السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

مفكر ألمانى يفهم الإسلام أفضل من بعض المسلمين !

 

الدكتور مراد ويلفريد هوفمان ألمانى، ولد عام 1910 حاصل على الدكتوراه فى القانون من إحدى جامعات الولايات المتحدة. نشأ كاثوليكيا. عمل خبيرا نوويا فى حلف الأطلنطـى، كما عمل سفيرا لبلاده فى الجزائر والإمارات والسعودية لسنوات طويلة أتاحت له دراسة الإسلام من مصادره الأصلية، خاصة بعد أن تعلم اللغة العربية. وأخيرا اعتنق الإسلام وأصبح واحدا من أشهر المنصفين للإسلام والمسلمين فى الغرب، وله كتب عديدة اهتم الأستاذ عادل المعلم بترجمة بعضها إلى اللغة العربية ومنها: (الإسلام كبديل) و(خواء الذات والأدمغة المستعمرة) الذى شاركه فى ترجمته نشأت جعفر.
ولقد قابلت الدكتور مراد هوفمان لأول مرة فى جلسة حوار إسلامى مسيحى فى ألمانيا، وكنت مع فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر، وكان وقتها مفتى الجمهورية- ولفت نظرى أنه يتحدث عن الإسلام بعقلانية ولا يستخدم الألفاظ الرنانة ذات التأثير العاطفى، ولكنه يعتمد على المنطق، وعلى الوقائع والحقائق التاريخية. ثم عرفت بعد ذلك أنه كثير الأسفار فى أنحاء أوروبا وأمريكا للمشاركة فى الحوارات التى تنظمها الجامعات ومراكز البحوث، وعرفت أنه من المدافعين عن الإسلام بالأسلوب الذى يفهمه الغرب، ثم رأيته بعد ذلك مشاركا فى مؤتمرات إسلامية عالمية فى مصر والسعودية.
وكتابه (الإسلام كبديل) أراد به مواجهة الأحداث الكثيرة التى يتعرض لها العالم الإسلامى، وتوجيه الأنظار فى الغرب إلى أن قلة قليلة من المؤلفين الغربيين تهدف فى تناولها للإسلام إلى التركيز على الأساس الروحى لهذا الدين، وهو يدعو القارئ إلى فك الحصار المضروب حوله من الكتب الكثيرة التى تثير فيه الخوف من الإسلام وربطه بالأصولية، والتعصب، والحرب المقدسة، وسيوف الإسلام لأن هذه الكتب لها هدف هو أن تتكون لدى القارئ الغربى استنتاجات سطحية عن طبيعة الدين الإسلامى. ويقول إنه رأى أن يؤلف هذا الكتاب- وهو ألمانى مسلم- لشرح المفاهيم الإسلامية الخلافية المثيرة للجدل، فهو دعوة على أساس علمى مؤيدة بالتاريخ والحاضر.. ويقول فى مقدمة الكتاب أيضا: إن مرحلة الصراع بين العالم الغربى والشيوعية على قيادة العالم قد انتهت، وكان من الممكن اعتبار الإسلام فى تلك المرحلة نظاما ثالثا بينهما، ولكن بعد أن انتهت الشيوعية أصبح الإسلام البديل للنظام الغربى، وبعض المراقبين بعيدو النظر يتوقعون أن يصبح الإسلام الديانة السائدة فى القرن الحادى والعشرين، ولهذا اختار لكتابه عنوانا يعبر عن هذا الاتجاه.
وقد كتبت المستشرقة الألمانية العظيمة أنا مارى شيمل مقدمة بديعة للكتاب قالت فيها: إن جهل الغرب بالإسلام هو الذى يولد الخوف والكراهية له، لأن الناس أعداء ما جهلوا، كما قال على بن أبى طالب، وما ينشر فى الصحافة الغربية عن العالم الإسلامى ليس دائما موضوعيا ومحايدا، ولكن المراسل الصحفى أو مسئول التليفزيون يختار ما يؤيد اتجاهه، وتكون النتيجة تكوين صورة ذهنية زائفة عن الإسلام والمسلمين. والإسلام بالذات مثال نموذجى للالتباس وسوء الفهم فى الغرب. ففى القرن التاسع عشر كان الرسامون يصورون المسلمين محاربين متوحشين، غارقين فى شهواتهم مع (الحريم). واليوم أصبحت صورة المسلم هى صورة متعصب إرهابى عديم الرحمة يطلق لحيته ويبرر وحشيته بالقرآن والسنة. وكلا الصورتين لا تمثل الحقيقة، وفى استطاعة من درس الثقافة الإسلامية، أو عاش بين المسلمين، أن يصححها.
***
وفى تحليله لأسباب الكراهية للإسلام يرجع مراد هوفمان إلى الفترة التى تفوق فيها المسلمون على الغرب عسكريا وثقافيا. فقد عبر المسلمون مضيق جبل طارق عام 711 وأسسوا دولة الأندلس التى ازدهرت فيها العلوم والفنون والثقافة، وفى نفس الوقت امتدت امبراطوريتهم إلى وسط آسيا وجنوبها حتى الهند. وكانت الأندلس هى الجسر بين أوروبا والعالم الإسلامى انتقلت منها العلوم والحضارة الإسلامية إلى أوروبا، وعاش فى ظل هذه الحضارة الإسلامية المسلمون والمسيحيون واليهود فى توافق لم نر له مثيلا.
وتشير البرفيسورة أنا مارى شيمل إلى مسألة دقيقة، هى أن ترجمات معانى القرآن إلى اللغات الأجنبية تفقدها جمال اللغة ودقتها وإيقاعها، ولا تستطيع الترجمة أن تحافظ على روح ومفهوم النص القرآنى، فالقرآن كلام الله، وله خصائص تميزه يصعب نقلها كما هى فى لغة أخرى، ولذلك لا يفهم القارئ غير العربى القرآن. وكما أسىء تقدير القرآن لعدة قرون أسىء تقدير محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو النموذج للمسلم. وعلى سبيل المثال هاجم رهبان الكنيسة فى العصور الوسطى زواجه بعدة نساء، ولم يدركوا الحكمة فى ذلك، وكان ذلك قبل أن تعترف الكنيسة بزواج الشواذ. كما لم يتحدثوا عن داود النبى الذى يعتبرونه النبى الكامل فى تاريخ البشرية وقد كانت له عشرات الزيجات.
لكن هوفمان- بعقليته الناقدة- يرى أن من أسباب سوء الفهم فى الغرب ما رأوه لدى المتصوفة من الأساطير حول محمد (صلى الله عليه وسلم) الذين قالوا إنه ليس بشرا ولكنه نور، وإنه أول خلق الله قبل آدم، بل قال بعضهم إنه هو القصد من خلق الكون، بينما يكرر القرآن وتكرر الأحاديث أنه بشر كسائر البشر إلا أن الله اختاره لينزّل عليه رسالته، وقد عاش كما يعيش الناس، ومات كما يموتون، وتألم كما يتألمون، وتحمل الأذى، وكان مثالا للقوة الروحية المؤمنة بأن الحق معها.. فهذا التصوير غير الإنسانى عند بعض المتصوفة أدى إلى تصور بعض الغربيين بأن هذا الدين مجموعة أساطير.
وسبب آخر لسوء الفهم- كما تقول شيمل- هو ميل الغربيين إلى النظر إلى كل شىء من منظور القيم الغربية، ومثال ذلك استنكار تغطية المرأة المسلمة شعرها، مع أن المرأة اليهودية المتدينة تغطى شعرها، ومازال الطالب اليهودى يذهب إلى جامعة هارفارد وعلى رأسه الطاقية التقليدية، فلماذا لا يقبل الغرب أن تغطى المرأة المسلمة شعرها؟.
ويناقش مراد هوفمان فكرة أن الإسلام يحرض على إعلان الحرب على المخالفين له ويعتبر أن تلك هى (الحرب المقدسة) فيقول: إن تعبير الحرب المقدسة هو فى الأصل تعبير مسيحى النشأة انتشر أيام الحروب الصليبية، أما المصطلح الإسلامى (الجهاد) فهو يعنى أولا: جهاد النفس ضد الشهوات، ويعنى ثانيا: الدفاع عن العقيدة أو محاولة نشرها.
وتقول أنا مارى شيمل إن إلصاق الإرهاب والأصولية بالإسلام فى الوقت الحاضر يمثل مأساة، لأن الأصولية ما هى إلا مصطلح من التاريخ الدينى فى أمريكا، ثم هل نلصق الإرهاب بالمسيحية كلما وقع حادث دموى فى أوروبا أو أمريكا؟. ويعلق عادل المعلم على ذلك بأن الغرب لم يستخدم أبدا مصطلح الأصولية الكاثوليكية أو الأرثوذكسية أو البروتستانتية أو اليهودية برغم وجود جماعات دينية أمريكية متشددة قامت بتفجيرات فى أمريكا ومنها تفجير مبنى أوكلاهوما عام 1995 الذى بلغ عدد قتلاه 2005 قتيل، ولم يتحدث أحد فى الغرب عن مذابح الأصوليين اليهود ضد الفلسطينيين.
وفى رأى الدكتورة أنا مارى شيمل إننا لكى نفهم الأسباب العميقة للعداء للإسلام فى الغرب يجب أن نتذكر دائما حصار الأتراك للعاصمة النمساوية فيينا عام 1529 وعام 1683، وما تركه ذلك من خوف لا ينسى عند الغربيين تجاه دين العرب والأتراك والفرس والباكستانيين والمالاويين.. إلخ وحتى المثقفون فى الغرب فإنهم لا يعلمون عن كنوز الحضارة الغربية سوى القليل، ونادرا ما تجد من يعلم منهم بأن قصر الحمراء فى الأندلس الذى يعتبر معجزة فى البناء، وتاج محل الذى يعتبر من عجائب الدنيا السبع من أعمال المهندسين المسلمين. وقليل فى الغرب الذين يعلمون كيف يبجل المسلمون المسيح وأمه السيدة مريم.
وتقول أنا مارى شيمل إن كثيرين فى الغرب يعتقدون أن الإسلام من بقايا العصور الوسطى التى عفا عليها الزمن، ولكنهم- لو علموا حقيقة الإسلام- فسوف يكتشفون أنه دين حى يساير الزمن ويستحق أن نزداد فهما له.
***
ويؤرخ مراد هوفمان للعلاقة بين الإسلام والغرب بالرسائل التى أرسلها رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) إلى النجاشى ملك الحبشة، وكسرى إمبراطور فارس، وهرقل زعيم الروم الشرقيين، وإلى المقوقس فى مصر.. وكان ذلك فى السنة السادسة من الهجرة بعد صلح الحديبية، و فى هذه الرسائل دعاهم للدخول فى الإسلام. فذلك خير لهم ولشعوبهم وبدأت هذه الرسائل برسالة إلى هرقل، ومنذ ذلك الوقت استمرت المواجهة بين الغرب والإسلام وظل كل منهما يتوجس خطر الآخر ولا يفهمه، رغم بعض الإيجابيات فى العلاقات الاقتصادية والفكرية.
وجاءت الفتوحات الإسلامية السريعة لتغذى هذه المخاوف، فقد دخل الإسلام الشام وفلسطين عام 634، وفارس عام 637، ومصر عام 643، وأرمينيا عام 652، وقبرص عام 653، والمغرب عام 670، وأسبانيا عام 711، وبعض مناطق فى الصين عام 715. وفى ألمانيا يوجد قصر على الطراز العربى على بعد 20 كيلو مترا من ميونخ وعلى مدخله شاهدان باللغة العربية باسم رجل مسلم وابنته وتاريخ وفاتهما فى مطلع القرن الهجرى الثالث، وضرب المسلمون حصارهم الأول على القسطنطينية عام 672م وكان فى مقدمة الصفوف الصحابى المعروف أبو أيوب الأنصارى الذى استضاف محمدا (صلى الله عليه وسلم) فى بيته يوم قدومه المدينة، ومازال قبر الصحابى الجليل فى القسطنطينية.
وكانت هذه الفتوحات سببا فى تشبث الغرب بدعوى انتشار الإسلام بالسيف، وإن كان ذلك صحيحا من الوجهة العسكرية، إلا أن ما يلفت النظر أن أعداد الجيوش الإسلامية كانت أقل من جيوش هذه الدول، مما يدل على أن أهل هذه البلاد تقبلوا الإسلام بالرضا وانضموا تحت لوائه. ويجب ألا نغفل أن الإسلام انتشر فى مناطق كثيرة- فى أفريقيا وغيرها- بدون الحروب.
على الجانب الآخر بدأت الحروب الصليبية فى القرن الحادى عشر واستمرت فى موجات متتالية حتى القرن الثالث عشر، وبدأت محاولات أوروبا استرجاع أسبانيا والبرتغال. وسجل التاريخ أن المسيحيين فى القسطنطينية لاقوا أشد المعاناة على يد الغزاة، ولم يكن الغزاة هم المسلمين، بل كانوا من المسيحيين اللاتين، وقد نهبوا وسلبوا واغتصبوا.
وبعد ذلك جاء الدور على الغرب عندما وصلت جيوش الامبراطورية العثمانية إلى القسطنطينية عام 1453 وحاصرت قواتهم فيينا مرتين فى عامى 1529 و 1683 وبدا فى القرن الثامن عشر وكان هذا الصراع قد انتهى وسار كل منهما فى طريق. سار الغرب فى طريق يطور فيه العلوم والتكنولوجيا تطويرا هائلا، حقق له تفوقا كاسحا فى الاقتصاد والقوة العسكرية، وقد رأى البعض أن ذلك التقدم بسبب تفوق الحضارة المسيحية، وسار العالم الإسلامى فى طريق العجز والركود وأصبح لقمة سائغة للاستعمار الغربى، حتى إذا جاء القرن العشرين ظهرت الحضارة الغربية على أنها النموذج المثالى الذى يجب على الجميع الاقتداء به، وبدأت عملية نشر الثقافة الغربية فى العالم فيرتدى الجميع الجينز، ويأكلون الهامبورجر، ويشربون الكوكاكولا، ويدخنون المارلبورو، ويتحدثون الإنجليزية، ويشاهدون شبكة (سى. إن. إن) ويسكنون بيوتا على نفس الطراز الغربى.
***
وحين يبحث د. مراد هوفمان عن أسباب تدهور العالم الإسلامى يرى ثلاثة أسباب لذلك:
السبب الأول: أن العالم المسيحى، والمغول، ضربوا عصب الحياة الفكرية والثقافية فى العالم الإسلامى بداية من قرطبة عام 1236 ثم بغداد عام 1258م. ومازال الغرب يضرب الحياة الفكرية والثقافية فى العالم الإسلامى حتى اليوم ولم تسترد الحياة الفكرية فى العالم الإسلامى عافيتها من هذه الكارثة.
السبب الثانى: هو غلق باب الاجتهاد فى الفقه الإسلامى منذ سادت فكرة وصول الفقه إلى منتهاه، وسادت مدرسة تقليد الأجيال السابقة من الفقهاء لأنهم أكثر قربا للمصدر وأكثر فهما لمقاصد الشريعة وبذلك ساد الجمود فى العالم الإسلامى، وانتهى عصر الاجتهاد والإبداع والتفكير وعاش المسلمون فى عصر التكرار والتقليد.
السبب الثالث: أن الغرب منذ القرن التاسع عشر وقع أسير الطفرة المادية الهائلة، وأدى ذلك إلى تراجع فى الإيمان المسيحى، وأصبحت الحياة الدنيا هى محور التفكير والعمل، وظهر فى هذه الفترة فلاسفة الشك والإلحاد: فيورباخ، وماركس، وداروين، ونيتشه، وفرويد، وساد المذهب الكمى الذى لا يعترف إلا بما يمكن قياسه وإدراكه بالحواس، وأصبح الإيمان بالله مجرد احتمال.. وأصبح الغربيون فى تلك الفترة يعبدون: القوة، والمال، والجنس، والجمال، ورأوا أن العلم لا يقدم إجابات عن معنى الحياة فأغفلوا البحث فيها. وبذلك وقعوا فى اللذات الحسية، وأصبح غاية همهم: معدل النمو، والكفاءة، والحصول على أقصى ربح بأقل تكلفة، وشاع فى الغرب النهم الاستهلاكى بغير حدود.
وقد وصف ذلك ألفرد مولر فى كتابه (الدين والاقتصاد) عام 1959 بقوله:
(أنكر الإنسان الله، فاضطر إلى صنع آلهة أخرى يعبدها، وكان ذلك ثمن إنكار الإله الحق، وتاريخ الانحراف عن الحق هو تاريخ قوى الشر المدمرة، ولا يكمل تاريخ الإيمان إلا بذكر تاريخ إنكار الإيمان).
ويستطرد مراد هوفمان فى وصف الحالة الإسلامية والغربية فيقول عن القرن العشرين: إنه شهد فى عقدى الستينات والسبعينات نقطة تحول كبيرة فى الغرب وفى العالم الإسلامى، فقد بدأت الأزمات فى العالم الغربى، بينما بدأت الحيوية تعود إلى العالم الإسلامى، وأدى ذلك إلى حالة من الرعب فى الغرب. وبدأ العلماء يتحدثون عن انهيار الغرب، كما لاحظ علماء الاجتماع- مثل دانيل بل- أن التفوق الاقتصادى للرأسمالية العالمية أدى إلى تقويض الأساس الأخلاقى للرأسمالية، بحيث انحرفت النزعة الفردية إلى حالة مرضية أقرب إلى النرجسية، وأصبح مفهوم استقلال الشخصية يعنى الفوضى الأخلاقية، وتحولت النزعة إلى التحرر إلى تكريس الفسق، وأصبح مفهوم الحب مقصورًا على الجنس، والمرونة أصبحت تعنى التحلل من التقاليد، وكما قال مارسيل بوسو فى عام 1984 فإن تلك الانحرافات أصبحت من لوازم الغرب نتيجة إساءة فهم العقل، والحرية، والحب. ونتيجة لهذه الموجة من التحلل ظهرت جماعات رافضة للمجتمع تبحث عن بديل للنظام القائم على المادية والحرية بالمفهوم السائد. هذه الجماعات تعبر عن شعورها بالقلق، وعدم الأمان، بسبب سيطرة التكنولوجيا والاستهلاك وتأليه العقل وبخاصة فى الاقتصاد وسباق التسلح والردع النووى.
***
الأزمة التى يعيشها الغرب الآن نتيجة وقوعه فى مصيدة المادية والتطلعات جعلته لا يشعر بالاكتفاء أبدا، فالفرد فى الغرب لديه تأمين مادى من مولده إلى مماته، والحرية الجنسية بلا حدود، والمخدرات جاهزة تحت الطلب، وأوقات الفراغ طويلة، ومع ذلك فإنه يشعر بالفراغ، ويفتقد دفء المشاعر الإنسانية، كما يفتقد المعنى لحياته. وتلك هى الخلفية للعودة إلى الدين، وعودة الجاذبية إلى الكنيسة، وعاجلا أو آجلا سوف يلتقى هذا التيار الباحث عن الحقيقة بالإسلام. وإن كانت هناك بعض القوى تستغل الإسلام لتحقيق أهداف سياسية، وتصرفات البعض فى العالم الإسلامى أضرت بالإسلام أكثر من أى شىء آخر فى القرن العشرين. وهناك من استغل ذلك لتصوير الإسلام فى الغرب على أنه الشيطان!
وفى كتاب (الإسلام كبديل) يقدم مراد هوفمان للقارئ الغربى القيم والمبادئ الأساسية للإسلام فيقول: إن بساطة تعاليم الإسلام أدت إلى سرعة انتشاره، فليس فى هذا الدين أسرار يختص بها البعض دون سائر المؤمنين به، فلكى تكون مسلما عليك أن تؤمن بإله واحد منزه، لأن هذا الكون لابد له من صانع، وتؤمن بأن الله أوحى لرسوله (صلى الله عليه وسلم) برسالته. وعليك أن تؤمن بأن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) خاتم الأنبياء بعد سلسلة الأنبياء السابقين عليه، وعليك أن تؤمن بوجود الملائكة، وبجميع الرسل والكتب السماوية، وتؤمن بالبعث للحساب بعد الموت، وتؤمن بالقضاء والقدر، وتتبع الوصايا العشر التى أنزلت على النبى موسى، وبالمحبة التى جاء بها المسيح، وبكل ما جاء فى الشرائع السابقة ما لم ينسخه القرآن. وعليك أن تصلى خمس صلوات فى اليوم، وتخرج الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج إذا استطعت، والإسلام فى جوهره علم وعمل، ولذلك تتكرر فى القرآن الآيات التى تقرن الإيمان بالعمل الصالح.
***
ويقول د. مراد هوفمان إن المستشرقين حاولوا إثبات أن القرآن ليس من عند الله وفشلوا، كما فشلوا فى إثبات حدوث تغيير فى أى حرف أو كلمة فيه، وقد يرفض غير المسلم محتوى القرآن، ولكنه لا يستطيع أن يتجاهل تأثيره الخلاب على قارئه والمستمع إليه، ويجد الباحث أن فى القرآن إشارات علمية لم تكن معلومة فى هذا الزمان ثم ثبت صدقها مؤخرا، لكنها لا تعنى اعتباره موسوعة علمية. والقرآن هو الكتاب الوحيد فى العالم الذى يحفظه ملايين البشر عن ظهر قلب، ولغة القرآن هى العربية التى تجمع العالم الإسلامى الذى يزيد على 1200 مليون مسلم، والقرآن هو الذى حافظ على اللغة العربية بقواعدها وكلماتها، ولذلك فهى اللغة الوحيدة فى العالم التى كتب بها القرآن منذ أكثر من 1400 عام، ولا?يزال مئات الملايين من عامة أهلها يستطيعون قراءته دون تأهيل بدراسات خاصة ودون ترجمته إلى اللغة المتداولة الآن عند العرب، فلغة القرآن هى اللغة التى يتكلم ويكتب بها العرب حتى اليوم. ولأن قراءة القرآن على أسس غير صحيحة تؤدى إلى نتائج عكسية فقد جاءت السنة شارحة ومفصلة للقرآن، وكثيرا ما تؤدى عدم الإحاطة بالأحداث التى نزلت فيها آيات، أو عدم الأخذ بكامل السياق القرآنى إلى افتقاد الصواب فى الفهم، ويختلف المفسرون للقرآن حسب مناهجهم ومذاهبهم. وقد غالى البعض فى اتباع الأمر الإلهى بطاعة محمد (صلى الله عليه وسلم) واتباع سنته، فرأوا أن يقلدوا كل ما كان يفعله حتى ما لا يتعلق بالرسالة ويتعلق بشخصيته الإنسانية مثل تفضيل بعض أنواع الطعام، وإطلاق اللحية، واستخدام السواك فى تنظيف الأسنان. كما يغالى البعض فى تمجيد محمد (صلى الله عليه وسلم) وتقديسه خاصة فى احتفال المولد النبوى بصورة لا تخلو من الزلل، رغم أنه أكد مرارا على أنه بشر، وقال لرجل شعر بالهيبة فى حضرته: إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد فى مكة، كذلك أكد القرآن هذا فى آيات منها (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلىّ) الكهف (110) ومع ذلك تجد بعض المفسرين ينكرون صفته البشرية ويقولون إنه نور، والبعض قال إن العالم خلق من هذا النور، وأن العالم خلق من أجله، ونسجوا حوله الأساطير، وتلك ظاهرة نجدها فى جميع الأديان نتيجة الحماس الزائد.
ويستكمل هوفمان شرحه للإسلام فيقول إنه يتفق مع المسيحية فى الدعوة إلى الفضائل مثل الأمانة، والتقوى، والإيثار، والإخاء، ويختلف فى أن المسلم يصلى لله مباشرة ويتعامل مع الله دون كهنوت، ويحرّم أكل الخنزير والمسكرات ولا ?يسقط المسئولية عمن يرتكب خطأ وهو تحت تأثير الخمر أو المخدرات. وتحافظ الصلوات الخمس على الخشوع والتأمل على الصحة النفسية للمسلم، ولم يحرّم الإسلام الجنس على أحد من المسلمين، بل أمر بالزواج، وحرم العلاقات خارج الزواج، فهو دين لا يؤدى إلى كبت الغريزة ولا يسمح بالإباحية، ويقول الإسلام: إن الإنسان خليفة الله على الأرض، وبأن كل إنسان مسئول عن نفسه فقط، لا يرث الخطيئة ممن سبقوه، ولا يورثها لمن يأتون بعده، وحساب الله لكل إنسان على حده ولا?ينفع الأب ابنه أو الابن أباه فى يوم الحساب (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) ولا ينحصر منهاج المسلم فى العمل والربح بل إن الإسلام يدعوه إلى مراعاة الأهداف الاجتماعية، بحيث يكون المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، ويشدد على مسئولية الإنسان عن والديه وجيرانه أيضا. وأخيرا فإن الإسلام له موقف فريد من أصحاب العقائد الأخرى، ينفرد به وحده، هو التسامح مع المختلفين معه والمؤمنين بعقائد تتعارض مع عقيدته، ويتلخص ذلك فى آية تقول: (لكم دينكم ولى دين)، وهذا يعنى أن الإسلام فى جوهره دعوة للتعايش السلمى مع المختلفين معه فى الفكر والعقيدة. ويدهش الإنسان فى الغرب عندما يرى المسلم كلما نطق اسم محمد يقول: عليه الصلاة والسلام، ويفعل ذلك أيضا كلما ذكر اسم عيسى، وهذا تطبيقا للمبدأ القرآنى (لا نفرق بين أحد من رسله). أى أن الإسلام لا يبنى صلاحيته على إنكار الديانتين اليهودية والمسيحية، ويدهش الإنسان الغربى عندما يعرف أن الإسلام لا يعتبر نفسه دينا جديدا، ولكنه تكملة وإتمام للرسالات السابقة عليه جميعا، وذلك فى الآية: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون) آل عمران (84) وقد ذكر القرآن موسى وعيسى (عليهما السلام) فى مواضع كثيرة وذكر معجزاتهما ولم ينكرها.
***
ويناقش هوفمان ما يشاع عن الإسلام من ابتعاده عن العلم والمعرفة الإنسانية، فيقول: إن الإسلام ينهى بشدة عن التنصت، والتجسس، ومضايقة الجار، وإذا طرقت الباب ثلاث مرات ولم يجبك أحد فانصرف ودع أهل البيت فى حالهم، ولكنه يشجع على التعطش للمعرفة والفضول العلمى، فالقرآن يدعو فى آيات كثيرة إلى استخدام العقل، وإلى التفكير، والتدبر، وفى السنّة كثير من الأحاديث تحرّض المسلم على طلب العلم، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، ومن سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله له طريقا من طرق الجنة، وطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وقد أدرك المسلمون ذلك وبدأوا من القرن الثامن الميلادى إنجازاتهم العلمية الهائلة.
ويكتفى هوفمان بأربعة عشر من علماء المسلمين الذين أحدثوا ثورة فى العلوم لإنجازاتهم الرائدة مثل: ابن فرناس (المتوفى عام 888م) أول من فكر فى الطيران باستخدام آلية من الأجنحة. محمد بن موسى الخوارزمى (المتوفى عام 846) مؤسس علم الجبر واللوغريتمات، أبو بكر الرازى (المتوفى سنة 935) الذى كانت كتاباته هى الأساس فى جامعات أوروبا وظلت كذلك لعدة قرون، ابن سينا (المتوفى عام 1037) صاحب الموسوعة الطبية (القانون) التى ظلت المرجع الوحيد للجامعات الأوروبية حتى القرن التاسع عشر، الحسن بن الهيثم (المتوفى 1039) صاحب التراث الضخم فى علوم الفيزياء، والفلك، والرياضيات، ومؤسس علم الضوء الحديث، وكتابه (المناظر) هو المرجع الذى استقى منه علماء أوروبا معلوماتهم عن الضوء، وترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية عام 1572 وترك 44 كتابا فى العلوم الطبيعية والرياضة، وهو أول من قدم تفسيرا علميا صحيحا لظاهرة قوس قزح، وهو الذى استحدث أسماء فى تكوين العين مثل: الشبكية، والقرنية، والسائل المائى، والسائل الزجاجى، وهو الذى مهد لاستعمال العدسات لإصلاح عيوب الإبصار، وهو الذى وضع النظرية الصحيحة للإبصار، وقال إنها نتيجة سقوط الضوء من الشىء المرئى إلى عين الرائى بعد أن كان علماء اليونان وأوروبا يقولون عكس ذلك، وهو الذى أثبت أن الأشعة الضوئية تسير فى خطوط مستقيمة.
ويضيف د. هوفمان إلى هذه القائمة أبو الريحان البيرونى (المتوفى عام 1050) صاحب العبقرية المتعددة فهو مؤرخ للعلوم، ودبلوماسى، وباحث فى اللغة السنسكريتية، وفلكى، وصيدلى، وخبير بالفلزات، وله فى كل هذه المجالات إسهامات وإضافات جوهرية. عمر الخيام (المتوفى عام 1131) شاعر، ورياضى، صحح التقويم الهندى بدقة أعلى من التقويم الجريجورى. ابن رشد الفيلسوف الذى أثر تأثيرا كبيرا فى أوروبا بتعليقاته على فلسفة أرسطو، وهو الذى اكتشف البقع الشمسية .
ابن بطوطة (المتوفى عام 1368 أو 1377) الرحالة المغربى الذى ذهب لاكتشاف المناطق المجهولة فى العالم وذهب حتى بكين ونهر الفولجا، وفتح الطريق لماركو بولو. ابن خلدون (المتوفى عام 1406) الأندلسى. صاحب المقدمة الشهيرة وموسوعة تاريخ العالم، وهو مؤسس علم الاجتماع وعلم التاريخ الحديثين، وهو الذى أحدث ثورة فى نقد المصادر وعدم التسليم بكل ما فيها دون تحقيق. أحمد بن ماجد وهو المرجع فى عبور المحيطات فى القرن الخامس عشر. بيرى ريس (المتوفى عام 1553) التركى- أمير البحار والجغرافى، صاحب كتاب (البحرية) الذى مازال حتى اليوم مذهلا بما فيه من خرائط بحرية دقيقة، ورفيقه فى العلم سيدى على ريس (المتوفى عام 1562) الذى أتم قياس الشواطئ الآسيوية وطور علم الفلك الملاحى.
***
ويخلص هوفمان من ذلك إلى أن العالم الإسلامى هو الوريث للعلوم والحضارة العالمية، وهو الذى أضاف إليها إضافات كبرى، وليس العالم الغربى. وهذا ما أكده مارشال هودجون بقوله: إن تفجر المعرفة والتكنولوجيا فى العالم الإسلامى يوضح أن التبادل بينه وبين العالم الغربى كان فى اتجاه واحد، حيث لم يكن لدى الغرب شىء يستحق الرجوع إليه. كان الغرب مستوردا لكل شىء ابتداء من تكنولوجيا طواحين الهواء، إلى فنون الموسيقى والغناء، حتى العمارة الإسلامية، وهذا ما يمكن أن نسميه بلغة اليوم (الغزو الثقافى) من العالم الإسلامى للعالم الغربى، وقد ترك بصماته حتى اليوم فى اللغة، فالغرب يستخدم كثيرا من الكلمات وأسماء العلوم بلغتها العربية الأصل مثل: الجبر، الصفر، والملغم، والكحول، والعود، والقيثارة.. الخ.
ولكن بدأت النهضة العلمية تخبو فى العالم الإسلامى منذ القرن الرابع عشر، وكان من بين الأسباب التى أدت إلى ذلك غلق باب الاجتهاد، وظهور (الأصولية) التى تعتمد على الحفظ والتقليد وترفض البحث والتجديد، وأدت نظرية غلق باب الاجتهاد إلى الاعتقاد بأن كل ما يمكن أن يصل إليه العقل الإنسانى قد تحقق، ولم يعد أمام الإنسان بابا للبحث عن المزيد. كما أسئ فهم الحديث (كل بدعة ضلالة) مع أن السنة تفرق بين البدعة السيئة والبدعة الحسنة: (من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها) وهذا السلاح ذاته هو الذى استخدمته الكنيسة فى العصور الوسطى ضد كل جديد باعتباره بدعة. ومازال هذا السلاح يعوق تقدم المسلمين. ومع ذلك لم تخل فترة الانحطاط من أشعة أمل بظهور رواد لحركات الإصلاح ومنهم الإمام محمد عبده (المتوفى عام 1905). لكن هذه الفترة فى عمومها شهدت ندرة العلماء، حتى أنه تم إغلاق مرصد استانبول عام 1580 بعد عام واحد من افتتاحه، وأغلقت أول مطبعة فى العالم الإسلامى عام 1845 بعد 17 عاما من افتتاحها، وبلغ عدد تلاميذ المدارس الثانوية فى مصر عام 1875 فى حدود خمسة آلاف فقط وعدد طلبه الأزهر أحد عشر ألفا، ولا عجب إذ لم يفز بجائزة نوبل للعلوم إلا عالم مسلم واحد من باكستان هو عالم الفيزياء أحمد عبد السلام. إلى أن حصل عليها أخيرا أحمد زويل.
ويدلل د. مراد هوفمان على أن الإسلام لا يتناقض مع البحث العلمى فى جميع المجالات، ولكنه يعارض الاعتماد على العلم وحده بدون الإيمان. لأن ذلك هو ما أدى إلى ظهور الإلحاد فى الغرب، إلى حد أن الفيلسوف الألمانى نيتشه قال: إن الله قد مات، وأنكر العلماء وجود الله وتدخله فى الظواهر الطبيعية، واعتمدوا على الحس والتجربة والدليل المادى، بينما المفهوم الحقيقى للإسلام أن للدين مجاله، وللعلم مجاله، ويجب أن يلتزم العلم بالقيم الأخلاقية التى جاء بها الإسلام، وقد ظهر فى الغرب مؤخرا من يؤمنون بذلك على الأقل لإضفاء الشرعية للقوة وللقانون ولتماسك المجتمع. وذلك ما أدى بعد فترة إلى انهيار الماركسية، والداروينية، والفرويدية، والنظرة القديمة للطبيعة، بعد أن أدرك العلماء أنهم اكتشفوا الكثير من الأسرار فى هذا الكون ولكنهم عاجزون عن معرفة ما هو أكثر من هذه الأسرار، فأصبحوا أكثر تواضعا مما كانوا.
والمشكلة الأكبر- كما يراها د. هوفمان- هى أن بعض المسلمين تصوروا أن التقدم لن يكون إلا بتقليد كل ما فى الغرب، وهذا خطأ، لأنه قد يفقدهم أسس حضارتهم، ويجعلهم مجرد مستهلكين لما ينتجه الغرب، ولأنهم من حضارة مختلفة عن حضارة الغرب فإنهم لا يستطيعون إتقان تقليد الغرب، وينتهى بهم الأمر إلى الإحباط أو التمزق بين حضارتين. وهذا ما أدى إلى ظهور تيار مضاد يرفض كل ما فى الغرب من علوم وتكنولوجيا لأنه ظهر فى محيط الإلحاد والشك، أما العقلاء من المسلمين فقد أعلنوا أن العلم محايد، وعلى المسلم أن يستفيد من كل ما فى العصر من علوم، ولا يرفض كل ما فى الغرب جملة وتفصيلا بما فيه من خير وشر، ولكن العقل يقضى على المسلم أن ينفتح على العالم كما فعل الأوائل، وأن يأخذوا النافع من الحضارة الغربية، ويحتفظوا فى نفس الوقت بجوهر الإسلام.
***
ويناقش د. هوفمان موضوع التسامح فى الإسلام فى ضوء ما يثيره كثيرون فى الغرب من أن الإسلام دين يدعو أتباعه إلى العنف فيشير إلى الآيات التى تؤكد روح التسامح مثل: (..?لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) المائدة (48) و(ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس (99) و( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الكهف (29) و(قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل) يونس (108). و(ما على الرسول إلا البلاغ) وتكررت فى سورتى النور والعنبكوت وغيرهما. وتمثل الآية (لا إكراه فى الدين) البقرة (256) القلب فى هذا التسامح وقبول الاختلاف على أنه من سنن الكون، وكذلك الآية: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) النحل (125).
ويمتد التسامح حتى مع المرتد، هناك فرق بين من يهجر الإسلام فى هدوء، وبين من يقوم بعد ارتداده بنشاط معاد للإسلام. فإنه فى هذه الحالة يستحق عقوبة تماثل عقوبة الخيانة العظمى. وهذا المفهوم هو الغالب الآن على آراء معظم رجال الدين الإسلامى. ومع ذلك فإن تاريخ البشرية لم تخل منه فترة لم يشهد فيها إرهابا سياسيا أو مذهبيا ذا صبغة دينية، وليس للإسلام علاقة بذلك الإرهاب، تماما كما أن المسيحية ليست لها علاقة بحرب العصابات فى شمال أيرلندا، أو بالجيش الأحمر فى ألمانيا، أو بالألوية الحمراء فى إيطاليا. كما لا يمكن نسبة ممارسات العنف والظلم من الاستعمار الغربى إلى المسيحية. ولكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن هناك ميلاً للعنف فى بعض الدوائر الإسلامية، ففى بعض البلاد الإسلامية جماعات تتولى عقاب من يفطر جهارا فى رمضان، وتضرب من لا يذهب إلى المسجد للصلاة فى وقتها جماعة، أو تستخدم العنف ضد النساء اللاتى لا يرتدين الحجاب، وأمثال هذه الممارسات هى التى تجعل كثيرا من الغربيين يخافون من الإسلام ويرون أنه ضد الحرية الفردية وهى أساس الحضارة الغربية، بينما يقوم الإسلام أساسا على مبدأ الحرية الفردية والمسئولية الفردية أمام الله وحده فيما يتصل بشئون العقيدة والعبادات وهذا ما أمر به الله المسلمين فى قوله: (لا إكراه فى الدين) لتكون أساس علاقة المسلمين بغير المسلمين، وأساس علاقتهم ببعضهم البعض. وأيضا لا يمكن إنكار أن بعض الجماعات تفهم ما جاء فى القرآن عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على أنه أمر للمسلمين بأن يتحولوا إلى جواسيس على بعضهم البعض وعلى بقية الناس، وأن يتولى كل مسلم مسئولية العقاب وإقرار العدالة والنظام على الآخرين، وأن يجمع كل من شاء منهم سلطات التحقيق والاتهام وتنفيذ الأحكام، وهؤلاء ينتهكون المبادئ الإسلامية الأساسية وهى أن المجتمع الإسلامى ليس فيه سوى سلطة واحدة هى الحكومة، والحاكم هو المسئول أولا وأخيرا.. واستخدام العنف فى أمور العقيدة والعبادات يؤدى إلى النفاق. والمجتمع الإسلامى لا يقوم على حشود المنافقين، والأعمال بالنيات كما قرر القرآن وهذا يعنى أن الإجبار لا يفيد ولابد أن يكون كل عمل صادرا عن إرادة حرة واختيار. وفى الحديث الصحيح (الدين النصيحة) وهذا هو المعنى المقصود بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وإذا كان القرآن لم ينص صراحة على عقاب دنيوى للمرتد، فكيف يتولى البشر عقاب من يرتكب أعمالا مهما بلغت فهى أقل شأنا من الردة، والمقرر لدى غالبية الفقهاء أن معظم ما نهى الله عنه لم يحدد له عقابا دنيويا، فليس من اختصاص الغيورين على الدين أن يقيموا هم الحق والفضيلة بالعنف بدون نص، والدولة الإسلامية لا تفرض عقيدة أو منهاجا على المقيمين فيها، وفرض الأفكار والأعمال على الناس لابد أن ينتهى إلى دولة استبدادية تمارس سلطة إلهية. ولا يتفق مع العقل أن الله سمح لغير المسلمين بحرية الفكر وحرية العقيدة، ويمنعهما عن المسلمين.
والخلاصة التى وصل إليها د. هوفمان أن مسئولية كل مسلم أن يقيم العدل والحق فى حدود سلطاته كما جاء فى الحديث: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) وفصّل الحديث هذه المسئولية بأن يقيم المسلم العدل والحق فى نفسه وفى عائلته، ومدير العمل فى نطاق عمله، ورئيس الدولة فى حدود الدولة، بحيث لا يتجاوز أى منهم حدود اختصاصه.. وإلا?تحولت الدولة فى المجتمع الإسلامى إلى دولة فاشية حتى لو حكمها رجال الدين.
***
ويرد د. هوفمان على الاتهام الشائع فى الغرب عن الإسلام بأنه دين يدعو إلى القتل والرجم والجلد وقطع الأيدى وأن ذلك يتعارض مع القيم والمبادئ الإنسانية فيقول: إن القوى المعادية للإسلام تنشر فى الغرب قصص الرعب التى تنسبها للإسلام، بينما لم يرد فى القرآن عقوبات دنيوية إلا على ست جرائم، ومع أن القرآن يحرم صراحة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير ولكن لم يرد فيه نص صريح يحدد العقوبة لمن يخالف ذلك، وتوعد المخالفين بالعقوبة فى الآخرة.
والجرائم الست هى: قطع الطريق، والسلب والنهب بالقوة، والخيانة العظمى، وقذف المحصنات، والزنا، والسرقة. ويعاقب على الجرائم الثلاث الأولى بالإعدام ولكنه يفتح الباب فى حالة العفو أو قبول الدية، وعقوبة الرجم على جريمة الزنا مع تشديد فى إجراءات ثبوت التهمة، فبينما يكون الإثبات فى مسائل المال بشاهدين تتوافر فيهما صفة العدل، فإن الأمر يختلف فى إثبات جريمة الزنا، إذ يشترط شهادة أربعة شهود حسنى السمعة، وإذا لم يؤخذ بشهادة أحدهم يعاقب الباقون بالجلد. وبديهى أن يكون الاتهام بالزنا نادرا، وإذا اعترف المتهم فإنه يستطيع العدول عن اعترافه بناء على نصيحة القاضى، وعلى القاضى أن يعرض عليه ذلك، وعلى ذلك فإن قصة رجم إحدى الأميرات المسلمات التى اتخذتها أبواق الدعاية المعادية للإسلام وسيلة لتشويه الإسلام فى الثمانينات بصورة فيها الكثير من المبالغة، لم تكن تحدث لولا أنها مع شريكها أعلنا تحديهما الصارخ للنسيج الاجتماعى فى الإسلام بارتكابهما تلك الجريمة باستهتار وعناد وفى العلن. وفى ذلك نشر للفاحشة كما جاء فى القرآن: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) النور (19). وهكذا فإن رجم الزانى أبعد ما يكون عن أن يعتبر ظاهرة إسلامية، ولم يحدث سوى مرات قليلة تعد على أصابع اليد على مدى أكثر من 1400 عام.
ويعلق د. هوفمان على ذلك بأن الرجم كان هو الحكم الأصلى فى شريعة موسى، والنص عليه فى سفر التثنية، الإصحاح الثانى والعشرين، ثم جاءت سورة النور بنسخه وجعلت العقوبة الجلد، الأمر الذى فات على فقهاء الرجم!
وفى عقوبة قطع الأيدى فإن لها شروطا تجعل تطبيقها مستحيلا، فهذه الجريمة لها أركان محددة: أن يكون الشىء المسروق محفوظا فى حرز بعيدا عن العيون والأيدى، وأن تكون له قيمة، وألا يكون للسارق شبهه حق فيه، وأن يكون لدى السارق ما يكفيه وهو ما أسماه الفقهاء حد الكفاية، وأن تكون السرقة فى وقت ليست فيه ضائقة اقتصادية ولا حالة حرب و.. و.. وألا تكون المصادفة هى التى جعلت رجلا يأخذ شيئا ليس له. وقد أوقف الخليفة عمر حد السرقة فى عام المجاعة، وذلك هو ما أدى إلى تطور النظرية حتى وصلت إلى صيغة واضحة الآن، وهى عدم جواز إقامة حد السرقة فى حالة الضائقة الاقتصادية، وقد شرح الباحث الأمريكى المسلم محمد أسد ذلك بقوله: إن حد السرقة لا يطبق إلا عندما يكتمل النظام الاجتماعى. ويرد د. هوفمان على الذين يقولون بأن عقوبة قطع اليد ليست إنسانية فيقول: من وجهة النظر الإسلامية فإن عقوبة السجن مدى الحياة التى تطبق فى الغرب هى أيضا عقوبة غير إنسانية.
وإن د. هوفمان لم يشرح أن الحدود هى الحد الأقصى للعقوبة وأن الإسلام يفتح الباب أولا للعفو إذا تنازل صاحب الحق فى جرائم القتل والسرقة. كما يجوز فرض عقوبات أقل يسميها الفقهاء (التعزير) وهى عقوبات أخف من الحد إذا رأى القاضى سببا لتخفيف العقوبة.
***
ويتفق د. هوفمان مع إدوارد سعيد فى أن المستشرقين كانوا فريقين، فريق درس الإسلام بموضوعية، وفريق نظر إلى الإسلام بمنظار البعثات التبشيرية مثل سير هاملتون جيب البريطانى، ومنهم من درس الإسلام بمنظار ماركسى مثل ماكسيم رودنسون الفرنسى، بينما يجرى البعض أبحاثه فى ازدراء الإسلام ومنهم من يدعى أن الإسلام على وشك الانقراض. ويتفق أيضا مع إدوارد سعيد فى أن أكثر العلماء الغربيين الذى قدموا أبحاثا عن العالم الإسلامى كانت أبحاثهم لخدمة المصالح الاستعمارية وإخضاع العالم الإسلامى للغرب، سواء كان ذلك بوعى أو بدون وعى، وبعض المستشرقين كانوا عملاء سريين بكل معانى الكلمة.. كانوا جواسيس.. مثل: ت. إى. لورانس. ويتفق مع إدوارد سعيد أيضا فى أن عداوة الاستشراق للعرب تماثل عداوة الغرب للسامية من قبل، لكنه يرى أن هناك مستشرقين فى القرن العشرين قدموا دراسات عن العالم الإسلامى لم تعبر عن نظرة استعلاء، وصححت صورة الإسلام فى الغرب مثل: ليوبولد فايس (الذى أصبح اسمه محمد أسد) وفيتوس بوركاردت، وأحمد فون دنفر، ومارتن لنجز، وروجيه دوباسكويه، ومحمد بكتال، وبعضهم أشهر إسلامه بعد دراسته للإسلام.
ود. هوفمان يرى أن الغرب مازال محتاجا إلى أن يفهم الإسلام ويتخلص من الصور المرسومة فى خياله من ألف ليلة، ومما ينشر ويقال من أن المسلمين قساة، ومتعصبون، ولا يمكن فهمهم كما لا يمكن توقع أفعالهم، وأنهم يمارسون الفسق وغارقون فى الشهوات.. الغرب محتاج إلى أن يدرك أن العالم الإسلامى فيه تماسك اجتماعى، والأسرة لها مكانة كبيرة، وكبار السن يحظون برعاية الأبناء، ولا يحدث فيه ما يحدث فى الغرب. لا?يمارس الجنس فى الطرقات، ولا يسمح بالفن الإباحى، والعلاقات خارج الزواج نادرة، ونسبة الأولاد غير الشرعيين لا تكاد تذكر بالقياس إلى ما فى الغرب، والفتيات يحتفظن بعذريتهن حتى الزواج، ولا تجد فى العالم الإسلامى ما تجده فى الغرب من إعلانات تبادل الزوجات، ونوادى العراة، وزواج الشواذ، والسكن المختلط بين الشبان والشابات.
وهذا ما يفتخر به الإسلام. وعن حق.
***
ويشرح د. هوفمان الثراء والتنوع فى الفقه الإسلامى الذى استطاع أن يواجه القضايا والمشاكل التى لم يرد فيها نص فى القرآن والسنة بالاعتماد على مناهج علمية أسسوها مثل القياس، والإجماع، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، والعرف، وأجمعوا على أن القرآن هو المصدر الأول للشرع، وكل ما جاء فيه قطعى الثبوت، وتليه السنة، وهى المصدر الثانى للتشريع، ومنها ما هو قطعى الثبوت من الأحاديث المتواترة، ومنها ما هو ظنى الثبوت وهى أحاديث الآحاد، كما قسّموا القرآن والسنة إلى ما هو قطعى الدلالة، أى واضح وقاطع المعنى وصريح، ومنها ما هو ظنى الدلالة، أى يحتمل التأويل وقائم على الظن، وأجمعوا أيضا على أن الأصل فى الأشياء الإباحة فيما لا يرد نص قطعى بتحريمه، ووضعوا قاعدة: فى حالة الشك: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).
كما يشرح د. هوفمان تدرج الأحكام فى الشريعة الإسلامية. الفرض ما جاء به أمر بالفعل وعقاب على عدم فعله وإثم من لا يؤديه. والمندوب هو ما طلب الشرع فعله طلبا غير لازم، يثاب فاعله ولا يعاقب الله تاركه، ويسمى أيضا النافلة والتطوع والسنة والمستحب. والمباح هو كل ما لم يأت به أمر بالفعل أو النهى عنه. والمكروه هو ما جاء به نهى صريح ووعد بالثواب لمن يتركه وليس على من يفعله عقاب، والحرام هو ما طلب الشرع الكف عنه باللزوم ومن يفعله فهو آثم. ولكن بعض المسلمين يخلطون بين هذه الدرجات فيحولون المندوب إلى فرض، والمكروه إلى حرام، ولكن هذا الاتجاه الصارم يزحزح الإسلام عن الوسطية التى يتميز بها ويجعله مقصورا على الصفوة من الزهاد وليس لعامة الناس وهم ليسوا فاسقين وليسوا متصوفين. وهناك أيضا جماعات إسلامية تدعو إلى الزهد فى الدنيا وطلب الآخرة فقط. مع أن القرآن صريح فى الدعوة إلى العمل للدنيا والآخرة معا ولا تعارض بينهما: (ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة) البقرة (201) و (يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم) المائدة (87) و(قل من حرّم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق) الأعراف (32) وليس هناك أكثر وضوحا وقطعية فى الدلالة من الآية (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) النحل (116).
وفى ذلك ما يؤكد أن المتشددين والداعين إلى قفل باب الاجتهاد، وإلى الاقتصار على ما جاء به الأقدمون لا يمثلون حقيقة الإسلام، وهم دعاة الجمود والتخلف وفكرهم وتصرفاتهم تعوق التقدم لمسايرة التطور.
***
ليست هذه كل أفكار الدكتور مراد هوفمان، ولكنها بعض أفكاره التى تكشف عن عقلية غربية مستنيرة لا تتحدث عن الإسلام إلا بعد دراسة كل جوانبه ومن مصادره الأصلية، ومن يقرأ المراجع التى استند إليها يوشك أن يقول عن هذا الرجل: إنه من فقهاء المسلمين. وقد شرح أفكاره فى عدة كتب منها: (الإسلام كبديل) و(يوميات ألمانى مسلم) و (الإسلام فى الألفية الثالثة) و (رحلتى إلى مكة ).
ومن حسن الحظ أن هذه الكتب ترجمت إلى اللغة العربية، وما أحوجنا إلى ترجمة بقية مؤلفاته لأنها تمثل نظرة العقل الغربى المنصف للإسلام.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف