السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

أحمد بهـاء الدين يقـول لكـم..!

 

لغة الكتابة غير لغة الحوارى.. أتمنى لو أننا تعلمنا أدب الحوار، وعدم الإسفاف، والابتذال.. إن المطـالبين بحرية الصحافة يتصورون أن هذه الحرية تعنى حريتهم دون الآخرين، ويفزعهم أن تكون حرية الكتابة للجميع.. وحين يكتب المرء يجب أن يتوقع التأييد والمعارضة.
متى نتعلم أدب الحوار.. والجدل بغير لغة الطوب والحجارة خصوصا ممن بيوتهم من زجاج.
إننى أومن بحكمة أن يبدأ الإنسان بنفسه، وألا ينزل عند أول خلاف (بقاذفات القاذورات) وإلا فإنه يسمح لغيره بالرد عليه بالمثل..
إننى أومن بعدم ترك المخطئين بلا عقاب. وأدعو إلى أن نتحلى بأخلاقيات جديدة، ومنها أخلاقيات الحوار، والحرية المتاحة فرصة أولى بنا أن ننتهزها بالجدل الذى يحمى ولا يهدد.. يصون ولا يبدد.. ولا يهدم بل يجدد.. ولا يخصم بل يضيف. والانصراف إلى هذه المهمة الشريفة أولى من الانشغال بهؤلاء الذين يريدون الحرية التى تظل البعض دون البعض.
ولا أظن- على أية حال- أن قواميس الإسفاف والبذاءة تجذب القراء.. إنها تثير احتقارهم لطول ما حاولت أن تحتقر عقولهم، وتستخدم لغة تهبط بمستوى تفكيرهم.
.. ولم أكن أبدا من حزب الانتقاميين والأخذ بالثأر.
.. إن المحنة التى تمر بها الممارسات الصحفية فى بلادنا منذ فترة ليست قصيرة توجع القلب، وتكسر الخاطر، ولولا أنها المهنة، والحرفة، والعشق، والرزق، لفكر البعض فى اعتزالها!
.. لم تصبح سمعة الصحافة مضغة فى الأفواه، وقذى فى العيون، بالدرجة التى هى عليها الآن، وقد اختلط الحابل بالنابل. لم يعد أحد بمنجاة من الاتهام..
.. الغبار يكسو الصحافة.. صار الكلام عن الشرف رخيصا. ومن يملكون سلطة الردع لا?يتحركون.
.. بعض الكتاب يتصورون أن ما يكتبونه ليس رأيا، ولكنه قرار، وكل ما يطالبون به يجب أن تنفذه الدولة.. يتصورون أن طلباتهم أوامر.. فهم يغتصبون سلطة ليست لهم..
.. وفى نفس الوقت فإن بعض الكتاب يوجهون النقد والاتهام، ويتحدثون عن السلبيات، ثم يتوقفون عند هذا الحد. ولكى تكون الكتابة مفيدة للمجتمع لابد أن يشعر الناس أن الجدل الصحفى يفتح الباب أمام حلول جديدة..
هذه الكلمات ليست لى، ولكنها كلمات أحمد بهاء الدين.. الصحفى والكاتب، والمفكر الوطنى المخلص والمحترم الذى لا يمكن أن ينساه أحد، أو ينسى مواقفه ونظافة يده وقلمه ولسانه.
إننى أفتقد أحمد بهاء الدين، صوت العقل والتفكير المنطقى. صاحب القلم العفيف، والفكر الجرىء، والإحساس الوطنى، والإدراك لقيمة الكلمة، والحرص على احترامها.
أفتقد الأستاذ الذى كان منارة تضىء ولم يكن شرارة تحرق..
أفتقده كلما وقعت عيناى على شىء من هذا الغثاء الذى يلوث صفحات صفراء تطفح بالحقد والشر.. ولا هدف لها سوى هدم كل رمز، وكل قيمة، وكل مبدأ، وتشويه كل عمل يستحق الإشادة ممن يعرفون قيمة الإنصاف ويقدرون لكل إنسان قدره.
أفتقد كلمة الإنصاف التى كان يمثلها أحمد بهاء الدين كلما رأيت الحال المؤسفة التى وصل إليها بعض الصغار فتطاولوا على الكبار بدلا من أن يتعلموا منهم ويعترفوا بفضلهم.. ونسوا أنفسهم وظنوا أنهم فرسان حقيقيون ويطلبون الطعن والنزال، وقد سيطر عليهم الوهم فلم يدركوا أنهم يحملون سيوفا من خشب، ويمتطون خيولا من خشب، وهم أنفسهم ليسوا سوى دمى يحركها من يمسك خيوط عقولهم، أو تحركها شياطين الإنس من حولهم.. أو أطماع وأوهام وأضغاث أحلام!. وهم يصيحون صيحات الحرب حيث لا توجد حرب.. ولا يوجد أعداء.. ولا يوجد انتصار.. ولكن توجد هزيمة مؤكدة.. هزيمة للضمير والروح.. وموت للقلوب والنزاهة فى داخلهم!
وهؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر القديم:
وإذا خــــلا الجبـــــان بــــأرض طلــــب الطعــــن وحــــده والنــزالا
أفتقد هذا الكاتب الشريف الذى كانت معركته حماية الوطن وليست مساعدة الذين يسعون إلى تهديد استقرار الوطن وأمنه، ولم يبحث عن شهرة زائفة.. ولم يدخل فى سباق المزايدات والابتزاز.. ولم يتلق أموالا من الخارج أو الداخل.. ولم يكتب كلمة يمكن أن تسىء إلى بلده.
أفتقد القلم الذى كان يفكر ويمارس النقد بهدف الإصلاح وليس لمجرد التشهير وتوجيه الشتائم المقذعة كما نرى فى هذه الأيام.. وأفتقد مشاعر الوطنية فى كل كلمة كان يكتبها، كما أفتقد أدب الحوار وأدب الخلاف فى كتاباته، ودعوته المستمرة: لا تنابزوا بالألقاب، ولتناقشوا الموضوعات فى ذاتها دون مساس بكرامة الناس، فهذه هى الديمقراطية التى نريدها جميعا، فلا نقول ديمقراطية ثم نصرخ عندما يقول الآخرون رأيا يخالف رأينا.
ومازلت احتفظ بما كتبه فى عموده فى الأهرام تحت عنوان (محنة الصحافة) وصف فيه مأساة بعض الصحف والصحفيين بما يمثل محنة لهم وللبلد كلها، ولا تزال كلماته أصدق وصف للحال الذى نشكو منه وندعو الله أن ينقذ البلاد من هذه المحنة وأن يفيق الغافلون، ويقف المتهورون عند حدود الأدب والقانون.
قال: (لم تصبح سمعة الصحافة مضغة فى الأفواه، وقذى فى العيون، بالدرجة التى هى عليها الآن. وقد اختلط الحابل بالنابل).
وأحمد بهاء الدين كان يعرف أن النقد شىء والتجريح الشخصى شىء آخر، وكان يلزم نفسه بما وصف به برنارد شو وقال عنه: (إننى- مثله- أذهب فى الكتابة إلى أن أصل إلى سور الأسلاك الشائكة، وكان برنارد شو يعلم أنه لن يستطيع القفز فوق الأسلاك الشائكة ليكتب كل ما يرد على خاطره، وأنا مثله أيضا!) والأسلاك الشائكة التى كان يقصدها هى حدود القانون، والأخلاق، والمبادئ التى صاغها الصحفيون أنفسهم فى ميثاق الشرف الصحفى.
كان أحمد بهاء الدين يطالب أصحاب الفكر والموهبة من المشتغلين فى الصحافة بأن يقدموا أفكارهم بناء على بحث ودراسة ولا يقدموا مجرد انطباعات وأحكام عامة، وهذا الفكر الناضج هو الذى يحمى الديمقراطية، وهو الذى يساعد على استمرار الإصلاح فى مساره الصحيح.
ولو كان بيننا الآن لحذرنا من أن تتحول حرية الصحافة إلى فوضى، وبلبلة للعقول، وذكرنا بحرية الصحافة التى كانوا يفخرون بها فى لبنان فى بداية الثمانينات، وظلوا فرحين بهذه اللعبة فانطلقوا إلى مدى بعيد جدا، وأزالوا الأسلاك الشائكة التى كان يعلمنا أحمد بهاء الدين أن نتوقف عندها لأنها سياج الحماية للوطن ولكرامة المواطنين، ودخلت حرية الصحافة فى مناطق حساسة، ومحرمة، وجارحة، فأثارت الطوائف، وأشعلت نار الفتنة وانتهى الأمر إلى قيام الحرب الأهلية، وبعد أن خسر لبنان الكثير، وتهدم الكثير، وفقدت أرواح الكثيرين، أفاق الجميع إلى ضرورة الالتزام والانضباط، وتعلموا أن للحرية حدودا. وأن للنقد حدودا. وأن القانون يجب أن يلتزم به الجميع لأن ذلك يحقق صالح الجميع..
البعض عندنا يوشك أن ينزلق إلى نفس الهاوية ويريد أن يأخذ معه قطاعا من السذج وأصحاب النوايا الطيبة الذين يصدقون كل ما هو منشور دون أن يميزوا بين الغث والثمين، وبين الصدق والكذب، وبين دعوة الحق ودعوة الباطل.
لو كان أحمد بها الدين بيننا الآن لوجه إلينا تحذيرا شديد اللهجة لكى نتقى الله فى بلدنا، وفى مستقبل أبنائنا، لأن دعوة التخريب التى يجتهدون فى ترديدها لن تفيد سوى القوى التى تتربص وتنتظر لحظة الانقضاض.
واجب الصحافة، وقادة الرأى العام، وأصحاب الضمائر أن يقفوا صفا واحدا للدفاع عن بلادهم، وأن ينبهوا هؤلاء الذين يوجهون أسلحتهم إلى وطنهم وبعضهم لا يقصد هدم البلد ولكنه يقوم بذلك بغير قصد، وبعضهم يعرف جيدا أنه يسعى إلى الهدم.
ونحن فى مرحلة حرجة. والضغوط الخارجية لا تخفى على أحد. وجزء من المخطط الخارجى إثارة المشاعر بالحق وبالباطل، واستغلال بعض المشاكل لجعلها أسبابا للاشتعال.
وهذا هو الوقت الذى يجب أن يتحرك فيه المخلصون الحريصون على حرية واستقلال وكرامة البلد.
هذا هو الوقت ليقفوا فى وجه العابثين فى وقت الجد، وفى وجه المنافقين الذين يشوهون الشرفاء، وفى وجه الذين تضخمت ثرواتهم بالحرام ويمدون أيديهم إلى الخارج ويمدون ألسنتهم الطويلة فى الداخل.
وأرجو أن تقرأوا كلمات أحمد بهاء الدين مرة أخرى.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف