السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

همســة عتـــاب!

 

اعتدنا فى كل انتخابات أن يسارع من يخسر فيها بتوجيه الاتهام سابق التجهيز بالتزوير وضغوط الإدارة على الناخبين.. حدث ذلك- ويحدث- فى كل انتخابات ابتداء من انتخابات اتحادات الطـلاب ومجالس إدارات الأندية إلى انتخابات مجلس الشعب وأخيرا انتخابات رئيس الجمهورية!
وليس ذلك غريبا لأن من يفشل لا يعترف بأنه يستحق هذا الفشل.. وقد حدث ذلك فى دول العالم الثالث وفى دول العالم الأول أيضا.. وحتى فى أمريكا التى يرى البعض أنها النموذج الذى يجسد الديمقراطية بكل معانيها، تصاعدت فيها الاتهامات بعد انتخابات الرئيس الحالى جورج بوش فى ولايتيه الأولى والثانية.. أما فى أوروبا وآسيا فالأمثلة تفوق الحصر!
هى إذن طبيعة الانتخابات وهى الطبيعة البشرية عموما، فلا أحد يريد أن يعرف حجمه الحقيقى أو أن يعترف به، ولا أحد يريد أن يدرك الأسباب الحقيقية لفوز مرشح وفشل غيره، وكان الأجدر بالأحزاب التى خرجت بنتائج متدنية ألا تضيع جهدها فى توزيع الاتهامات على غيرها، وأن تدرس بموضوعية أسباب الضعف الذى وصلت إليه، وتتسلح قياداتها بالشجاعة لممارسة النقد الذاتى والاعتراف بالقصور والتقصير، وتبدأ فى إعادة بناء هياكلها التنظيمية على مستوى القيادة والقاعدة، وتجدد أساليب عملها، وتكثف تواجدها فى الشارع وتبادر بتغيير قيادتها وكوادرها التى لم تعد قادرة على استيعاب التطورات التى حدثت فى الحياة السياسية المصرية.
ولكن بدلا من أن تقوم بعملية المراجعة الشاملة، كما تفعل الأحزاب الحية القادرة على التطور، لجأت إلى أسهل الطرق للخروج من أزمتها.. أسرع حزب الغد إلى إطلاق الاتهامات بالتزوير، وكان يردد هذا الاتهام حتى من قبل إجراء الانتخابات، مع أن الأصوات التى حصل عليها أكبر من حجمه الحقيقى فى الشارع، مما جعل المراقبين يعتبرونها مفاجأة غير متوقعة، لأنه حزب جديد لم يمض على تأسيسه سوى شهور، وبالتالى فليس له تاريخ.. بل إنه لم يستكمل بناءه التنظيمى، وليست له جذور فى المدن والقرى التى تمثل القاعدة الكبرى من الناخبين، وإذا كان معروفا فى العاصمة لدى المهتمين بالشأن العام فهو غير معروف بدرجة كافية لدى عشرات الملايين من المواطنين الذين يحددون النتيجة فى صناديق الانتخاب، ولا يحققها الصخب الإعلامى وافتعال المعارك أو إطلاق الوعود بلا حساب، كالقول بإمكان القضاء على البطالة فى سنة واحدة، والاكتفاء بالبقاء فى الرئاسة سنتين فقط، يتم خلالهما إصلاح الاقتصاد والجهاز الحكومى والتعليم والعلاج وحل مشكلة الديون الداخلية والخارجية والقضاء على الفساد من جذوره، ثم الاستقالة بعد ذلك.. كلام أقرب إلى الهزل منه إلى الجد!
يضاف إلى ذلك ما صاحب نشأة هذا الحزب من تصرفات لقياداته تدل على الاندفاع والاستعداد للمغامرة وغياب الحكمة والحنكة السياسية، والشعوب لا تسلم قيادها إلا لمن تثق فى قدرته على التعامل مع الأزمات والمواقف الصعبة بعقلانية وهدوء، لا يندفع بالانفعال والحماسة.. ولا يحركه سوى العقل.. الشعوب لا تطمئن على مصيرها إلا?فى وجود رئيس يتمتع بالقدرة على ضبط النفس ولا?يخطئ فى حساباته لأن خطأه قد يؤدى بالبلاد إلى كارثة!
وقد غازل حزب الغد الإخوان المسلمين علنا وظهر وكأنه يستجدى أصواتهم، وتحالف معهم فحصل على أصواتهم فعلا، ولكن أصوات الإخوان ليست بالحجم الذى يؤدى إلى الفوز، وفى نفس الوقت فإن هذا الموقف جعله يفقد أصواتا أكثر.
وإذا كانت هناك نسبة من الناخبين تجذبها روح المغامرة والاندفاع فإنها لا تزيد على النسبة التى كشفت عنها نتيجة الانتخابات.
أما حزب الوفد، وهو حزب له تاريخ وبرنامج وقواعد، فإنه بدلا من أن يبحث عن القصور فى أدائه اندفع هو الآخر فى الطريق السهل وردد الحديث عن التزوير، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن حزب الوفد كانت أمامه المجالات مفتوحة على مصراعيها، فقام بحملة دعاية صارخة لم يسبق لها مثيل، وأقام سرادقات ومؤتمرات، وقام بزيارات إلى النقابات، ونظم مسيرات فى الشوارع داخل القاهرة وخارجها، وكان له مندوبون فى لجان الاقتراع، فلا مجال إذن للحديث عن تضييق أو تزوير.
وقد اعترف حزب الوفد، كما اعترف جميع المرشحين وجميع المراقبين المحليين والخارجيين بأنه لم يحدث تدخل من وزارة الداخلية والشرطة والجهاز الإدارى للدولة بأية صورة، وكانت حملة الوفد قد بدأت بشعار (اتخنقنا) فكان له تأثير إيجابى لدى القلة وتأثير سلبى لدى الأغلبية، لأنه أظهر أن كل ما لدى الوفد هو إرادة التخلص من الحكم القائم، وهذا هدف سلبى، قد يعجب بعض المثقفين الذين يتخذون موقف الرفض دائما ولكل شىء، ولكنه لم يؤثر فى ملايين المواطنين خصوصا بعد أن تبين أن الذى يقوم بتخطيط وإدارة الحملة الانتخابية لمرشح الوفد عضو نشط فى المجموعة القيادية فى لجنة السياسات وأمانة التثقيف فى الحزب الوطنى، وأنه ليس من قيادات حزب الوفد، فكيف يكون اختياره لهذا الشعار؟ وهل يعبر عن حقيقة موقفه؟.. هكذا المسألة وكأنها لعبة تفتقد الجدية والإخلاص وقيل فى تبرير هذا الموقف المزدوج بأنه أستاذ فى الإعلان والتسويق ويعمل فى خدمة حزب الوفد بإذن من الحزب الوطنى المنافس باعتباره خبيرا فى التسويق ويقوم بعمل مهنى لا ?يتعارض مع دوره فى الحزب الوطنى.. وكان هذا التناقض مثار تعجب لأن تنظيم حملة سياسية لحزب دون الإيمان بمبادئ هذا الحزب والانتماء إليه شىء يصعب فهمه، وبالتالى يصعب تصديق ما يصدر عنه! وكان هذا الموقف سببا فى تزايد الحديث عن صفقة وتعاون بين المتنافسين مما يعنى أن حزب الوفد لم يكن جادا فى المنافسة.. والناس ليس لها إلا الظاهر..
وكان موقف حزب الوفد من الإخوان المسلمين متناقضا بين رفض الاعتراف بهم، ثم السعى لكسب أصواتهم وفى الحالين خسر الوفد أصوات الإخوان وأصوات غيرهم ممن رأوا عدم الثبات على المبدأ! وهاجم الوفد رئيس اتحاد العمال بألفاظ حادة فخسر أصوات كثير منهم وأكد على عزمه إلغاء نسبة 50% للعمال والفلاحين فخسر أصوات العمال والفلاحين وليس من المعقول أن يؤيدوا سياسة ضد مصالحهم، ناهيك عن ألفاظ غير لائقة قيلت علنا وسط الحشود وتكرر الاعتذار عنها بأنها صدرت عن الانفعال مما جعل الناس يتخوفون من تصرفات أكبر وأخطر تصدر عن الانفعال تمس البلد ولا يصلح الاعتذار عنها.
أما بقية الأحزاب التى خرجت صفر اليدين تقريبا فليس من حقها أن تلقى المسئولية على أية جهة، وعليها أن تحمد الله على ما حصلت عليه، وإن كنا قد شهدنا حدثا ليست له سابقة فى التاريخ وهو وجود زعيم حزب رشح نفسه رئيسا للجمهورية ويطلب من الناس أن ينتخبوه (وإلا لماذا رشح نفسه؟) ثم يعطى صوته لمرشح آخر، أى أنه لا يعطى صوته لنفسه (معقول!) فلماذا كان الترشيح والظهور فى التليفزيون والحصول على نصف مليون جنيه؟..
بعض الأحزاب ثبت أنها مثل الزائدة الدودية لا حل لها سوى الاستئصال، ولا بد من قانون يضع شرطا لاستمرار الحزب وهو حصوله على عدد معين من الأصوات كحد أدنى فى كل انتخابات فإذا لم يحصل عليه كان ذلك قرارا شعبيا بحل هذا الحزب.
لقد أعطى المصريون أصواتهم لمن يثقون فيه وفى وعوده، ولم تكن هذه الانتخابات بعيدة عن العيون، فقد تابعتها حكومات الدول، وراقبها ممثلون للقضاة ومنظمات المجتمع المدنى فى مصر، وآلاف الصحفيين وممثلو شبكات التليفزيون العالمية، وطبعا تابعتها جميع السفارات فى مصر، وجاءت شهادة القضاة والمجلس القومى لحقوق الإنسان والمراقبين بأنها انتخابات نظيفة وأن الأخطاء التى حدثت فى عدد من اللجان والكشوف هى أخطاء إنسانية لا تؤثر فى مجمل النتيجة.. والكمال لله وحده..
همسة عتاب لكل من لا يتحلى بفضيلة الاعتراف بالحق.. والاعتراف بالحق فضيلة..

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف