاداة الغرب، بل إن هذه الاتهامات تشمل اتهام الإسلام- والمسلمين- باعتبار الصراع مع الغرب واجبا دينيا، وتشمل أخيرًا الادعاء بأن الجهاد فى الإسلام هو محاربة غير المسلمين فى العالم كله.
هذه الاتهامات- كما يقول هاليداى- ليست سوى تعبير عن الدعايات السياسية التى يروج لها بعض المفكرين والصحفيين فى الغرب لنشر العداء للإسلام وتبرير العدوان على بلادهم. وهذا ما جعل الاستعمار الغربى فى شمال أفريقيا يتحدث عن أهل هذه البلاد باعتبارهم مسلمين وكأن ذلك هو المبرر لاحتلال أوطانهم. وهذا ما جعل النعرة الدينية تظهر فى العالم الإسلامى، فما دام هذا العدوان علينا لأننا مسلمون، فإننا نتمسك بأننا مسلمون، ونخوض حرب التحرير بهذه الصفة. وهكذا كان الغرب هو الذى اخترع تعريف المسلمين على أنهم فئة ثقافية وعرقية مختلفة عن الغرب، وأن الصراع بينها وبين الغرب هو صراع دائم. وقد لجأت الدعاية السياسية الغربية إلى تقديم الخمينى وثورته فى إيران فى صورة مكروهة، وادعت بعد ذلك أن هذا هو التجسيد والنموذج للإسلام والدولة الإسلامية، وقد ساعد الخمينى نفسه على تأكيد هذه الصورة بدعوته للجهاد ضد أمريكا واعتبارها الشيطان الأكبر، والجهاد ضد الغرب.
ويقول هاليداى: إذا كانت هناك أكاذيب وخرافات حول الإسلام، فهى خرافات يتم اختراعها ونشرها ليس فقط فى أوربا وأمريكا، ولكن يتم اختراعها ونشرها أيضا فى العالم الإسلامى ذاته، ولذلك فإن استعادة الصورة الصحيحة عن الإسلام يجب ألا تكون بمطالبة الغرب وحده بذلك، بل يجب مطالبة المسلمين بذلك أيضا.
وينبه هاليداى إلى عدم الاستهانة بالخرافات التى تسىء إلى الإسلام، على أساس أنها خرافات وسوف تنحسر تلقائيا وتظهر الحقيقة، لأن الخرافات بعد أن تنتشر تكتسب مع الزمن قوة خاصة بها، ولا يتم القضاء عليها بسهولة، والمثال على ذلك الخرافة الشائعة فى الغرب بأن الإسلام يتضمن دعوة المؤمنين به لممارسة الإرهاب، ومعلوم للدارسين للإسلام أنه لا توجد علاقة بين الدين الإسلامى والإرهاب، وعندما ظهر الإرهاب بمعناه المعاصر فى القرن التاسع عشر لم يكن المسلمون هم الذين روجوا له، وفيما بعد نشأ الإرهاب فى أيرلندا الشمالية، وسريلانكا، وغيرهما من المجتمعات التى لا تدين بالإسلام، وإذا كان المقصود بالإرهاب هو النزعة للتعصب، وقمع المجموعات العرقية والدينية الأخرى، فسوف نجد فى تاريخ المجتمعات الإسلامية جرائم من هذا النوع، إلا أن المجتمعات الإسلامية ليست الوحيدة التى ظهرت فيها هذه الجرائم، فالمجتمعات الإسلامية لم تمارس التعذيب والإبادة العرقية لليهود ولكن حدث ذلك فى الغرب فقط وفى ألمانيا النازية بالذات، كما حدث نفى اليهود الشرقيين من أسبانيا، واليوم نجد أن الشعوب المسلمة هى ضحايا القمع والرعب من الغرب، ولا يستطيع أحد أن يدعى أن الشعوب الإسلامية التى تناضل من أجل تحرير أرضها ومن أجل الاستقلال هى المسئولة عن الإرهاب.
***
يكرر هاليداى فى كتاباته أن نظرية التهديد الإسلامى هى ذاتها من الأوهام السائدة فى الغرب، والتركيز على أحداث نشأ فيها الصراع بين العالم الإسلامى والعالم الغربى عبر التاريخ والادعاء بأن ذلك كان بسبب عقيدة الإسلام العدوانية هو أيضا هراء وتضليل، ومن السخيف الاعتقاد بأن العالم الإسلامى فى عمومه يهدد الغرب، فقد زال التهديد العسكرى الذى كانت تمثله القوات الإسلامية الموحدة فى الإمبراطورية العثمانية منذ زمن طويل، وبعد طرد هذه القوات التى كانت قد وصلت حتى أبواب العاصمة النمساوية فيينا والعاصمة المجرية بودابست فى القرن السابع عشر لم يعد لهذه القوة العسكرية الإسلامية وجود منذ عام 1918، وحتى لو افترضنا إمكان توحد العالم الإسلامى وتجمع قواه العسكرية فلن تمثل هذه القوة تهديدا حقيقيا للغرب لعدم التكافؤ مع القوة العسكرية للغرب، فضلا عن استحالة تحقيق هذا الفرض رغم كثرة الحديث عن هذه القوة والدعوة إلى تحقيقها، لأن الدول الإسلامية أصبحت منفصلة عمليا، ومتوحدة نظريا وفى الخطب والاحتفالات فقط، وعمليا فإن كل دولة إسلامية تعمل لتحقيق مصالحها الخاصة دون مراعاة لمصالح غيرها من الدول الإسلامية، بل إن الحروب تنشأ بين الدول الإسلامية، والنزاعات على الحدود بينها لا تكاد تخمد حتى تشتعل من جديد، وليس لدى أية دولة إسلامية، ولا لدى الدول الإسلامية مجتمعة أسلحة مثل إسرائيل أو الصين مثلا. وهكذا تبدو خرافة التهديد الإسلامى للغرب عند التحليل.
وعنصر آخر يشير إليه هاليداى من عناصر الخرافة السائدة عن التهديد الإسلامى للغرب. هو النظرية التى يؤمن بها كثيرون فى الغرب عن ضرورة وجود عدو، وقد يكون ذلك مفيدا لأن وجود العدو والشعور بالتهديد يؤدى إلى استمرار الاستعداد والتحفز وعدم الاسترخاء، كما يحفز على تطوير صناعة السلاح، وعلماء الاجتماع يرون أن وجود تحديات خارجية له دور فى استمرار حيوية ونهضة المجتمعات، ويدللون على ذلك بوجود التحدى السوفيتى أثناء سنوات الحرب الباردة الذى كان الدافع للإسراع بتحقيق القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية للغرب، وهذه النظرية قابلة للنقد وإثبات عدم صحتها، لأن النظام الرأسمالى فى الغرب هو الدافع الحقيقى لإحراز القوة العسكرية، فهذا النظام أساسه السعى إلى السيطرة على الأسواق وعلى المواد الخام والثروات، فهو فى ذاته قوة توسعية تتجه إلى إخضاع العالم لهيمنتها وتسخيره لزيادة مكاسبها الاقتصادية، ولذلك كانت الدول الرأسمالية أول من قام باستعمار الدول الأخرى التى لم تكن عدوا لها بأى حال من الأحوال، بل كان العكس هو الصحيح. فالنظام الرأسمالى القائم على المنافسة والربح والسيطرة على الأسواق ومصادر الثروة هو الدافع لاستثارة بناء القوة العسكرية، وليس وجود العدو. ولا يستلزم التقدم واستمرار تفوق الغرب وجود عدو، سواء كان هذا العدو هو الشيوعية، أو اليابان والصين، أو الإسلام.
***
هكذا يرفض هاليداى نظرية ضرورة وجود عدو السائدة فى الفكر السياسى والاستراتيجى والعسكرى فى الغرب، كما يرفض تفسير الغرب للجرائم والانحرافات التى يرتكبها مسلمون على أنها التعبير عن الإسلام ذاته، ويقول إن الإسلام مثل كل دين عظيم، قائم على النصوص الواردة فى كتابه المقدس وعلى ألسنة واجتهاد الفقهاء والمتخصصين فى الدراسات العلمية الإسلامية، ولا بد من التفرقة بين النصوص، وتفسير وفهم البعض لهذه النصوص، فالنص القرآنى له قداسة عند المسلمين ولا يمكن المساس به أو التفكير- مجرد التفكير- فى مراجعته أو تغييره، ولكن الفهم والتفسير للقرآن هما الخاضعان للتغيير نتيجة تطور المجتمعات وتغير الظروف، وهذا أمر طبيعى ينطبق على الديانات الأخرى، فالكتب المقدسة تضع المبادئ التى تحدد علاقة المؤمن بربه، وعلاقته بغيره من البشر، وليس فى الكتب المقدسة نظريات سياسية أو اقتصادية أو علمية، بمعنى أنه لا يمكن القول بأن الكتاب المقدس فى ديانة من الديانات يتحدث عن سلطات الدولة، أو عن تفضيل النظام الرأسمالى أو الاشتراكى، أو عن حتمية توحد أهل الديانة الواحدة فى دولة أو فى كيان سياسى واحد، أو الإبقاء على تعدد واستقلال الدول مع اتفاقها فى العقيدة الدينية، وليس هناك نصوص فى كتاب مقدس تتعارض مع الحداثة أو التطور والتجديد، وإن كان هناك من يمارسون التعسف فى تفسير النصوص وتحميلها بما لا تحتمل لتبرير أهدافهم، فهؤلاء لا يمثلون الدين، ولكن يمثلون أنفسهم، ولا يتحدثون عن الدين ولكن يتحدثون عن المفاهيم التى يريدون صب الدين فيها، وبناء ذلك فليس كل ما تقوله جماعة مسلمة تعبير عن الإسلام، ولكنه تعبير عن مواقفهم ونزعاتهم التى يكسبونها طابعا دينيا لكى تصبح لها قداسة ويكون رفضها أو الخروج عليها عدوانا على الدين.
يقول هاليداى إن الإسلام ليس عقيدة جامدة، بل إنه دين يقبل التفسيرات المتجددة التى تساير كل عصر، وإن كانت هناك جماعات جمدت عقولها وأفكارها وحصرت نفسها فى تفسيرات تنتمى إلى عصور الماضى ويستندون إليها لرفض مسايرة تطورات الحاضر، فهؤلاء يعبّرون عن التكوين النفسى والعقلى الخاص بهم ولا يعبّرون عن العقيدة ذاتها. كذلك فإن الذين يتحدثون عن علم الإحصاء الإسلامى، أو علم الكيمياء الإسلامى، وغير ذلك، فإنهم يجهدون أنفسهم فيما لا طائل وراءه لأن علم الإحصاء هو هو فى كل الدنيا وكذلك سائر العلوم، وكلها تخضع للتطور والتغير بينما الدين ثابت، وليس صحيحا ما يراه البعض فى العالم الإسلامى من ربط المتغير بالثابت، لأنهم لا يدركون أن فى ذلك إساءة إلى الدين حين تظهر عدم صحة نظرية علمية بعد أن قيل إنها من عند الله!
***
ويرى هاليداى أنه ليس هناك شعب مسلم واحد فى سائر بلاد العالم، ولكن هناك شعوبا مسلمة لها لغات وأصول عرقية وعادات وثقافات متعددة يجمع بينها دين واحد هو الإسلام، وهذا هو المفهوم الواقعى عند الحديث عن (الأمة الإسلامية) فليس هناك أمة تتكون من شعوب لكل منها هوية مميزة وتاريخ خاص وسمات اجتماعية تختلف عن غيرها، وإلا فسوف يقال إن أمة المسيحية أمة واحدة رغم الاختلافات الجوهرية بين الشعوب التى تعتنق المسيحية، وحتى إذا نظرنا إلى دولة قامت على أساس الدين وهى باكستان نجدها متعددة القوميات من البنجاب، والبنهانيين، والبنغال والموهاجيرز، هذه الفكرة التى يطرحها هاليداى تحتاج إلى مناقشة من المتختصصين فى علوم السياسة والانثروبولوجيا والديانات.
ويناقش هاليداى الفكرة السائدة فى كثير من دول العالم عن الإسلام على أنه يتعارض مع الديمقراطية، ويستدلون على ذلك بأنظمة حكم إسلامية ليس فيها أية صورة من صور الممارسة الديمقراطية بالمفهوم العلمى الحديث، وكثير من الدعاة والحكام فى الدول الإسلامية يكررون الحديث عن فشل الديمقراطية الغربية، وفى رأى هاليداى أن غياب الديمقراطية فى الدول الإسلامية ليس بسبب كونها مسلمة أو أن هذا هو الفهم والتطبيق للإسلام الصحيح، ولكن السبب يرجع إلى الخصائص والظروف السياسية التى تشترك فيها الدول الإسلامية، وأيضا بسبب التخلف وانخفاض مستويات المعيشة ومعدلات التنمية، وترسخ ثقافات سياسية تعادى التنوع والتسامح، وسيادة الحاكم فوق القانون، ويتم تبرير كل ذلك بأنه التطبيق والالتزام بتعاليم الإسلام.. لذلك يؤكد هاليداى على ضرورة الفصل بين الإسلام وبين الصورة التى يمارس بها البعض تعاليم الإسلام، وهؤلاء يحرصون على ربط كل تصرفاتهم بالدين لقطع ألسنة المعارضة، وهم أيضا الذين شجعوا على تشويه مفهوم العلمانية. والعلمانية مفهوم ظهر فى أوربا فى مواجهة سيطرة الكنيسة على شئون الحكم، واضطهاد- بل وقتل- من يخالف حكم الكنيسة بادعاء أنه يخالف حكم الله، وفى ظل هذا المفهوم تم ارتكاب جرائم وتخلفت دول أوربا، وتوقف نمو الفكر والعلوم، وعاشت أوربا عصر الظلام، وفى عصر التنوير ظهر مفهوم العلمانية بمعنى أن يكون للكنيسة مكانة عالية، ويرعى الناس تعاليم الدين، ويوثقوا علاقتهم بالله، وتبقى شئون الدولة والسياسة والحكم فى يد رجال السياسة والحكم، وهؤلاء يخضعون للنقد والمحاسبة والمطالبة بتغييرهم وليست لهم قداسة لأن كل تصرفاتهم منسوبة إليهم ونابعة من فكرهم وإرادتهم. فالعلمانية لا تتعارض مع الإيمان ولا تحارب العقيدة الدينية، ولكنها تضع الحاكم فى مكان غير المكان الذى تضع فيه رجل الدين حتى تمكن محاسبة الحاكم، وبدون خضوع الحاكم للقانون وللرقابة والنقد والحساب لا يمكن القول بوجود ديمقراطية. وبدون السماح بتعدد الأفكار والاجتهادات والحلول لمشاكل المجتمع، وبحرية التعبير عن الرأى دون خوف من اتهام لا يمكن رده، لا يمكن قيام ديمقراطية.
***
ويضرب هاليداى مثالا ببعض القوميات فى أوربا مثل القومية الأيرلندية، والقومية البولندية، وهما يتمسكان بالدين بقوة، ومثلهم فى التشدد الدينى مثل الأرثوذكس فى اليونان، وروسيا، وقبرص، وصربيا، وهؤلاء يربطون بين الدين والسياسة ويتحدثون عنهما على أنهما شىء واحد، وفى هذا المناخ يكتسب السياسيون عصمة لا ينبغى أن يتحصنوا بها ضد المحاسبة والعزل عن طريق الانتخابات، وهذا ما جعل رجال السياسة فى بلاد غير إسلامية يتسترون بالدين ليكتسبوا لأنفسهم هذه العصمة وهذه الحصانة، ففى الهند ملايين يخلطون بين الدين والسياسة لتأكيد النزعة الشوفينية الهندية فى مواجهة النزعة الشوفينية الباكستانية، وكذلك فى الولايات المتحدة كان للربط بين الدين والسياسة دور فى قرارات وإجراءات لم يكن من الممكن تمريرها لو لم يتم تقديمها فى إطار دينى وكأنها تنفيذ لإرادة الرب وتعاليم الكتاب المقدس!
ويناقش هاليداى الاتهام الموجه للإسلام استنادا إلى العنف الذى تمارسه الجماعات، فيقول إن هذه الجماعات ليست المعبرة عن روح الإسلام، وهى لا تقدم المبادئ الإسلامية، ولكنها تقدم ما يبرر ممارساتها العدوانية، وهذه الجماعات لا تمثل ظاهرة إسلامية بل تمثل قوى نشأت فى مجتمعات معينة كرد فعل للمشكلات التى تعانى منها هذه المجتمعات، وهى مشكلات اجتماعية وسياسية، كما أنها رد فعل لما تشعر به هذه المجتمعات من مخاطر الهيمنة الخارجية، وما تتعرض له هذه المجتمعات من رياح التغيير الاجتماعى والثقافى وخاصة بالنسبة لتغيير الوضع التقليدى للمرأة الذى استقر فى مجتمعات بدوية، ولذلك فإن الغرب يخطئ حين يستسلم لادعاء هذه الجماعات بأنها إسلامية، بدلاً من دراسة الظروف التى أدت إلى نشأة هذه الجماعات وهى ظروف خاصة بكل مجتمع من المجتمعات الإسلامية، ونتيجة لذلك فإن صورة الإسلام الشائعة فى الغرب ليست صحيحة غالبا، ولا بد من دراسة تأثير التفاعل بين مفكرين إسلاميين فى بلاد مختلفة فى ظروفها السياسية والاجتماعية، وانتقال الأفكار نتيجة وسائل الاتصال الحديثة، والمثال على ذلك انتقال أفكار المفكر الباكستانى أبو الأعلى المودودى الذى كان يعيش فى ظل اضطهاد جماعات السيخ والهندوس الهندية وغيرها إلى سيد قطب فى مصر الذى كان يعيش فى ظروف مختلفة. وفى التحليل النهائى فإن هذه الجماعات تهدف إلى القفز على سلطة الدولة عن طريق العنف والغطاء الدينى، وهى تدعى أن انتماءها إسلامى وليس قوميا، ولكن التجربة أثبتت العكس، فقد قامت الحرب بين العراق وإيران وهما دولتان مسلمتان، وكان الدافع للحرب قوميا- سياسيا واقتصاديا- وليس دينيا. وليست الحرب العراقية الإيرانية هى الوحيدة التى نشبت داخل المعسكر الإسلامى، فقد تحركت الجيوش العراقية لغزو الكويت بهدف الاستيلاء عليها وكلاهما دولة مسلمة.. والجماعات الإسلامية فى أفغانستان يدور بينها قتال دموى يسقط فيه المئات.. وهكذا فإن الخلافات بين الدول والفرق والجماعات الإسلامية ذاتها أكبر وأعمق من خلافاتها مع الغرب، وعلى ذلك فإن الحديث عن الخطر الإسلامى أو التحدى الإسلامى مجرد وهم أو هو وسيلة من وسائل الدعاية السياسية الغربية لأهداف أخرى.
***
ويعترف هاليداى أن من أسباب الخوف من الإسلام فى الغرب أن الإسلام ينتشر فى أوربا والولايات المتحدة، ليس بين السود والمضطهدين كما كان يقال، ولكن بين مفكرين وسياسيين وشخصيات لها تأثيرها فى المجتمعات الغربية، والفيلسوف المعروف روجيه جارودى ليس المثال الوحيد، ومعروف أنه كان شيوعيا ثم تحول إلى الإسلام وأصبح اسمه رجاء جارودى، ومثاله فى الغرب كثيرون، يضاف إلى ذلك تزايد هجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وهولندا، وسويسرا، والسويد، وبقية دول الغرب وقد نشأت فى داخلها مجتمعات إسلامية ومن المستحيل معرفة الأعداد الدقيقة للمسلمين فى الغرب، ولكن لا يقل عددهم فى بريطانيا عن مليون مسلم، وفى فرنسا أكثر من ثلاثة ملايين مسلم، وفى ألمانيا ما يقرب من مليونى مسلم، وفى الولايات المتحدة تتراوح التقديرات بين أربعة ملايين وعشرة ملايين مسلم، ويظهر تأثير هذه الجماعات المسلمة فى انتشار المساجد فى أنحاء أوربا وأمريكا، ففى فرنسا أكثر من ألف مسجد، وفى بريطانيا ما يقرب من 400 مسجد، بالإضافة إلى تزايد الاتحادات والجمعيات الإسلامية حتى وصل عددها إلى المئات، وترتب على ذلك ظهور قضايا لم تكن تعرفها المجتمعات الغربية مثل الدفن الشرعى والذبح الشرعى واللحم الحلال، وملابس المرأة المسلمة وعزلها عن المجتمع، والمدارس الدينية الإسلامية، والصيام فى رمضان، ورحلات الحج من دول أوربا.. كل هذه الظواهر تثير المخاوف فى الغرب وتجعل البعض يحذرون من عدم قدرة الغربيين على السيطرة على مجتمعاتهم بعد أن أصبحت هذه الثقافة الغريبة عن الثقافة الغربية تشارك وتؤثر فى الحياة السياسية والاجتماعية.. هذه المخاوف من التأثير الإسلامى من داخل المجتمعات الغربية أكبر من المخاوف من التأثير الإسلامى الخارجى، وقد أدت القيود على الهجرة التى فرضتها دول الغرب إلى زوال المخاوف من تزايد المسلمين، كما أن النزعة العنصرية ضد المسلمين فى الغرب لم تشجع كثيرا من المسلمين على الهجرة، ففى فرنسا اشتدت حملة الزعيم لوبن العنصرى المعادى للمهاجرين وللعرب والمسلمين، وفى ألمانيا انتشرت نزعات اليمين المتشدد ضد المسلمين، ومن ناحية أخرى فرضت القيود على تلقى الجمعيات الإسلامية فى الغرب للتبرعات والمساعدات من الدول الإسلامية، وكذلك فإن الجيل الثانى من أبناء المهاجرين المسلمين أصبح أقل تمسكاً بالثقافة الإسلامية وأكثر ميلا للاندماج فى المجتمع الغربى وثقافته.
***
ويرى هاليداى أن تأثير الفكر الإسلامى الوافد من الخارج- على الجماعات المسلمة فى الغرب تضاءل، وعلى سبيل المثال كان بعض المهاجرين إلى بريطانيا فى الثلاثينيات يعتنقون أفكار الطائفة العلوية التى تأسست فى الجزائر، وكان فى فرنسا جماعات من المهاجرين المسلمين من شمال أفريقيا يعتنقون أفكار جماعات (التبليغ) التى تأسست فى الهند عام 1927 وأصبحت لها مراكز فى بريطانيا- وفى بريطانيا على سبيل المثال- مهاجرون مسلمون من باكستان، والهند، وقبرص التركية، والبوسنة، وفى ألمانيا مسلمون قادمون من تركيا والبوسنة، وفى فرنسا- مهاجرون من الجزائر، والمغرب، وتونس، والسنغال، وموريتانيا، وتركيا، وليست كل هذه الجماعات كتلة واحدة، فكلهم مسلمون، ولكنهم مختلفون فى فهم كل جماعة للإسلام، ومختلفون فى الثقافة والعادات والتقاليد الإسلامية، أما موقف الدول الغربية من المسلمين المهاجرين فهو يختلف بين دولة وأخرى. ففى بريطانيا يتمتع المهاجرون المسلمون من دول الكومنولث بحق التصويت، ولكن فرنسا وألمانيا لا تسمح بذلك، وفرنسا سمحت ببناء المساجد فى الأرض التى يتملكها مسلمون، وسمحت بعض الشركات للمسلمين بأداء الصلاة فى وقت العمل، ولكن بريطانيا لا تعطى لهم هذا الحق.
ولكن الدول الغربية تشكو من تدخل حكومات بعض الدول الإسلامية وسعيها لاستقطاب المهاجرين المسلمين فى أوربا وتجميعهم فى تكتل يخدم مصالحها، وتقدم لهم الأموال وتساعدهم على بناء المساجد، وفى بعض الدول الإسلامية منظمات تتخطى الحدود وتعمل داخل الدول الأوروبية مثل منظمة العالم الإسلامى بمكة، ومثل الأنشطة التى تديرها إيران، وكان نظام الحكم فى العراق بقيادة صدام حسين يفعل ذلك أيضا لأغراض سياسية، وبعض الأحزاب السياسية والدينية فى الدول الإسلامية أنشأت لها فروعا وشبكات فى دول أوروبية، وأكبر مثال هو المنظمات الباكستانية فى بريطانيا.
وتعانى دول الغرب من الصراعات داخل جماعات المهاجرين المسلمين بين العرب وغيرهم، فالأئمة الأتراك فى فرنسا مثلا يعتقدون أنهم أكثر معرفة بالقرآن وبالإسلام من العرب، والعرب يعتقدون أنهم هم الأكثر فهما للإسلام، وهذا دليل آخر على أن المسلمين ليسوا أمة واحدة كما يقول هاليداى.
***
ولكن مع كل ذلك لا يمكن إنكار أن صوت الإسلام أصبح مسموعا فى الغرب أكثر من أى وقت سابق، وأن المسلمين أصبحوا يشكلون فى فرنسا قوة سياسية، وهم فى طريقهم إلى أن يصبحوا كذلك فى بريطانيا، وقد وجدت 24 من الاتحادات الإسلامية فى بريطانيا- فى عام 1987- أنها فى موقف يسمح لها بالتقدم بمطالبها المتعلقة بتدريس الإسلام، والسماح بإنشاء مدارس إسلامية، ومنع تعليم التلاميذ المسلمين الرقص، والاستحمام المختلط للبنات والبنين، ودراسة الجنس، وغير ذلك من الأمور المسموح بها فى المجتمعات الغربية..
وهذا ما يثير المخاوف فى دول الغرب من أن يؤدى استمرار هذا المد الإسلامى إلى تغيير فى المجتمعات الغربية.
وهذا ما يستند إليه الذين يدعون وجود الخطر الإسلامى على الغرب.
وهو ما يجعل المسلمين الذين يعيشون فى الغرب يشعرون أيضا بأنهم معرضون للتهديد.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف