السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

دعوة للغرب لإعادة اكتشاف الإسلام

 

قصة حياة المستشرق الفرنسى رينيه جينو مليئة بالإثارة. فقد بدأ منذ شبابه المبكر رحلة البحث عن الحقيقة، وعاش فترات من حياته مستغرقا فى دراسة الأديان والعقائد واحدة واحدة متبعا فى ذلك القاعدة التى وضعها لنفســه وهى: (لكى يدرك الإنسان كنه النور فعليه أن يحاول الصعود إلى مصدره فى تجربة ذاتية متفردة).. وقد عاش فى المسيحية سنوات وانتقل منها إلى الماسونية ثم تفرغ لدراسة فلسفات الشرق، وأخيراً هداه البحث إلى الإسلام. وبعد سنوات طويلة من القراءة والتأمل والحياة فى البلاد الإسلامية اعتنق الإسلام واختار لنفسه اسم عبد?الواحد يحيى. وكان للإمام الراحل الدكتور عبد?الحليم محمود الفضل فى تعريفنا بهذا المنصف العظيم للإسلام وبمدى إخلاصه وتفانيه فى الإيمان، حتى أن د. عبد?الحليم محمود كان يسميه (العارف بالله الشيخ عبد?الواحد يحيى).. وبعد ذلك كان الفضل فى تقديم فكره للدكتورة زينب عبد العزيز أستاذة الحضارة والباحثة فى القضايا الإسلامية.
والمفاجأة الأولى لمن يقرأ سيرة حياة رينيه جينو أنه ولد فى فرنسا فى 15?نوفمبر?1886 وتوفى فى 7 يونيو 1951 فى القاهرة التى أحبها وعاش فى رحاب مساجدها ومكتباتها. وقد أحب العلوم الرياضية والطبيعية فى دراسته الثانوية حتى حصل على البكالوريا ثم التحق بجامعة السوربون ليحصل على ليسانس فى الفلسفة وحصل منها على الدكتوراه. ولكنه فى سنة 1910 التقى بالفنان المصور السويدى إيفان آجلى الذى كان قد أسلم واختار لنفسه اسم عبد الهادى وعاش فى القاهرة سبع سنوات درس فيها التصوف الإسلامى وأصبح متصوفا فكان لهذا المصور تأثير كبير على فكره ومشاعره فأصبح هو الآخر متصوفا كبيرا.
وفى سنة 1930 سافر رينيه جينو إلى القاهرة واستقر على مقربة من الأزهر ثم تزوج بمصرية وحصل على الجنسية المصرية فى سنة 1948 وأنجب فتاتين هما: فاطمة وليلى وولدين هما أحمد وعبد الواحد. وتلخص لنا الدكتورة زينب عبد?العزيز أفكاره الأساسية فى رفضه لأن تكون المادة والحياة المادية هى الغاية أو الحدود النهائية للإنسان أو تكون معيارا لكل شىء. لأنه كان يؤمن إيمانا عميقا بالعالم الآخر وبالغيب الذى لا يمكن لبشر أن يصل إليه ولا?يعلم أبعاده إلا الله.. وعلى الجانب الآخر كان يرى أن الغرب قد ضل الطريق منذ انفصل عن الروحانيات واستغرقته الماديات. وأن الشرق هو الذى ظل محتفظا بالقيم الروحية وبالإيمان وبالعالم الآخر وراء الطبيعة.. وفى مؤلفاته التى بلغت عشرين كتابا وعشرات المقالات كانت المحاور التى يدور فيها فكره هى: الإنسان، والكون، والعالم الحديث، وعالم التراث. وهو ينتقد فى كتبه الأوهام الغربية حول عبادة الحضارة المادية والإيمان بالعلم دون ارتباط بالخالق الحقيقى الذى يحكم الكون والإنسان وإليه المصير. وهو يدعو إلى تزاوج الحضارة الغربية بروح الشرق الإسلامية بشرط ألا يكون ذلك بسيطرة الغرب على الشرق أو العكس، فهو لا يدعو إلى ذوبان الشرق فى الغرب أو الغرب فى الشرق ولكنه يدعو إلى التفاعل والتكامل بينهما. لأن لدى كل منهما ما يمكن أن يعطيه لتقدم الإنسانية. وهو يرى أن أزمة العالم الحديث تكمن فى أن حضارة الشرق الإسلامية قائمة على المعرفة والإيمان، وحضارة الغرب قائمة على العمل والإنتاج وأن التكالب فى الغرب على الحياة المادية أدى إلى قيام الصراعات، وأن أزمة الغرب سببها أولاً: أنه يريد أن يفرض على الشرق نموذجا حضاريا واجتماعيا وثقافيا لا يتفق مع تكوينه وطبيعته، وثانيا: لأن الغرب يعيش فى فوضى فكرية أدت إلى تعدد الفرق الدينية وشبه الدينية. وفى نفس الوقت فإن الغرب يعانى من التناقضات فى الفكر والسلوك. وعلى سبيل المثال فإن الغرب يباهى بأنه أرسى مبدأ المساواة ويكرر الحديث عن حقوق الإنسان. ومع ذلك فإن الغرب يؤمن فى أعماقه بأنه متفوق وأنه خلق ليحظى بالثروة والسيادة. كما يباهى الغرب بالديمقراطية بينما عاش على مدى التاريخ ينكر حق الشعوب الأخرى فى الحرية والاختيار ويفرض عليها مبادئه ونظمه، ويحذر رينيه جينو من أن حضارة الغرب لن تعمّر طويلا فهى قائمة على تراكم المعرفة، وفى غياب الإيمان بالوحدانية الإلهية فإن هذه المعارف الكثيرة تؤدى إلى التشتت وهى معارف قائمة على الظواهر المادية وحدها والمادة متغيرة. والحضارة الغربية بحكم تكوينها هذا سينتهى بها المطاف بأن تدمر نفسها بنفسها بالحروب أو بأدوات الدمار التى تنتجها وتنطوى على احتمالات غير متوقعة. فكأن الغرب- كما يقول- ينشىء حضارته على أرض متحركة. وهذا ما جعل الإنسان الغربى فى حالة قلق وحركة دائمة، ويبحث عن التغيير.. من أجل التغيير وكل ذلك ليس سوى تعبير عن عدم الاستقرار فى المجتمع وفى داخل النفس.
***
وتلخص لنا د. زينب عبد العزيز المحاضرة التى ألقاها رينيه جينو فى جامعة السوربون فى سنة 1925 عن الميتافيزيقا الشرقية أى الإيمان بعالم وراء الطبيعة وفوق العقل لا يدرك بالحواس، ولكنه يدرك بالشعور، أو بالحدس، وبإدراك الحقيقة، وهى أن الإنسان الفرد مجرد ظاهرة مؤقتة أو مرحلية. فالمسلم مرتبط بالحقيقة الأزلية وبالخلود وهذا هو الفرق بين الغرب المادى والشرق المؤمن كما يقول.
***
وهذا المعنى الذى توقف عنده رينيه جينو وتأمل فيه طويلا هو ما?توقف عنده أيضا روجيه جارودى وكان أكثر وضوحا فى التعبير عنه حين قال: إنه اكتشف أن الإسلام لا ينظر إلى أية ظاهرة فى الكون أو فى الإنسان على أنها منفصلة عن بقية الظواهر، فالكون بكل ما فيه، والإنسان بكل مكوناته الجسمية والنفسية والعقلية والروحية.. كل ذلك وحدة واحدة. وهذا ما توصل إليه العلم الحديث مؤخرا. وأسس مناهج البحث العلمى على أن الظواهر الطبيعية وكل ما فى الكون من جماد وحيوان وإنسان ومن أفلاك وكواكب كلها تكّون فى مجملها منظومة واحدة مترابطة ومتكاملة، وما أضافه الإسلام إلى ذلك أن هذه الحقيقة تقود إلى الإيمان بالله وبقدرته، لأن هذا النظام الكونى البالغ الدقة لا يمكن أن يكون قد نشأ عشوائيا ولا يمكن أن يستمر دون اختلال فى موازين وعلاقات هذه الظواهر إلا?بوجود خالق، ومدبر حكيم قادر وقدرته بغير حدود.. وهذا هو جوهر الإيمان، ومن شاء الله أن يهديه إلى الإسلام يستطيع أن يدرك كيف أن كل شىء فى الوجود يسبح بحمد الله.
ولقد توقف رينيه جينو عند نظرة الإسلام إلى البشر جميعا على أنهم متساوون لا فضل لعربى على عجمى ولا لأبيض على أسود، وكلهم خلق إله واحد شاءت حكمته أن تختلف ألوانهم ولغاتهم وعقولهم لكى يتفاعلوا ويبدعوا. فهذا الاختلاف هو قوة الدفع للتقدم. ولو كانوا قد خلقوا جميعا بصورة واحدة ولغة واحدة وعقلية واحدة لأصيبت البشرية بالعقم وفقدت التنوع والاختلاف والصراع وهى عوامل الحركة والتقدم كما علّمنا القرآن: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) البقرة (251).. وأضاف جارودى إلى ذلك أن تحليله لأسباب القوة فى المجتمع الإسلامى أنه مجتمع لا يقوم على وحدة الثقافة، فقد اتسع لثقافات متعددة عربية وفارسية وهندية ومسيحية ويهودية. ولم يقم على أساس العرق أو الجنس، ولا?حتى على أساس التوسع والسيطرة على مصادر الثروة وعلى الأسواق، إنما بنى على الإيمان، وبذلك استحق أن يوصف بأنه المجتمع العالمى الشامل المفتوح لكل من يؤمن بعقيدته من البشر فى كل زمان وكل مكان.
ويلفت جارودى النظر إلى أن الإسلام انتقل بسرعة مذهلة خلال عام واحد من مجتمع صغير فى مدينة واحدة إلى امبراطورية مترامية الأطراف مما أثار مشكلات جديدة لم يعرفها مجتمع المدينة مثل الانتقال من اقتصاد قائم على التجارة والسوق إلى اقتصاد نقدى أشبه بسوق إسلامية مشتركة تمتد من الهند إلى المحيط الأطلنطى.
وقد ظهرت فى تلك الحقبة نخبة من جهابذة الفكر اجتهدوا لإيجاد حلول للمشاكل المستجدة. فنشأت المدارس الفقهية التى تناولت القضايا الاقتصادية والمعاملات كما تناولت العبادات. ويضيف جارودى أن الحلول الإسلامية فى مجالات الاقتصاد تجعله راغبا فى أن يحيق الفشل بالنظامين الرأسمالى والاشتراكى على السواء لأنه يراهما وجهين لنموذج واحد قائم على الاستغلال بينما يحقق الإسلام العدالة فى صورتها المثالية.
ويطرح جارودى تفسيرا جديداً للمبدأ الذى أعلنه السيد المسيح: (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) فيقول إن هذه العبارة بالقياس إلى الزمن التى قيلت فيه تعتبر ثورة تقلب نظام الحياة الذى كان سائدا فى ذلك الوقت رأسا على عقب، فقد كان القيصر الرومانى إلها يعبده الناس، وهو المالك القاهر، فجاء المسيح ليقطع جانبا من سلطة قيصر الذى هيمن على النفوس كما هيمن على الأبدان والأراضى والأملاك فلم تعد له سلطة إلهية، لكن أتباع المسيح اعتبروا ذلك فصلا جذريا بين العقيدة والإيمان وبين الحياة السياسية والاقتصادية ولم يكن ذلك هو المقصود لأن المسيح أراد أن يربط حياة البشر بالله على أنه الخالق والمدبر والمالك لكل شىء وليس القيصر. وهذا ما فعله النبى محمد (ص) عمليا، فلم يكن مجرد رسول لا عمل له إلا الدعوة إلى الله. بل كان بالإضافة إلى ذلك رجل دولة أرسى أسس المجتمع، وقد صادفته مشكلات لم تكن موجودة فى عهد المسيح وفى وجود القيصر، وليس معنى ذلك أن القرآن والسنة فيهما الحلول لكل مشاكل الحياة والمجتمع بالتفصيل وهى مشاكل متجددة وتختلف من عصر لآخر. ولكن فيهما المبادئ والمنهج لحل المشكلات، وفيهما البوصلة التى ترشد إلى اتجاه الحركة وفيهما توضيح لمعنى حياتنا وصلاح أعمالنا، وعلى ذلك فإن حل المشكلات التى تستجد فى كل عصر هى مهمة الفقهاء.
***
ويناقش جارودى موقف العالم الإسلامى اليوم من القوى العظمى. ويختلف فى ذلك مع رينيه جينو الذى كان يرى أن العالم الإسلامى يمكن أن يعيش ويزدهر بالإسلام وحده، ويستغنى عن كل ما يأتى من الغرب، وهذا هو موقف جماعات تدعو للانغلاق والانعزال للنجاة من الشرور التى تملأ الغرب، أما جارودى فإنه يرى أن الحل الصحيح لا يكون بنقل كل ما فى الغرب، ولا بالرفض المتزمت لكل ما فيه، ولابد من البحث والاجتهاد فى كل مسألة للوصول إلى الموقف الذى لا يرفض التحديث ويتمسك بالجمود، وقانون الطبيعة يعلمنا إما التطور وإما الانقراض، وعظمة الدين الإسلامى أنه ليس دينا مغلقا، يكتفى بما لديه ويرفض التفاعل مع ما يطرحه كل عصر وكل مجتمع من قضايا ومشكلات، والله يضرب الأمثال للناس فى القرآن ويدعوهم إلى أن يفكروا: (ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون).
ويقول جارودى: إن الإسلام فيه المرونة والقدرة على التعايش مع كل الظروف وكل العصور، وذلك بالتعامل مع النص القرآنى بعقلية متفتحة، وعلى سبيل المثال فإن القرآن يأمر بالوضوء بالماء قبل الصلاة، فإن لم يجد المسلم ماء جاز له استخدام (صعيد طيب) أى التراب، فلو شئنا أن نشرح ذلك لمسلم من سكان الاسكيمو فلابد أن نجد له حلا غير التراب، والحل دائما موجود مادام مسموحا بالتفكير والاجتهاد. ولذلك فإن جارودى يرى أن العالم الإسلامى فقد مقومات القوة، ولا يقصد القوة العسكرية، أو حتى القوة الاقتصادية، ولكنه يقصد قوة الفكر ويقول:إن الإسلام محتاج إلى ثورة فكرية تؤدى إلى صحوة وتجديد فى الفكر الإسلامى خاصة أن النموذج الغربى يواجه بالرفض من حين لآخر، كما حدث فى ثورة الشباب الشهيرة فى فرنسا عام 1968، وكانت هذه ثورة على النظام الغربى الرأسمالى وما يؤدى إليه من أزمات، ورغم أن هذه الثورة التلقائية لم تطرح حلا للمشكلة فإنها كانت دليلا على وجود الأزمة، فقد كان المتظاهرون يحملون صور زعماء من خارج فرنسا.. بل من خارج أوروبا، وليس فيهم زعيم أبيض.. كانوا يرفعون صور ماوتسى تونج، ولومومبا، وعبد الناصر، وشخصيات من العالم الثالث، ليس من بينها شخصية تمثل مصدرا للإلهام بالنسبة لهذه الجماهير. ولم يذكروا ماركس ونظريته الثورية. ويبدو أن هذه الثورة كانت تنطوى على إحساس قوى بأن الغرب اغتصب لنفسه السيادة على العالم دون وجه حق، ونصب نفسه معلما يفرض نظرياته وأفكاره على قارات العالم، وكانت هذه الجماهير تريد أن تدعو الغرب إلى الحوار مع العالم الثالث باحترام، وكان تعبير الشباب عن رفضهم للنموذج الغربى الاستعمارى أنهم ساروا بملابس الرهبان البوذيين وحلقوا رؤوسهم، ونظموا مسيرات أشبه باستعراض للفنون الشعبية المختلفة وسرعان ما انتشر هذا الإحساس وكأنه عدوى مما يدل على رد الفعل للنموذج الغربى، بينما يثبت الإسلام أن بمقدوره أن يقدم البديل لنظريات المفكرين الغربيين التى تجرد الحياة من الروح والمعنى وتروج للا أخلاقية، ولاعتبار الحياة وظواهرها ناتجة عن المصادفة وحدها، كما روّج لذلك الفيلسوف الفرنسى جاك مونو، وهو فى الأصل عالم أحياء، ويقول جارودى: لقد اشتركت معه فى مناظرة فى التليفزيون الفرنسى وواجهته بأنه وقع فى سقطة فكرية، وأن حدود علمه تقف عند علم الأحياء، بينما هو جاهل تماما بالتاريخ، والأخلاق، والعقيدة وخصوصا عقيدة الإسلام.
وهناك كاتب آخر مشهور هو جان بول سارتر روّج للفلسفة الوجودية ورأى أن الحياة هى مجرد عاطفة أو شغف لا يجدى، وكذلك الكاتب الشهير البير كامى الذى روّج لفكرة أن الحياة شقاء ليس وراءها طائل، وأنها عبث فى صورة عمل وإصرار، وجسّد نظريته فى عرض لأسطورة سيزيف البطل الذى يملك إرادة لا تعرف اليأس، ومحكوم عليه بأن يدحرج حجرا ثقيلا من سفح الجبل إلى أن يصل به بعد مجهود شاق إلى القمة فيسقط الحجر، ويعود سيزيف لدفع الحجر من جديد أملا فى أن يحقق هدفه، ويظل يفعل ذلك إلى مالا نهاية. يعلق جارودى على ذلك بقوله: إن مثل هذه الأفكار الرائجة فى الغرب تدفع الشباب إلى الإحباط واليأس، ويشعرون- كما قال فلاسفة الوجودية- بأن الحياة ليست سوى جحيم وأن الآخرين هم أيضا جحيم، وأن الإنسان يسير فى حياته بعين مغمضة، نحو هاوية لابد منها، ومن هؤلاء من حصل على جائزة نوبل أو رشح لها، ولهم تلاميذ كثيرون اعتنقوا أفكارهم. ويتجرأ أحدهم إلى حد إعلان موت الله، كما فعل الفيلسوف الألمانى نيتشه من قبل. وبعضهم يصف الإنسان بأنه مجرد دمية على مسرح العرائس الذى نسميه الحياة!
***
يقول جارودى: كيف أصف هؤلاء المفكرين والكتاب؟ إنهم سفاحو الثقافة والفكر، بينما عقيدة الإسلام قادرة على إعطاء الأمل للإنسان، وشحذ عزيمته، وإرشاده إلى طريق الخير والفضيلة ووعود الإسلام بالحساب فى الآخرة ثوابا وعقابا تكفى لإعطاء الحياة أعظم المعانى. ويدعو جارودى مفكرى الغرب إلى تفهم الإسلام ويتعلموا كيف يمكنهم الوصول إلى الروح، روح الإسلام، وحينئذ سوف تملتئ نفوسهم بالأمل فى الحياة وما بعد الحياة. وفى نفس الوقت يدعو جارودى المسلمين إلى أن يتحركوا ويجددوا حياتهم فى ظل الإسلام وألا يستسلموا للجمود ويقعوا فى عبادة الماضى. ويستشهد فى ذلك بعبارة بليغة لمفكر فرنسى شهير هو جورس الذى قال: (إن إخلاص المرء لأجداده لا يكون بالإبقاء على رماد المدفأة التى كانوا يستعملونها.. بل بإذكاء جذوة النار فيها).
***
وفى محاضرة شهيرة فى جامعة الأزهر فى مارس 1983 بدأ روجيه جارودى حديثه بعبارات قاطعة فقال: إن الإسلام اليوم هو الدين الذى مازال فى حالة تقدم مستمر، وإن كان قد أصابه الضعف فى القرن الثامن فى الأندلس إلا أنه ما زال ينتشر فى آسيا، والهند، وأندونيسيا، وفى أماكن أبعد مثل ماليزيا، وبورما، وتايلاند، والصين، وكوريا، واليابان، وفى الفترة التى وقف فيها عبد الناصر فى مواجهة الغرب حدث اندحار للاستعمار فى أفريقيا وتحرر كثير من الدول وأصبحت القارة الأفريقية بأكملها فى سبيلها لأن تكون قارة إسلامية. كما وصلت هذه الموجة أيضا إلى الولايات المتحدة، وآسيا الوسطى.. وهكذا فإن هناك صورة جديدة للإسلام بدأت فى الظهور تكمل نهضته وتفتحه حتى فى البلاد التى تسودها الضغوط السوفيتية. وعندما تتفجر هذه الآفاق سيظهر للعالم أن الإسلام حى، يستطيع مواجهة تحديات القرن، كما استجاب فى الماضى لمتطلبات عصور ومجتمعات عديدة).
وانتشار الإسلام- فى رأى جارودى- هو رد فعل لطغيان الغرب.. فالغرب يسيطر على العالم بدون شريك منذ خمسة قرون، وفرض نموذجه الحضارى، والثقافى. والنموذج الغربى للتنمية قائم على نهب الثروات المادية والبشرية التى تمتلكها الشعوب الأخرى، مع أن شعوب الغرب تعادل خمس سكان الكرة الأرضية فقط، والغرب ينتج أى شىء بكميات كبيرة سواء كانت مفيدة أو ضارة أو قاتلة مثل الأسلحة المدمرة التى تعد سوقا رائجة يعتمد عليها الغرب فى تحقيق الرخاء الذى ينعم به حاليا. وذلك النموذج المخيف للتنمية يكشف طبيعته الانتحارية، ففى عام 1982 مثلا بلغ الإنفاق على الأسلحة 650 مليار دولار، وكان لكل فرد فى العالم ما يوازى أربعة أطنان من المتفجرات التقليدية، وأصبح من الممكن نظريا تدمير كل أثر للحياة فى هذه الأرض، وذلك الاحتمال وإن كان بعيد الوقوع إلا أنه يحدث لأول مرة فى تاريخ البشرية، أى منذ ثلاثة ملايين سنة على الأقل! بينما تشير إحصاءات الأمم المتحدة عن نفس العام (1982) إلى أن الذين ماتوا جوعا بلغوا 50?مليون إنسان فى العالم الثالث، ولا يمكن تخيل صورة أبشع من هذه الصورة التى وصل إليه العالم بعد خمسة قرون من الحضارة والتقدم كما يقولون فى الغرب.
***
ويستنتج جارودى من ملاحظاته أن المنهج الحضارى الغربى فشل فشلا تاريخيا. ويكمن السر فى هذا الفشل إلى أن الحضارة الغربية قائمة على اتجاه علمى وفلسفى يجعل الإنسان الفرد مركز الكون، ومقياس كل شىء. وهذا ما?أفرز الفلسفة الوضعية والسياسة الميكيافيلية-الانتهازية- الفردية (الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت تتعارض مع الأخلاق) ويرى جارودى أن عصر النهضة لم يبدأ فى إيطاليا على بعث الثقافة القديمة اليونانية الرومانية، كما يؤرخ الغربيون، ولكنه بدأ قبل ذلك بثلاثة قرون عندما أنشأ المسلمون الجامعة الإسلامية فى قرطبة بالأندلس (أسبانيا) وترجموا الكتب والمراجع العلمية العربية وشجعهم على ذلك القس ريموند من توليدو. وكان هذا التراث الإسلامى قائما على التعايش بين العلم التجريبى والأديان السماوية، وأقامت أوروبا نهضتها العلمية على العلوم الإسلامية ومناهجها، ومعروف أن مؤسس المنهج العلمى التجريبى روجر بيكون اقتبس فصولا من كتاب (المناظر) لابن الهيثم الذى توصل فيه إلى النتائج العلمية الصحيحة لتشريح العين ووظائفها وكيفية الإبصار، وقدم نظرية قلبت ما?كان سائدا، فقد كان العلماء فى أوروبا يقولون إن الرؤية تحدث بسقوط شعاع من العين على الشىء المرئى، فأثبت ابن الهيثم العكس وهو أن الرؤية تتم بسقوط الضوء على الشىء المرئى وانعكاسه على العين. وأهم من ذلك أن ابن الهيثم هو المؤسس الحقيقى للمنهج العلمى التجريبى، وقد أخذ منه روجر بيكون هذا المنهج. وكعادة الغرب نسب هذا التقدم العلمى الكبير لنفسه.
ولقد أخذ الغرب من العالم الإسلامى العلوم وأسرار التقدم التكنولوجى ولم يأخذ منه (الروح) أى الإيمان والحكمة، وهذا ما جعل العقل الغربى يصاب بالقصور فيتساءل دائما عن (كيف) أى عن الطريقة أو الأسلوب، ويغفل عن الأسباب، فيتساءل: كيف نصنع القنبلة الذرية؟ أو كيف نذهب إلى القمر دون أن يسأل: لماذا نصنع قنبلة ذرية؟ أو لماذا نذهب إلى القمر؟.. وهل هذه أشياء أساسية للإنسان بحيث توضع فى سلم الأولويات فى المقام الأول، أو تمكن الاستفادة بهذه القدرات المالية والعلمية والعقلية لتحقيق أهداف أخرى أكثر فائدة للبشرية؟
***
هذه هى مشكلة العقل الغربى، كما يراها جارودى، فهذا العقل تنقصه أنبل وظيفة. تلك التى تجعله يتساءل عن معنى لحياة الإنسان وتاريخه وأعماله، وبذلك يتحقق رقى الإنسان وتقدمه، لكن فكرة الرقى أو التقدم فى العقل الغربى ليس لها سوى معنى واحد هو أن كل ما هو ممكن علميا وفنيا يجب العمل على تنفيذه. وهذا ما أدى إلى الحالة التى وصلت إليها الحضارة الغربية، فإن أعظم نتاج للعلم والفن فى الغرب ليس فى خدمة الإنسان، ولكنه لخدمة التنمية لمجرد التنمية ولخدمة السيطرة لمجرد السيطرة، ولخدمة العنف وممارسة القوة كهدف فى حد ذاته، وحتى لو أدى كل ذلك إلى تخريب الطبيعة والإنسان وليس إلى خلق مستقبل أفضل للإنسانية.. وينتهى جارودى من هذا التحليل إلى عبارة قاسية يقول فيها: إن حضارتنا الغربية فى سبيلها إلى الموت، لأنها تملك الأساليب والمقدرة وتفتقد الغايات النبيلة والإيمان، وهذا هو الوجه الخطير لأزمة الحضارة الغربية، أزمة المعنى.. والعلماء والفنانون والكتاب الذين فقدوا الوجهة الصحيحة، متشائمون، ويجسدون هذه الأزمة بدلا من أن يساعدونا فى التغلب عليها، وحتى الكبار منهم يقتلون الأمل ويقنعون الشباب بأنه ليس هناك معنى للحياة أو الموت.. بل إن عالما فرنسيا وصلت به فلسفته الوضعية بأن حاول أن يقنعنا بأن الوجود الإنسانى كله عشوائى أو تلقائى وعفوى، أى أن كل شىء فى الوجود وليد المصادفة، وعلى ذلك فليس لحياة الإنسان غاية وليس لها معنى! وأكبر الفلاسفة الغربيين رأوا أن الحياة عبث والناس الذين يحيطون بنا هم (الجحيم). وهكذا أصبح الفكر الغالب فى الغرب ينشر الشعور بعدم جدوى الحياة ذاتها، وأنها عبث أو سلسلة من اللامعقول.
ويرى جارودى أن هذا الإفلاس الروحى فى الغرب يواجهه إفلاساً آخر فى العالم الاشتراكى الذى لا يتحدث إلا عن التنمية المادية، وحتى الثقافة الاشتراكية لم تكن سوى ترديد لهذه القيم المادية متناسية للقيم الروحية فى هذه الحياة.
كيف الخروج من هذا المأزق الذى أدى إلى إفلاس المعسكر الاشتراكى ويوشك أن يؤدى إلى نفس المصير للمعسكر الرأسمالى؟.
يصل جارودى إلى أن المخرج لأزمة الإنسان المعاصر هو التسامى على الماديات وربطها بالجانب الروحى وبالمقدس، أى بالدين. والإسلام هو الذى يقدم الحل المثالى لهذه المعضلة، فهو يدعو كل إنسان للعمل فى الدنيا بكل قوة كأنه يعيش أبدا، ويعمل لآخرته فى نفس الوقت وكأنه يموت غدا، فيجعل الإنسان يعيش بقدم فى الدنيا وبالقدم الثانية فى الآخرة، فيعمل لنفسه ولحياته ويعمل لإرضاء الله ولا يفقد صلته به أبدا فى أية لحظة. والإسلام لا يعتبر المسلمين شعب الله المختار ولا يغلق دائرة المسلمين عليهم وحدهم على أساس العنصر أو الدم، لأن الإسلام موجه لكل الشعوب، فهو دين مفتوح لكل البشر وليس مغلقا على فئة أو جماعة أو شعب بعينه.
ولذلك فإن جميع الأنبياء من إبراهيم إلى محمد (ص) هم أنبياء الله ولا تفرقة بينهم، وهذا دليل آخر على أن الإسلام لا يتعارض ولا يتصادم مع الأديان الأخرى، بل يستوعبها ويتعايش معها، وحتى مفهوم الإسلام ذاته ليس مقصورا على اتباع محمد (ص). ولكنه يشمل كل الأنبياء الذين أسلموا وجوههم لله وآمنوا به على مر العصور. كذلك فإن الإسلام ليس فيه وسيط بين العبد والرب.
والإسلام- كما يقول جارودى- يقرر أن الإنسان هو خليفة الله فى الأرض، والقائم عليها، والمسئول مسئولية كاملة عن أعماله، وله رسالة فى الوجود لا يمكن أن يؤديها إلا داخل الجماعة أو (الأمة). فكأن على المسلم أن يدرك أن الله قد خلقه ليكون مسئولا عن الأمة الإسلامية كلها وليس مسئولا عن نفسه فقط. كما فى الحديث: (المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا).. وهذه الأمة الإسلامية هى أمة من نوع جديد، فهى أمة لا يربط بينها وحدة العنصر أو الدم أو الأرض أو حتى وحدة الحضارة، إنما تقوم على الاختيار.. على الإيمان.. وكل عمل فى الإسلام مهما كان دنيويا ومهما كان صغيرا فإن له أبعاده الروحية وارتباطه بالله، حتى لقاء الرجل بزوجته.
***
ويتوقف جارودى بفكره الفلسفى عند مفهوم (الله) فى الأديان، ويرى أن عظمة الله تتجلى فى الإسلام، فالله هو الخالق والمدبر وإليه المصير ليحاسب كل إنسان عما فعل، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، ولا يمكن أن تدركه الأبصار، وليس كمثله شىء، وبالتالى فلا يمكن تشبيهه بما فى البشر، فإذا تحدث القرآن عن يد الله فإنها لا تعنى اليد ولكنها رمز لمعنى رحمة الله الواسعة وقدرته، ونحس معها بحرارة هذه اليد العليا التى تحنو على البشر أو تضرب الظالم لتعيده إلى سواء السبيل. وحين يذكر القرآن أن الله أقرب للإنسان من حبل الوريد.. فهل سنحاول البحث عن المسافة بيننا وبين الله أو سنشعر بوجوده معنا وداخلنا وكأننا قبس من وهجه؟. وعندما نقرأ فى القرآن أن الله خلق العالم فى ستة أيام ثم استوى على العرش، فهل سنفهم ذلك وكأننا نقرأ كتابا فى الجيولوجيا أو نتصور أن الله يمكن أن يجلس على عرش كما يجلس الملوك؟. والخلاصة أن فهم معانى القرآن يستلزم التفرقة بين ما هو إنسانى وما هو الهى.
ومبدأ الاجتهاد من مظاهر عظمة الإسلام- كما يرى جارودى- فالقرآن والسنة يحددان المنهج والطريق، وكلما واجه الإنسان موقفًا جديدًا أو مشكلة جديدة، فإن علماء الفقه قادرون على إيجاد الحلول وفقا لمبادىء التفسير وشروط الاجتهاد، ومن مزايا الفقه الإسلامى أنه أسس علما قائما بذاته لا مثيل له فى الأديان الأخرى هو علم أصول الفقه، وهو علم قائم على منهج دقيق، يستطيع به التوصل إلى حل كل مشكلة جديدة فى إطار إسلامى سليم.
ويرى جارودى فى الصلاة رموزا لمعان وقيم أسمى من مجرد الحركات الظاهرة، فالوضوء رمز للطهارة، طهارة الأعضاء وطهارة الروح، قبل الوقوف بين يدى الله، وهى وقفة تعيد لحياتنا قيمتها الحقيقية، وتجردنا من كل ما يشغلنا ويحيط بنا من هموم، ولا?يتبقى أمامنا إلا عظمة الله.. وفى حركات الصلاة معنى ارتباط الإنسان بالكون. فالإنسان يصلى واقفا كالجبال والأشجار، ويسجد ثم يقوم كالنجوم التى تظهر وتختفى، أو كالمخلوقات التى تنحنى إلى الأرض منبع الحياة. والقِبْلَة ترمز إلى وحدة المسلمين فى وجهتهم إلى بقعة واحدة من الأرض، ومواقيت الصلاة تتغير مع تغير الفصول وخطوط الطول والعرض فيكون كل ساعات الليل والنهار صلاة وعبادة وذكر لله فى مختلف أنحاء الكرة الأرض، ويمتلئ العالم بالتسبيح والتكبير، تنتهى الصلاة فى بلد لتبدأ فى بلد آخر وهكذا، وتنتهى صلاة الصبح فى موقع من الأرض لتبدأ صلاة الظهر فى موقع آخر وهكذا.. فالكون كله يتردد فيه ذكر الله دون انقطاع.
***
ويلتفت جارودى إلى الحكمة فى أن يكون ألد أعداء الرسول (ص) هما عمه (أبو لهب) وزوجته، وقد خلّد القرآن هذه الحقيقة فى سورة خاصة بهما: (تبت يدا أبى لهب وتبَّ، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب، فى جيدها حبل من مسد) المسد (1- 5) لكى نستخلص منها عدة معان، منها أن الصلة قد تكون أقوى مع من لا تربطهم رابطة القرابة والدم، وتربطهم رابطة العقيدة والإيمان، فهؤلاء صحابة الرسول (ص) أقرب إليه وأشد إخلاصا وحرصا عليه من عمه وزوجته، ومنها أن قرابة الدم للرسول (ص) لا تشفع لصاحبها. وها هو ذا القرآن ينذر عم الرسول وزوجته بالعذاب فى الآخرة بنار ذات لهب، ويبشّر بالجنة صحابته الذين لا تربطهم به صلة الدم. ومنها أيضا أن أقرب الناس يمكن أن ينقلب عدوا.. كما حذر القرآن من ذلك فى موضع آخر من احتمال أن يكون العدو هو الزوج أو الزوجة أو الابن. ومعنى ذلك أن العلاقة المتينة هى القائمة على العقيدة وعلى الإيمان. والمقصود من ذلك رفض العصبية القبلية والعنصرية التى كانت سائدة وما تزال حتى اليوم. كذلك فإن فى قصة قارون حكمة، فقد كانت أمواله تملأ خزائن لا حصر لها ثم خسف الله به وبها الأرض. والحكمة هنا هى تحذير البشر من تكديس الأموال دون هدف إنسانى، ومن التنمية وتراكم الثروات بالجشع واستنزاف الآخرين وإهمال المحرومين كما تفعل دول الغرب الآن.
ويعلق جارودى على ذلك بأن تلك هى المبادئ التى تفتح للمسلمين فى الغرب الآفاق كى يكسبوا المستقبل، لأنهم قادرون على أن يعلموا الغرب فلسفة الإسلام وهى أن الجرى وراء المادة والثروة والمتعة فقط هو الانتحار البطىء، ولابد من العودة إلى الأبعاد الروحية لكل ما فى الحياة، وإدراك ارتباط كل شىء فى الوجود بالله. والإسلام يقدم الحلول لمشكلات العصر، فإنه يقضى على العصبية القومية والعنصرية فى صورة راقية للإنسانية كلها يجمعها الإيمان بالله والطاعة لأوامره.
***
والعقبة التى تحول دون إدراك الغرب لعظمة الإسلام هى النظرة التى يحملها الغرب للإسلام منذ ألف سنة، وكانت فى البداية نظرة الخوف من الإسلام. والخوف- كما يقال- مرشد سيئ. فالحرب الصليبية- كما قال المفكر الفرنسى ماكسيم رودنسون- أعطت صورة بغيضة عن الإسلام لدى جماهير عريضة فى الغرب. وبعد فشل الصليبيين تولى المستشرقون الأوائل مهمة تشويه صورة الإسلام فى الغرب. وقد قرر مجمع فيينا عام 1312 (م) تدريس اللغة العربية فى جامعات فرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها لدراسة الإسلام، ولم يكن ذلك بهدف تشجيع البحث العلمى أو التفاهم بين الغرب والشرق. ولكن كان الهدف هو تسهيل مهمة القائمين على تنفيذ المشروع التبشيرى للمسيحية الذى قرره مجمع فيينا. وقد لعب الاستشراق دورا غامضا فى خدمة الكنيسة والاستعمار وفى تقديم النصائح لصانعى السياسة فى الغرب للسيطرة على دول الشرق الإسلامية. ولذلك نجد الجد الأكبر للاستشراق فى أوروبا (سلفتر دى ساسى) 1757- 1838 (م) ) كان يعمل فى وزارة الخارجية الفرنسية وهو الذى كان يكتب بيانات جيش نابليون فى غزوه لمصر ونداءات الجيش الفرنسى للشعب الجزائرى عند احتلال الجيش الفرنسى للجزائر عام 1830 (م). وكان المستشرق الشهير ماكس مولر (1823- 1900) أكبر أستاذ فى جامعة اكسفورد البريطانية يقوم بتدريب وإعداد الكوادر الإدارية للحكم الاستعمارى البريطانى للهند. وحتى روث بنديكت (1887- 1948) الأستاذ بجامعة كولومبيا الأمريكية كان كتابه الشهير (السيف والأقحوان) بطلب من مخابرات الجنرال ماك آرثر وبتمويل المخابرات ليكون دليلا للعمل على ضم اليابان إلى إطار الهيمنة السياسية الأمريكية.
وهكذا كان المستشرقون يدرسون العالم الإسلامى ويكتبون عنه ليس بهدف البحث العلمى أو لمعرفة ثقافة وعقائد المسلمين ولكن لإعداد الإطار النظرى للخطط الاستعمارية. ولذلك اتسمت الدراسات الاستشراقية بالنظرة الاستعلائية التى تعتبر الحضارة الغربية هى الوحيدة التى تستحق أن تسيطر على العالم وتقوده. وكان ذلك امتدادا للفكر السائد فى الغرب المعادى للإسلام الذى بلغ القمة فى القرن الثامن عشر، فقد عبّر الفيلسوف الفرنسى ديدرو عن الرفض لكل ما يمت للإسلام بصلة، كما عبّر مونتسكيو عن نقده للإسلام، وألف فولتير كتابه (محمد) عام 1741 وملخصه أن الرسول يمثل نموذجا للمكر الدينى وأنه هو الذى وضع الأساس للاستبداد السياسى!
وهكذا لم يدرس الإسلام بموضوعية، وتأثرت النظرة إليه بالأيديولوجية الاستعمارية الغربية. وعندما جاءت الحملة الفرنسية لغزو مصر اصطحب نابليون معه باحثون وعلماء ووجه إلى شعب الإسكندرية فى 2 يوليو 1798 بيانا قال فيه إنه وجيشه هم المسلمون الحقيقيون، وادعى أنه جاء (يقاتل من أجل الإسلام). وبعد ذلك نجد كتابات تتحدث عن الإسلام بلهجة عدائية. فالكاتب الكبير شاتوبريان يقول: إن الحملة الصليبية لم تكن فقط لتخليص القبر المقدس، إنما أيضا لمعرفة هؤلاء (المسلمين) الذين يمارسون العبودية ويجهلون الحرية ويعبدون القوة وحدها. ونجد الشاعر الفرنسى الشهير لامارتين فى كتابه رحلة إلى الشرق الذى صدر عام 1833 يكتب عن حق دول أوروبا فى اقتسام أرض الامبراطورية الإسلامية العثمانية بعد سقوطها وتكون لكل دولة أوروبية السيادة المطلقة على المناطق التى ستكون من نصيبها لإقامة مستعمرات أوروبية. وحتى الكاتب الكبير جيرار دى نرفال لم يجد فى زيارته للشرق الإسلامى عام 1842- 1843 سوى (الفراغ) و(القليل من المعرفة). وكتب المؤلف الفرنسى الشهير فلوبير روايته (سالامبو) ليصور ما فى الشرق الإسلامى من هلوسات. وهذا ما جعل الغربيين يشعرون بأن الشرق الإسلامى متخلف إلى الدرجة التى تجعله محتاجا لمن يعلمه من جديد. وهذا ما?جعل لورانس العرب- رجل المخابرات البريطانية العتيد- يقول فى كتابه (أعمدة الحكمة السبعة): (كنت أقصد العمل على تشكيل أمة جديدة، وأن جميع ولايات الامبراطورية العثمانية لم تكن تساوى فى نظرى حياة إنسان بريطانى واحد. ولقد أعدت إلى هذه الشعوب قليلا من الكبرياء، وعلّمتها نمطا جديدا للحكم).
***
ويرصد جارودى كتابات فى الغرب اتجهت إلى إنصاف الإسلام، ومحاولة فهمه، ويقول: إن هذه الكتابات كانت فى ألمانيا فقط لأنها لم تستعمر بلاد المسلمين كما?فعلت بريطانيا وفرنسا، وهذا ما جعل المفكر هيردر (1744-1803) يعترف بأن العرب هم (أساتذة أوروبا) نجد فردريك شليجل يشيد بالفنون الشرقية الإسلامية، والشاعر الألمانى الكبير جوته الذى كتب عام 1774 قصيدة فى تمجيد محمد (ص) ودعا فى كتابه (الديوان الشرقى) إلى الهجرة إلى الشرق لينهل الغرب منه شبابا جديدا. وقد أعجب جوته بشعراء الفارسية الصوفيين الكبار أمثال ابن الرومى، وحافظ الشيرازى، والسعدى، وكان المستشرق (سلفستر دى ساسى) قد ترجم بعض أشعارهم. كما كان جوته أول من قال فى الغرب: إذا كان الإسلام يعنى التسليم لله، فإننا جميعا نعيش ونموت على الإسلام. وأبدى الفيلسوف الألمانى هيجل تقديره للإسلام لأن الله الواحد الأحد فى الدين الإسلامى يحرّم التمييز العرقى والطائفى، ويحرّم استعلاء طبقة على أساس الملكية وحدها، ويعوّد المسلمين الدقة فى حياتهم بفروض أهمها الصوم والصلاة والزكاة. وكان الفيلسوف الألمانى أوزوالد شبنجلر أكثر جرأه فى إنصافه للإسلام فى كتابه الشهير (سقوط الغرب) عام 1917 فقال: لم يكن لغز النجاح الخارق للإسلام بسبب اندفاعه الحربى، ولكن لأنه استوعب كل الديانات.
***
وينبه جارودى إلى أن الجمود الذى أصاب الفكر الإسلامى وأصاب المسلمين وجعلهم يتخلفون عن مواكبة التقدم والحضارة كان المبرر لهذه النظرة الاستعلائية من الغربيين، وازدادت المشكلة بأن كان رد فعل التقليدين فى العالم الإسلامى مزيدا من الانغلاق والدعوة إلى العودة إلى الماضى ورفض كل جديد.. هذه العقلية المنغلقة فى حقيقتها تتعارض مع روح الإسلام وهو دين مفتوح ومتجدد ولا يصادر الفكر والاجتهاد.. إلا أن الدعوة إلى رفض التفاعل مع الحضارة الغربية كان لها صداها السلبى فى الغرب وخصوصا لدى من ينظرون إلى الإسلام بالريبة.
***
وبصراحة يقول جارودى: إن على المسيحية فى الغرب ألا تنظر إلى الإسلام على أنه العدو، أو أنه القوة التى تعوق تطلعاتها نحو العالمية. فالتعصب فى الكاثوليكية يقابله تعصب لدى جماعات إسلامية متجاهلة أن الإسلام يتحدث عن المسيح والمسيحية باحترام. ويقول: لقد حان الوقت لأن يدرك الجميع أننا نعيش رؤية توحيدية للتاريخ وأن الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد يمثلون دعوات تنبيه وإيقاظ للبشرية. ويضيف: لقد اقتبس الغرب من نور الإسلام بما نقله من علوم وثقافات العالم الإسلامى وكانت الأساس الذى قام عليه عصر النهضة فى أوروبا. فلماذا يعود أصحاب الأديان إلى الوراء، إلى عصر التعصب الدينى، والجمود العقائدى، وإغلاق العقول؟ وهل ستستمر دول الغرب فى سياساتها القائمة على بناء العلاقات على أساس القوة؟ وهل يمكن أن يصبح العالم عالما إنسانيا يجمع بين المؤمنين بالله معا فى مواجهة الملحدين، وينتهى عصر شريعة الغاب؟ وهل تمكن إعادة النظام التربوى لتنشئة الأجيال الجديدة على التسامى والتسامح؟ وهل يمكن أن يبحث الغرب عما يمكن أن يتعلمه من الإسلام بدلا من التركيز على أسباب الخلاف؟.
ويقول جارودى: إن الغرب يمكن أن ينشئ علاقات جديدة مع العالم الإسلامى، ودعونا نأمل فى تحقيق حلم عظيم، هو أن تنشأ مراكز للحوار والتفاعل مع الإسلام فى دول الغرب الكبرى التى لقحت عبقريتها بعبقرية الإسلام وثقافته وعقيدته، مثل قرطبة، وباليرمو، وباريس، فتكون ساحات للقاء الغرب والإسلام، ولتبادل الأفكار فى حوار مستمر وبداية لعلاقات جديدة، إنسانية وحضارية بين الغرب والإسلام، علاقات تنبذ عقلية الحرب والعنف وعلاقات التابع بالمتبوع، أو المستغل بالضحية.
***
يكرر جارودى كثيرا الدعوة للغرب لإعادة دراسة الإسلام بنظرة منصفة، وسيجد أن الإسلام يقدم حلولا عادلة وإنسانية لمشكلات البشر. ولديه الأسس التى يمكن أن يقوم عليه عالم يخلو من الحروب والعدوات والاستغلال ويعتمد على التعاون والمنافع المتبادلة. وليتعرف الغرب على ما لدى الإسلام. فإن نموذج التنمية فى الإسلام قائم على البعد الإنسانى وبعيد عن الاستغلال والجشع كما فى نموذج التنمية الغربى. وعلى الغرب أن يتعلم من الإسلام خطأ النظرية الغربية القائلة بأن تطور التكنولوجيا وقوى الإنتاج هما الحل لمشكلات المجتمع الرأسمالى فى الغرب بدون تغيير لعلاقات الإنتاج، كما توهمت الدول الاشتراكية أن تغيير علاقات الإنتاج فقط هو الحل لكل مشكلات المجتمع، وكلاهما خطأ، والنتيجة أن قوانين السوق والبحث عن أكبر قدر من الربح هما أهم سمات المجتمعات الغربية. والإسلام هو الذى يضفى على الاقتصاد الطابع الإنسانى ويربط العلاقات الاقتصادية بالعقيدة والمبادئ والقيم الدينية، وهذا يعطى للاقتصاد فى المفهوم الإسلامى روحا تجعله لصالح المجتمع كله وليس لصالح طبقة الرأسماليين وحدهم الذين يجمعون عوامل القوة ويتحكمون فى سائر مؤسسات المجتمع السياسية والاقتصادية والعسكرية ويوجهونها لتحقيق مصالحهم وأطماعهم. ولو استمر النظام الرأسمالى فى الغرب على ما?هو عليه فسوف يستمر تزايد ثروات الأغنياء وفقر الفقراء، والدليل على ذلك أن الولايات المتحدة فيها 20% من السكان الأكثر ثراء يحصلون على 46% من مجموع الدخول، و20% من السكان الأكثر فقرا يحصلون على 4.6% فقط من مجموع الدخول.
***
ويقول جارودى: إن النظام الاقتصادى والسياسى فى الغرب يسمح للأغنياء باستنزاف الثروات الطبيعية والعبث بالبيئة، وسيؤدى ذلك إلى كارثة خاصة إذا استمر النظام فى الغرب قائما على قانون القوة وشريعة الغاب. بينما يضع الإسلام قواعد الحماية للمجتمع وأفراده وللطبيعة وثرواتها، ففى الإسلام الله هو المالك (ولله ما فى السماوات وما فى الأرض).. البقرة (284)- وعلى ذلك فإن المالك ليس مالكا على الحقيقة، ولكنه وكيل عن المالك الأصلى (الله) الذى سيئول إليه كل شىء فى النهاية، وسوف يحاسب كل واحد عما جمع من أموال وأموال كانت تحت إدارته. والزكاة أداة مهمة لإعادة توزيع الثروة وحماية الفقراء وضمان الحد الأدنى من المعيشة الكريمة لهم، وهى الصورة النموذجية للتضامن الاجتماعى، ويكفى ما حدث فى عهد عمر بن عبد العزيز من وصول المجتمع الإسلامى إلى درجة من النمو وعدالة التوزيع بحيث لم يعد فيه فقير يستحق الزكاة. كما أن الإسلام لا?يسمح للإنسان الفرد بأن يبحث عن مصالحه على حساب الآخرين، إنما يفرض عليه أن يحقق مصالحه فى إطار مصالح الآخرين. والمساواة بين الرجل والمرأة مقررة فى القرآن، فللمرأة أن تتصرف فيما تملك وهذا الحق لم يعترف لها به فى التشريعات الغربية إلا فى القرن التاسع عشر والقرن العشرين، والمرأة معفاة من الإنفاق على نفسها وعلى أسرتها. فالإنفاق مسئولية الزوج حتى لو كان للمرأة دخل أو ثروة. وقد أعطى الإسلام للمرأة الحق فى طلب الطلاق إذا كرهت استمرار العشرة مع زوجها. والإسلام يقر تعدد الزوجات وهذا نظام كان موجودا قبل الإسلام فحدده الإسلام ووضع له شرطا هو العدل بين الزوجات. وأكد أن الرجل لا يستطيع تحقيق العدل، أى أن التعدد بشرطه يكاد يكون غير ممكن.. وإن كان السماح موجودا، إلا?أن قلة قليلة جدا من الرجال المسلمين هم الذين يستخدمون هذا الحق. وفى الغرب هناك تعدد معروف وعلنى ولكنه غير شرعى. ويكفى التعبير القرآنى عن العلاقة بين الزوجين على أنها قائمة على المودة والرحمة لندرك كيف يقرر الإسلام قيام الأسرة على أساس من المشاعر الرقيقة السامية وليس على مجرد الغريزة وحدها.
***
والحقيقة أن جارودى من أعظم من أنصفوا الإسلام فى العصر الحديث. ولأنه فى الأصل مفكر وأديب وفيلسوف فقد استطـاع أن ينفذ إلى الأعماق ويدرك الجوهر ويكشف عن عظمة الإسلام.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف