السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

الصحفيون ليسوا مراكز قوى

فى أحد لقاءاتى مع الإمام الراحل الشيخ متولى الشعراوى سألته أن يدعو لى، فرفع يديه وقال: أسأل الله لك أن تؤثر الصدق على السبق..

وقد مضت على هذه اللحظة أكثر من عشرين عاما وما زلت أذكرها وأرددها كلما قرأت بعض ما فى الصحف هذه الأيام.. عصبية زائدة.. ولغة حادة.. وشتائم، وإهانات، واتهامات، ونقد مبالغ فيه لكل شىء وبرعونة تجعله يصل إلى درجة القذف، وتخبط فى المواقف.. الذين كانوا ينقدون الحكومة نقدا لاذعا لتأخيرها فى تنفيذ برنامج الخصخصة أصبحوا ينقدون كل محاولة للحكومة لخصخصة أى شركة، والذين كانوا ينقدون نظام التعليم ويطالبون بالإصلاح والتطوير هم الذين يعارضون كل إصلاح وكل تطوير، والذين كانوا يكتبون كل يوم عن ضرورة (تعويم الجنيه المصرى) ويقولون إن عملات الدول الكبرى تم تخفيضها فلماذا يكون الجنيه المصرى محصنا من آليات السوق..

واليوم هم الذين يستنكرون خفض قيمة الجنيه مقابل الدولار.

والذين سكبوا أنهاراً من الحبر فى التنبيه إلى خطورة تثبيت أسعار الأدوية وقالوا إن ذلك سيؤدى إلى إفلاس شركات الأدوية. ويجعل من المستحيل عليها أن تخصص أموالاً للبحوث والتطوير لتواجه اتفاقية الملكية الفكرية، هؤلاء هم الذين يكتبون الآن صفحات فى الهجوم على الحكومة لأنها رفعت أسعار بعض الأدوية التى يقل سعرها عن خمسة جنيهات. وهم يعلمون أن هناك 400 نوع من الدواء يدخل فى هذه الشريحة، ويعلمون أنها أسعار غير واقعية وغير معقولة.. والذين كانوا يتصايحون لماذا نبدد ملايين الدولارات فى شراء الأنسولين المستورد ولا نصنعه فى مصر هم الذين يهاجمون الأنسولين المصرى عندما تم تصنيعه.

وهكذا يتصور البعض أن عليهم أن يوجهوا سهام النقد إلى كل قرار، وكل مشروع لمجرد أن يقال إنهم يكتبون بشجاعة، ولا يسيرون فى ركب الحكومة، وكأن تأييد قرار صائب للحكومة عيب والهجوم فقط ودائما هو الشجاعة، وهو الممارسة لحرية الصحافة.

أكثر من ذلك.. أن بعض الصحفيين يتصورون أنهم يمكن أن يصبحوا مراكز قوى، وأن يكون لهم نفوذ يساوى أو يفوق نفوذ أصحاب القرار، وأنهم يمكن أن تكون لهم سلطة أو أن يشاركوا فى السلطة أو على الأقل يوهمون أنفسهم ويوهمون الناس بذلك.

ولا أعرف لماذا لا يتحدث الصحفيون إلا عن حقوقهم وحريتهم، ولا يتحدثون عن واجباتهم، ومسئوليتهم، وحرية المجتمع كله.

إن بعض الصحفيين يجرون وراء الإثارة السياسية، والاجتماعية، والطائفية، والجنسية، من أجل زيادة التوزيع، أو من أجل المباهاة بأنهم الأكثر جرأة، ولو على حساب القيم، أو على حساب كرامة وسمعة وحقوق الآخرين، أو على حساب المصلحة الوطنية، أو حتى على حساب الأمن القومى، يساعدهم على ذلك طبيعة الصحافة من ناحية، ومساحة الحرية الواسعة التى تتمتع بها الصحافة الآن من ناحية ثانية، وتزايد حمى البحث عن الثراء من أى طريق، وحمى البحث عن موقع قوة. والصحافة فى ذاتها قوة، ولها تأثير على الرأى العام وعلى السلطة السياسية أحيانا، ومن المفروض ألا تكون حرية الصحافة حكرا للصحفيين، والصحافة فى الأصل ساحة مفتوحة لكل أصحاب الرأى وليس للصحفيين وحدهم، ومرآة تعكس بصدق الرأى العام ومطالب وطموح الشعب وليس هموم وطموح الصحفيين.. ومن الخطأ أن يقع صحفى فى وهم يتصور معه أن هذه القوة التى تتمتع بها الصحافة هى قوة له شخصيا، فيوظفها لمصلحته هو، ولخدمة أهدافه وأهوائه، فهذا هو ما يسميه رجال القانون (انحراف فى استعمال السلطة) الصحافة قوة فى مواجهة السلطات لصالح المجتمع، ولضبط ما فيه من تجاوزات، وانفلات، وأخطاء، وفساد.. هى قوة فى يد المجتمع، وليست قوة فى يد فرد أو فئة مهما يكن وضع هذا الفرد أو هذه الفئة.

ولأن الصحافة قوة، ولها تأثير، فإن الصحفيين معرّضون دائماً للوقوع فى الوهم بأنهم فوق الجميع ما داموا قادرين على توجيه سهام النقد إلى الجميع، ويتوهمون أنهم لذلك فوق القانون، وإذا خالفوا القانون لا يجوز أن ينالهم عقابه، وإذا صدرت ضدهم أحكام القضاء يجب ألا تنفذ!.. ويمكن أن ينخدع الصحفيون بسلاح القلم فى أيديهم فيظنون أنهم قادرون على أن يرفعوا من يشاءون، وأن يخفضوا من يشاءون، وأن بيدهم أن يجملوا صورة من يرضيهم ويتقرب إليهم، وأن يشوهوا صورة من لا يرضيهم أو لا يستجيب لهم.. وكأنهم هم وحدهم معيار الصدق والكذب.. وميزان الحق والباطل.. وأن من حقهم وحدهم الحكم على الناس دون انتظار حكم القانون والقضاء.. وأنهم المحتكرون للصواب والحكمة وفصل القول.. وبعد كلمتهم لا يجوز لأحد أن يقول كلمة وإلا كان نصيبه التشويه والإساءة.

وكل من يمارس سلطة يتعود على ممارستها، ويجد صعوبة بعد ذلك فى التنازل عنها أو التخفيف منها، كذلك فإن ممارسة القوة لابد أن تؤدى مع الوقت إلى تحول فى تفكير، ومشاعر، وشخصية الإنسان، فيعطى لنفسه حجما أكبر من حجمه، ويمارس دورا أكبر من دوره، يحاول أن يدخل فى دائرة القرار وهى ليست من اختصاصه ولا من طبيعة عمله.. فإن لم يستطع فإنه يوهم الآخرين بأن له القدرة على التأثير فى القرار.. وهذه حالة يسميها علماء النفس تضخم الذات، أو تضخم الأنا، وفى هذه الحالة يتصور الإنسان أن ما يقوله هو الصواب وما يقوله غيره هو الخطأ والضلال، وأن ما يطالب به يجب أن ينفذ فورا، فإذا كتب أن وزيرا أخطأ فى قرار فعلى الوزير أن يلغى القرار فورا، وإذا كتب أن على وزير أن يصدر قرارا فعليه أن يصدره فورا، وكأن ما يطالب به تعليمات، أو أوامر لمن بيدهم التنفيذ، فإن لم ينصاعوا سلط عليهم وابلا من الهجوم يسبب لهم حرجا أمام أسرهم، وأمام مرؤوسيهم، ويضطرهم للخضوع اتقاء للشر، ونجاة بما تبقى من الكرامة. وهذا يعنى أن الصحفيين وهم يطالبون بالحرية لأنفسهم فقط يحرمون منها غيرهم، ويمارسون بذلك نوعا من الدكتاتورية.. دكتاتورية الرأى.. أو دكتاتورية سلطة من سلطات المجتمع هى سلطة الصحافة.

والصحفى بحكم عمله يقترب من سلطة الحكم، ولكنه يقترب كصحفى وليس كمشارك فى سلطة الحكم، هو صحفى يستقى الأخبار، ويتعرف على الاتجاهات، ويقترب من دائرة صنع القرار وخلفياته، ليكتب عن بصيرة ومعرفة، وليس له دور غير ذلك، وإذا فكر فى أن يكون له دور فى السلطة يجب عليه أن ينتقل من دائرة الرأى إلى دائرة صناعة القرار، ويترك منبر الصحافة لمن يتعامل فيها فى حدودها دون تجاوز، لأن الصحافة فى الأصل هى صوت الرأى العام أولا، وهى ثانيا أداة تشرح للرأى العام مواقف السلطة، كما تعكس اتجاهات الرأى العام للسلطة.. وإن كان الصحفيون يحسبون ضمن المثقفين، والمثقفون عموما هم (الصفوة) فى المجتمع، فهناك فرق مهم جدا بين صفوة حاكمة، وصفوة غير حاكمة، والصحفيون من هذه الفئة الأخيرة شأنهم شأن سائر المثقفين فى المجتمع.

ومن الطبيعى أن الصحفى كإنسان له احتياجات ومطالب، ولديه طموح ورغبة فى التقدم، وهذا شىء مطلوب فى حدوده وفى إطاره.. له أن يحقق طموحه ولكن ليس على حساب مصلحة المجتمع أو على حساب كرامة الآخرين، وله أن يتقدم ولكن ليس له أن يدوس على الآخرين، وله أن يقول (أنا) ولكن ليس له أن يقول (أنا وبعدى الطوفان)، وإن كان للصحفى قوة فى التأثير على الرأى العام ونقد السلطات فيجب ألا تكون هذه القوة لمصلحته الشخصية أو حتى لمصلحة الصحفيين كفئة من فئات المجتمع، لأنه مسئول- بهذه القوة- على أن يستخدمها لصالح كل فئات المجتمع، ويثرى بها الحوار السياسى فى المجتمع، ويطرح المشكلات العامة ويقدم أفكارا ومبادرات لحل هذه المشكلات.

ثم إن الصحفيين إن كانوا يؤمنون بحرية النقد على أنه حق وواجب فلماذا لا يمارسون النقد الذاتى؟ وهو الذى نحتاج الآن إلى أن يمارسه كل فرد، ويمارسه أهل كل مهنة، لكى ينصلح حال المجتمع كله. والمفروض أن يكون للصحفيين فى ذلك الريادة، ويكونوا قدوة.

أعلي الصفحة

التليفزيون يروج لعصر الحريم

المسلمون هم الضحية قبل وبعد 11 سبتمبر

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف