السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

هذه الأحزاب.. تكون أو لا تكون؟

 

البعض يرى أن خطوات الإصلاح السياسى بطيئة ويطـالب بالإصلاح الكامل والشامل فى قفزة واحدة وفى لحظة واحدة، حتى أن أحدهم قال: إن وضع دستور جديد للبلاد يمكن أن يتم فى شهر، وإن أعداد قانون جديد لتنظيم الانتخابات بالقائمة يمكن أن يتم فى ساعة واحدة، وهكذا يبدو الكلام سهلا، وكأن المسألة لا تزيد على ورقة وقلم وأستاذ قانون وساعة زمن وتتحقق لمصر الديمقراطية بكل أبعادها وعناصرها.
وهؤلاء ينطبق عليهم المثل القديم (من يجلس على البر هو أحسن من يدعى أنه يجيد السباحة! لأنهم يتجاهلون الشروط الأساسية التى لا يمكن قيام الديمقراطية بدونها.
فالديمقراطية لم تظـهر ولم تكتمل فى الدول الكبرى إلا بعد أن مرت بمراحل من التطور الاجتماعى والاقتصادى والثقافى، ولم يحدث فى التاريخ أن تحققت الديمقراطية بمعناها الكامل فى بلد بالضغط على زر.
فقد وصلت دول أوروبا إلى الديمقراطية بعد قرنين من الزمان، واستغرقت أمريكا قرنا كاملا، ومع التطور الذى حدث فى المجتمع المصرى فإنه لا يحتاج إلى قرن أو نصف قرن، ولكنه يحتاج إلى سنوات لا تزيد على عدد أصابع اليد الواحدة.. إذا أخذنا فى الحساب ما تحقق خطوات وإصلاحات سياسية منذ عصر إسماعيل حتى اليوم، وإن كانت هذه الخطوات قد توقفت أو تلكأت فى بعض العهود، إلا أنها كانت دائما تستعيد قوة الدفع، وما تحقق حتى اليوم ليس بالقليل، ومن يدع أنه ليس فى مصر ديمقراطية فهو ظالم لنفسه ولمصر، ومن يُقل إننا حققنا الكثير فى بناء الديمقراطية وعلينا أن نستكمل البناء فهو على حق والنمو لا يتم أبدا إلا فى الزمن، فالطفل لا يصبح شابا فى يوم واحد، والشاب لا يصبح كهلا فى ساعة من الزمان، والوصول إلى الديمقراطية الكاملة يتم عبر مسيرة لن تطول، بالنسبة لمصر وعلينا أن نواصل السير، ونسرع الخطى.
ولابد أن ندرك أن الديمقراطية لا يحققها إلا الديمقراطيون.. شعب ديمقراطى، وسلطة ديمقراطية، ولا يمكن أن تتحقق الديمقراطية من طرف واحد، بينما الطرف الثانى غير مؤمن أو غير مؤهل لذلك، وعلى ذلك فإنه من الخطأ أن نطالب جانبا واحدا- هو السلطة أو الحكومة- بتنفيذ كل استحقاقات الديمقراطية السليمة دون أن يقوم الجانب الآخر بدوره، وهذا الجانب يشمل الأحزاب، والنقابات والجميعات والحركات السياسية الجديدة التى أفرزتها الأحداث، وأصحاب الرأى وكل من لديه رؤية للمستقبل السياسى للبلاد وقدرة على المشاركة فى تحقيقها..
أما تركيز المطالبة على السلطة أو الحكومة فقط فهذه رؤية أحادية، لا ترى إلا ما تريد أن تراه وتغمض العين عما لا تريد أو لا تقدر على رؤيته، والمفروض أن تكون الرؤية متكاملة تشمل ما يجب أن تنفذه السلطة أو الحكومة اليوم وغدا وما يجب على الجانب الآخر أن يفعله.. واليد الواحدة لا تصفق وإذا لم يقم الجانب الآخر بواجبه فسوف يستمر السير بطيئا، لأنه سير على قدم واحدة، بينما الجانب الآخر بدلا من أن يشارك ويقوم بعمل ما يجب عليه عمله يكتفى بالكلام والتفلسف والنقد والزعيق فى الشوارع وغير ذلك من المواقف السلبية.
وإذا نظرنا إلى الساحة السياسية الآن فسنجد أمامنا أحزابا كثيرة- أكثر مما يجب- معظمها لا تتوافر فيه مقومات الحزب السياسى، وهى مجرد كيانات هشة، مجرد لافتات، بلا هيكل تنظيمى وبلا كوادر سياسية لها ثقل جماهيرى، وبالتالى فإن هذه الأحزاب ليس لها تأثير يذكر فى الشارع، والدليل على ذلك ما حصلت عليه فى انتخابات الرئاسة من أصوات أقل مما يحصل عليه مرشح فى أحد المجالس المحلية فى مركز أو مدينة،ورغم ما أسفرت عنه نتائج الانتخابات لم تفكر هذه الأحزاب الهامشية فى اتخاذ خطوة شجاعة بالاندماج معا فى حزبين أو ثلاثة على الأكثر لكى تصبح أحزابا بحق، خاصة أن الفوارق الأيديولوجية بينها لا تبرر استقلال كل منها، مثل أحزاب التجمع والعربى الناصرى، والعدالة والتكافل، ومصر العربى، فكلها تتبنى الفكر اليسارى وتجمع بينها قواسم مشتركة مع اختلافات ليست جوهرية تجعلها أقرب إلى تكون أجنحة داخل حزب واحد أكثر من كونها أحزابا متعددة، وكذلك الأمر فى أحزاب الوفد، والأحرار، والدستورى، ومصر 2000 فهى أحزاب ليبرالية مع اختلافات يمكن أن تجعلها هى الأخرى أجنحة داخل حزب ليبرالى واحد.
وصحيــح أن معظـــم هذه الأحزاب شرع فى تكوين جبهة مع عدد من الشخصيات العامة لدخـــول الانتخابــات بقائمة موحدة، إلا أن هذه الجبهة- إذا تكونت فعلا وإذا شاركت فى الانتخابات كجبهة موحدة فعلا- فإنها ستكون كيانا مؤقتا مرهونا بمناسبة الانتخابات ثم يعود كل حزب ليعلن استقلاله، ويجلس رئيسه فى مقاعد الصف الأول ويحصل على الدعم الحكومى حتى ولو لم يحصل على مقعد واحد فى مجلس الشعب، فالجبهة تمثل شعورا بضرورة التكامل ونرجو أن تفوز بعدد مناسب من المقاعد فى مجلس الشعب، لأن الديمقراطية لا يمكن أن يكون لها وجود بدون وجود معارضة، فالتعددية هى الديمقراطية، وليس من صالح مصر، ولا من صالح الحزب الوطنى، أن ينفرد وحده بالساحة ويحجب المعارضة وتغيب أحزاب حقيقية أخرى عن الساحة لأِن التنافس الشريف بين الأحزاب هو الضمان لتصحيح مسار العمل الوطنى، والوصول إلى الصواب ومحاربة الفساد الذى انتشر وتحول إلى سرطان قاتل، وفى النهاية فإن المعارضة القوية هى التى تحقق التوازن فى الحياة السياسية ووجودها هو صمام الأمان للمجتمع.
ونحن على أبواب مرحلة جديدة تتفق فيها الإرادة الشعبية مع الإرادة السياسية المعلنة من قمة السلطة فى البلاد، والهدف هو تحقيق نقلة نوعية تغير الكثير من الأوضاع والتشريعات والنظم القائمة، ويمتد التغيير فيها من النظام الاقتصادى إلى النظام السياسى إلى نظم التعليم والرعاية الصحية، ونظم الإسكان والمؤسسات المالية.. إلخ.. هذا التغيير الشامل لا يمكن أن يتم بصورة سليمة إذا لم تكن هناك مشاركة ورقابة شعبية وإلى جانبها رقابة برلمانية قوية، لديها الخبرة والوعى والشجاعة.
ومجلس الشعب القادم نحن الذين سنختاره.. الشعب هو صاحب الكلمة وهو الذى سيحدد شكل السلطة التشريعية.. هل ستكون على مستوى المسئولية أو لا تكون.. والأحزاب الصغيرة يجب أن تتخلى عن الأنانية التى تجعل قيادات كل حزب مصممة على أن تكون لها الرئاسة وحدها مع أن اندماج هذه الأحزاب هو الذى يضمن لها النجاة من المصير المحتوم الذى ينتظرها.. قبول فكرة الاندماج- وليس الجبهة- هو الحل وقبول هذه الفكرة أو رفضها سيقرر مصير هذه الأحزاب وقياداتها.. تكون.. أو لا تكون..

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف