السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

ولى عهـد بريطـانيا يعيد للإسلام اعتباره فى الغرب

 

الأمير تشارلز ولى عهد بريطـانيا من أهم الشخصيات الرسمية ذات الثقل التى تبادر إلى إنصاف الإسلام فى الغرب كلما اشتدت على الإسلام حملات الهجوم والتشويه. وهو من أشهر الشخصيات التى تعمل فى مجالات الثقافة، والأعمال الخيرية، وله جهود كبيرة فى المحافظـة على روح التسامح الدينى فى المجتمع البريطـانى.
وهو يشمل برعايته الشخصية مركز الدراسات الإسلامية الذى أنشئ فى جامعة اكسفورد العريقة، وهو الراعى الفخرى لهذا المركز الذى أنشئ سنة 1985 ويعمل فيه مجموعة من الباحثين البريطـانيين مع نظرائهم من العالم الإسلامى فى دراسة الإسلام وثقافته وحضارته وتشجيع النشاط العلمى المشترك بين العالمين الإسلامى والغربى، ويهدف هذا المركز إلى إزالة الجهل، والشك، والعصبية التى تؤدى إلى مواقف خطيرة تهدد الشعوب الإسلامية. وقد نجح فى القيام بدور فى إعادة الاحترام إلى الإسلام فى الأوساط الأكاديمية البريطـانية. وليس وحده فى هذا الميدان، ففى بريطـانيا مراكز أخرى مماثلة مثل مركز الدراسات الإسلامية فى جامعة اكسفورد، ومعهد الدراسات الشرقية، ومركز الشرق الأوسط فى لندن.
وكان أهم حدث فى تاريخ العلاقات بين الإسلام والغرب شهدته بريطانيا، يوم ذهب الأمير تشارلز إلى جامعة اكسفورد يوم 27 أكتوبر 1993 وألقى فى مركز الدراسات الإسلامية خطابا غير مسبوق لإعادة الاعتبار إلى الإسلام وإزالة ما أحاط به من حملات التشكيك. ومع أن البريطانيين لا يستخدمون التعبير الشائع عندنا لمثل هذا الخطاب بأنه كان خطابا تاريخيا، فإنه كان خطابا تاريخيا بالفعل، ولا?زالت آثاره وأصداؤه حتى اليوم وامتدت من بريطانيا إلى أوروبا. وقد أصبح وثيقته تشرح للغرب حقيقة الإسلام وتدعو إلى احترامه واحترام المؤمنين به.
كان خطاب الأمير تشارلز بعنوان (الإسلام والغرب) بدأه بأن العلاقات بين العالمين الإسلامى والغربى تتسم الآن بأهمية أكثر من أى وقت مضى لأن درجة سوء الفهم بينهما عالية على نحو خطير. وقال: إن الحقيقة المحزنة أنه على الرغم من التقدم فى التكنولوجيا ووسائل الاتصال، وانتقال الناس على نطاق واسع عبر الحدود، واختلاط الأجناس، وكشف كثير من الألغاز فى هذا العالم، فإن سوء الفهم بين الإسلام والغرب ما?يزال مستمرا، بل ربما أخذ يزداد.
وقال الأمير تشارلز بعد ذلك صراحة: إن سوء الفهم بالنسبة للغرب لا يمكن أن يكون حصيلة الجهل. ففى أرجاء العالم أكثر من ألف مليون مسلم، وفى دول الكومنولث الوثيقة الارتباط ببريطانيا يعيش ملايين المسلمين، وفى دول الغرب يعيش أكثر من عشرة ملايين مسلم، والجالية الإسلامية فى بريطانيا تنمو منذ عقود، فهناك حوالى 500 مسجد فى بريطانيا، والاهتمام الشعبى بالثقافة الإسلامية يتنامى بسرعة.. إن الإسلام يحيط بنا من كل جانب.. ومع ذلك يستمر الشك والخوف.
وكان من أهم ما قاله الأمير تشارلز: إن الصراع الذى يعانى منه العالم الإسلامى نتيجة لسوء استخدام السلطة وتضارب الأفكار، والنشاطات المهيجة التى يمارسها القادة المتعصبون والمجردون من الضمير، ولكن المحزن أن الصراع يندلع نتيجة عدم القدرة على الفهم، وما يؤدى إليه سوء الفهم من تعمق الخوف وانعدام الثقة. ومن الغريب أن يستمر سوء الفهم بين الغرب والعالم الإسلامى مع أن ما يربط بينهما أقوى بكثير مما يفصل بينهما. فالمسلمون والمسيحيون واليهود كلهم (أهل الكتاب). والإسلام والمسيحية يشتركان فى الوحدانية.. الإيمان بإله واحد، وبأن الحياة الدنيا فانية، وبأن الإنسان مسئول عن أفعاله ويحاسب عليها فى الآخرة. ويشترك المسيحيون والمسلمون فى كثير من القيم مثل العدل والإحسان إلى الفقراء واحترام المعرفة والحياة العائلية واحترام الوالدين، ولكن- مع ذلك- فإن معظم فترات التاريخ تميزت بالصراع بين العالمين، واستمرت فترة العداء المتبادل أربعة عشر قرنا، وقد أدى ذلك إلى وجود شعور دائم بالخوف والشك. لأن كلا من العالم الغربى والعالم الإسلامى غالبا ما ينظر إلى الماضى بمنظور مختلف ومتعارض مع منظور الآخر.
***
وأشار الأمير تشارلز إلى ما يدرس لتلاميذ المدارس فى دول الغرب عن الحروب الصليبية التى استمرت 200 عام. ففى مدارس الغرب يلقنون التلاميذ أن هذه الحروب كانت سلسلة من الأعمال البطولية والمجيدة حاول خلالها الملوك والفرسان والأمراء الأوروبيون تخليص القدس من أيدى (المسلمين الكفار الأشرار).. أما المسلمون فإنهم يعتبرون الحروب الصليبية حقبة من الوحشية وأعمال السلب والنهب المروعة قام بها (المرتزقة الغربيون الكفار).. وكذلك الفظائع المرعبة التى ربما كان أكبر مثال عليها المذابح التى ارتكبها الصليبيون عندما (استردوا) القدس عام 1099م وهى ثالث الأماكن المقدسة لدى المسلمين. وبالنسبة للغرب فإن عام 1492م كان عام البحوث الإنسانية والآفاق الجديدة باكتشاف كولمبوس للأمريكتين، ولكنه بالنسبة للمسلمين فهو عام مأساوى، لأنه عام سقوط قرطبة فى أيدى فرديناند وإيزابيلا، وفيه انتهت ثمانية قرون من الحضارة الإسلامية فى أوروبا.
وعلّق الأمير تشارلز على اختلاف زاوية الرؤية للتاريخ فى العالمين الإسلامى والغربى بأن المسألة ليست فى تحديد أى الصورتين أكثر صحة من الأخرى، أو أيهما يخالف الحقيقة، ولكن المسألة هى وجود سوء التفاهم نتيجة الفشل فى فهم رؤية الآخرين للعالم وللتاريخ ودور الغرب فى هذا التاريخ. وبالنسبة للغربيين فإنهم ينظرون إلى التاريخ على أن الإسلام كان دائما تهديدا لهم، بالفتوحات العسكرية فى العصور الوسطى، وبعدم التسامح والتطرف والإرهاب فى العصر الحديث. وقد أدى فتح القسطنطينية عندما سقطت فى يد السلطان محمد عام 1453م وهزائم الأتراك خارج العاصمة النمساوية فيينا عام 1529 و1683م كل ذلك أدى إلى إثارة الخوف فى نفوس الحكام الأوروبيين. كذلك فإن تاريخ البلقان فى ظل الحكم العثمانى فيه أمثلة على الوحشية ضربت جذورا عميقة فى مشاعر الغربيين. ولكن التهديد لم يكن فى اتجاه واحد، ولكنه كان من الجانبين، فبعد غزو نابليون لمصر عام 1798 وما تلاه من غزوات وفتوحات فى القرن التاسع عشر تغيرت الصورة وأصبحت الدول الغربية تحتل العالم العربى كله، وبدا أن انتصار أوروبا على المسلمين اكتمل بعد سقوط الامبراطورية العثمانية.
بعد ذلك يحلل الأمير تشارلز نتائج وآثار هذه المراحل من التاريخ فيقول إن أيام الفتوحات انتهت، ولكن موقف الغرب من الإسلام ما يزال يعانى حتى الآن، لأن أسلوب فهمنا للإسلام تأثر بالتطرف والسطحية، فكثيرون فى الغرب ينظرون إلى الإسلام بمنظار الحرب الأهلية المأساوية فى لبنان، وأعمال القتل والتفجير التى تقوم بها جماعات متطرفة فى الشرق الأوسط. وينظرون أيضا بمنظار ما يشار إليه عموما باسم (الأصولية الإسلامية).. وقد تأثر حكمنا على الإسلام بالتحريف نتيجة اعتبار التطرف هو القاعدة فى الإسلام، وهذا خطأ جسيم، مثل الحكم على نوعية الحياة فى بريطانيا من خلال وجود جرائم القتل والاغتصاب والاعتداء على الأطفال وإدمان المخدرات.. فالتطرف موجود فى المجتمعات الإسلامية ولا بد من معالجته، ولكنه عندما يستخدم أساسا للحكم على مجتمع ما فإنه يؤدى إلى حكم ظالم.
وينتقل الأمير تشارلز إلى قضية أخرى من قضايا سوء الفهم، وهى حكم كثير من الغربيين على قوانين الشريعة الإسلامية بأنها قاسية ووحشية ومجحفة. والصحافة فى الغرب تروج هذه الأفكار الاعتباطية بينما الحقيقة مختلفة وأكثر تعقيدا، لأن الشريعة الإسلامية شريعة الإنصاف والرحمة، وعلينا أن ندرس التطبيق الفعلى للشريعة قبل أن نصدر أحكامنا، وعلينا أن نميز بين أنظمة العدالة التى تدار باستقامة، وأنظمة العدالة، كما نراها عند التطبيق، وتكون قد حرّفت لأغراض سياسية وتحولت إلى شىء مختلف عن الإسلام. وعلينا أن نتذكر أيضا النقاش الحاد الدائر فى العالم الإسلامى نفسه حول مدى شمولية وأبدية الأحكام والدرجة التى يتغير ويتطور بها تطبيق الأحكام باستمرار.
***
وكان من أهم ما فى خطاب ولى العهد البريطانى أنه وجّه نداء إلى العالم الغربى بأن يميز بين الإسلام، والعادات السائدة فى بعض الدول الإسلامية، ويشير إلى موقف الغرب الظالم للإسلام عند الحديث عن وضع المرأة فى المجتمع الإسلامى بالتركيز على الحالات المتطرفة، مع أن تطبيق الإسلام ليس متماثلاً فى كل البلاد الإسلامية، والصورة ليست بسيطة، وهناك دول إسلامية منحت المرأة حق الانتخاب فى نفس الفترة التى منحت فيها أوروبا للمرأة هذا الحق، بل قبل فترة طويلة من اتخاذ سويسرا هذه الخطوة. ومن هذه البلاد الإسلامية مصر، وسوريا، وتركيا. وفى هذه البلاد تتمتع النساء منذ وقت طويل بالمساواة مع الرجال فى الأجور والعمل، وبالفرصة فى القيام بدور فى المجتمع، كما أن القرآن نص على حقوق المرأة المسلمة فى التملك وممارسة التجارة والإرث ومنحها الحماية فى حالة الطلاق، حتى وإن كانت هذه الحقوق لا توضع موضع التطبيق فى جميع الدول الإسلامية. وعلينا أن نتذكر أنه فى بريطانيا كانت بعض هذه الحقوق غريبة حتى على جيل جدتى، ولقد أصبحت بناظير بوتو والبيجوم خالدة ضياء رئيستين للوزراء فى مجتمعين تقليديين عندما شهدت بريطانيا أول رئيسة وزراء منتخبة فى تاريخها. وبذلك فإننا لا نستطيع أن نحكم على وضع المرأة فى الإسلام حكما صحيحا إذا أخذنا أكثر الدول الإسلامية المحافظة كمثال على سائر الدول الإسلامية. فارتداء (البرقع) مثلا ليس عاما فى جميع العالم الإسلامى، وقد دهشت حين علمت أن عادة ارتداء (البرقع) ترجع إلى التقاليد البيزنطية والساسانية. وهناك بعض النساء لا يرتدين الحجاب وبعض الآخريات يضعن الحجاب أو منديل الرأس كتعبير عن هويتهن الإسلامية، ولكن لا يجوز أن نخلط بين اللبس المحتشم الذى نص عليه القرآن وبين المظاهر الخارجية التى ترجع إلى عادات أو إلى مركز اجتماعى أو نقلا عن مجتمعات أخرى.
***
ولأول مرة تعلن شخصية كبيرة فى الغرب مثل الأمير تشارلز أن الغرب لم يتفهم المخاوف الحقيقية لكثير من أبناء العالم الإسلامى من المادية الغربية والثقافة الشعبية واعتبارهما التحدى الذى يهدد ثقافة العالم الإسلامى وأسلوب حياته. ويضيف إلى ذلك أن بعض الغربيين يظنون أن أسلوب الحياة الغربية بما فيه من إغراءات سيجعل العالم الإسلامى يقلد الغرب، ولا شك أن التليفزيون والأجهزة الإلكترونية تنتشر فى العالم الإسلامى ولها تأثير جيد فى تحقيق التقدم والتحديث، ولكن الغربيين يسقطون فى فخ الغطرسة حين يخلطون بين تحديث المجتمعات وفرض النموذج الغربى عليها، لأن التحديث يجب أن يكون نابعا من هذه المجتمعات ومتفقا مع طبيعتها. وعلى سبيل المثال فإن المادية الغربية لا تتفق مع طبيعة المسلمين غير المتطرفين، كما أن الغربيين لا يتفهمون بعض الممارسات والمعاملات فى الحياة الإسلامية وينظرون إليها على أنها تعبير عن التشدد أو الأصولية. ويحذر الأمير تشارلز من استخدام تعبير (الأصولية) دون ملاحظة الفرق بين الصحوة الدينية والممارسات الدينية الملتزمة، وبين المتعصبين والمتطرفين الذين يستغلون المشاعر الدينية لتحقيق أهداف سياسية. وأنصار الصحوة الإسلامية المعتدلين يرون أن التكنولوجيا والأشياء المادية ليست كافية وحدها، وأن الحياة لها هدف ومغزى أعمق فى جوهر العقيدة الإسلامية.
والأمير تشارلز يكرر التنبيه إلى خطأ الاعتقاد السائد فى الغرب بأن التطرف من طبيعة المسلم والإسلام، ويعترف علنا بأن التطرف ليس حكرا على الإسلام، وهو موجود فى الديانات الأخرى بما فيها الديانة المسيحية. ويقرر بأن الغالبية العظمى من المسلمين يتسمون بالاعتدال، لأن دينهم هو دين الاعتدال، ولأول مرة يعلو صوت فى الغرب مثل صوت الأمير تشارلز بالقول بأن النبى محمد (ص) كان يمقت التطرف ويحذر منه. وعلى الغرب أن يميز بين اعتدال غالبية المسلمين وأعمال العنف التى تقوم بها أقلية صغيرة بينهم، والمسلمون أول من أعلن إدانة هذه الأقلية المتطرفة.
***
والأمير تشارلز يقرر أن المشكلة ليست فقط فى وجود قدر كبير من سوء الفهم فى الغرب لطبيعة الإسلام، ولكن هناك أيضا قدرا كبيرا من الجهل بفضل الثقافة والحضارة الإسلامية على الغرب. فالعالم الإسلامى فى العصور الوسطى كان مصدر العلم والحضارة للغرب، ولكن لأن الغربيين يميلون إلى اعتبار الإسلام عدوا للغرب، ويرون أنه يمثل عقيدة وثقافة غريبة، فقد تجاهلوا أهمية الحضارة الإسلامية فى تقدم الغرب. فقد ازدهرت الثقافة والعلوم الإسلامية فى أسبانيا واستمرت 800 سنة بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر. ومن أسبانيا (الأندلس) انتقلت العلوم والثقافة والحضارة الإسلامية إلى أوروبا التى كانت تعيش فى عصور الظلام، وكانت هى اللبنات الأولى للنهضة الأوروبية. لقد قام المسلمون فى الأندلس بجمع وحفظ التراث الفكرى للحضارة اليونانية والرومانية وأضافوا الكثير فى مجالات العلوم الطبيعية، والفلك، والرياضيات، والجبر، والقانون، والطب، وعلم العقاقير، والبصريات، والزراعة، والهندسة المعمارية، والعلوم الدينية، والموسيقى. وأوروبا مدينة لكثير من علماء المسلمين فى الأندلس من أمثال ابن رشد، وابن زهر، كما ساهم علماء المسلمين فى الشرق من أمثال ابن سينا والرازى فى علوم الطب وابتكار طرق استفادت منها أوروبا على مدى قرون عديدة..
ويشير الأمير تشارلز إلى تشجيع الإسلام للبحث العلمى وتقديره للعلماء، وقد كانت قرطبة فى القرن العاشر الميلادى أكثر المدن تحضرا فى أوروبا، وكان فى أسبانيا (الأندلس) 400 ألف مجلد فى مكتبة حاكم قرطبة، وهو عدد يزيد على عدد الكتب التى كانت موجودة فى جميع أنحاء أوروبا، وقد سبق العالم الإسلامى إلى نقل صناعة الورق من الصين قبل أن تعرف أوروبا صناعة الورق بأكثر من 400 سنة، كما أن كثيرا من المزايا التى تفخر بها أوروبا فى العصر الحديث جاءت أصلا من أسبانيا أثناء الحكم الإسلامى، فالدبلوماسية، وحرية التجارة، ومناهج البحث العلمى، وتطوير الأزياء والفنون التشكيلية والموسيقية، والطب البديل وإدارة المستشفيات جاءت كلها إلى أوروبا من تلك الحضارة الإسلامية العظيمة..
يشير الأمير تشالز أيضا إلى أن الإسلام فى العصور الوسطى كان هو الدين الذى يتسم بالتسامح، ومنح اليهود والمسيحيين حرية ممارسة عقائدهم، وكان فى ذلك قدوة لم تقلدها دول كثيرة فى الغرب مع الأسف. والمدهش هو مدى عمق الأثر الذى تركه الإسلام فى أجزاء من أوروبا عاش فيها سواء فى أسبانيا أو فى البلقان، بحيث لا?يمكن اعتبار الحضارة الغربية غربية خالصة لأن فيها عناصر ومساهمات من الحضارة الإسلامية، فالإسلام- كما يقول الأمير تشارلز- جزء من ماضينا وحاضرنا، وقد ساهم فى إنشاء أوروبا معاصرة، إنه جزء من تراثنا وليس شيئا منفصلا عنه. وعلاوة على ذلك فإن الإسلام يعلمنا التفاهم والتعايش فى العالم، وهذا ما فقدته الديانة المسيحية مما أدى إلى ضعفها. ويمتاز الإسلام بنظرته المتكاملة للكون، ورفضه الفصل بين الإنسان والطبيعة، أو بين الدين والعلم، أو بين العقل والمادة، ويمتاز أيضاً بالمحافظة على نظرة تجمع بين الإيمان بالغيب ووحدة البشرية، بينما فقد الغرب هذه الرؤية المتكاملة للعالم مع ظهور كوبرنيكوس وديكارت والثورة العلمية، ولم تعد الفلسفة الشاملة للطبيعة جزءاً من معتقداتنا. ولو أخذنا بنظرة الإسلام لابتعدنا عن موقفنا فى دراسة العالم من أجل استغلاله والهيمنة عليه، وهذا الموقف هو الذى أدى إلى اختلال التوازن والفوضى فى العالم..
ويقول الأمير تشارلز: لقد أصبحت الحضارة الغربية مركزة على الكسب والاستغلال، وعلينا أن نتعلم من الإسلام هذا الشعور بالوحدانية والطابع القدسى والروحى للعالم.
***
وحتى الأمير تشارلز يدافع عن نفسه من الاتهامات الجاهزة التى توجه فى الغرب إلى كل من يقول كلمة إنصاف للإسلام والمسلمين، فيقول فى خطابه الشهير: إننى على ثقة من أن بعض الناس سوف يسارعون إلى اتهامى- كما يحدث عادة- بأننى أعيش فى الماضى وأرفض التأقلم مع الحياة العصرية، والأمر ليس كذلك، فما أدعو إليه هو فهم أوسع للعالم. إننى أدعو إلى الإيمان بالغيب بالإضافة إلى الحياة المادية المعاصرة وذلك لاستعادة التوازن الذى فقدناه، وأعتقد أن غياب التوازن ستكون نتائجه مدمرة على المدى الطويل..
ويقول الأمير تشارلز بصراحة: إن أساليب التفكير فى الإسلام يمكن أن تساعدنا، وهناك أشياء يمكن أن نتعلمها من نظام العقيدة الإسلامية، وأرى أننا نتجاهل هذه العقيدة بشكل يلحق بنا الضرر.
ويقول أيضا: علينا أن نتعلم كيف نتفهم بعضنا، ونعلم الجيل الجديد أن يحسنوا فهم الإسلام، وأن نظهر الثقة والاحترام والتسامح ونتمسك بالقاسم المشترك الذى يجمع بيننا، وأن نتعاون معا لحل مشاكلنا المشتركة. وأن نرفض التصادم والمواجهة. علينا أن نتفاهم ونتسامح، ونفهم أهمية المصالح لكل من الغرب والعالم الإسلامى، وأننى على قناعة بأن العالمين الإسلامى والغربى يمكن أن يتعلما كثيرا من بعضهما البعض، فكما أن مهندس البترول فى الخليج يمكن أن يكون أوروبيا، فإن جراح القلب فى بريطانيا يمكن أن يكون مصريا. وإذا كانت الحاجة إلى التسامح لازمة على المستوى الدولى، فهى لازمة بقوة فى بريطانيا، لأن بريطانيا مجتمع متعدد الأجناس والثقافات. وعلينا أن نحترم ممارسة الشعائر فى العقيدة الإسلامية، وتجنب القيام بأى أفعال يمكن أن تسبب إساءة للمسلمين. وفى نفس الوقت هناك حاجة إلى أن يحترم المسلمون تاريخ بلادنا وثقافتها وأسلوب الحياة فيها، والاندماج فى مجتمعنا.
وحرص الأمير تشارلز على أن يختم خطابه المهم بقوله: إن العالمين الإسلامى والغربى قد وصلا إلى ما يشبه مفترق طرق فى علاقاتهما، ولا يجوز أن ندعمها يفترقان، وأنا لا أوافق على مقولة أنهما يتجهان نحو الصدام وإلى عهد جديد من الخصومة والعداء. وعلينا أن نزيل السموم ونقضى على الشك والخوف بين العالم الإسلامى والغرب.
وأعتقد أن هذا الخطاب يعتبر خطابا تاريخيا بحق، أولا لأنه صادر عن شخصية لها مكانتها الرفيعة وتأثيرها فى بريطانيا وفى أوروبا عموما، وثانيا لأن فيه قدرا من الصراحة قد لا نجد مثله حتى لدى كثير من المنصفين للإسلام فى الغرب، وثالثا لأننا نلمس فيه معرفة عميقة بالإسلام وحضارته وفضله على الحضارة الأوروبية، وأخيراً لأن فيه دعوة للغرب لكى يتعلم من الإسلام، كما أن المسلمين يتعلمون من الغرب.. وفيه أيضا رفض لنظرية حتمية الصراع بين الغرب والإسلام التى انتشرت فى الولايات المتحدة وانتقلت منها إلى أوروبا.
هكذا بدأ ولى عهد بريطانيا حملة لإنصاف الإسلام وإعادة الاعتبار إليه فى وقت كان الغرب قد وصل إلى قمة العداء وسوء الفهم للإسلام والمسلمين، وكانت نظرية الصراع بين الغرب والإسلام قد أوشكت أن تصبح من مسلمات الفكر الغربى.
ولذلك يجب أن نقدر موقف الأمير تشارلز وشجاعته فى وقت يتردد فيه كثير من قادة وزعماء الغرب فى قول كلمة حق عن الإسلام.
***
والحقيقة أن الأمير تشارلز ليس وحده الذى أنصف الإسلام، ولكن هناك كثيرين من كبار الكُتّاب والفلاسفة فى الغرب سبقوه إلى ذلك نجد بعضهم فى كتاب شيخنا الإمام الراحل الدكتور عبد الحليم محمود (أوروبا والإسلام) مثل الكونت هنرى دى كاسترى الذى درس الإسلام وله كتاب مشهور بعنوان (الإسلام: سوانح وخواطر) ترجمة فتحى زغلول. وهو يروى قصة اهتمامه بالإسلام فيقول إنه كان ممثلا للاحتلال الفرنسى فى الجزائر، وفى يوم كان يسير على حصانه ويسير خلفه ثلاثون من فرسان العرب الأقوياء، وكان فخورا بمركزه وبالمدح الذى يسمعه طول الوقت ممن يعملون تحت إمرته. وفجأة وجدهم يقولون له: لقد حان موعد صلاة العصر. ودون أن يستأذنوه ترجلوا واصطفوا للصلاة، ودوت فى أرجاء الصحراء (الله أكبر).. حينئذ شعر الكونت بشىء من المهانة فى نفسه، وبشىء من الدهشة من هؤلاء الذين اتجهوا إلى الله بكل كيانهم، وبدأ منذ تلك اللحظة فى دراسة الإسلام، وبلور خلاصة ما وصل إليه فى هذا الكتاب الذى فند فيه الأكاذيب التى روجها الكُتّاب الغربيون عن الإسلام ونبى الإسلام. وأثبت أن الدافع وراء كثير من هذه الكتابات هو تعميق الكراهية للإسلام ويقول إنه وجد أن هؤلاء الكُتّاب لا يقصدون كتابة التاريخ، ولكنهم كانوا يظنون أنهم يخدمون المسيحية عن طريق الإساءة إلى الإسلام. ويفند الكونت هنرى دى كاسترى أقوال الذين ادعوا أن القرآن من تأليف محمد (ص) فيقول: (إن العقل يحار كيف يتأتى لرجل أمى أن تصدر عنه هذه الآيات وقد اعترف علماء اللغة العربية بأنها فوق مستوى البشر، ويعجز إنسان عن الاتيان بمثلها لفظا ومعنى، والدليل على ذلك أن بلغاء العرب عندما سمعوا هذه الآيات اعترفوا بأنها معجزة، وأن فيها سحرا يعجز أى إنسان عن الوصول إليه، وقد حار عتبة بن ربيعة عندما سمع القرآن وقال إن الإنسان يحار فى جمال ودقة صياغة آياته، وسمعها عمر بن الخطاب فآمن بأنها من عند الله ولا?يمكن أن تكون من تأليف إنسان، وكذلك سمعها النجاشى ملك الحبشة ففاضت عيناه بالدموع وجعفر بن أبى طالب يتلو عليه سورة مريم وما جاء عن النبى يحيى، وأعجب النجاشى بهذه المعانى ومنح حمايته للمسلمين الذين هاجروا إليه، ورفض تسليمهم إلى قريش. وبذلك شاءت حكمة الله أن يعيش الإسلام سنواته الأولى فى حماية المسيحية، وفى ذلك ما يدل على أن النفس الصافية تكتشف جوهر الأديان وهى أن الأديان تصدر من نبع واحد وليس بينها عداوة كما يريد البعض).
ويستدل الكونت هنرى دى كاسترى على صدق الرسول بوصف اللحظات التى أسلم فيها الروح، وفى هذه اللحظات تنكشف حقيقة الإنسان إن كان صادقا فيما ادعاه أو كاذبا، وإن كان مؤمنا ومصدقا فى أعماقه بدعوته أو كان يظهر غير ما يبطن، وقد كانت مناجاته لله فى النفس الأخير دليلا على صدقه، فقد اتجه إلى الله وهو يقول: (رب أعنى على سكرات الموت. ادن منى يا جبريل. رب اغفر لى. واجمع بين أصحابى فى ظلك). ومثل هذه الكلمات لا تصدر فى غيبوبة الموت إلا ممن كان ممتلئا باليقين وصادقا فى دعوته. وهذا ما دعا كارلايل- أحد كبار الكُتّاب البريطانيين – إلى أن يخصص فى كتابه (الأبطال) فصلاً عن الرسول (ص) يقول فيه إن من العار أن يصغى إنسان متدين إلى القائلين بأن دين الإسلام كذب، وأن محمدا (ص) لم يكن نبيا. لقد آن أن نحارب هذه الادعاءات السخيفة المخجلة، فالرسالة التى دعا إليها هذا النبى ظلت مضيئة أربعة عشر قرنا من الزمان، ويعتنقها مئات الملايين من الناس من مختلف الأجناس والثقافات، فهل من المعقول أن تكون هذه الديانة بانتشارها واستمرارها مجرد أكاذيب صاغها محمد (ص) من عنده؟! هل رأيتم رجلا كاذبا يستطيع أن يؤسس دينا؟ إن الإنسان المنصف لا?يستطيع أن ينكر أن محمدا (ص) كان شهابا أضاء العالم. وشخصيته وسلوكه لا يدلان على أنه كاذب، لأنه لم يكن يطلب لنفسه شيئا، ولا?يدعى ما ليس فيه، ولم يكن متكبرا ولا ذليلا، فهو فى ثوبه البسيط يخاطب ملوك الفرس والروم يدعوهم إلى عبادة الله ولا يدعوهم إلى الخضوع لسلطانه أو ملكه. وقد انطلقت من هذا الرجل الأمى أفكار لا تتفق مع ثقافته وثقافة مجتمعه، ولم يكن لديه طمع فى جاه أوسلطة.. لقد كان صوته منبعثا من مصدر علوى، ولهذا كانت الآذان صاغية والقلوب خاشعة أمام ما يقول. وقد كان زاهدا متقشفا فى مأكله وملبسه، فما هو إذن الدافع الذى يجعله يتحمل ما تحمله من مشاق من أجل دعوة كاذبة لا يجنى من ورائها مغنما؟
كان هذا هو المنطق الذى أسس عليه كارلايل ثقته فى صدق نبوة محمد (ص) ويضيف: ولو كان محمدا (ص) غير ذلك لما استطاع أن يلاقى من العرب الغلاظ احتراما وإجلالا كما لقى منهم، ولما استطاع أن يقودهم وهم بطبيعة تكوينهم القبلية الصحراوية شديدو المراس، ولما قاتلوا معه وضحوا بأرواحهم فى سبيل دعوته.. وينتهى كارلايل إلى القول بأن من استطاع توحيد وقيادة هؤلاء البدو بما كانوا عليه من جفاء وغلظة لا بد أن يكون بطلا خارقا.
***
ويذكرنا الدكتور عبد الحليم محمود بموقف الفيلسوف والكاتب الروسى الكبير تولستوى الذى تصدى للحملة الظالمة على الإسلام ورسوله، فكتب يقول: لا شك أن هذا النبى من كبار المصلحين، ويكفيه فخرا أنه هدى أمة بأكملها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسلام وتكف عن النهب وسفك الدماء. ويكفيه أنه فتح طريق الرقى لقبائل البدو التى كانت تعيش بمعزل عن العلم والحضارة.. وما حققه لا يمكن أن يحققه إلا شخص أوتى قوة وحكمة، وهو جدير بالاحترام.
ويذكرنا الدكتور عبد الحليم محمود أيضا باللورد هيدلى، وهو شخصية بريطانية كانت لها مكانتها فى بريطانيا، وقد أعلن إسلامه بعد أن تفرغ لدراسة هذا الدين من مصادره الأصلية، وكان لإسلامه ضجة كبيرة لما كان له من مركز مرموق فى المجتمع البريطانى. وقد تحدث اللورد هيدلى عن قصة اعتناقه الإسلام فقال: عندما كنت أقضى حياتى الأولى فى جو المسيحية، كنت أشعر أن الدين الإسلامى فيه بساطة تلفت النظر. وعندما زرت بلاد الشرق انتهزت الفرصة لدراسة القرآن، فوجدت نفسى أنجذب إليه. وبقيت بعد ذلك أربعين سنة أدرس الإسلام وأفكر فيه؛ وأخيرا رأيت أن هذا الدين لا?يضع حاجزا أو يفرض وساطة بين الله والإنسان. فالإنسان يستطيع أن يقف فى حضرة الله خمس مرات كل يوم، وفى أى وقت آخر، دون أن يلجأ إلى أحد أو يستعين بأحد، وليس فى الإسلام إلا?الإيمان بإله واحد، لا شريك له، والرسول محمد (ص) لم يطلب من أحد أبدا أن يعبده أو يقدسه، بل كان يؤكد ويكرر أنه بشر كسائر البشر إلا أنه يتلقى الوحى من ربه، وفى غير ذلك فحياته حياة إنسانية كاملة، فهو يأكل وينام ويتزوج ويغضب ويتعرض للأذى ويصاب بالجروح فى المعارك ويموت كما يموت البشر.. ولا يطلب لنفسه سلطة أو امتيازا على سائر الناس. وقد ضرب مثلا فى الصبر والثبات يدل على أنه كان صادقا لأن إيمانه لم يتزعزع، ولم يستسلم لجبروت أعدائه. ويكفى تأمل لحظة اختفائه مع أبى بكر فى الغار فى رحلة الهجرة، والكفار واقفون على باب الغار، ولو نظر أحدهم إلى موقع قدمه لرآهما، فى هذه اللحظة لو كان محمدا (ص) كاذبا ومدعيا لظهرت حقيقته وأصيب بالانهيار، ولكنه صمد وقال لصاحبه: «لا تحزن إن الله معنا». فهو إذن نبى بلا شك. والكاذب هو أول من يعلم أنه كاذب. والصادق هو أول من يعلم أنه صادق. وفى هذا الموقف تأكد صدق محمد (ص) بما لا يدع مجالا للشك.
ولقد كانت صفاته الشخصية موضع احترام الكفار.. ومنها الشجاعة.. والعفو عند المقدرة.. وكانت أخلاقه أخلاقا ربانية.. فهو المثل الكامل الذى أقنع العرب بصدق رسالته، وأقنع الملايين فى العالم بذلك فيما بعد.
***
وحديث اللورد هيدلى عن الإسلام ورسوله يفوق ما قاله المسلمون بكثير، وقد نقل بعضه شيخنا الدكتور عبد الحليم محمود كما نقل بعض أقوال الفيلسوف الفرنسى (رينيه جينو) الذى أسلم وأصبح اسمه (الشيخ عبد الواحد يحيى) وهو أستاذ فى الدراسات الفلسفية والدينية. وله مؤلفات كثيرة منها كتاب (أزمة العالم الحديث) يحلل فيه الأزمة الروحية التى تعانى منها المجتمعات الأوروبية نتيجة الفلسفة المادية التى أصابت الأوروبيين فى النهاية بالقلق، والإحباط، والتساؤل عن جدوى حياتهم، ودفعتهم إلى الإغراق فى المتع المادية أو الانتحار. وله أيضا كتاب (الشرق والغرب) يشرح فيه عوامل تفوق الشرق فى الفكر والحضارة والنزعة الإنسانية ورفضه للاستغلال الذى أصبح مصدر قوة الغرب.
يقول الدكتور عبد الحليم محمود إن رينيه جينو من الشخصيات التى يجوز اعتبارها مثل الإمام الغزالى وأمثاله من أئمة المسلمين. وقد حرّمت الكنيسة قراءة كتبه، والكنيسة لا تفعل ذلك إلا مع كبار المفكرين الذين تخشى خطرهم. وإذا كان هذا تقديرا سلبيا له أهميته، فهناك تقدير إيجابى أكثر أهمية، يتمثل فى وجود أعداد كبيرة من الأوروبيين استجابوا لدعوته، وأنشأوا جمعيات فى العواصم الأوروبية وخاصة فى سويسرا وفرنسا، وآمنوا بالإسلام، ونشروا كتبه وأعيد طبعها عدة مرات وترجمت إلى اللغات الحية فيما عدا اللغة العربية مع الأسف. ومن الطريف أن بعض كتبه ترجمت إلى اللغات الهندية والصينية واعتبرت فى بعض المناطق شرحا للوصية الأخيرة من وصايا الدلاى لاما. وبعد وفاته خصصت له مجلة (فرنسا- آسيا) عددا يضم دراسات عنه بأقلام كبار المفكرين والكُتّاب فى العالم، وكتب المقال الأول فى هذا العدد الكاتب الفرنسى الكبير أندريه جيد وقال فيه: إن آراء رينيه جينو لا يمكن أن تتعرض للنقد أو النقض. وخصصت أيضا مجلة (ايتودترا ديسيونيل) عددا خاصا عن حياته وفكره ضم مقالات لكبار الكُتّاب أيضا، وللكاتب الفرنسى الشهير (بول سيران) كتاب ضخم عن حياة وآراء رينيه جينو واعتبره من كبار فلاسفة القرن العشرين وقال إن اسمه يجب أن يكون إلى جانب أسماء المفكرين الفلاسفة الذين أثّروا فى الفكر الإنسانى مثل الغزالى وأفلاطون.
***
رينيه جينو نشأ فى أسرة فرنسية كاثوليكية ثرية محافظة. اشتهر منذ شبابه بأنه مرهف الشعور ميّالا إلى التفكير ودقة البحث، وفى مرحلة من مراحل حياته المبكرة وصل إلى مرحلة الشك الذى وصل إليها كبار الفلاسفة فى الشرق مثل الإمام الغزالى، والإمام المحاسبى، والإمام محيى الدين بن عربى، وغيرهم وفى الغرب وصل إليها العديد من المفكرين مثل ديكارت وكانط وعشرات غيرهما.. وخرج من مرحلة الحيرة والشك والبحث عن اليقين إلى الإيمان بالإسلام. وكتب كثيرا فى الدفاع عنه وبيان عدم صحة ما يردده الغربيون دون مناقشة بالعقل مثل القول بأن الإسلام انتشر بحد السيف، أو إنكار روحانية الإسلام وادعاء أنه دين مادى، أو الادعاء بأن شعوب الشرق متخلفة عن الحضارة بحكم طبيعتها وتكوينها.
وله دراسة مشهورة بعنوان (أثر الثقافة الإسلامية فى الغرب) ذكر فيها بالتفصيل فضل الثقافة والعلوم الإسلامية على أوروبا وقال فيه: (إن كثيرا من الغربيين لم يدركوا قيمة ما أخذوه فى القرون الماضية من الثقافة الإسلامية، ومن الحضارة العربية، لأن ما ينشر عن ذلك ليس سوى حقائق مشوهة. ولقد عاشت أسبانيا وجزيرة صقلية ومنطقة جنوب فرنسا تحت الحكم الإسلامى ومنها انتقلت العلوم التى كانت مزدهرة فى العالم الإسلامى إلى أوروبا وكانت أوروبا فى ذلك الوقت تعيش فيما يسميه الأوروبيون عصر الظلام. والأوروبيون يدّعون أنهم ورثة علوم اليونان والرومان والحقيقة التاريخية أن هذه العلوم لم تنتقل إلى الغرب إلا عن طريق المسلمين الذين حافظوا على هذه الثقافة وأضافوا إليها. ولولا علماء الإسلام وفلاسفتهم لظل الغربيون جاهلين بتلك العلوم. وقد ساهم فى الحضارة الإسلامية العرب وغير العرب، والمسلمين وغير المسلمين، بفضل سماحة الإسلام واتساع أفق حكام المسلمين. ومن آثار الثقافة الإسلامية نلاحظ وجود ألفاظ فى اللغات الأوروبية ذات أصل عربى. وقد كانت الأندلس (أسبانيا) الجسر الذى نقل الحضارة الإسلامية إلى أوروبا. وما زال علم الكيمياء يحمل الاسم العربى لأن المسلمين هم الذين أسسوا هذا العلم. وكذلك علم الرياضيات وعلم الفلك وما زالت مصطلحاته وأسماء النجوم تحمل أسماء عربية. ولم يعرف الأوروبيون شيئا عن المناطق البعيدة فى آسيا وأفريقيا إلا عن طريق علماء الجغرافيا والرحّالة المسلمين، وما زالت قصة الساعة المائية التى أهداها الخليفة هارون الرشيد إلى الامبراطور شارلمان تحمل دلالة التفوق العلمى والتكنولوجى فى الحضارة الإسلامية. ويضاف إلى ذلك تفوق علماء المسلمين فى علوم الجبر والهندسة، كما تأثر الشعراء والأدباء فى أوروبا بالثقافة العربية وتأثر الغربيون أيضا بفنون العمارة الإسلامية، ونقل الغربيون الفلسفة الإسلامية وبخاصة مؤلفات ابن رشد وابن سينا، وتأثر الشاعر الإيطالى الشهير دانتى بكتابات ابن عربى وأبى العلاء المعرى. وقد اعترف الباحثون الغربيون بأن المسلمين سبقوا الغربيين بقرون فى وضع منهج البحث العلمى التجريبى الذى يعتمد على الملاحظة والاستقراء والتجربة ووضع الفروض والتحقق من صحتها أو كذبها بالتجربة، ويقول رينيه جينو (الشيخ عبد الواحد يحيى) إن الزعم بأن الأوربيين هم الذين استحدثوا المنهج العلمى زعم خاطئ، فقد أخذ روجر بيكون مؤسس المنهج العلمى الحديث أفكاره من الجامعات الإسلامية فى الأندلس. والقسم الخاص عن علم البصريات فى كتابه منقول من كتاب (المناظر) لابن الهيثم. وقد تأثر روجر بيكون أيضا بابن حزم فى منهجه فى البحث.
وينقل رينيه جينو ما توصل إليه الباحث الفرنسى (بريفولت) من أن روجر بيكون درس اللغة العربية، والعلوم العربية، وذلك فى مدرسة أكسفورد، وكان أساتذته من تلاميذ العرب فى الأندلس، وفى الحقيقة لم يكن روجر بيكون وفرانسيس بيكون مؤسسين لمنهج البحث العلمى الحديث كما هو الشائع فى أوروبا، ولكنهما أخذا أصول هذا المنهج من العلماء المسلمين، وقد كان تعلم اللغة العربية فى القرون الوسطى هو الوسيلة الوحيدة لتحصيل العلوم التى كانت مزدهرة فى الأندلس.
والخلاصة أن هناك من يعترفون بالحقيقة وهى أن الحضارة والتقدم العلمى والثقافى فى أوروبا مدين بالفضل للعلماء المسلمين وللثقافة الإسلامية.
***
وهذا الاعتراف بالإسلام وحضارته يجد صدى فى كثير من أنحاء العالم، ففى اليابان أنشأت جامعة (تاكو شوكو) فى العاصمة طوكيو مركز دراسات الشريعة الإسلامية فى ديسمبر 2002 ويقوم هذا المركز بترجمة ونشر كتب الفقه والتفسير والحديث وهدفه تنشيط حركة الوعى بالإسلام وتشجيع الدراسات التحليلية للفتاوى ولفكر رجال الدين الإسلامى الكبار، وفى هذا المركز لجنة متخصصة لدراسات الشريعة يضم عددا من الأساتذة اليابانيين الذين درسوا فى الأزهر والجامعات الإسلامية الأخرى، وهم حاصلون على الدكتوراه فى العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية، وهؤلاء يشرفون على الطلبة الدارسين للعلوم الإسلامية، ولهذا المركز علاقات مع الأزهر، ومع الجامعات الإسلامية فى السعودية مثل جامعة الإمام محمد بن سعود وجامعة أم القرى، وجامعة مسلمى اليابان فى طوكيو.
واهتمام جامعة (تاكو شوكو) بالدراسات الإسلامية يرجع إلى بداية تأسيس الجامعة فى عام 1900، وهى أول جامعة فى اليابان تدرس اللغة العربية وعلوم القرآن، ومن أهداف مركز دراسات الشريعة نشر الفهم الصحيح عن الإسلام لدى الشعب اليابانى، وتقديم استشارات للشركات وللحكومة اليابانية للمساعدة على تنمية العلاقات التجارية بين اليابان والعالم الإسلامى.
وقد أعلن رئيس الجامعة (الدكتور فوجيتو تاتسونوبو) فى حفل افتتاح هذا المركز أن المهمة الأساسية هى التعريف بحقيقة الإسلام ونشر المعرفة الصحيحة عنه، لأن الإسلام لم يوف حقه فى اليابان.
***
وفى خطوة ذات دلالة على وجود رغبة لدى بعض مؤسسات وقيادات الغرب لإقامة جسور مع العالم الإسلامى، أقيم فى مجلس العموم البريطانى فى نوفمبر عام 2000 أسبوع للتوعية الإسلامية برعاية البارونة أودين عضو مجلس اللوردات. وكان الهدف من التجمع العلمى فى رحاب البرلمان البريطانى المساهمة فى إزالة سوء الفهم لدى البريطانيين عن الإسلام والمسلمين، ومعالجة ظاهرة (الإسلا موفوبيا) وهى المخاوف المرضية من الإسلام. وقد شارك فى لقاءات وندوات هذا الأسبوع عدد من البريطانيين المهتمين بالقضايا الدينية والسياسية على اختلاف مدارسهم الفكرية.
وبدأ مع ندوات هذا الأسبوع إطلاق موقع على شبكة الإنترنت للتعريف بالإسلام وتقديم نبذة عن مساهمات المسلمين فى المجتمع البريطانى. وشارك فى هذا الأسبوع رئيس الوزراء تونى بلير، وزعيم حزب المحافظين وليام هيج، وزعيم حزب الأحرار الديمقراطيين تشارلز كيندى.
قبل هذه الندوات كان وزير الداخلية البريطانى قد شكل لجنة لدراسة ظاهرة (الإسلاموفوبيا) وتقديم توصيات عملية للقضاء عليها، وقدمت اللجنة 60 توصية كان من بينها ضرورة توعية المجتمع البريطانى بحقائق الدين الإسلامى، وإزالة ما علق فى الأذهان من أخطاء وأوهام من صنع المعادين للإسلام على مدى التاريخ.
ومهما قيل عن نجاح هذا الأسبوع فإنه لا يكفى لإزالة آثار عشرات السنين من الدعايات ضد الإسلام.
وتعبير (إسلاموفوبيا) الذى أصبح شائعا فى أنحاء أوروبا وأمريكا يعكس الشعور السائد فى الغرب بالقلق من الإسلام والنظر إليه على أنه الإرهاب الذى يهدد بتدمير الحضارة والحياة الغربية. وهذا ما جعل كاتبا مشهورا مثل (جرينواى H.D.S. Granway) يحذر فى مقال له فى صحيفة هيرالد تريبيون الأمريكية من ظهور سور حديدى جديد، هو السور الإسلامى، بعد انهيار السور الحديدى فى الاتحاد السوفيتى الذى كان يعزل الاتحاد السوفيتى عن الغرب ويقسم العالم ويستثير العداوات والصراعات بين الجانبين، ويقول إن الغرب دخل فى هذه المرحلة فى صراع مع الإسلام السياسى الذى يسعى إلى إسدال ستار حديدى على الدول الإسلامية من الرباط على المحيط الأطلنطى إلى صربيا فى قلب أوروبا. ويصل جرينواى إلى أن إزالة هذا الستار الحديدى لن تتحقق إلا بإزالة الظلم الذى يمارسه الغرب على الشعوب الإسلامية وبخاصة فى فلسطين التى تمثل للمسلمين جرحا مفتوحا ينزف منذ أكثر من نصف قرن، دون أن تعمل الولايات المتحدة بجدية لإقرار العدل، وبدلا من ذلك فإنها فتحت جرحا آخر فى العراق، ويزيد من آلام المسلمين ما يتكشف لهم من عمليات المهانة والإذلال التى يمارسها الجنود الأمريكيون على رجال ونساء العراق، وستبقى حية فى ضمائر المسلمين مشاهد الطائرات والدبابات وهى تقصف مدن العراق، وصور التعذيب المهين فى سجن أبو غريب ومعتقل جوانتانامو وسجون أفغانستان، ويقول إن كل ذلك سيؤدى إلى زيادة التطرف الإسلامى بدافع رد العدوان.. ويبدو من هذا المقال – وأمثاله – أن فى الولايات المتحدة من يتفهم الواقع ويتعاطف مع قضايا المسلمين العادلة.
***
وفى إطار هذه الموجة الجديدة من موجات الدفاع عن الإسلام فى الغرب ظهرت انتقادات للنظرية التى تدعى أن الإسلام هو السبب فى انتشار الفقر والتخلف فى العالم الإسلامى، فقد تصدى الاقتصادى الأمريكى (ماركوس نولاند) الأستاذ بمعهد الاقتصاد الدولى بواشنطن لعدد من الباحثين قالوا إن المسلمين يفتقدون الحافز للنمو بسبب العقيدة الإسلامية التى تدعوهم إلى الكسل والتخلى عن مسئوليتهم عن العمل والتقدم وترك ذلك إلى الله هو الذى يحقق لهم زيادة الدخل والإنتاج وهم نيام! فقال ماركوس نولاند إنه ليس هناك شىء متأصل فى كيانات المجتمعات الإسلامية يجعلها عاجزة عن الأداء الاقتصادى بمفاهيمه الحديثة، والإسلام فى حقيقته يحفز المؤمنين به على الإيجابية ومواجهة المشاكل وزيادة الثروة عن طريق العمل، وقد كان العالم الإسلامى أكثر تقدما وازدهارًا من أوروبا فى القرن العاشر الميلادى، وكان مصدرا للتقدم العلمى والحضارى والاقتصادى والتجارى، ولم يتمكن الغرب من اللحاق بالعالم الإسلامى حتى القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبعد ذلك تقدم العالم الغربى وسبق العالم الإسلامى الذى دخل فى مرحلة سكوت وفقد كثيرا من حيويته التى كانت تميزه.
وقال ماركوس نولاند أيضا إن الدارس لتطور المجتمعات الإسلامية منذ ظهور الإسلام يجد أن العقيدة الإسلامية ليست معادية للإبداع والتحديث والاجتهاد كما يشاع عنها، بل كانت على العكس من ذلك قوة دفع للتطور، مع اختلاف سرعة النمو فى مرحلة عن الأخرى، وفى كل مرة أصيب فيها العالم الإسلامى بالجمود وتوقف عن النمو كان ذلك لأسباب سياسية واجتماعية ولم يكن بسبب العقيدة الدينية. ودعا ماركوس نولاند الباحثين فى الغرب إلى تحليل أسباب التقدم الاقتصادى والحضارى للعالم الإسلامى فى مرحلة وأسباب توقف نمو هذه المجتمعات فى مرحلة أخرى، وفى كل المراحل فإن عامل الدين موجود ولم يكن غائبا فى أية مرحلة منها، مما يدل على أن الدين الإسلامى ليس هو السبب فى الفقر والتخلف الاقتصادى والثقافى فى بعض مناطق العالم الإسلامى.
هذا الدفاع عن الإسلام له أهمية كبيرة فى مواجهة الهجمة الشرسة على الإسلام فى الولايات المتحدة وأوروبا. ويدعم هذا الاتجاه اعتراف بعض الأمريكيين بأنهم اكتشفوا فى الإسلام قوة روحية واحتراما للعقل وللإنسانية-كما أعلن ذلك البروفيسور (دونالد كول) أستاذ الانثروبولوجيا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وفى حديث له مع الأهرام قال إنه لم يجد أى تناقض بين الإسلام والحداثة، وفى دول الغرب كثير من المسلمين الناجحين الملتزمين بدينهم ومندمجون فى المجتمعات الغربية.
وفى هذا الحديث قال البروفيسور دونالد كول إنه نشأ فى أسرة مسيحية متدينة فى ولاية تكساس، تنتمى إلى مجتمع البروتستانت البيض الأنجلو-ساكسون الذين يسيطرون على الإدارة الأمريكية. وقد قرأت القرآن فانجذبت إلى الإسلام، وتفرغت لدراسته إلى أن اعتنقت الإسلام، ورأيت أن أمريكا فى حاجة إلى الإنقاذ، ليس من المسلمين، ولكن على أيدى المسلمين. وقد بدأ اهتمامى بالإسلام فى مرحلة الدراسة الجامعية فى جامعة بيركلى بكاليفورنيا فى فترة الستينات التى تصاعد فيها الغضب ضد حرب فيتنام. وقررت دراسة اللغة العربية والمجتمع الإسلامى على يد أستاذ يهودى كان يعتبر الإسلام ظاهرة تاريخية اجتماعية وليس دينا سماويا، ولكنى باختلاطى مع المسلمين ومعايشة الواقع الإسلامى فى عدد من الدول العربية تغير مجرى حياتى، ثم توالت على صدمة وفاة والدى، ثم صدمة الغزو الأمريكى للعراق، فوجدت نفسى أنتمى إلى هذا العالم الإسلامى، وصرت واحدا من أبنائه، وأعيش فى القاهرة حيث أجد فيها القيم والأخلاق الإسلامية.
هكذا تتجلى مشيئة الله. فلا يخلو مكان أو زمان من أصوات تقول كلمة الحق، وترتفع فى الغرب بإنصاف الإسلام فى مواجهة أصوات الباطل التى تنفث السم وتعمق الكراهية.. والله غالب على أمره. ولن تنطفئ شعلة الحق.. ولو كره الكارهون.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف