السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

إصـلاح الأحـزاب بدايـة كـل إصـلاح

 

لا يمكن قيام نظام ديمقراطى بدون أحزاب، فالأحزاب هى التعبير عن التعددية السياسية والفكرية، وهى المجال الذى يتيح أمام الجماهير مجال الاختيار من بين السياسات والقيادات. وتعطى لكل مواطن الفرصة للانضمام إلى الحزب الذى يعبر عنه ويحقق مصالحه. فإذا لم تتعدد الأحزاب لا يمكن القول بوجود ديمقراطية.
ولابد أن يكون التعدد قائما على اختلافات واضحة وأساسية بين الأحزاب بحيث يكون لكل حزب برنامج مختلف عن غيره، ويدافع عن مصالح فئة أو طبقة معينة، ويتبنى أهدافا سياسية واقتصادية محددة ويدعو إليها ويطبقها عندما يصل إلى السلطة.
والوصـول إلى السلطة هدف طبيعى ومشروع لكل حزب مهما يكن صغيرا، لأن الوصـول إلى الحكم وسيلته لتنفيذ سياساته وبرامجه التى التزم بها أمام الجماهير.
وفى الحياة السياسية هناك حزب فى الحكم وأحزاب فى المعارضة، وكما أن الحزب الحاكم له دور وعليه مسئولية فى قيادة العمل الوطنى، فإن أحزاب المعارضة أيضا لها دور وعليها مسئولية فى ترشيد إدارة السياسة والاقتصاد وتوجيه الرأى العام، ونقد السلبيات، والمحاسبة على الأخطاء. أى أن أحزاب المعارضة لها دور إيجابى ودور سلبى. دورها الإيجابى أن تروج لبرنامجها ومشروعاتها وتقدم مبادرات لحل المشاكل. فإذا كانت المشكلة هى البطالة أو زيادة السكان أو أزمة إسكان أو ارتفاع الأسعار فعليها أن تضع الحلول الأفضل لهذه المشاكل. وهذا يفرض عليها دراسة كل مشكلة دراسة وافية وتحديد أسبابها ووضع بدائل للتغلب عليها، ليس بالشعارات أو بمجرد المطالبة بحل المشاكل، ولكن بتحليل عوامل كل مشكلة، ووضع إمكانات المجتمع فى الاعتبار، واقتراح الحلول الواقعية القابلة للتنفيذ، وهذا ما يجعل أحزاب المعارضة فى بلد ديمقراطى مثل بريطانيا تشكل حكومة ظل. فينتخب الحزب وهو فى المعارضة رئيس وزراء ووزراء الظل يدرسون جميع القضايا التى تدرسها الحكومة ويضعون البرامج والحلول فى ضوء سياسة كل حزب وكأنهم فى الحكم، فإذا وصلوا إلى الحكم لا يبدأون من نقطة الصفر بل ينفذون على الفور مالديهم من برامج ومشروعات. والجماهير حين تعطى أصواتها لحزب ما فإنها لا تعطى تفويضا على بياض، ولكنها تعطى ثقتها للحزب وهى تعرف ماذا سيفعل. فحزب المحافظين مثلا معروف بأنه ينحاز لأصحاب الصناعات والأموال ويرى أن ذلك لصالح المجتمع لأن هؤلاء هم الأقدر على تمويل المشروعات وتوليد الأموال، ولذلك يعطيهم امتيازات لتشجيعهم على الاستثمارات، وفتح الأسواق للتصدير.. وحزب العمال ينحاز للطبقات المتوسطة والفقيرة ويركز على الرعاية الصحية والاجتماعية والتأمين ضد البطالة وتوفير الإسكان للفقراء.. وهكذا.
أما الدور السلبى لأحزاب المعارضة فهو أن تبحث عن السلبيات والأخطاء فى أداء الحكومة وتركز عليها الأضواء، وتوجه النقد للمسئولين عنها، وتكشف الفساد، وتدعو إلى محاسبة المخطئين والمنحرفين.. وهكذا.
والحزب الذى يكتفى بالدور السلبى من العمل السياسى ولا يقوم بواجبه فى أداء الدور الإيجابى فهو- بالمقياس العلمى- حزب أعرج، يسير على ساق واحدة، وهذا يجعله فى النهاية مجرد غراب ينعق لتشويه كل شىء وإثارة الإحباط وليس لديه شىء آخر، وبذلك يبدو فى نظر الجماهير غير صالح للوصول إلى الحكم، وأنه لا يصلح إلا للمعارضة مادام قد اختار أن يحصر نفسه فى دائرة الرفض والنقد فقط.
وبعض الأحزاب عندنا بموضوعية- لا تنطبق عليها شروط الحزب السياسى المعروفة فى الدول الديمقراطية. فهى إما أحزاب صامتة لا يكاد يشعر بوجودها غير عدد محدود لا?يكفى لبناء حزب بالمفهوم السياسى الصحيح. وبالتالى ليس لها أثر أو وجود جماهيرى وإما أحزاب صاخبة ليس لديها سوى صحيفة من الصحف التى يسميها أساتذة الصحافة (الصحافة الصفراء تستخدم أساليب بعيدة عن العمل السياسى، وتعتمد على إثارة انفعالات قرائها، وتعميق الإحباط، وتنشر معلومات كاذبة، وتخلط الحقائق، وترتكب جرائم السب والقذف فى حديثها عن القيادات ذات الكفاءة والاحترام، وممارسات هذه الأحزاب والصحف- فى التصنيف السياسى- هى الديماجوجية السياسية. وهى ظاهرة مرضية فى الحياة السياسية تدل على وجود تيار يغلب الانتهازية والمزايدات والشهرة والمصالح الشخصية والابتزاز على المصلحة العامة.
نجد أيضا ظاهرة الجمود الحزبى.. حزب ليس له ما يدل على وجوده سوى لافتة على مقره وصورة رئيسه تظهر على شاشة التليفزيون فى الاجتماعات الرسمية، وليس له فكر جاد ومفيد للساحة السياسية، وإذا طالبناه بأن يجمع كل أعضائه فسوف تكفيهم غرفة واحدة.
ليس هدفى أن أوجه هجوما أو نقدا إلى حزب معين لأننى أعتقد أننا يجب أن نحرص على احترام كل من يشارك فى الحياة العامة، وإذا اختلفنا يجب أن نختلف فى إطار الاحترام، ودون تجاوز لحدود الأخلاق.. هدفى أن أطالب أحزاب المعارضة بأن تبدأ بإصلاح نفسها، لأننى أعتقد أن إصلاح الحياة الحزبية هو بداية الإصلاح الحقيقى الشامل. ولا ننسى أن ثورة يوليو كان من بين أسباب قيامها فساد الحياة الحزبية. ويجب ألا نسمح أبدا بتكرار هذه الحالة، وألا نسمح أيضا بالخضوع للغواية السياسية بالاندفاع وراء الداعين إلى هدم كل شىء، وتشويه كل إنسان. فهؤلاء يعرفون ماذا يرفضون ولكنهم لا يعرفون ماذا يريدون.. ليس لديهم برامج أو بدائل أو حلول.. وليس لديهم أفكار إيجابية قابلة للتنفيذ.. ولأنهم شاعرون بالعجز عن المشاركة الإيجابية فإنهم يلجأون إلى الوسائل الأسهل وهى الصراخ، والبكاء على الماضى والحاضر والمستقبل، والإساءة إلى كل من يعمل. وهذه حالة ينبه إليها الأطباء النفسيون ويحذرون من استمرارها لأنها يمكن أن تتحول إلى مرض نفسى مزمن يجعل المصاب به لا يرى إلا السواد والكوارث والأخطاء، بينما هو فى الحقيقة لا يرى إلا?نفسه وما بداخلها. وقديما قالوا: كن جميلا تَرَ الوجود جميلا. والعكس صحيح طبعا.
وإذا كان الحزب الوطنى قد بدأ فى إصلاح نفسه وجذب مجموعات محترمة من المثقفين فلابد أن تقف بعض أحزاب المعارضة وقفة بالصدق مع النفس، وليس عيبا أن تعترف لنفسها بأنها ضعيفة وأنها لم تتخذ الطريق الصحيح لاكتساب الشعبية وتنمية العضوية، وبأنها غلبت المظهرية والشكلية على العمل السياسى الحقيقى، وليس عيبا أن تعترف بأنها تصرخ بدون هدف وليس لديها خطط محددة.
من الممكن أن تبدأ هذه الأحزاب بداية جديدة فالفرصة سانحة بشرط أن تتخلى عن المكابرة.. وتعترف بالواقع.. وتضع لنفسها تصورا لإعادة بناء تنظيماتها.. وتعد برنامجا لتنمية الوعى السياسى لدى من تستطيع جذبهم إليها، وتنفذ برامج تثقيف لإعداد كوادر جديدة للقيادة والعمل وسط الجماهير، وتضع لنفسها لائحة تتضمن شروط ورسوم العضوية، وتجعل سداد الاشتراك شرطا للعضوية لضمان الجدية. لابد أن تحدد هذه الأحزاب استراتيجية وهيكلا تنظيميا، ونظاما للاتصالات بين القيادات والقواعد، وتمارس القيادة الجماعية والنقد الذاتى، وتعلم أعضاءها أن العمل السياسى ليس مجرد توجيه الشتائم والصراخ والهتاف وتلفيق الاتهامات، ولكنه فكر ومبادرات وشعور بالمسئولية، وأن إثارة الانفعالات والحدة فى التعبير، والتفرغ لتوجيه الشتائم والإهانات سيؤدى إلى إفساد الحياة السياسية. ولابد أن تتفق الأحزاب جميعا على أن العمل السياسى متعلق بالأمن القومى وبالمصالح العليا للبلاد، لذلك لا يجوز أن يكون مجالا للعبث والتصرفات غير المسئولة للبلاد. خاصة مع الظروف المحيطة بنا، وهناك القوى التى تتربص وتستعد للانقضاض، وهذا لابد أن يجعل شعورنا بالمسئولية يزداد.
أحزاب المعارضة تنادى بالإصلاح وبالتغيير فلماذا لا تبدأ بنفسها وتعطى المثال والنموذج بالتغيير والإصلاح فى داخلها؟ وهى تطالب بقيادات جديدة شابة، فلماذا لا تقدم لنا قيادات جديدة وشابة بين قياداتها؟ وتدعو إلى التعامل معها باحترام، فلماذا لا تفعل ذلك فى تعاملها مع غيرها؟ وتشكو حين يتحدث عنها أحد بما لا يرضيها، فلماذا لا تفعل ذلك وترشد خطابها السياسى؟
وليست أحزاب المعارضة وحدها هى المطالبة بالجدية والنزاهة والشفافية واحترام الرأى الآخر.. فكل الأحزاب مطالبة بذلك – أغلبية ومعارضة – لأن ذلك هو الضمان لسيادة العقل وعدم ترك الساحة للمتهورين والموتورين وضحايا الأمراض النفسية. فالديمقراطية لا يبنيها إلا الديمقراطيون.. والوطن لا يبنيه إلا الوطنيون العقلاء الملتزمون فى عملهم السياسى والصحفى بالقيم والأخلاق. *

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف