السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

أين عرب 73 ؟!

 

مرت 32 عاماً على حرب 73، وهى الحرب الوحيدة التى حقق العرب فيها انتصاراً، ولم يطرح أحد فى العالم العربى لماذا اختلفت المواقف إلى هذا الحد، وشتان بين الحالة العربية اليوم، وبين ما كانت عليه فى عام 73، وهل يمكن أن تعود روح 73 إلى العالم العربى مرة أخرى؟
فى حرب أكتوبر 73 كان التضامن العربى عاملا من العوامل الأساسية فى دعم القوات المسلحة المصرية والسورية، وكان هذا التضامن حقيقيا وقويا، كان تضامنا ماديا ومعنويا، وكانت الدول العربية تبدو فى صورة موحدة ومتماسكة، وهذا ما جعلها تمثل سندا حقيقياً للقوات المقاتلة.
واليوم يبدو العالم مفككا، تحيط به أزمات ضاغطـة من الخارج والداخل، ولا يسعى بجدية لمواجهتها صفا واحداً وكلمة واحدة، ولابد أن تكون هناك أسباب لذلك، خارجية وداخلية أيضاً.
وأياً كانت هذه الأسباب فقد أدت إلى انفراط العقد العربى، وإلى تزايد الخلافات والحساسيات، وتنامى النزعات القطرية، وحرص كل دولة على الانفراد بوضع سياسة لنفسها واتخاذ المواقف والقرارات التى تراها محققة لمصلحتها - أو لمصلحة حكامها ـ دون أن تضع فى الاعتبار أثر ذلك على غيرها من الدول العربية الأخرى. وقد وصل الأمر إلى حد المجاهرة بالدعوة إلى الانسلاخ عن العالم العربى، والالتحاق بعالم آخر!
هذه هى الحقيقة التى لا يريد كثير من السياسيين وأتباعهم الاعتراف بها، والشاهد على ذلك الصعوبات التى تلاقيها الجهود التى تبذل لرأب الصدع وإعادة التوافق أو الوفاق العربى، وابتعاد احتمالات تحقيق الحلم المتواضع بتحقيق تكامل اقتصادى عربى، وتوجيه الأموال العربية لاستثمارها فى دول عربية بدلا من استثمارها فى الخارج رغم ما تتعرض له هذه الأموال من مخاطر الحظر والمصادرة.
ولأن العرب أدمنوا حل المشاكل وتحقيق الآمال بالكلام وليس بالفعل فإن ما يتردد فى التصريحات الرسمية وأجهزة الإعلام عن العمل العربى المشترك وعن الوفاق العربى أكثر مما هو مطلوب، وما ينفذ منها على أرض الواقع أقل كثيرا مما هو ممكن. وهذه الحقيقة نبه إليها الأمين العام للجامعة العربية - عمرو موسى- فى القمة العربية الأخيرة فى الجزائر حين قال بوضوح إن العالم العربى يبدو وكأنه الحلقة الرخوة تتجاذبه التيارات، وتتعرض الدول العربية دون استثناء للاستقطاب وإلى زعزعة كياناتها، وكان المفروض أن تكون هذه الكلمات ناقوس إنذار ينبه إلى ضرورة البدء فورا -ودون إبطاء- لتدارك الأمر وتفادى الوقوع فى مخاطر الاستقطاب وزعزعة الكيان، وكان المنتظر أن تبدأ الخطوة الأولى لذلك بحل الخلافات القائمة أيا كان سببها وحجمها.
وتوقع المتفائلون أن تكون تنبيهات الأمين العام إشارة البدء لتوحيد الصف العربى، وشطح الخيال بالبعض فقالوا إن العرب منذ تلك اللحظة سوف يصبحون قوة إقليمية يحسب لها حساب، مادامت هناك أطراف دولية أخرى استطاعت أن تستثمر المناخ الدولى الجديد لتخرج من حالة الاستقطاب وتواصل بناء كياناتها الموحدة وقدراتها الذاتية مثل أوروبا، والصين، والهند، والبرازيل، ودول مجاورة للعالم العربى تتعامل بوعى مع التحديات العالمية الجديدة، وتتخذ مواقف جماعية حازمة تحفظ مصالحها، وتنمى قدراتها، وتفرض وجودها كقوى إقليمية مؤثرة.
كل هذا -وأكثر منه- قاله عمرو موسى للقادة العرب، وأضاف إليه تحذيراً من تزايد حالة الإحباط لدى الرأى العام فى العالم العربى بسبب ما تكشفه التقارير الدولية عن قصور المجتمعات العربية فى مسيرة التطور العالمى، خاصة فى مجالات التنمية والتكنولوجيا والبحث العلمى بل ومحو الأمية ووضع المرأة، مما يجعل العالم العربى يبدو فى عيون العالم كالرجل المريض الذى يحتاج إلى علاج عاجل وحاسم سواء رضى أم رفض ذلك، لأن ما وصل إليه العرب من التطور السياسى والعلمى والاجتماعى هو ما أدى إلى كثرة المبادرات التى تنهال على الدول العربية والإسلامية من جهات متعددة: أمريكية وأوروبية، لرسم سياسات من الخارج لتطوير العالم العربى وإصلاح أوضاعه. وفى نفس الوقت فإن غياب إستراتيجية عربية موحدة لمواجهة هذه الضغوط والمبادرات الخارجية هو ما يجعل العالم العربى كله فى موقع دفاعى لا يحسد عليه.
هذا أيضاً قاله عمرو موسى وكرر التحذير من مخاطر الأزمة والمشاكل فى المنطقة على كل الدول العربية دون استثناء، وقال أيضا إن الصورة تبدو قاتمة وسلبية على الرغم من وجود جوانب مضيئة وإيجابية ولكنها لاتزال فى بداياتها مثل المصالحة فى السودان، وقرار الأمم المتحدة بتفكيك الجدار العنصرى الذى تقيمه إسرائيل فى الأراضى الفلسطينية وأهمية هذا القرار أنه صدر بأغلبية 150 صوتا فيهم دول الاتحاد الأوروبى جميعها، ومن الإيجابيات أيضاً فى رأى عمرو موسى صدور وثيقة التحديث عن قمة تونس عام 2004 التى تعهدت فيها الدول العربية بإجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية واحترام حقوق الإنسان، وتوسيع المشاركة السياسية بتشكيل مجالس منتخبة وتمكين المرأة.
لكن الحالة العربية تتجلى بوضوح فى الوضع الذى صارت إليه الجامعة العربية بحيث اضطر الأمين العام إلى إعلان العجز المالى الذى تعانى منه الجامعة وأوشك أن يصل إلى الإفلاس، بسبب عدم سداد عدد غير قليل من الدول العربية لنسبة مساهمتها فى موازنة الجامعة حتى بلغت المتأخرات مائة مليون دولار، ولم تستطع تمويل المشاركة العربية فى معرض فرانكفورت الدولى عام 2004 وكانت الثقافة العربية هى ضيف الشرف فى هذا التجمع الثقافى العالمى الكبير، لولا تبرعات أفراد وهيئات لتمويل تكلفة الحضور المشرف للعرب فى ساحة دولية مهمة، لكن الأمر أكبر من ذلك، فقد أدى العجز المالى إلى شل حركة الجامعة العربية وعجزها عن تنفيذ معظم البرامج والأنشطة التى سبق وأن قررها القادة العرب فى القمم السابقة، ومعنى ذلك أن القادة العرب يجتمعون ويصدرون قرارات يهلل لها الإعلام العربى، دون أن يوفروا التمويل اللازم لتنفيذها، فهى إذن -فى حقيقتها- قرارات للعرض فقط، وهذا ليس تعبير الأمين العام.
التعبير الذى استخدمه الأمين العام هو أن القادة العرب مطالبون بمعالجة الخلل الذى يهدد كيان الجامعة العربية فى الصميم، وهى كلمات تبدو وكأنها صيحات استغاثة!
أين هذا مما كان عليه القادة العرب فى عام 73 عندما عملوا بجدية على تجاوز الخلافات بينهم، وحققوا التضامن العربى فعلا وظهروا فى الساحة الدولية كقوة إقليمية قادرة على الفعل، وكان مؤتمر الصمود العربى عام 1970 نقطة البدء، وبعده عقد مؤتمر القمة العربية فى نفس العام وشارك فيه القادة العرب جميعا وكان نقطة تحول فى السياسة العربية، مهد لوقوف الدول العربية مع مصر وسوريا فى حرب أكتوبر بالمشاركة العسكرية من الجزائر والمغرب والعراق والسودان، وبإغلاق مضيق باب المندب بمساعدة اليمن، وبسلاح البترول بشجاعة الراحلين الملك فيصل والشيخ زايد، وهكذا ظهرت قدرة العرب على التوحد، وهذا ما نبه القوى الأجنبية لوضع استراتيجية للحيلولة دون تكرار هذا التوحد العربى مرة أخرى.
وهذا هو التحدى أمام الدول العربية الآن.. أمامهم معركة لا تقل ضراوة عن معركة 73 لحماية بلادهم من الاستقطاب والضغوط والأطماع الأجنبية، وللحرب على التخلف.
فهل يقبلون التحدى؟. وهل يكررون موقفهم العظيم فى 73؟.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف