السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

الكرة الآن فى ملعب شارون

 

أعتقد أن نجاح الحوار الوطنى بين الفصائل الفلسطينية فى القاهرة نقطـة تحول بالنسبة للقضية الفلسطينية، أنهت مرحلة الصراع الفلسطينى الفلسطينى. وفى رأيى أن نتائج هذا الحوار وضعت الجانب الإسرائيلى فى مأزق بعد أن كان الجانب الفلسطينى هو الذى يعيش فى مأزق.
ومنذ اللحظـة الأولى لاجتماع ممثلى الفصائل كان واضحا أن هناك روحا جديدة، تسود جو الاجتماع، وأن هناك عقلا جديدا يدعو هذه الفصائل إلى التخلص من الخلافات والتناقضات فيما بينها. وبدء مرحلة جديدة يبدو فيها الشعب الفلسطينى كلمة واحدة. وبندقية واحدة، وسلطـة واحدة يلتف حولها الجميع، وتتم إدارة الاختلافات بين الأشقاء فى إطـار الحوار والمصلحة الفلسطينية العليا.
وكان واضحا أن الجهود التى بذلتها مصر فى جولات الحوار السابقة – وقبلها وبعدها – قد أثمرت وحققت نجاحا جعل جميع الفصائل تلتقى مع مصر فى طريق واحد.. طريق جديد، تقبل فيه جميع الفصائل الانتقال من النضال المسلح، إلى النضال السياسى وبالتعامل مع الأطراف الدولية والتجاوب معها، وبإدراك مدى الخطورة التى تواجهها المنطقة العربية، وتفهم طبيعة الظروف والمتغيرات الدولية التى جعلت ما كان صالحا بالأمس لا يصلح اليوم.
وكان واضحا أن السيد عمر سليمان نجح فى المساعى التى قام بها لإزالة الجفوة والخلافات بين الفصائل الفلسطينية، كما نجح فى إقناع الجميع بأنهم لن يخسروا شيئا إذا التزموا بالتهدئة لمدة عام، لوقف نزيف الدم الفلسطينى، وإعطاء الشعب الفلسطينى فرصة لترميم الجراح، وإعادة بناء ما هدمه الجيش الإسرائيلى، وليعيش الفلسطينيون فترة يجدون فيها الأمن والطعام والعمل، وفى نفس الوقت يتوافر للجهود الدولية المناخ المناسب للضغط على إسرائيل لكى تنفذ الخطوات التى تعهدت فى شرم الشيخ بتنفيذها دون إعطائها ذريعة للتراجع.
وبوضوح الفكر الذى يتميز به عمر سليمان، وبقدرته على الإقناع بالتحليل السياسى الواقعى والمنطقى، وبالهدوء والصبر اللذين يتميز بهما وبالتوجه السياسى الجديد للرئيس الفلسطينى محمود عباس الذى يؤمن بأن الوحدة الوطنية هى الطريق الوحيد لاكتساب تعاطف العالم مع الشعب الفلسطينى ومساعدته فى الحصول على حقوقه الضائعة فى حالة الفوضى التى تستثمرها إسرائيل لاستمرار طلقات الرصاص والمدافع ونزيف الدماء وبطريقتها فى خلط الأوراق تضيع الحقائق وتفرض بالقوة ما تريد.
والفصائل الفلسطينية أصبحت فى هذا الوضع الجديد تتفهم التطورات والضغوط الدولية، وتدرك كيف يمكن التعامل مع القضية بالأسلوب المناسب لكل وقت.. فالهدف هو المهم، ويمكن التوصل إليه بوسيلة أو بأخرى، وكل الخيارات مفتوحة لأصحاب الحق حتى يحصلوا على حقوقهم كاملة.
ومع استمرار الحوار بين الفصائل – وحتى قبل نهايته – أصبحت الكرة فى ملعب شارون.
شارون يراهن على أن حماس والجهاد والجبهة الشعبية سوف يكون لها موقف متشدد، ويمكن أن يصل الخلاف بينها وبين السلطة الفلسطينية إلى حد التصادم، والرهان الأول لشارون أن يتحول الصراع الفلسطينى الإسرائيلى إلى صراع فلسطينى فلسطينى، ويدخل الفلسطينيون فى حرب أهلية، وتوجه البنادق إلى صدور إخوانهم، وتتم تصفية القضية بأيدى الفلسطينيين أنفسهم، أو على الأقل يظهر أمام العالم أن الشعب الفلسطينى ليس مؤهلا لحكم نفسه بنفسه، وليس قادرا على إدارة شئونه وخلافاته الداخلية بالحوار الديمقراطى، وتعود إسرائيل إلى الإدعاء بأنها هى الدولة الديمقراطية الوحيدة فى المنطقة، لأن فى داخلها خلافات ولكن تتم إدارة هذه الخلافات بالديمقراطية وفى إطار الشرعية.
خابت حسابات شارون. وها هى ذى الفصائل الفلسطينية الراديكالية والمعتدلة تقف صفا واحدا خلف قيادة واحدة، ولا يتحدث باسم الشعب الفلسطينى سوى الرئيس الشرعى المنتخب الذى يعمل مع المؤسسات ومع السلطة التشريعية، وبالتفاهم والتنسيق مع كافة الفصائل.. وهذا وحده دليل كاف لإقناع العالم بأن الفلسطينيين أصبحوا قادرين على إدارة دولة ديمقراطية.
وكان شارون يراهن على أن السلطة الفلسطينية سوف ترفض المطالب الدولية بتنفيذ إصلاحات سياسية وتشريعية وإعادة بناء المؤسسات على أساس الفصل بين السلطات، والالتزام بالقانون، واستقلال القضاء، ووضع ميزانية معلنة تخضع لرقابة من هيئة وطنية مستقلة هى جهاز المحاسبات.. ولكن انقلب السحر على الساحر.. اتفق الجميع على إعادة ترتيب البيت الفلسطينى فى ذات الوقت الذى يتوقف فيه العنف من الجانبين – وليس من جانب واحد – وبذلك لن تجد إسرائيل سببا للنكوص أو التلكؤ، ويتم انسحابها من غزة ومدن الضفة وتفكيك المستوطنات غير الشرعية، ويكون هذا الانسحاب خطوة لابد أن تتلوها الخطوات الأخرى، ولن يكون هذا الانسحاب نهاية المطاف، وسوف تكون أمام الولايات المتحدة الظروف التى تطالب بها للتدخل لتنفيذ خريطة الطريق وفق مراحلها التى تنتهى بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على أرضها دون عوائق جغرافية أو سياسية.
ماذا يريد شارون إذن لكى يبدأ تنفيذ الالتزامات المقررة فى شرم الشيخ وفى خريطة الطريق؟ وماذا يريد الرئيس جورج بوش لكى يبدأ فى تنفيذ رؤيته بالسير لإقامة الدولة الفلسطينية؟
شارون- بعد حوار الفصائل فى القاهرة- أمام امتحان. وسوف تظهر نواياه، ويضطر إلى أن يكشف أوراقه أمام العالم، وقد أصبح- بعد هذا الحوار- مكشوفا.. هل يريد السلام كما يعلن أو يريد المناورة والمراوغة؟ هل يطالب الفلسطينيين بالتوقف عن العنف لكى يكون هو حرا فى ممارسة العنف؟
هذه الشكـوك والمخاوف الفلسطينيـة مشروعــة، لأن تاريخ شارون، وتصرفاتــه فى الماضى لا تدعو للثقة أو الاطمئنان، ولكن التعامل فى هذه الحالة لا يكون بالرفض ولكن يكون بالحذر، وبانتظار الخطوة التالية من جانبه، إن كانت خيرا فخير، وإن لم تكن فلن يخسر الفلسطينيون شيئا ولهم الحق فى أن يسيروا فى الطريق الذى ساروا فيه من قبل ولن يكون لأحد الحق فى أن يلقى باللوم عليهم.
والفلسطينيون فى النهاية ليسوا وحدهم. مصر – كما أعلن عمر سليمان – عليها مسئولية أخلاقية تجاه الشعب الفلسطينى، وعليها التزام بأن تكون معه قلبا وقالبا، خطوة بخطوة، والدور المصرى لا يحتاج إلى برهان، فمصر ليست وسيطا بين طرفى الصراع، ولكنها طرف أصيل مع الشعب الفلسطينى، ولا أحد يجهل أن رحلات الرئيس مبارك، واتصالاته، ومباحثاته مع زعماء العالم منذ سنوات طويلة وإلى اليوم وغد، هدفها الأول التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية التى تعرضت للظلم والتشويه، وتحمل شعبها ما لم يتحمله أى شعب فى التاريخ من طغيان القوة والأطماع الإسرائيلية.
بعد متابعة حوار الفصائل فى القاهرة أصبحت على يقين بأن شارون هو الذى أصبح أمام لحظة اختبار، وأمامه الآن الطريق إلى تحقيق السلام الدائم والأمن لإسرائيل إذا أراد. وما عليه إلا أن يبدأ فى تنفيذ خريطة الطريق، وينفذ وعوده بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين وإعادة المبعدين، وإعادة ترسيم السور العازل بحيث يكون على الخط الأخضر ويعيد الأرض الفلسطينية التى اغتصبها داخل هذا السور، ويفكك المستوطنات التى أقامها على الأراضى الفلسطينية، ويعلن حدود دولة إسرائيل، ويعيش الإسرائيليون داخل حدود دولتهم فى أمن وسلام مع جيرانهم، ويعيش الفلسطينيون أيضا فى أمن وسلام داخل حدودهم، وتصبح إسرائيل دولة من دول المنطقة ويمكن التطبيع معها فى هذه الحالة.
بالعدل يحقق شارون لشعبه الأمن. وبالظلم لن يكون هناك أمن لشعبه ولا لشعوب المنطقة. ولا أحد يمكن أن يطالب المظلوم بالسكوت والاستسلام للظالم.
أعتقد أن حوار القاهرة بما حققه من نجاح هو أيضا رسالة إلى أمريكا..
والشعب الفلسطينى ينتظر ماذا ستفعل الإدارة الأمريكية غير التصريحات بعد أن زالت الحجج التى كانت تتذرع بها للسكوت على الجرائم الإسرائيلية؟
هل ستثبت أمريكا أنها دولة العدل والقيم الديمقراطية وحرية الشعوب فى تقرير مصيرها..؟ وهل سنرى أمريكا يوما مناصرة لحقوق الإنسان.. الفلسطينى؟
كل الأطراف – فى الحقيقة – الآن فى لحظة اختبار.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف