السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

حضـارة الإسـلام فى عيـون غربيـة

 

ليس فى العالم دارس للتاريخ، أو الدين، أو الأدب الإسلامى لا يعتمد على ما كتبه (السير هاملتون جب Hamilton Gibb) باعتباره من أهم المصادر الغربية فى هذه المجالات. وهو من كبار المستشرقين الذين تخصصوا فى التراث الإسلامى، وشغل عدة مناصب مهمة أسهم من خلالها فى تصحيح النظرة فى الغرب إلى الإسلام والمسلمين. كان أستاذا للدراسات العربية والإسلامية فى جامعة أكسفورد. وطوال الفترة من 1930 حتى 1955 ظل المحرر للطبعة الإنجليزية من الموسوعة الإسلامية، وبعد ذلك أصبح مديرا لمركز دراسات الشرق الأوسط، وتقديرا لمركزه العلمى منحته ملكة بريطانيا لقب (سير) فى سنة 1954. وكان بالإضافة إلى ذلك عضوا أصيلا فى مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضوا مراسلا فى المجمع العلمى بدمشق، والمجمع العلمى العراقى، وله عدد كبير من المؤلفات والمقالات. درس فيها الحضارة الإسلامية فى قلب العالم الإسلامى وفى غربى آسيا وشبه القارة الهندية وأندونيسيا والبلاد الممتدة من جنوب روسيا إلى الصين.
ويلاحظ هاملتون جب التاريخ الإسلامى سار فى طريق عكس الطريق الذى سار فيه التاريخ الأوروبى على الرغم من أن كليهما قام على أنقاض الإمبراطورية الرومانية. فقد عاشت أوروبا عدة قرون من الفوضى والغزوات البربرية إلى أن وصلت إلى الاستقرار وبدأت تقدمها، بينما أقام الإسلام بسرعة غريبة إمبراطورية جديدة، والفضل فى ذلك يرجع إلى الجهود التى بذلها المسلمون لحماية الدين الإسلامى فى وجه التحديات الداخلية والخارجية، والوحدة الدينية والثقافية فى العالم الإسلامى على اتساعه.
ويرجع هاملتون جب قوة الدولة الإسلامية إلى تعاليم الإسلام التى قامت على مبادئ الأخلاق وترسيخ معنى الأخوة بين أفراد الجماعة الإسلامية وتأكيد المساواة بينهم من حيث القيمة الشخصية دون نظر إلى الطبقة التى ينتمون إليها، أو الثروة والمكانة.. وكان لمبدأ (لا فرق بين عربى وأعجمى) مفعول السحر فى تماسك المجتمع الإسلامى، كما كان لاحترام الإسلام للديانات السابقة عليه وعدم اضطهاد أصحاب العقائد الأخرى أثر كبير فى الخصوبة التى ميزت الحضارة الإسلامية. كما كان التوسع الكبير فى الصناعة والتجارة قد أوجد شبكة من المدن فيها حياة مدنية بالغة التقدم، فيها فئات من التجار الأثرياء، تحيط بأحوال العالم، وتمتلك الذكاء والمبادرة، وفيها أيضا فئات من العلماء والمثقفين أسدوا للثقافة الإسلامية خدمة جليلة بترجمة العلوم والفلسفة اليونانية ونبغ علماء المسلمين فى مجالات كثيرة مثل الفيزياء، والفلك، والكيمياء، والجغرافيا. وانتشرت العلوم الإسلامية فى فترة صغيرة، وامتدت إلى كل جزء من العالم الإسلامى دون أن تعوق انتشارها الحدود السياسية أو الجغرافية، وظهرت فى المجتمعات الإسلامية مدارس فكرية وفقهية وعلمية، وأنشئت مكتبات كبيرة، ومستشفيات، ومراصد، وذابت الفوارق بين العرب وغير العرب وأصبحوا جميعا مسلمين فقط، بل وضعف أثر الفوارق بين المسلمين وغير المسلمين، فاشترك علماء اليهود والنصارى فى جميع وجوه النشاط الفكرى مع العلماء المسلمين سواء بسواء، وكان لهذه المشاركة أثرها فى مكانتهم الاجتماعية، فقد فتحت لهم الطريق إلى المناصب الرفيعة والوظائف العامة.
هذا التوسع الفكرى فى الدولة الإسلامية أدى إلى اتساع فى نطاق العلوم وامتد إلى الفنون، والأدب، والعمارة.. وتم تكوين جيوش محترفة. والمهم أن (الإسلام) كان بالنسبة للمسلمين معناه (تصور دينى للحياة) وكان المسلم مؤمنا بالإسلام دون أن يبحث عن الدليل أو الإثبات، أو يستخدم التحليل العقلى أو المنطقى، وهذا هو الفارق بين المسلم والإنسان الغربى الذى ورث الفكر الإنجليزى العقلانى أو الفكر الألمانى، فهذا الإنسان الغربى لا يصدق إلا ما يمكن إدراكه بالحواس والتجربة والدليل العقلى، وهذا ما جعل أحكامه الدينية شديدة الاختلال.
***
وفى رأى هاملتون جب أن الحج كان له تأثير كبير فى توحد المسلمين، لأن احتشاد جموع منهم فى وقت واحد كل عام واشتراكهم فى آداء شعائر دينية واحدة فى أماكن وأوقات محددة يولد لديهم شعورا بسمو دينى بينهم ويقوى الانتماء، ويرجع إلى الإسلام الفضل فى بلورة فكرة (الله) التى كانت غامضة ومضطربة فى الديانات السابقة عليه، وكانت الثورة التى حققها الإسلام هى رفع فكرة (الله) إلى مرتبة عالية، منزهة عن الشبيه، ولم يكتف بأن يعتبر الله (الإله الأعلى) بل أنه (الواحد الأحد الصمد) خالق السموات والأرض وما بينهما، أحكم الحاكمين الذى سيحاسب الجميع على ما كسبته أيديهم، وليس كمثله شىء، وهو السميع حتى للنجوى والهمس بين اثنين، والعليم بما تخفيه الصدور. هذا المفهوم لم يكن موجودا على الإطلاق، ولم يصل إليه العقل الإنسانى إلا بالإسلام. وبهذا المفهوم أصبح الأفق الدينى للعرب ساميا فوق المحسوسات والأشياء المنظورة، وارتفع إدراكهم إلى الإيمان بذات إلهية لا تدركها الأبصار وهى تدرك الأبصار،. ذات إلهية مجردة قادرة على كل شىء.. وهذا المفهوم السامى أدى إلى بناء العقيدة على أسس جديدة مختلفة عن الأسس التى قامت عليها العقائد السابقة، ومن الإيمان بالله بدأ الإسلام خطوة خطوة فى بناء هذه العقيدة الدينية وما قام عليها من مبادىء وقيم أخلاقية واجتماعية امتدت إلى تنظيم علاقات المسلمين وأحوالهم، من الصلاة والعبادات، إلى أصول التجارة والقروض والمعاملات، إلى الأحوال الشخصية بتنظيم قواعد الزواج والطلاق والميراث.. إلخ ويمثل القرآن سجلا لهذا التدرج فى إعادة بناء الفكر الدينى والحياة الاجتماعية.
ويكشف هاملتون جب عن أن الإسلام استطاع بما يشبه المعجزة استئصال العادات والأفكار والطقوس البدائية التى كانت سائدة بين العرب، وأن يبنى ويقيم هذا البناء الروحى والسلوكى على أساس توحيدى وإيجابى للكون وما فيه. وقد اكتسبت كلمة (التقوى) معانى جديدة فى الإسلام، فقد اكتسبت معنى الخوف من عذاب الآخرة واقترنت أيضا بلفظة البر لتدل على العلاقة بالله التى تنجم عن الطاعة وتكون حافزا لأعمال البر كما فى الآية: (..وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) المائدة (2) والآية: (..وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذى إليه تُحشرون) المجادلة (9). ويكرر هاملتون جب أن الإسلام يجعل المسلم يشعر بالخبر الإلهى ويتجه بالشكر لله فى كل لحظة، ولذلك يعيش المسلم بين الرهبة والتقوى والشكر تجاه الله، ولذلك تكرر فى القرآن دعوة المسلمين إلى (الذكر) ومما يسهل الذكر أن تصحبه منبهات من حركات منظمة فى أوقات معينة، ولهذا فإن التقوى والبر يشملان أداء الصلاة الموقوتة. والصلاة بما فيها من ركوع وسجود وقيام تغرس فى نفس المسلم التأمل والخشوع والتواضع وإسلام الوجه لله، وتغرس فيه أيضا الحب والطاعة والإخلاص.. ويقول هاملتون جب إن الإيمان –فى مفهوم الإسلام- هو شعور فى القلب والعمل هو الدليل عليه، ولذلك فإن الإسلام لا يطلب من المؤمنين به التفرغ للعبادات فقط، ويطالبهم أيضا بالعمل فى الدنيا بما يقتضيه الإيمان، أى أن يكون العمل مرتبطا بالخير وليس بالشر. وتعريف (البر) شامل لكل أفعال الخير وهذا المفهوم انفرد به الإسلام: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قِبل المشرق والمغرب. ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة (177).
هذه هى الرسالة التى جاءت فى القرآن إلى المسلمين.. وهى –كما يقول هاملتون جب- دليل على أن الإسلام ينظم علاقة الإنسان بالله، كما ينظم حياته وعلاقاته مع غيره من الناس. والقرآن يحرك قلوب الناس بالشعور الروحى وينظم حياتهم أيضا.
والإعجاز فى القرآن- كما يقول - يظهر فى خصائصه الفنية والجمالية التى لا مثيل لها، بما يكاد يشبه السحر فى نظم الألفاظ، فتحدث صدى يتردد فى النفس والعقل، وتسمو بالروح، وبالإضافة إلى ذلك فإن محتوى القرآن فيه من الإعجاز ما يتكشف منه فى كل زمن أشياء جديدة لم يكن يدركها المسلمون قبل ذلك، مما يعنى أن عطاءه متجدد، وأنه يقدم لكل جيل ولكل زمن ما يناسبه.. ويضيف هاملتون جب أليس ذلك كل شىء إذ تقف شخصية محمد صلى الله عليه وسلم مرتبطة ارتباطا لا انفصام له بالقرآن بروابط من المشاعر التى يسبغها الحب وتكمل القدرة العقلية وتجذب الشعور..
ويتوقف هاملتون جب عن ظاهرة إجلال الرسول صلى الله عليه وسلم على نحو لا مثيل له، فيقول: إن هذا الإجلال شعور طبيعى لدى المسلم منذ بداية الرسالة، وحتى اليوم، وبمرور الزمن يزيد هذا الشعور ولا ينتقص منه، ومشاعر المسلمين تجاه رسولهم لا تنحصر فى الإجلال فقط.. بل تتجاوزه إلى العلاقة الشخصية من الحب، والحرص على الاقتداء به حتى فى التفاصيل الهامشية من سلوكه اليومى، مع تسليم المسلم بأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان رجلا.. إنسانا.. بشرا.. وهو فى نفس الوقت نموذج الإنسان الكامل الذى يود كل مسلم أن يفعل ما كان يفعله، ويقول هاملتون جب: إن حرارة ذلك الشعور الشخصى نحو الرسول صلى الله عليه وسلم كانت دائما أقوى عنصر فى الدين عند الجماهير.
وكان ذلك السبب فى نسبة الأحاديث إلى الرسول اكتشف علماء الحديث أنها غير صحيحة، وكذلك ألف المسلمون كتبا كثيرة عن شمائل النبى نثرا وشعرا، وهناك الكثير من المدائح النبوية والأناشيد الصوفية وفيه من قوة العاطفة ما يأسر العقل والقلب، وأيضا الاحتفال بمولد النبى، وذكرى الهجرة والإسراء والمعراج، دليل آخر على عاطفة الحب الجارفة التى تميز علاقة المسلمين بنبيهم.
***
ويتحدث هاملتون جب عن القرآن باحترام يندر أن نجد مثيله من كتاب الغرب، فهو يقول: إن القرآن هو المنبع الذى يعود إليه المسلم بين الحين والحين لينعش رؤاه الروحية، وإنه هو المصدر الذى استمد منه علم الأخلاق وعلم الكلام الإسلامى، وأنه يهيئ التفكير الدينى مثلا عليا جديدة، وأنه يعيد توجيه الحياة الدينية إذ ينصب أمامها أهدافا جديدة.. ويضيف إلى ذلك القرآن يضع للمسلم تنظيما وضبطا للذات الفردية، ويؤسس ملامح مجتمع أخلاقى، ونلحظ ملامح هذا المتجمع الإسلامى إلى اليوم، والأخلاق فيه آتية عن طريق الوحى وتستمد قوتها من الإيمان بأنها تمثل إرادة الله، كما وضع قواعد العلاقات الأساسية فى المجتمع كالزواج والقرابة والميراث والنشاط الاقتصادى والحرب، ويفصل الحديث ما أجمله القرآن لإقامة (المجتمع الأخلاقى) وتنظيم الحياة والعلاقات الاجتماعية، وسوف نجد عندما ندرس الشريعة الإسلامية أنها ثمرة لهذا المجتمع الأخلاقى القائم على القرآن والسنة، وسنجد أن هذا التشريع الإسلامى يحدد واجبات المسلم، وهذه الواجبات نوعان: واجبات نحو الله بالإيمان الصحيح وأداء الفروض الدينية، وواجبات نحو أفراد المجتمع، فالتشريع الإسلامى له غايات عملية هى تنظيم حياة المسلمين فى الأحوال الشخصية والتعاملات الاقتصادية، وكذلك فإن أهم ما يميز الشريعة الإسلامية التدرج فى الأحكام، فليس هناك حكمان فقط هما الحلال والحرام، ولكن بين هذين الطرفين هناك درجات خمس هى: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحرم.
وهذا يعنى أن علماء الدين يحكمون على الشىء بأنه حلال أو حرام يخطئون إذا لم يحددوا موقعه فى هذا التدرج.
ومن أهم مزايا التشريع الإسلامى أنه ثمرة جهود العلماء المسلمين فى مجالات عديدة منها علم التفسير، وعلم الحديث، واللغة، والتاريخ، وقد أسهم العلماء المسلمون بتخصصاتهم المختلفة فى مناقشة القضايا التشريعية، ولا نجد لذلك مثيلا فى أية شريعة أخرى.. لا نجد مثل هذا التغلغل العميق، وهذا التركيز الفكرى حول المسائل الفقهية والتشريعية، مع التزام الجميع بمرجع واحد غير مسموح بتجاوزه، يختلف العلماء فى كل شىء، وفى النهاية فإن مرجعهم الأساسى واحد يحتكمون إليه وهو القرآن، فإذا ورد فيه نص صريح على أمر لم يستطع أحد أن يجادل فيه، وكلهم خاضع لتلك القوة العليا، وقد جعلهم هذا الولاء المشترك لتلك القوة قادرين على تجاوز الخلافات الذهبية التى نتجت عن الخلافات السياسية والفكرية، وحتى عندما جاءت مرحلة ظهر فيها الفقه الشيعى وانفصل عن الفقه السنى، فإننا لا نكاد نفرق بينهما، لأن هناك وحدة تجمعهما هى القرآن، وهو المرجع الأساسى الذى لا خلاف عليه بين الشيعة والسنة ولا يجرؤ فريق منهما على تجاوزه، ويلفت النظر فى الشريعة الإسلامية ذلك التساهل فى الخلافات حول الفروع، فلم يحدث أن أدت هذه الخلافات إلى انقسامات بين طوائف المسلمين، والقاعدة التى يؤمن بها الجميع أن المسلمين ماداموا متفقين فى أصول الشريعة فإن الخلافات فى الفروع من الأمور التى يرحبون بها، لأن فيها رحمة وتوسعة على الناس، وقد أدى ذلك إلى حيوية تشريعية فى الفكر الدينى ليس لها مثيل، وكذلك لا نجد مثيلا لما نجده عند المسلمين من اعتبارهم القرآن هو الدستور الأساسى، وهذا ما أدى إلى الوحدة فى المجتمع الإسلامى رغم الفوارق العرقية واللغوية، هذه الوحدة تتجلى فى وحدة الشريعة- مع اختلافات فى التفاصيل والفروع غير جوهرية- ووحدة الحضارة، ووحدة الموقف تجاه الشريعة ذاتها، فلو أن أحدا أنكر صلاحية الشريعة ودعا إلى عدم الالتزام بها فإن عمله هذا كفر ومروق، لأن احترام الشريعة هو أساس التفكير الإسلامى، مع إدراك حقيقة أن الاختلافات فى التفسير والفتوى إثراء للشريعة وليس خروجا عليها.
فالشريعة الإسلامية يميزها أولا: أنها ذات صبغة عملية، وثانيا: أنها ترفض التنطع فى الدين أى المبالغة فى التشدد، وذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى التيسير ويوصى صحابته دائما بقوله (يسروا ولا تعسروا) وبقوله (هلك المتنطعون) وهذه ميزة جعلت الإسلام ينتشر بسرعة بين أصحاب الثقافات المختلفة.
***
باحث آخر فى الحضارة الإسلامية هو البروفيسور آدم متز وهو أستاذ ألمانى اهتم بدراسة التصوف والطرق الصوفية ومعتقداتها، وقد أشار إلى ملحوظة مهمة، وهى ظهور أصوات تطالب بحق المرأة المسلمة فى تولى المهام الكبيرة، وقد اشتدت هذه الدعوة ابتداء من عام 300 هجرية. وكان من النساء عالمات بالدين، يقبل الناس على دورسهن ويذكر منهن عالمة جليلة هى (ستيتة بنت القاضى أبى عبد الله الحسين بن إسماعيل ضبى)، وكان أبوها قاضيا، كما كان ابنها قاضيا، وكانت تدعى (أم الواحد) وتذكر المراجع عنها أنها كانت عالمة فاضلة من أكثر الناس معرفة بالفقه الشافعى، وكان العلماء يلجأون إليها طلبا للفتوى، كما كانت من رواة الحديث وتوفيت عام 377 هجرية، ويذكر سيدة أخرى هم (أم الفتح بنت القاضى أبى بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة) توفيت عام 390 هجرية وكان العلماء يجلسون إليها ليأخذوا منها العلم، وكانت مشهورة بالعقل والفضل، ومن الفقهاء من أجاز للمرأة تولى القضاء فتقضى بما تصح شهادتها فيه وأشهر هؤلاء الفقهاء أبو حنيفة، أما الطبرى فقد قرر أن المرأة يجوز لها تولى منصب القاضى وتحكم فى جميع أنواع القضايا دون تفرقة.
ويشير الباحث الألمانى آدم متز إلى أن الشريعة أباحت للرجل أن يجمع بين أربع زوجات، ولكن المراجع تشير إلى أن أهل الطبقة الوسطى فى المجتمع الإسلامى كانوا يكتفون بزوجة واحدة، ويحكى عن الخليفة المعز لدين الله الفاطمى أنه كان يدعو إلى الاكتفاء بزوجة واحدة وينقل خطبة له ألقاها على جمع من الشيوخ قال فيها (اقبلوا بعض الأعمال عن نسائكم، والزموا الواحدة، ولا تكثروا فينغص ذلك عيشكم، وتعود المضرة عليكم، فحسب الرجل واحدة..
ولهذا الباحث الفضل أيضا فى الكشف عن مدى التقدم الحضارى الذى حققه المسلمون حين أحسنوا فهم دعوة دينهم إلى العمل والتقدم وتحسين الحياة، فقد كانت صناعة الملابس فى الدولة الإسلامية أرقى الصناعات، وكان المسلمون يحرصون على ارتداء ملابس حسنة، وعلى تجميل مساكنهم
وللدكتور محمود حمدى زقزوق كتاب مهم بعنوان (الإسلام فى مرآة الغرب) فيه فصل كامل عن المستشرق ليوبولد فايس Leopold Weiss وهو مفكر وكاتب ولد فى النمسا عام 1900، وبعد أن قام بجولة فى العالم الإسلامى فى الفترة من 1922 حتى 1926 درس خلالها المجتمعات الإسلامية ووجد أن النظرة إلى الحياة فيها تختلف اختلافا أساسيا عن النظرة الأوروبية للحياة، فقاده ذلك إلى البحث فى تعاليم ومبادئ الإسلام. وقد رأى الاختلاف الكبير بين ماضى الإسلام و حاضره، فانشغل بالبحث عن أسباب تخلف العالم الإسلامى على الرغم من الإمكانات الكبيرة فيه والمبادئ الدافعة للتقدم فى الإسلام، وانتهى إلى أن هناك سببا واحدا للانحلال الاجتماعى والثقافى الذى أصاب المسلمين، وهو ابتعادهم عن روح الإسلام، وفى وصف رحلته للبحث عن الحقيقة فى المجتمعات الإسلامية يقول إنه ناقش مع كثير من المفكرين المسلمين فى جميع البلاد الإسلامية من طرابلس إلى الهند، ومن البوسفور إلى بحر العرب، فأصبح الحال السائد بين المسلمين يثير الشجن فى نفسى، حتى أننى- وأنا غير مسلم- أصبحت أتكلم إلى المسلمين مشفقا على الإسلام من إهمال المسلمين وتراخيهم. ولم يكن هذا التطور واضحا فى نفسى حتى جاء يوم من أيام خريف عام 1925 وأنا فى جبال أفغانستان، وتلقانى حاكم إدارى شاب وبعد مناقشة معه قال لى: (إنك مسلم ولا تعرف ذلك) وأثرت فى نفسى هذه الكلمات، غير أنى بقيت صامتا. ولما عدت إلى أوربا عام 1926 وجدت أن النتيجة المنطقية لما أشعر به من ميل إلى الإسلام أن أعتنق الإسلام. ويقول إن ما جذبنى إلى الإسلام هو ذلك البناء الإسلامى الشامخ من التعاليم الأخلاقية ومنهج الحياة العملية. ويبدو لى الإسلام بناء تام الصنع وأجزاؤه يتمم بعضها بعضا. فليس فيه شىء يمكن الاستغناء عنه، وليس فيه نقص. وكل تعاليمه وفرائضه وضعت فى مواضعها المناسبة.
وبعد أن أسلم اتخذ لنفسه اسم (محمد أسد) واكتسب شهرة واسعة فى الغرب وفى العالم الإسلامى أيضا بعد أن ترجم له الدكتور عمر فروخ فى سنة 1946 كتابه (الإسلام فى مفترق طرق) وله مؤلفات أخرى يشير إليها الدكتور زقزوق مثل (الطريق إلى مكة) الذى صدر سنة 1955 باللغة الألمانية، و(أصول الفقه الإسلامى) باللغة الإنجليزية. وقد تفرغ محمد أسد لدراسة القرآن والحديث واللغة العربية وتاريخ الإسلام، وقضى أكثر من خمس سنوات فى السعودية وعاش فى البقاع التى سار فيها النبى صلى الله عليه وسلم وبعد هذه الرحلة أعلن (أن الإسلام بمبادئه الروحية والاجتماعية لا يزال أعظم قوة تنهض بالهمم، على الرغم من العقبات التى تعوق هذا النهوض، وهذه العقبات من صنع المسلمين، ولهذا تجمعت آمالى حول بعث الإسلام من جديد.
وقد ترجم الدكتور زقزوق إجابات محمد أسد عن أسئلة وجهها إليه الدكتور جرهارد تشينسى Gerhard Szezesny وهو أستاذ ألمانى لا ينتمى إلى أى دين من الأديان ولكنه أصدر كتابا بعنوان (إجابات الأديان) يتضمن إجابات عن 31 سؤالا وجهها إلى المختصين فى الديانات: اليهودية، والكاثوليكية، والبروتستانتينية، والإسلام، والهندوسية، والبوذية. والدكتور جرهارد تشينسى على الرغم من أنه لا يؤمن بدين من هذه الأديان فإنه يعترف فى كتابه بأنه مقتنع بأن الإنسان متدين بطبعه، وأنه كائن لا يكف عن توجيه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها إلا عن طريق عقيدة دينية.
أما ليوبولد فايس (محمد أسد) فكانت إجاباته عن الأسئلة تتضمن رؤيته للإسلام وللحضارة الإسلامية ويمكن تلخيص إجاباته فيما يلى:
* فى وجهة النظر الإسلامية فإن كل ما يحدث وما يمكن أن يحدث هو نتيجة الفعل الإلهى الخلاق. ولذلك فليس فى الإسلام تفرقة بين ما هو فى الطبيعة وبين الإرادة الإلهية. والقرآن يسمى ما فى الطبيعة (عالم الشهادة) أما ما يسميه (عالم الغيب) فهو ما يقع خارج نطاق الإدراك الإنسانى، ولكن هذا العالم سينكشف للإنسان بعض جوانبه فى الحياة الأخرى، وكل شىء من الله، فهو (القيوم) أى أن وجوده قائم به.
* إن تعاليم الإسلام تؤكد على ضرورة النظر فى خلق الإنسان، والطبيعة، لكى يتعرف على القدرة الخلاقة لله، وهذا ما جعل المسلمين يتفوقون فى علوم الطبيعية والفلك بدافع من القرآن الذى يدعوهم إلى النظر فى ظواهر الطبيعة وحركة الأفلاك. ومع ذلك فإن العلم وحده لا يكفى لحياة الإيمان، ولكن بالبصيرة يهتدى الإنسان إلى الخير والشر.
* الإسلام يدعو إلى حوار بين أصحاب الديانات السماوية، والقرآن يؤكد هذه الدعوة كما فى الآية: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) آل عمران (64). وبهذا الحوار يواجه أصحاب الديانات السماوية النزعات المادية التى تهدد العالم، والميزة الكبرى فى الإسلام أنه يحترم جميع الأنبياء ويحرم على المسلمين أن يتفوهوا بكلمة فيها إهانة لنبى من الأنبياء، ولذلك فإن المسلمين ينتظرون من أصحاب الديانات الأخرى أن يتحدثوا باحترام عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يمكن فى وسعهم الاعتراف بأنه نبى-مثلما يعترف المسلمون بإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء دون أن يفرقوا بين أحد منهم، فإنه ينبغى عليهم على الأقل أن يذكروا اسمه بالتقدير، وهذا ما يجعل الأديان الثلاثة تقترب بعضها من بعض وتزول الكراهية والعداوة والحساسية بين أهل الأديان.
* والإسلام يقبل الاختلاف والتعدد بين البشر، وعقولهم، وتوجهاتهم، ولا يدعو المسلمين إلى الابتعاد عن غير المسلمين وعدم مخالطتهم، بل يدعوهم إلى التعاون معهم وترك الخلافات القائمة بينها والله يحكم بينهم فيما هم فيه مختلفون، والقرآن يقول: (ولكل وجهة هو موليها) البقرة (148) ومن يدرس الإسلام يجد أن التعايش والتعاون مع أصحاب الديانات الأخرى يمثل واجبا دينيا وأخلاقيا.
***
والحرب فى الإسلام محكومة بقواعد حددها القرآن. فالحرب العدوانية محرمة على المسلمين. ومبررات الحرب تنحصر فى حالة الدفاع، وحالة نكث العهود وظهور بوادر الخيانة. وفى حالة الدفاع يحرم الإسلام تجاوز الحدود الكافية لرد العدوان كما فى الآية: (وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) البقرة (190) والآية: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) الممتحنة (8-9) والآية: (.. .. فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) البقرة (149) والآية: (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) النساء (90). والآية: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) الأنفال (61).
هذه الآيات تدل على أن الإسلام يرفض البدء بالاعتداء، ويؤكد أن الحرب لا تكون إلا لرد الاعتداء، ويكون الرد بقدر الاعتداء ليس أكثر. وإن لجأ العدو إلى السلام فعلى المسلمين أن يقبلوا السلام. وهذه الحدود تمثل مفهوما حضاريا راقيا جدا يتناقض مع ما يردده المستشرقون من أن مفهوم (الجهاد) فى الإسلام مفهوم عدوانى. وأن الدعوة إلى الجهاد هى دعوة إلى الاعتداء على الآخرين.
أما الحرب فى حالة نكث العهود وظهور بوادر الخيانة فإن الإسلام يضع لها حدودا كما فى الآية: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) الأنفال (58) والآية: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) التوبة (12).
أما الحالة الثالثة التى يبيح فيها الإسلام الحرب فهى حالة وجود اعتبارات تتعلق بسلامة الدولة، والقضاء على الفتنة، وتأمين الدعوة، وفى هذا يقول الله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) البقرة (193).
ولم يتجاوز حروب الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الحالات سواء فى حروبه مع مشركى العرب، أو مع اليهود والغساسنة والروم فى الشام. فالمشركون العرب هم الذين بدأوا بإيذاء الرسول وأصحابه وحاولوا قتله فى مكة، واستمروا بعد الهجرة فى إيذاء المستضعفين الذين بقوا فى مكة، وحاولوا فتنتهم عن دينهم بالتعذيب، وحينئذ أذن الله بقتال أهل قريش ردا على اعتدائهم على الإسلام والمسلمين. وفى هذا يقول الله: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير) الحج (31) وبعد أن قامت قريش بتحريض القبائل على المسلمين واشتركوا معهم فى غزوة الأحزاب كان لابد من قتال المشركين كافة لأنهم جميعا شاركوا فى الاعتداء على المسلمين فنزل قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعملوا أن الله مع المتقين) التوبة (36).
أما الحرب مع اليهود فكانت بسبب خيانتهم للعهود. فقد سالمهم الرسول صلى الله عليه وسلم وعقد معهم معاهدات عدم اعتداء، وحافظ على عهده معهم، ولم يحاربهم إلا بعد أن بدأوهم بالخيانة ونكثوا العهد فى غزوة أحد فى السنة الثالثة للهجرة، وبعد أن تكررت خيانتهم فى غزوة الأحزاب فى السنة الخامسة حينما اجتمع المشركون من القبائل المختلفة للقضاء على الإسلام. فبعد أن انتصر المشركون فى غزوة أحد نكث يهود بنى النضير بعهدهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم وتحالفوا مع قريش، وخرج زعيمهم كعب بن الأشرف فى أربعين راكبا إلى مكة للانضمام إلى المشركين، فقاتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأخرجهم من ديارهم. وفسر القرآن ذلك بقوله (.. .. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب) الحشر (2-4) أى لأنهم هم الذين بدأوا بالشقاق ونكث العهد. فى غزوة الأحزاب حينما كان المسلمون فى أحرج المواقف نكث يهود بنى قريظة عهدهم مع الرسول وساعدوا المشركين، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم لقتالهم بعد أن فرغ من غزوة الأحزاب. وفى هذا يقول الله تعالى: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياميهم وقذف فى قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا) ويقصد الذين ساعدوا المشركين فى غزوة الأحزاب، وهم يهود بنى قريظة.
وأما نصارى الغساسنة والروم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقاتلهم فى غزوة مؤتة إلا بعد أن قتلوا بعض من دخل فى الإسلام من أهل الشام، فكان ذلك بدءا بالاعتداء ومحاربة للإسلام.
ومن أخلاقيات الحرب فى الإسلام لا يجوز قتال الذين بدأوا بالخيانة ونكثوا العهد إلا بعد إخطارهم بأن المسلمين سينقضون العهد ويقابلون عملهم بالمثل إذا أصروا على خيانتهم، وذلك التزاما بالآية: (وأما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) الأنفال (43). ومقتضى الأمر الإلهى للمسلمين إذا ظهر من قوم بوادر خيانة، وكان بينهم وبينهم عهد، فلابد من إخبارهم بالنقض ولا يجوز مفاجأتهم بالحرب وإلا يكون ذلك غررا يتعارض مع أخلاقيات الإسلام. ويحذر الله من ذلك بأن الله لا يحب الخائنين الذين ينقضون العهود. والله لا يحب الخيانة حتى مع الكفار.
هكذا قامت الحضارة الإسلامية على أسس أخلاقية فرضها الله على المسلمين، وجوهر هذه الأسس أن الله لا يحب المعتدين. وهذه هى عظمة الإسلام ودرجة الرقى التى لم تصل إليها دول كبرى فى العصر الحديث بعد 14 قرنا من نزول القرآن!
***
وسوف نظل نذكر بالتقدير الأستاذة الألمانية الكبيرة زيجريد هونكه الباحثة المتميزة فى العلوم الدينية، وأول كاتبة ألمانية فى العصر الحديث قامت بالدفاع عن الإسلام وتفنيد الأحكام المسبقة والملفقة ضده فى الغرب. وكان أول كتاب لها بعنوان (الرجل والمرأة) تناولت فيه مشكلات اجتماعية خاصة بالأسرة والعلاقات فى المجتمع الألمانى، ولكن كتابها الثانى كان أهم مؤلفاتها وأكثرها توزيعا وكان بعنوان (شمس الله تسطع على الغرب) صدر سنة 1960 واشتهر هذا الكتاب حتى بلغت عدد النسخ المباعة منه حتى يوم وفاتها مليون نسخة فى ألمانيا وحدها، وترجم إلى 17 لغة كانت آخرها اللغة اليابانية.
وعلى الرغم من أن زيجريد هونكة عاشت 83 عاما ونشرت على مدى حياتها الطويلة عدة كتب تناولت قضايا الشعوب، والفلسفة، وعلم الأديان المقارن، فإنها فاجأت النقاد بعد سنوات بكتاب بعنوان (ليس الله كما يزعمون) كشفت فيه الأحكام المسبقة ضد العرب والمسلمين بأسلوب علمى ناقشت فيه الادعاءات التى يرددها الغربيون عن الإسلام والتى تعكس نزعة الاستعلاء الغربى تجاه الحضارات الأخرى، كما تعكس ضيق الأفق ورفض كل ما يخالف الآراء السائدة فى الغرب. وقد تحملت بسبب هذا الكتاب الكثير من الهجوم، ولكن الكتاب صمد بما فيه من دراسة عميقة لجذور العداء للإسلام فى الغرب، واعتمدت فى ذلك على مصادر عديدة لا يرقى إليها الشك على مدى قرون. وأخيرا نالت شهرة كبيرة واعترف الجميع بأنها صنعت تاريخا للعلاقات بين الشرق والغرب على أساس موضوعى. وحصلت على جائزتى كانط وشيلر وهما من أكبر الجوائز فى ألمانيا، كما حصلت على وسام الاستحقاق من مصر قدمه لها الرئيس حسنى مبارك، وبعد ذلك نالت التكريم والأوسمة من رؤساء الدول والجامعات فى الدول العربية والإسلامية والأوروبية.
وفى آخر مقابلة صحفية جرت معها عام 1999 قبل رحيلها قالت: (لم أكن فى حاجة إلى تقديم جواز سفرى، فقد كان موظفو الجمارك يعرفوننى من كثرة مشاهدة صورى وأحاديثى فى الصحف والتلفزيون، ويستقبلوننى ويودعوننى بترحيب كبير..
وقالت: كنت كلما اكتشفت أخطاء وآراء متميزة وغير دقيقة عن الإسلام أشعر بضيق وانزعاج بل بغضب شديد، وكان ذلك يدفعنى دائما إلى تأليف كتاب جديد لكشف الحقيقة.
وقالت أيضا: كنت أسمع وأقرأ دائما أن الحضارة الغربية مدينة لليونان والرومان وحدهم، حتى توصلت إلى الحقيقة وهى أن الغرب يعمل على إنكار فضل المسلمين والعرب على الحضارة الغربية، فقد قامت نهضة أوربا على العلوم التى كانت مزدهرة فى جامعات العالم الإسلامى، وعلى ترجمة الكتب والمراجع التى كانت تزخر بها مكتبات المساجد والمكتبات العامة فى الدول العربية، وبخاصة فى أسبانيا (الأندلس). ولقد اكتشفت سوء القصد فيما يروجه البعض من أن المسلمين لم تكن لديهم علوم أو حضارة أو ثقافة من صنعهم، وأنهم كانوا مجرد سعاة بريد نقلوا الفكر الإغريقى إلى لغتهم ثم نقلها الغربيون بعد ذلك إلى لغاتهم، دون أن يضيف المسلمون إلى العلوم والثقافة الإغريقية أو يقدموا إنجازات خلاقة خاصة بهم.. ولم يكن فى الغرب من هو مستعد للاعتراف بالتأثير الكبير للحضارة الإسلامية العظيمة والعلوم المتقدمة فى العالم الإسلامى فى العصور الوسطى التى كانت العصور المظلمة فى بلاد الغرب.
***
وفى نهاية الخمسينات قدمت زيجريد هونكة كتابها (شمس الله تسطع على الغرب) ولم يكن كتابا علميا جافا، بل كان متعة جذابة سهلة الفهم، ولذلك انتشر واشتهرت به، ولا يزال هذا الكتاب يستحوذ على إعجاب الباحثين المتخصصين وعامة القراء لما يحتوى عليه من معلومات أساسية موثقة، ويعتبر هذا الكتاب الآن مرجعا أساسيا هو وكتابها الآخر (ليس الله كما يزعمون) الذى ترد فيه على المشككين والجهلة الذين يرددون الأحكام الجاهزة الظالمة للإسلام. وقد نجحت زيجريد هونكة فى شرح حقائق الإسلام، وتقديم صورة الإنسان المسلم بعيدا عن زيف النظرة المتميزة السائدة فى الغرب. وتناولت عدم صحة ما يقال عن الإسلام من أنه يدعو أنصاره لشن الحروب على الآخرين باسم الجهاد، وأن الإسلام يدعو إلى الكسل بحجة التوكل على الله وهذا هو سر تخلف المسلمين، وأنه قائم على اضطهاد المرأة.. وإلى آخر الافتراءات السائدة الأخرى. وقد نجحت فى إظهار ثراء الحضارة الإسلامية وأثرها غير المحدود على التطور فى أوربا فى الطب والهندسة والكيمياء والرياضيات والفلك والعلوم الطبيعية، كما دعت إلى التفاهم المتبادل بين الغرب والعالم الإسلامى، وكتبت تقول: إن الشهامة والحكمة اللتين تميز بهما السلطان الناصر صلاح الدين برهان تاريخى على عظمة الحضارة الإسلامية، ومن حق المسلمين أن يفخروا بهذا القائد كما يفخر الألمان بالإمبراطور فردريش الثانى الذى كان أول من مد جسرا فكريا عبر البحر الأبيض المتوسط ونقل الكثير من المعارف والإنجازات العلمية من العالم الإسلامى إلى مملكته.
وفى كتاب (شمس الله تسطع على الغرب) تقول زيجريد هونكة إن الغرب لم يعرف الأعداد إلا بعد أن تعلمها من المسلمين، فكانت ركيزة للعلوم الطبيعية والاقتصاد والمعاملات فى العالم. ونقل الغرب العلوم التى ابتكرها العلماء المسلمون وبخاصة الرياضيات التى تفوقوا فيها، وكذلك علم الفلك الذى تقدم تقدما كبيرا على أيديهم، وقد شرحوا حركة الأفلاك بشكل منهجى دقيق بناء على الملاحظة العلمية، وهم الذين علموا أوربا بناء المراصد الفلكية، ونقلوا علم الفلك من مجرد مراقبة شخصية للنجوم إلى علم له فوائد عملية منها قياس الوقت بدقة وكان ذلك ضروريا للمسلمين لتحديد أوقات الصلاة، وأوائل الشهور الإسلامية وبخاصة بداية ونهاية شهر رمضان، وقد اكتشف البيرونى العالم المسلم أن الشمس لا تدور حول الأرض كما كان العلماء الأوربيون يعتقدون، وأن العكس هو الصحيح والأرض هى التى تدور حول الشمس فتحدث الليل والنهار، وسبق بذلك العالم الأوربى كوبر نيكوس - بخمسمائة عام - العالم الذى ينسب إليه الغربيون كذبا هذا الاكتشاف العلمى. كذلك اثرى المسلمون التراث العلمى الذى نقلوه عن اليونان وكان علما نظريا، فأضاف المسلمون المنهج الحديث القائم على التجربة العلمية المنضبطة. ويجب الاعتراف بأن العلماء المسلمين هم الذين اخترعوا المنهج التجريبى بمعناه الدقيق، وأن المصطلحات العلمية فى علم الكيمياء مثلا نقلها العلماء الغربيون من علماء المسلمين ولازالت تحمل أسماء عربية.. وقد ذكرت الكثير من الكلمات العربية التى دخلت فى اللغات العلمية الأوربية مثل الكيمياء، والكحول، والاثميد، والبنزين، والإكسير، ومئات المصطلحات الأخرى. وشرحت كيف كان المسلمون مبدعين فى الميكانيكا، وتوصلوا إلى أفضل الوسائل لاستخدام المياه فى نقل الحركة، وصمموا السواقى والمضخات ومعدات رفع المياه. وفى سنة 880 ميلادية صمم عباس بن فرناس أول محاولة لصناعة آلة للطيران فى الجو ولم تكن الفكرة والمحاولة مما يخطر على بال أحد فى الغرب إلا بعد قرون: وقد نجح ابن فرناس فى صناعة آلة مكسوة بالقماش والريش قادرة على البقاء فترى زمنية فى الجو. وكان علماء المسلمين أول من اكتشفوا البارود قبل أن يتوصل إليه العالم الغربى برتولد شفارتس بفترة طويلة. وتمتلئ المراجع العربية بالأدلة على معرفة المسلمين للمواد المتفجرة، والأسلحة النارية، ومحركات الصواريخ، وكان المسلمون فى الأندلس أول من استخدم المدفع فى التاريخ. وكان المسلمون هم الذين قاموا بتصميم مصانع الورق بطرق أفضل مما كانت تصنعه به الصين وأنشأوا صناعة كاملة للورق قبل إنشاء أول مصنع لإنتاج الورق فى ألمانيا بستة قرون كاملة.
***
ودللت زيجريد هونكة على أن العالم المسلم ابن الخازن هو مؤسس علم البصريات، وأن ابن سينا أشهر الأطباء فى التاريخ العلمى للبشرية، وهو أول من اكتشف أن السرطان يبدأ فى موضع من الجسم وينتشر بعد ذلك، كما كان أول من اكتشف مرض السل وأنه معد، وأن التعرض لأشعة الشمس خطر على المصابين به، ووصف له الدواء. كذلك فإن الطبيب والفيلسوف ابن رشد هو الذى اكتشف بعض الأمراض المعدية والحميات، واكتشف أن الإصابة ببعضها تعطى الجسم مناعة منها مدى الحياة، واكتشف علاجا لمرض الطاعون، فى الوقت الذى قرر فيه القيصر الألمانى ماكسيميليان الأول بعد ذلك بمائتى عام أن مرض الطاعون عقاب من الله ليس له شفاء. وبينما كان أطباء الغرب يقولون أن تكّون الصديد فى الجروح ضرورى لشفائها كان ابن سينا قبل ذلك بقرون يعلم تلاميذه أهمية تفادى تكّون الصديد ويعالجه حتى يختفى بين ليلة وأخرى. وكذلك كانت المضادات الحيوية من اكتشافات العلماء المسلمين وكانوا يستخدمون المواد المعفنة المكونة للبنسلين ويصنعون منها المراهم والمساحيق، وكانوا يعالجون به الالتهابات وترتكز شهرة الجراح الفرنسى الكبير إمبرواز دى بارى على نجاحه لأول مرة عام 1552 فى إيقاف نزيف الأوعية الدموية الكبيرة، وزعم أنه هو صاحب هذا الاكتشاف، بينما كان الجراح المسلم أبو القاسم هو أول من درس هذا النوع من العلميات قبل الفرنسى بستمائة عام وكان يطبقها مما أدى إلى تحسن مستوى عمليات بتر الأعضاء. ولقد كان تأسيس أول مستشفى فى ألمانيا عام 1500 بينما كانت المستشفيات فى العالم الإسلامى موجودة قبل ذلك بثمانمائة عام وكانت أفضل من مثيلاتها فى الغرب التى أنشئت بعد ذلك بقرون.
***
وتناولت زيجريد هونكة فضل المسلمين على الغرب فى التعليم والثقافة، وذكرت أن الكنيسة استمرت فى استخدام اللغة اللاتينية التى لم يكن يفهمها عامة الشعب، وظلت أكثر من ثمانمائة عام ترددها فى الصلوات، بينما كان المسلمون يؤدون صلواتهم بلغة يفهمونها، وبينما كان المسلمون قد تعلموا من رسولهم دعوته للعلم كان 95% من سكان أوروبا أميين فى العصور الوسطى. وكان شباب المسلمين يدرسون القرآن والحديث والنحو والبلاغة والأدب والتاريخ والجغرافيا والمنطق والرياضيات وعلم الفلك لم يكن الغربيون يتعلمون شيئا من ذلك. وسبق المسلمون الغرب فى إنشاء الجامعات منذ القرن التاسع الميلادى، وكانوا سباقين فى منح الشهادات والدرجات العلمية وتقسيم الجامعة إلى كليات ووضع مناهج لكل كلية. وكانت الكتب منتشرة، وكان من علامات التفوق فى المجتمع الإسلامى أن يمتلك الإنسان مجموعة من الكتب القيمة النادرة، وكانت المكتبة الفاطمية أجمل وأكمل مكتبة فى التاريخ إذ كانت تحتوى على مليون و600 ألف مجلد منها ما يزيد على 6500 مجلد فى الرياضيات، و18 ألف مجلد فى الفلسفة، وفى القرن العاشر كانت مكتبة الشخص من الطبقة المتوسطة تشتمل على عدد من الكتب تفوق ما فى مكتبات الغرب جميعها!
وتقول ريجريد هونكة إن أشهر شعراء الغرب أخذوا من الشعراء المسلمين، وبخاصة العباقرة من أمثال دانتى وبتراركه، وكان دانتى دارسا للشعر العربى وللأساطير والفلسفة والتصوف فى الثقافة الإسلامية. وكان بتراركه دارسا للشعر الكلاسيكى عند المسلمين. وكذلك نقل الغربيون عن المسلمين الموسيقى والطرب، كما نقلوا التسامح والفروسية. والتسامح عند المسلمين مختلف عن موقف اللامبالاة تجاه الدين كما يظهر فى الغرب، والجذور الطبيعية لتسامح المسلم، بل وكرمه تجاه العدو ومن يحمل فكرا مغايرا لفكره، نجدها فى صورة الفتوة عند العرب، وقد انتقلت هذه الروح العربية إلى الفروسية فى الغرب. وكذلك كان للمسلمين الفضل فى التجارة على أسس اقتصادية وكانت الإمبراطورية الإسلامية مركزا للتجارة العالمية، كما كانت لدى المسلمين موهبة إدارية جبارة، وشيدوا جهازا إداريا نموذجيا فى إمبراطوريتهم، أصبح مثالا قلدته إمبراطوريات الغرب حتى بنظام الجمارك الدقيق الذى وضعه المسلمون ونقله الإمبراطور فردريش الثانى.
هكذا يجد الإسلام دائما من يقول عنه كلمة حق وسط ضباب الظلم والكذب والعداء فى الغرب. وستبقى كلمة الله هى العليا وكلمة الكافرين هى السفلى.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف