السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

لماذا التمييز ضد الأقليات الإسلامية ؟

 

فى يوم 23 فبراير عام 1862 وقف المفكر الفرنسى المشهور أرنست رينان لإلقاء محاضرة فى الكوليج دى فرانس محورها أن الإسلام هو النفى، والنقيض لأوروبا، ومنذ ذلك التاريخ تكوَّن شعور لدى المفكرين فى الغرب بضرورة وجود قطبين فى العالم، وهذا ما جعل المفكرين الغربيين يتساءلون بعد انهيار الكتلة الشرقية- أحد القطبين فى الصراع العالمى: من القطب الثانى الذى يمثل التحدى أمام الغرب؟.
وأمام الإحساس بضرورة وجود قطب ثان فى العالم ظهرت نظرية (الإسلام هو النقيض) وعبّر عن ذلك كل من المفكر الأمريكى اليابانى الأصل فرانسيس فوكوياما فى نظريته عن (نهاية التاريخ) بأن الصراع التالى هو الصراع بين الغرب والإسلام، ويتوقف الصراع فى العالم عندما ينتهى بانتصار الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية. وتأكدت هذه العقيدة بشكل أقوى وأكثر وضوحا فى نظرية المفكر الأكاديمى الأمريكى صمويل هنتنجتون عن صدام الحضارات التى قرر فيها أنه لا مفر من هذا الصدام، بكافة أبعاده الدموية، فكأن النظرة للعالم فى الغرب قائمة على وجود قطبين فى العالم- كما يقول المفكر الألمانى د. مراد هوفمان- هنا وادى السيليكون.. وهنا وادى مكة! وكأن العالم لم يتطور منذ أعلن أرنست رينان نظريته فى القرن التاسع عشر، وقد ظهرت هذه الحقيقة فى استفتاء أجرى فى ألمانيا عام 1995 قرر فيه 48% أنهم يرون الإسلام خطرًا يهدد الحضارة والثقافة الغربية.
وقد تصدى المفكر الألمانى المسلم د. مراد هوفمان لمهمة نذر نفسه لها هى المساهمة فى الكشف عن حقيقة الإسلام، وأنه لا مبرر للمخاوف ولا لمشاعر العداء لدى كل من الغرب والإسلام. ومنذ اعتزاله العمل كسفير لبلاده فى عدد من الدول العربية عام 1994، وهو يتجول كمحاضر متنقلا بين هلسنكى ولوس انجيلوس وليبزج وبقية المدن الغربية والإسلامية.
ومن هذه الجولات المستمرة بين الشرق والغرب خرج د. هوفمان بنتيجة هى أن الإسلام إذا كان مقدرا له أن يحقق نجاحا فى الغرب. فإنه سيحققه فى أمريكا لأن أمريكا بلد يتميز بالتنوع الدينى الهائل ويسمح لمختلف الديانات والطوائف والفرق بحرية الحركة، ولا يماثله فى ذلك بلد فى أوروبا سوى هولندا، وقد طرح الكثير من الأفكار فى هذا السياق فى كتابه (الإسلام فى الألفية الثالثة: ديانة فى صعود) الذى ترجمه الأستاذان عادل المعلم ويس إبراهيم.
ففى أمريكا يعتقد الكثير من المسلمين السود أن أسلافهم الذين وقعوا فى رق العبودية ونقلوا إلى أمريكا كانوا مسلمين، وأن تجار الرقيق الذين خطفوهم كانوا من اليهود، وأن أصحاب السفن التى نقلوا عليها كان يملكها يهود، وأنهم أصبحوا (بضاعة) لتجار الرقيق من المسيحيين. وهناك قوائم بأسماء سفن نقل العبيد ومالكيها اليهــود تتداولهــا أوساط الســود فى أمريكــا، وفى رأى د. هوفمان أن اعتناق الأمريكيين السود للإسلام فى الوقت الحاضر يحمل احتجاجا ثقافيا سياسيا كما يحمل الحنين إلى الماضى، وإلى الجذور، ولكن كانت هناك إلى وقت قريب ظاهرة سلبية فى مجتمع المسلمين السود فى أمريكا، وهى نمو جماعة (أمة الإسلام) التى كان يتزعمها (اليجا محمد) والذى كان ينسب لنفسه النبوة، ويدعو إلى إسلام يعادى البيض واليهود، أى إسلام عنصرى، وعن طريق (اليجا محمد) اعتنق الإسلام كثير من الشخصيات الشهيرة مثل مالكولم إكس الذى كان زعيما من زعماء المسلمين السود، وبطل الملاكمة المعروف محمد على كلاى، وبعد وفاة اليجا محمد تولى زعامة هذه الجماعة ابنه (وريث الدين محمد) فقادها فى اتجاه آخر ينبذ كافة أشكال العنصرية، ودعا إلى توحد الجماعات الإسلامية فى أمريكا. كذلك كانت دعوة (مالكولم إكس) قائمة على أن أمريكا فى حاجة إلى الإسلام، لأنه وحده قادر على تخليص المجتمع الأمريكى من عنصريته، وبذلك لم يعد هناك زعيم من زعماء المسلمين الأمريكيين السود يدعو إلى إسلام عنصرى سوى الزعيم الجديد لجماعة (أمة الإسلام) لويس فراخان، وإن كان قد بدأ منذ عام 2000 فى الاقتراب من الفكر المعتدل للجماعة السنية من المسلمين الأمريكيين من أصول أفريقية.
***
أما بالنسبة للمسلمين الأمريكيين غير السود فإن معظمهم من دول إسلامية ذهبوا إلى أمريكا للدراسة واستقروا فيها واكتسبوا الجنسية الأمريكية بعد ذلك، وهؤلاء من الأكاديميين وعلى درجة عالية من العلم والثقافة وكثير منهم يشغلون مواقع مهمة فى المؤسسات العلمية والمالية ويديرون شركات متخصصة فى البرمجيات، وبعضهم غرس جذوره فى أمريكا. كما أن بعضهم نشط فى المشاركة فى الحياة السياسية. وفى أمريكا منظمات إسلامية كثيرة مثل (مجلس المسلمين الأمريكيين) ومنظمة المسلمين الأمريكيين التى تشجع المسلمين الأمريكيين على المشاركة فى الانتخابات ليكون لهم تأثير فى المجتمع، وكذلك منظمة (كير CAIR) التى تخصص نشاطها فى الإعلام وحماية المسلمين من الاضطهاد والتصدى لتيارات العداء للإسلام. ومن أمثلة نشاط هذه المنظمة أنها لجأت إلى القضاء ضد إدارة مطار دالاس فى العاصمة واشنطن حين طردت 7 موظفات بسبب ارتدائهن الحجاب، وحصلن على حكم بعودتهن إلى العمل وحقهن فى التعويض، وفى مرة أخرى هددت المنظمة شركة (ماستر كارد) بالمقاطعة بسبب إعلان لها خادش للحياء فى أحد المساجد. وفعلت نفس الشىء مع شركة (نايكى) للأحذية الرياضية بسبب نعل حذاء عليه كلمة (الله) باللغة العربية. وأيضا فعلت ذلك مع دار نشر (سايمون وشوستر) بسبب كتاب للأطفال كان يحتوى على فصل فيه إهانات للإسلام. وتقوم هذه المنظمة بإصدار تقرير مفصل عن وضع الحقوق المدنية للمسلمين فى أمريكا وإعلانه فى مؤتمر سنوى ويتضمن هذا التقرير بالتفصيل الوقائع المعادية للإسلام، وتوجد أيضا (المنظمة الإسلامية لأمريكا الشمالية) التى تعقد مؤتمرات يحضرها آلاف من المسلمين الأمريكيين من كافة الولايات.
***
ويقدم د. هوفمان صورة لواقع المسلمين الأمريكيين قبل ولاية الرئيس جورج دبليو بوش وقيادة التيار اليمنى المتشدد للإدارة الأمريكية، وقبل أحداث 11 سبتمبر وإعلان الرئيس بوش الحرب الصليبية على الإرهاب.. ولذلك فإن الصورة الوردية لأحوال المسلمين التى يتحدث عنها تغيرت إلى حد كبير.. ولكن تبقى المؤسسات الإسلامية كما هى تعمل جاهدة على تصحيح صورة الإسلام فى أمريكا..
وتصدر فى أمريكا أهم المجلات الإسلامية فى العلوم الاجتماعية، كما أن فى أمريكا كلية للدراسات الإسلامية بولاية فيرجينيا، وفيها عدد من دور النشر الإسلامية، ومعهد الدراسات الإسلامية والعربية بولاية فيرجينيا أيضا وعدد من المدارس الإسلامية الخاصة، وإن كانت النشاطات الثقافية الإسلامية تتركز فى نيويورك وواشنطن، وشيكاغو، ولوس أنجيلوس، كما يوجد فى أنحاء أمريكا أكثر من 3500 مسجد.
من هذه الحقائق يتساءل د. هوفمان هل من الممكن أن يستمد الإسلام بواعث نهضته من أمريكا فى الألفية الثالثة؟.
والسؤال يبدو غريبا، ولا يخطر على البال مع ما نعرفه من نزعة العداء للإسلام والتضييق على المسلمين فى أمريكا، إلا أن د. هوفمان يرى أن هذا السؤال له ما يبرره لكثرة أعداد المثقفين المتعلمين المسلمين فى أمريكا، ولكنه سرعان ما يتدارك فيقول: إنه لابد من الإشارة إلى أن مسلمى أمريكا يواجهون الكثير من المواقف الصعبة الشرسة نظرا لوجود آلة الإعلام الصهيونية والنفوذ الصهيونى وهم يتصورون أنهم يفيدون إسرائيل عندما يشوهون صورة الإسلام، ويقرر د.هوفمان- بعد دراسته لأوضاع المسلمين فى أمريكا ومعايشته للمجتمع الأمريكى من خلال الدراسة والزيارات المتكررة- أن وضع المسلمين فى أوروبا- بالنسبة لهذه النقطة- أفضل بكثير من وضعهم فى أمريكا، خاصة بعد أن ازداد تدهور الأمور بعد الانفجار فى مدينة أوكلاهوما يوم 19 مارس 1995، فقد كان رد الفعل الذى عمّ أمريكا فور وقوع الحادث هو إلصاق التهمة بالمسلمين دون وجود أى دليل على ذلك، وتم إلقاء القبض على مسافر عربى ملتحٍ فى المطار وهو متجه إلى انجلترا ووجه إليه الاتهام، وفى الأيام التالية وقعت 201 حادثة اعتداء وهجوم على منشآت إسلامية وأشخاص مسلمين منها اعتداءات بالأسلحة الخفيفة، والضرب المبرح، وكسر النوافذ الزجاجية، والتهديد بالقتل وإلقاء القنابل، ووجد الأطفال المسلمون أنفسهم منبوذين فجأة ولا يكلمهم زملاؤهم فى المدرسة، وبعد ذلك تم إلقاء القبض على الجانى الحقيقى وظهر أنه أمريكى مسيحى، ومع ذلك فقد ترك هذا الحادث تأثيرا سلبيا على المسلمين الأمريكيين عموما، كذلك تغير وضع المسلمين الأمريكيين بعد إلقاء القبض على راب (الفهد الأسود) وهو أمريكى أسود كان مسجونا وأسلم وتعلم اللغة العربية وهو فى السجن، وأصبح بعد ذلك إماما يحمل اسم (عبد الله الأمين) ويرأس (جمعية مساجد أطلنطا) بولاية جورجيا ويعتبر من أكثر الشخصيات الإسلامية نفوذا فى أمريكا، وبالرغم من ذلك وجه مكتب التحقيقات الفيدرالية إليه تهمة القتل، وقدم إلى المحكمة مستندا إلى شهادة أحد الشهود، لكن هذا الشاهد قرر أمام المحكمة أن البوليس أجبره على الإدلاء بالشهادة الزور، وحكمت المحكمة ببراءته وأعلن الشاهد إسلامه بعد ذلك.
ويقرر د. مراد هوفمان أن تأثير القوى الصهيونية قوى للغاية ومسيطر على الإعلام والجامعات والمؤسسات المالية والكونجرس والحكومة. حتى يبدو أن السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامى لا تضع المصلحة القومية لأمريكا فى الاعتبار عندما تتخذ قراراتها.. ويشير إلى بعض الكتب التى تكشف هذه الحقيقة مثل كتاب (من يجرؤ على الكلام؟) تأليف عضو الكونجرس السابق بول فندلى، وكتاب (أمة واحدة تحت سيطرة إسرائيل) تأليف اندرو هارلى.. ويقول:إن القبض على مسلمين دون توجيه تهمة معينة إليهم يتكرر كثيرا، وقد ازداد تيار العداء بعد ظهور فيلم (الحصار The Siege) الذى صور المسلمين الأمريكيين على أنهم خطر إرهابى يهدد الولايات المتحدة.
وعلى الجانب الآخر هناك بعض الكتّاب الأمريكيين يلمّحون إلى أن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لهم دينهم وأن تجديد الإسلام فى القرن الحادى والعشرين سينطلق من أمريكا، كما فى كتاب بتى بومان Betty Bowman (الشمس تشرق من الغرب).
وهذا التنبؤ فيما أعتقد يحتاج إلى مراجعة لأنه متفائل أكثر من اللازم(!).
***
يقول د. هوفمان إن ما يشغل الناس فى الغرب هو ما سيصيب أسلوب حياتهم إذا أصبح المسلمون فى الغرب أغلبية، وهذه المخاوف وإن لم تكن معلنة إلا أنها مخاوف حقيقية، عبّر عنها كتاب كثيرون مثل الكاتب الألمانى فيم دياتل Wiheim Dietl فى كتابه (الحرب المقدسة فى سبيل الله)، وكذلك جيرهارد كونزلمان Gerhard Konzelman فى كتابه (التحدى الإسلامى) وبيتر شول فى كتابه (هل يأتى المسلمون؟) وكلها تعبر عن مخاوف من المستقبل إذا استمر معدل انتشار الإسلام فى الغرب على ما هو عليه.
***
ويناقش د. هوفمان هذه المخاوف مستندا إلى الواقع والمنطق ويصل إلى أنها مخاوف لا أساس لها وهو يشرح للغربيين موقف الإسلام وأنه لا يعادى الديانات الأخرى، ويشير إلى الخطأ الذى يقع فيه دارسو الإسلام فى الغرب بسبب سوء فهمهم للآية (إن الدين عند الله الإسلام) آل عمران (19) فإن ترجمتها أدت إلى مفهوم مختلف، فهى تترجم على أن الدين عند الله هو دين الإسلام، ومؤدى ذلك إلغاء الأديان والشرائع الأخرى والحكم بأنها ليست ديانات من عند الله، ولم يفهم المترجمون أن كلمة (الإسلام) تستخدم فى القرآن بمعناها الأصلى فى اللغة العربية وهو التسليم لله، وهذا هو المعنى الذى فهمه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته، وتأكد هذا المعنى فى آيات القرآن الكريم عند الحديث عن معظم الأنبياء، على أنهم مسلمون وأنهم أسلموا وجههم لله، فالمعنى الصحيح للآية أن الدين الحق عند الله هو التسليم له، وهذا ما ينطبق على الآية (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) آل عمران (85) ويسرى كذلك على الآية (هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) التوبة (33) والمترجمون لم يدركوا معنى الفعل (ظهر) فى اللغة العربية ففهموا أنه يعنى إلغاء الديانات الأخرى، بينما الفعل (ظهر) يعنى أنه تميز وسطع على الديانات الأخرى، ولم ينكرها أو يلغى وجودها.. وعلى ذلك فإن الذين يؤسسون نظريتهم عن عداء الإسلام للأديان الأخرى يخطئون فى فهم الآيات التى يستندون إليها.
والدليل الصحيح هو الآية (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) المائدة (48) والآية (لا إكراه فى الدين) البقرة (256) والآية (لكم دينكم ولى دين) الكافرون (6) والآية (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الكهف (29). والآيات (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك فى الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم، وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون، الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) الحج (67-69).
وكذلك الآيتان (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين، إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا) المائدة (43-44).
ويقول د. هوفمان إن هذه الآيات تكفى دليلا على أن موقف الإسلام من الديانات الأخرى يتحدد فى النقاط الآتية:
أولا: إن التنوع الدينى العرقى طبيعة أرادها الله.
ثانيا: إن الإيمان مسألة لا تخضع لأى ضغوط أو إكراه.
ثالثا: إن النزاعات العقائدية غير مثمرة.
ويدل ذلك على موقف فريد للإسلام جدير بالإعجاب، يهدف إلى التعايش بين الشعوب والديانات، ويتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد، وهو أن وحدة الإيمان تتضمن التنوع فى العقائد والديانات وكلها عبادة الله الواحد، كما أن وحدة البشرية تتضمن التنوع فى اللون واللغة، وفى النهاية فإن وحدة البشر جزء من وحدة الكون، وكل ما فى الكون يلتقى على مبدأ واحد، وهو العبودية لله (ألم تر أن الله يسجد له من فى السموات ومن فى الأرض، والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر، والدواب وكثير من الناس..) الحج (18). ولذلك فلا توجد- فى دين الإسلام- فوارق بين السنى والشيعى، والكاثوليكى والبروتستانتى، والمسيحى واليهودى، والبوذى والهندوسى من حيث أنهم جميعا بشر من خلق الله، خلقهم جميعا من نفس واحدة (آدم) وخلق منها زوجها (حواء) وهم جميعا شركاء فى الفطرة الإنسانية ويلتقون على أمر واحد هو عبادة الله.
***
وفى مناقشته لنظريات الغرب عن الإسلام يقول د. هوفمان: إن الإسلام لا يقوم فقط على التسامح بين الأديان ووحدة الإنسانية وإن كان هذا المبدأ هو الركيزة الأولى فى الإسلام، إلا أن هناك الركيزة الثانية وهى الرباط الذى يجمع بين كافة المؤمنين بالله وبجميع المؤمنين بالشرائع السماوية وبالأنبياء من إبراهيم إلى محمد (عليهما السلام) كما فى الآية (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، والذى أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه..) الشورى (13).
ويقول د. هوفمان بعد ذلك: إن المسيحيين يسيئون فهم (وحدة المخلوقات) وما يعنيه الإسلام بها، كما يرتابون كثيرا فى (الرابطة الإبراهيمية) ولديهم شك فى أنها فخ منصوب لهم. ولكن الإسلام واضح وقاطع فى أنه يرفض دخول أحد فى الإسلام بالإكراه، والإسلام قائم على أن الوحدة بين المتنوعين ممكنة، وهذه (القاعدة الإبراهيمية) هى القاعدة الطبيعية لأى حوار إسلامى- مسيحى أو حوار إسلامى- مسيحى- يهودى، وإذا بدأت هذه الحوارات من منطلق هذا الفهم وبهذه الروح فسوف تزيل الكثير من سوء الفهم المتراكم عبر القرون.
وينبه د. هوفمان إلى أن هذا الحوار لا يهدف إلى توحيد الأديان، ولا إلى تشكيك أصحاب دين فى دينهم، فهناك قاسم مشترك بين الأديان تلتقى عنده وتتعاون فى إطاره، وهناك أمور غير قابلة للنقاش أو التفاوض حولها أو التفريط فيها، فالطريق إلى الله كما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) سيظل منسوبا إليه، والإيمان بالله الواحد الأحد الذى لم يلد ولم يولد مسألة غير قابلة للمساس بها.
***
ويخصص د. هوفمان فى كتابه (ديانة فى صعود) صفحات لموقف الإسلام من الأقليات للرد على ما يثار فى الغرب من مبالغات حولها، فيقول: إن الشريعة الإسلامية تجعل الحماية لغير المسلمين فى الدولة الإسلامية التزاما عليها. والقرآن يسميهم (أهل الكتاب). وبفضل هذا القانون الإلهى تمتعت الأقليات الدينية بالحكم الذاتى فى المسائل الدينية بما فى ذلك مسائل الأسرة والحدود والميراث، وتمتعت الأقليات الدينية بالحماية، ولم تمنع الدولة الإسلامية المسيحيين من أن يقوموا بتربية الخنازير والتجارة فى الخمور، ولم تمنع اليهود من التعامل بالربا فى المسائل المالية، والتزمت الدولة الإسلامية بحماية حياتهم وأموالهم وأملاكهم، وحماية ممارساتهم لشعائرهم الدينية، وتمتعت الكنائس والمعابد بنفس الحماية التى تكفلها الدولة للمساجد بلا تفرقة.
ويشير د. هوفمان إلى الحديث (من آذى ذميا فقد آذى الله) وإلى أن جريمة قتل مسيحى تتساوى مع جريمة قتل مسلم، ولم تختلف معاملة أهل الكتاب أو الذميين عن المسلمين فى الدولة الإسلامية إلا فى ثلاث نقاط فقط: الأولى أنهم لم يكونوا ملزمين بالانضمام للجيش، والثانية أنهم كانوا فى مقابل ذلك يدفعون ضريبة دفاع (الجزية، ولم تكن تزيد على ما يدفعه المسلم للزكاة)، وكانت الدولة الإسلامية ترد الجزية إلى أهل الذمة حين لا تتمكن الدولة من رد المعتدى الأجنبى عن البلاد، كما حدث فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب عندما أعلن أبو عبيدة شكه فى قدرته على ردع العدو البيزنطى ورده عن البلاد، وبالتالى احتمال عدم قدرته على حماية أهل الذمة، فأعاد عمر إليهم الجزية.
ونقطة الاختلاف الثالثة أن أهل الذمة يشاركون فى الإدارة العامة للدولة وفى اتخاذ القرارات ويكون منهم وزراء وحكام كما حدث فى الدولة الإسلامية، وكان شائعا على مر التاريخ الإسلامى حتى يومنا هذا، ويكون الحاكم فى الدولة الإسلامية مسلما. ولا تفرقة فى المعاملة بين المسلم وغير المسلم، ولا تمييز من أى نوع فى الدولة الإسلامية.
ويقول د. هوفمان: إن المبدأ الإسلامى بحماية الأقليات لم يقتصر على أهل الكتاب.. بل اتسع حتى شمل أصحاب ديانات غير كتابية مثل الزرادشتية فى إيران كما شمل مفهوم الحماية الهندوسية أيضا، وحتى المشركون فإنهم يتمتعون بحماية الإسلام، ويستشهد د. هوفمان على ذلك بالآية (وإن أحدا من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) التوبة (6).. فهؤلاء لا يسمح الإسلام بإكراههم على شىء (لا إكراه فى الدين) و(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وينتهى د. هوفمان إلى أنه ليس هناك سند قرآنى يبيح السلوك غير المهذب إزاء غير المسلم، ولذلك استطاع المسيحيون واليهود أن يقوموا بدور إيجابى فى المجتمعات المسلمة، وكان الخليفة الأموى معاوية بن أبى سفيان متزوجا من مسيحية، ومن قبله تزوج الرسول (صلى الله عليه وسلم) من السيدة ماريا القبطية والسيدة صفية اليهودية.
***
يقدم لنا د. هوفمان الصورة على الجانب الآخر، فالأقليات المسلمة فى الغرب تلتزم بقوانين البلاد التى يعيشون فيها، والمذهب الحنفى أعفى المسلم المقيم فى دولة غير إسلامية من بعض المبادئ مثل الربا. ويعبّر د. هوفمان عن مطالب الأقلية المسلمة فى كل بلد من بلاد الغرب فيقول: إن المسلمين فى الغرب يطالبون بالمساواة والكف عن الكيل بمكيالين. ويعرض أدلة على التمييز ضد المسلمين فى الغرب، فيقول: إن بناء مسجد لا يتم التصريح به إلا بعد عدة سنوات من تقديم الطلب، ويصرح بالبناء فى موقع ردىء بجوار سلخانة أو خلف القطارات. ولابد من مفاوضات من أجل ارتفاع كل متر للمئذنة، ولا يتم التصريح ببناء قبة للمســجد، وكثيرا مــا يمنع استخدام المئذنة للأذان مع أنه لا يوجد ما يمنع ذلك قانونا، وكثيرا ما توضع العقبات أمام بناء مسجد ولا يتم إلا بعد اللجوء إلى المحكمة، ومع ذلك كثيرا ما يرفض المسئولون إعطاء التصاريح ولا يختلف الوضع فى فرنسا عنه فى ألمانيا.
ويقول د. هوفمان: إن المسلمين فى ألمانيا يستفزهم أن تقوم بعض السلطات غير المسلمة بتفسير القرآن للمسلمين، بدءا من رئيس هيئة حماية الدستور ومرورا برئيس الكنيسة الإنجيلية فى مقاطعة (هسن ونساو) ووزيرة الثقافة فى مقاطعة (بادن- فرتمبرج) وصولا إلى المحاكم الإدارية، وهؤلاء يفسرون الإسلام للمسلمين ويقررون أنهم يحق لهم أكل لحم الخنزير، وارتداء البكينى. وهذا ما يجعل المسلمين يرون فى ذلك صورة من صور (الامبريالية الثقافية) الأوروبية، ويقول د. هوفمان: ذلك يحدث بالنسبة للإسلام، ولكن لا يجرؤ أحد تحت أى ظرف أن يسمح لنفسه بتفسير التوراة أو التلمود للمواطنين اليهود (!) ويتحدث المسلمون فيما بينهم بسخرية لسماح السلطات الألمانية لليهود بالذبح وفق شريعتهم، بينما تعتبر السلطات الذبح بهذه الطريقة مخالفا لحقوق الحيوان بالنسبة للمسلمين، مع أن طريقة الذبح فى اليهودية والإسلام واحدة، وحين لجأ المسلمون إلى محكمة إدارية أعطت المحكمة لنفسها الحق فى تفسير القرآن وقررت أن للمسلمين التغاضى عن الذبح الشرعى، وأن القرآن يسمح فى حالة الضرورة القصوى بأكل ما نهى عنه، وعلى ذلك بإمكان المسلمين أن يتناولوا جميع أنواع اللحوم. ولم يتبين القاضى بطبيعية الحال أن الضرورة المقصودة هى حالة تعرض المسلم للموت جوعا. وفى نفس الوقت فإن القرآن ينص على أن طعام أهل الكتاب حلال للمسلمين على ألا يكون من لحم الخنزير. وما يثير المسلمين هو أن تعطى المحاكم والسلطات غير المسلمة لنفسها الحق فى تحديد ما يجب على المسلم أن يفعله فى المسائل المتصلة بعقيدته، ومن ذلك أيضا تدريس الدين الإسلامى فى المدارس الألمانية تحت إشراف الحكومة، وفى البداية اعتبر المسلمون ذلك انتصارا، لكن وزارة التعليم تحدد مناهج الدين الإسلامى للمسلمين فى مدارسها دون الرجوع إلى أية جهة إسلامية، وليس مستبعدا أن يتولى تدريس مبادئ الإسلام للتلاميذ المسلمين مدرسون غير مسلمين. ونظام العمل فى ألمانيا يجعل من الصعب على المسلم صيام رمضان ولا تراعى ذلك السلطات وجهات العمل.
وفى عام 1998 اقترح أحد نواب البرلمان الألمانى منع تدريس الدين الإسلامى بالمدارس الحكومية بحجة أن ذلك سيؤدى إلى تشكيل جسم غريب عن بقية المجتمع قد يؤدى إلى تغيير المجتمع الألمانى على المدى الطويل.
***
ويتحدث د. هوفمان بصراحة عن نصيب المسلمين من المسئولية عما وصلت إليه صورة الإسلام من تشويه فى الغرب، إذ يجب ألا نلقى باللوم كله على الغرب على أنه الجانى وأن المسلمين هم الضحية والمجنى عليهم، ومثال على ذلك أن الولايات المتحدة لجأت إلى توجيه الاتهامات إلى المسلمين وحدهم فور وقوع أحداث 11 سبتمبر، لأنها كانت لديها بعض الأدلة، وإن كانت غير مؤكدة، إلا أنها تشير إلى عداء تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن لأمريكا وأنهم على استعداد لتوجيه ضربات إليها وتهديد مصالحها. وأسامة بن لادن سجل شريط فيديو يدعو فيه أتباعه إلى ضرب الأمريكان حيث كانوا، وهذا يعتبر دليلا ضده. كذلك فإن تفجير سفارتى الولايات المتحدة فى كينيا وتنزانيا دليل آخر جعل الأمريكان يربطون أحداث سبتمبر بأسامة بن لادن. وبالإضافة إلى ذلك فإن محمد عطا المتهم الرئيسى درس الهندسة، ثم درس الطيران. هذه أدلة استند إليها الأمريكان، وإن لم تكن قاطعة إلا أنه من الممكن أن يكون تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن وراء هذه الأحداث، ولكن ذلك ليس معناه أن الإسلام كدين مسئول عن هذه التصرفات، أو أنه يدعو إليها.
ولذلك يجب أن يتكلم المسلمون بصراحة وبوضوح مع الغربيين، وأن تكون مواقفهم حاسمة، وحينما يتكلمون عن أسامة بن لادن يمكن أن يقولوا إنه فعلا مسلم، وهو مخطئ إذا كان هو المسئول عن هذه الأعمال، ونوضح الفرق بين مبادئ وتعاليم الإسلام والسلوك الفردى للمسلم أو السلوك الجماعى لعدد من المسلمين. فليس شرطا أن يكونوا ممثلين ومعبّرين عن الإسلام، ونستشهد بأدلة من القرآن والسنة على أن الدين الإسلامى ضد التشدد والإرهاب، وضد قتل الأبرياء، وأنه دين لا يحض على الانتحار، لأن حياة الإنسان ليست ملكا له فى مفهوم الإسلام ولكنها ملك لله، والله هو وحده الذى يعطى الحياة وهو وحده الذى ينهيها، والإنسان الذى ينتحر يتصرف ضد إرادة الله، والله يأمر المسلم بالحرب للدفاع عن النفس ورد العدوان. وهناك فرق بين القتال والعمليات الانتحارية، فالقتال مشروع فى الإسلام لأن المسلم يقاتل دفاعا عن دينه أو عن نفسه أو وطنه أو ماله، ولا يلقى بنفسه إلى التهلكة، وإن كان من المحتمل أن يموت فى القتال، ولكن ذلك ليس بإرادته، ثم إن هناك أملا فى النجاة، فهو ذاهب للقتال وليس للانتحار، وعنده يقين بأنه قد يموت ولكنه لا يفقد الأمل فى أنه يمكن أن يعود سليما، أما الانتحارى فهو يقتل نفسه. وهكذا يمكن أن نحسّن صورة الإسلام بالاستشهاد بآيات من القرآن تؤكد أن الإسلام ضد قتل الأبرياء، وضد التزمت، وضد الانتحار، وضد الإرهاب.
***
الخطأ الذى وقع فيه بعض المسلمين واستغله البعض لتشويه صورة الإسلام فى الغرب أنهم حاولوا الدفاع عن الإسلام لكن بطريقة التفكير التى تقوم دائما على توهم وجود مؤامرة فى كل موقف، ورغم أن الوصول إلى الحقيقة سهل من خلال طرق واضحة، فإن هؤلاء المسلمين سلكوا الطريق الخطأ فى محاولتهم لتبرئة المسلمين من المسئولية عن أحداث 11 سبتمبر، فقالوا إنه لم تكن هناك طائرات اصطدمت بالبنتاجون، بينما العالم كله شهد الطائرة والدمار الذى لحق بوزارة الدفاع الأمريكية، بل إن بعض ركاب الطائرة التى اصطدمت بمبنى التجارة العالمى بنيويورك اتصلوا بذويهم بالتليفون المحمول قبل ارتطام الطائرة بالمبنى. فإذا حاول البعض إنكار واقعة حدثت بالفعل فإن ذلك يجعل الغرب لا يصدقنا وقد يرفض الاستماع إلى وجهة نظرنا. ويقول د. هوفمان: هذا يذكرنى بمنطق الألمان حينما كانوا أثناء الحرب العالمية الثانية يقولون نحن لابد أن نكسب الحرب لأننا لا يمكن أن نخسر وليس من المعقول أن نهزم، وهذا منطق مضحك. والمفروض أن يؤكد المسلمون للغرب أن قانون الحرب فى الإسلام ينهى عن قتل النساء والأطفال ورجال الدين من جميع الأديان. وينهى حتى عن قتل حيوان أو قطع شجرة.
وكذلك ينبه د. هوفمان إلى الخطأ فى اختيار الدعاة فى الغرب. فالمسلمون فى الغرب يفضلون أن يختاروا أئمتهم ووعاظهم بأنفسهم ممن يعيشون فى مثل ظروفهم، ويتكلمون بلغاتهم، ولا يتفاعلون مع الأئمة الذين ترسلهم الحكومات لأنهم قد يكون مستواهم ضعيفا ومعلوماتهم سطحية بالمقارنة بمن يعيشون فى الغرب. كذلك فإن هؤلاء الدعاة الزائرين يذهبون إلى بلاد غريبة لا يعرفون تقاليدها والقيم السائدة فيها، ولا يعرفون الجماعات التى يخاطبونها هل هم من الملحدين أو من المؤمنين؟. وهل هم متشددون أو متسامحون؟ وهل هم على دراية بمبادئ الإسلام أو أن فكرتهم عن الإسلام سطحية وعامة؟ والدعوة يجب أن تتناسب مع من يتوجه إليهم الداعية. وبالإضافة إلى ذلك فإن سلوك الداعية - وسلوك المسلم عموما - فى غاية الأهمية، لأنه لا فائدة من الكلام عن تسامح الإسلام بينما يشاهد الغربيون أن المسلمين متشددون.
وفى رأى د. هوفمان أن أحداث 11 سبتمبر سوف يستمر تأثيرها فى الغرب لفترة طويلة. والمشكلة أن كثيرا من المسلمين لا يرون فى الغرب إلا السلبيات، مع أن فى الغرب إيجابيات كثيرة فى القيم والسلوك والأخلاق. ومن صالح المسلمين ألا نقتصر على الحديث عن السلبيات فى الغرب دون ذكر للإيجابيات، لأن ذلك سيؤدى إلا ظهور أجيال من المسلمين يكرهون الغرب ويرفضون ما يأتى منه ويحرمون أنفسهم وأوطانهم من إنجازات الحضارة الغربية. وتقضى الحكمة بالتزام الموضوعية فى الحديث عن المجتمعات الغربية ما لها وما عليها، وهذا لا يمنع من توجيه النقد ذاته إلى الغرب لأن الاتجاه الغالب فيه هو النظر إلى العالم الإسلامى على أنه مصدر للثروات الطبيعية والبترول يسعون للسيطرة عليه، وأنه السوق الأكبر لمنتجات الغرب.. وفيما عدا ذلك فإن كل ما فيه سلبيات.
كيف يمكن الوصول إلى نقطة التقاء بين الغرب والعالم الإسلامى؟.
يجيب د. هوفمان بأن ذلك ممكن، بل هو ضرورى لأن البديل هو العداء والكراهية والصراع، بينما هناك مصالح متبادلة للطرفين، وسوف يسود السلام والاستقرار العالم عندما تتخلى القوى الكبرى عن سياساتها المعادية لقضايا المسلمين وتأييدها لعدوان إسرائيل، وتقوم بدور بارز فى تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل على أساس عادل، حينئذ سوف تتحسن العلاقات كثيرا بين أمريكا وأوروبا ودول وشعوب العالم الإسلامى وبخاصة الدول العربية.
***
ويتحدث د. هوفمان عن جاذبية الإسلام لبعض الغربيين ويرى أنها مدخل جيد لتصحيح صورة الإسلام التى يشوهها الإعلام والساسة، ففى الغرب تجد نماذج لشباب أدى اعتناقهم للإسلام إلى تحول هائل فى شخصياتهم، وربما يكون منهم من قرأ كتب (كارل ماى) Karl May فأثارت فى نفسه شغفا بكل ما هو إسلامى وعربى وشرقى فاتجه إلى دراسة علوم الإسلام. وهؤلاء ينفذون تعاليم الإسلام بدقة، ويلتزمون حرفيا بتفاصيل سلوك الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وبعضهم يبالغون فى تقليد المسلمين فى ملابسهم وطعامهم ولغتهم، وهؤلاء يمكن اعتبارهم مسلمين غربيين رومانسيين، لكنهم بذلك يؤكدون عند غيرهم فى المجتمعات الغربية الحكم المسبق بأن الإسلام دين عربى قبلى يرفض الحضارة الحديثة. هؤلاء يجذبهم نمط الحياة الإسلامية حيث تماسك العائلة بينما تعانى الأسرة الغربية من التفكك، والحقيقة التى تجذب كثيرين فى الغرب هى أن (العائلة) فى العالم الإسلامى- سواء ثرية أو فقيرة- تمثل النسيج الأساسى للمجتمع، وتقوم بالوظائف التى أصبحت من وظائف الدولة فى الغرب مثل تأمين العلاج، ومساعدة العاطلين عن العمل، وتحمل مسئولية رعاية العجزة وكبار السن والمصابين فى حوادث. ففى العائلة المسلمة- كما فى كرم الضيافة- يجد الفرد الأمان النفسى والدفء العاطفى وهذا غير موجود فى الغرب. كما يلاحظ الغربيون أن إيمان المسلمين بالقضاء والقدر وبوجود حياة وحساب بعد الموت يؤديان إلى التوازن النفسى بدلا من حالة الصراع والقلق التى يعانى منها الإنسان الغربى.
ولكن- على الجانب الآخر- سنجد فى الغرب من يرى فى هذه الفضائل أسبابا لتخلف العالم الإسلامى. وهؤلاء يقولون إن الإسلام هاجر من العالم الإسلامى، وهذا المعنى نجده عند الشيخ محمد عبده الذى قال إنه وجد فى الغرب أناسا يسلكون سلوك الإسلام وهم ليسوا مسلمين، ووجد فى الشرق مسلمين وسلوكهم غير إسلامى. ونجد هذا المعنى أيضا فى المقولة الشهيرة للشيخ محمد الغزالى: إن بالغرب مسلمين قلائل والكثير من الإسلام، وفى كثير من أجزاء العالم الإسلامى مسلمون كثيرون وقليل من الإسلام. هؤلاء يرون أن العالم الإسلامى متخلف يعيش على استيراد التكنولوجيا من الغرب، والترابط العائلى فى العالم الإسلامى يمثل عاملا أساسيا للفساد، حيث تقسم المناصب على الأقارب غير المؤهلين والذين تنقصهم الكفاءة، وبذلك تحرم الدول الإسلامية من الكفاءات الحقيقية الموجودة فيها بسبب المحسـوبية. كذلك فإن الــدول الإسلاميــة تستعين بعمال فقـــراء من دول أخرى ولا تعاملهم معاملة تتفق مع القيم الإسلامية، فتحرمهم من اصطحاب عائلاتهم، ومن المعاشات أو مكافآت انتهاء الخدمة، ولا توفر لهم ظروفا معيشية إنسانية. وتجد صورا من البذخ والإسراف الزائدين فى دول إسلامية يعيش فيها فقراء لا يجدون لقمة العيش، وما يلقى من بقايا طعام الأغنياء من الممكن أن يكفى جميع الفقراء، ومع ذلك فإن إسلامهم لا يدفعهم إلى مراعاة العدالة الاجتماعية التى يطالبهم بها الإسلام. بل إن فى بعض البلاد الإسلامية تهتم الطبقة العليا برعاية الخيول والصقور والهجن أكثر من اهتمامها برعاية الفقراء والأيتام.. وكل ذلك يثير استغراب المراقب الغربى. كما يثير استغرابه تلازم الحكم المطلق مع الادعاء بأن هذا هو الحكم الإسلامى، مما يولد الشعور بأن الإسلام ضد الديمقراطية وحرية الشعوب ومساءلة الحكام، وأن المجتمع المسلم غير مؤهل للممارسة السياسية الحرة والحوار السلمى كوسيلة للتغيير. كما يؤكد فكرة أن المجتمع المسلم عاجز عن تحقيق إنجازات علمية جديدة، لأن نقد الذات وافتراض الشك فيما هو قائم هو السبيل للتقدم العلمى والاجتماعى.
***
ومما يثير دهشة الغربيين أيضا عدم إحساس المسلمين بالوقت وعدم الدقة فى المواعيد، ويعتبرون ذلك- بمفهوم الغرب- عدم احترام للآخرين وتبديد للوقت الذى يعطيه الإنسان الغربى أهمية كبيرة. وكذلك وجود حركات إسلامية متعددة بينها اختلافات وصراعات أكثر من اختلافاتها وصراعاتها مع من تعتبرهم (العدو)، وكل منظمة تعتبر نفسها هى المعبرة عن الإسلام الصحيح وكل ما عداها كفر وضلال. وأكثر ما يثير الدهشة لدى الغربى أن يجد بعض المسلمين يركزون اهتمامهم فى أمور هامشية ويجادلون- وقد يكفّر بعضهم بعضا- حول: هل طلاء الأظافر يفسد الوضوء؟. وهل (الباروكة) تصلح غطاء رأس شرعياً للمرأة؟ وهل تركيب أسنان ذهبية حلال أو حرام؟ وهل يجوز تناول أدوية أو استعمال مستحضرات طبية يدخل فيها الكحول؟. وهل يجوز إهداء القرآن لغير المسلم؟. وهل تجوز مصافحة الرجال والنساء باليد؟. وإذا كان البحث فى هذه الأمور مهم فإن هناك ما هو أهم بالتأكيد. هكذا يرى الغربيون الأمور.
يعلق د. هوفمان على كل ذلك بأن العالم الإسلامى سيظل – مع ذلك – ملاذا للروحانيات لمعرفة الله ومعايشة المقدسات، بينما سيطرت المادة والمصلحة على الغرب، حتى العلاقات الإنسانية، وحتى علاقات الحب تحكمها قوانين السوق والبحث عن الربح، وكل ما لا تمكن ترجمته إلى أرقام لا قيمة له فى الغرب، ولذلك فإن العالم الإسلامى يمكن أن يقدم الكثير للغرب.
***
ويوجه د. هوفمان النقد إلى الإعلام فى الغرب، فيقول إن موقفها العدائى من الإسلام والمسلمين واضح، إذ لا يثير إعلان نجم سينمائى مثل (ريتشارد جير) اعتناقه البوذية أدنى تساؤل، أما عندما أعلنت مجموعة من الكاهنات الألمانيات أنها فى طريقها إلى تركيا لخدمة المجتمع فلا ينالهن من الإعلام سوى السخرية. ويمكن للإنسان الغربى أن يعلن بلا خوف أو استحياء أنه يؤمن بالماركسية الجديدة، أو أنه ملحد، أو أنه متصوف بلا دين، لا يجد من المجتمع نقدا ولا ينبذه الناس.
أما الطقوس اليهودية فهى التى تحوز على الرضا والإعجاب فى المجتمع الغربى حتى ما يتماثل منها مع شعائر المسلمين، لكنها عندما تصدر من المسلمين فإنها توصف بأنها غريبة وشاذة ومن بقايا العصور القديمة، بل يقال إنها مخالفة للدستور‍ فملابس المتشددين اليهود، وفصل اليهود بين الرجال والنساء، وقواعدهم الصارمة فى الطعام، وتمسكهم بالذبح وفق شريعتهم، وتشددهم فى التكاليف الدينية، كل ذلك مقبول فى المجتمع الغربى دون أدنى اعتراض، ولكن الأمر يختلف تماما عندما يتعلق الأمر بالمسلمين، فاللحية التى تدل على التقدمية عند اليهود وغيرهم من الفنانين والسياسيين الغربيين تكون دليلا على الرجعية والتخلف عند المسلم، وغطاء الرأس الذى تتحلى به السيدة مريم العذراء فى الأيقونات وفى صورها ويثير مشاعر الاحترام، يتحول إلى شىء مثير للكراهية إذا وضعته فتاة مسلمة، ونحر الذبائح وفق الشريعة الإسلامية يعتبر عملا غير إنسانى ومخالفا لميثاق حقوق الحيوان، وهذا الفعل ذاته يقوم به اليهود دون أن يرى أحد فى الغرب أن فيه ما يستحق التعليق!.
ويشير د. هوفمان إلى دراسة بريطانية صدرت عام 1997 من إعداد Runnymede Trust توصلت إلى النتيجة التالية: (إن فوبيا الإسلام هى الرعب منه وكراهيته، وقد عاشت هذه الفوبيا عدة قرون فى البلاد الغربية، ولكنها أخذت فى السنوات العشرين الأخيرة شكلا أكثر تطرفا وخطورة، وأكثر علانية، حتى أصبحت فوبيا الإسلام مكونا أساسيا من مكونات الإعلام والثقافة، كما أنها تسود فى جميع المجالات وأنحاء المجتمع). ويعلق على ذلك بأن هذه الحالة من نتائج ما يقدمه الإعلام. والصحفيون والكتّاب مثلهم مثل غيرهم من الناس فى الغرب، ضحية للصورة المشوهة للإسلام التى توارثوها عبر أجيال وقرون، ومن ناحية أخرى فهم الذين يزيدون ترسيخ هذه الصورة المشوهة فى عقول الناس. والمشكلة أن وسائل الإعلام تصور الإسلام وتتعامل معه على أنه أيديولوجية أكثر من كونه دينا وعقيدة. ومثال ذلك الملحق الخاص الذى أصدرته مجلة (دير شبيجل) أكبر المجلات الألمانية وأكثرها احتراما فى يناير 1998 بعنوان (الإسلام اللغز) وحمل الغلاف صورة امرأة مسلمة حواجبها على هيئة سيوف، أما فى الموسوعة (الإسلام من الألف إلى الياء) فلم تظهر كلمة (الله) ولم يظهر اسم (محمد) أما (مكة) فقد وصفها شخص يبدو أنه لم يشاهدها أبدا.
أما الانطباع الثانى فى وسائل الإعلام الغربية عن الإسلام فهو أنه دين عدوانى وتوسعى، أى أنه دين حرب، دين التعصب والإرهاب. والأصوات التى تعارض هذا الاتجاه موجودة ولكنها قليلة جدا، مثل كتاب الباحث ولفجانج جينتر ليرش (الإسلام والإرهاب) ولذلك فلا غرابة فى أن يقول رئيس المجلس الاتحادى لحماية الدستور فى ألمانيا عام 1997: (سيصبح الإسلام فى القرن المقبل خطرا داهما) وذلك فى حديث له نشرته مجلة (دير شبيجل) تحت عنوان (تبرير القتل). وعندما طالب المسلمون فى مقاطعة (هيسن) بحذف كل ما يسىء إلى الإسلام فى المقررات الدراسية الألمانية رفض الطلب. وسارت على نفس الطريق قناة التليفزيون الخاص (RTL) يوم 18 سبتمبر 1994 فأذاعت برنامجا بعنوان (الإرهاب باسم الله) حذرت فيه من المد الأصولى الإسلامى العالمى، كذلك فإن القنوات العامة للتليفزيون الألمانى لا تقل عنفا فى تعاملها مع الإسلام، فقد أصابت إذاعة بافاريا الألمان بالذهول عندما قالت- فى نوفبمر 1997- إن حمل السلاح مكوّن أساسى من هوية المسلم.
وتدعم وسائل الإعلام الغربى الانطباع السائد بأن الإسلام دين عفى عليه الزمن ولا أمل فى إصلاحه أو تنوير المسلمين، وسيظل غارقا فى ظلام العصور الوسطى، وتبالغ فى إبراز تخلف الإسلام بمقارنته بالنموذج الغربى فيما يخص الجانب الشخصى للإنسان (الوعى الفردى، والمواطنة، والمجتمع المدنى، والعقلانية) وينشر الإعلام المفهوم القائل بأن العلاقة بين الإسلام وحقوق الإنسان مثل العلاقة بين النار والماء، وأنه من المحال أن يتقبل الإسلام حرية الرأى. وتنشر بعض الصحف كتابات ساخرة عن الإسلام حتى أن مجلة (دى زيت Die Zeit) نشرت فى 26 مايو 1995 نشرت مقالا جاء فيه: (لم يكن عند محمد ثلاجة، وكان يقضى حاجته أمام النسوة، وكان يسكر بعد تناول كوبين من البيرة، هذا هو كل ما فى الإسلام) ويصحب ذكر الإسلام دائما صفات مثل (الاستبداد الشرقى، والوحشية فى قطع الأيدى، والتمسك بأخلاقيات بالية مثل العفة قبل الزواج(!) وتحريم العلاقات خارج الزواج(!) والإجهاض، والشذوذ الجنسى(!). وموقف الإسلام البدائى من الفن والعلم(!) ونظام الإسلام الاجتماعى المستبد الأبوى، غير الديمقراطى (!!). وأن القرآن نص من العصور الحجرية(!) والإسلام عودة إلى عصور البربرية والوحشية(!).
ويعلق د. هوفمان على ذلك بأن هذا التحريض ينسف الفرص لإعادة العلاقات الطبيعية بين الغرب والإسلام.
ولكن تلك الصورة القاتمة لا تعنى عدم وجود باحثين وإعلاميين فى الغرب أنصفوا الإسـلام وهؤلاء يمثلـون بارقـة أمـل فى نشر الموقـف الموضوعى من الإسلام. ويذكر د. هوفمان قائمة من هؤلاء المنصفين للإسلام ومنهم: فرانسوا بورجات Francois Burgat الفرنسى، وجون ايبوسيتو John Eposito الأمريكى، ودانيل جيمارى Daniel Gimaret الفرنسى، وجودرون كرومر Gudrun Krumer الألمانى، وجورج نيلسون Jorg Nielsen البريطانى، ونيل روبنسون Neil Ropinson البريطـانى، ورينالد شولتز Reinhald Schulze الألمانى، وجيمس بيسكاتورى James Piscatori فى مركز اكسفورد للدراسات الإسلامية فى بريطـانيا، وأرماندو سالفاتور Armando Salvatore الألمانى.
وهكذا فإن الإسلام يجد دائما من يقول عنه كلمة حق وسط الضلال.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف