السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

رسائل من عمرو موسى

 

بعث عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية برسائل قوية إلى أوربا وأمريكا وإسرائيل، عبّر فيها عن الرأى العام العربى، وكان فيها ممثلا بحق للشعوب العربية أكثر من كونه ممثلا للحكومات العربية، وأعتقد أن هذه الرسائل سوف تجد صدى ولن تذهب هباء، فليست هناك دولة فى العالم مهما بلغ طغيانها تخلو من ذوى الضمائر الحية.
ففى باريس، وأمام المنتدى الأول للحوار العربى الأوربى الذى نظّمته الجامعة العربية والمفوضية الأوربية ومعهد العالم العربى قال عمرو موسى بوضوح أمام صفوة من رجال الفكر والسياسة والدبلوماسية فى فرنسا وأوربا: ليست هناك معركة بين حضارات العالم، وليس صحيحا ما أعلنه بعض المفكرين والقادة السياسيين الغربيين عن حرب الحضارات.
والواقع أن هناك معركة يشنها البعض ضد الإسلام أساسا. وعمرو موسى على حق والدليل على ذلك أن الجيوش التى تحركت والحروب التى اشتعلت من جانب واحد موجهة إلى دول إسلامية وليس إلى دول أخرى. وليس هناك حديث عن صراع بين الغرب والعقائد الأخرى مثل الهندوسية أو الكونفوشية أو غيرهما، ولكن الحديث يدور فقط ويتركز على الإسلام كعدو. الإسلام وحده هو الدين الذى يتعرض للإساءات والتشويه فى دول الغرب عموما، والمسلمون الذين يعيشون فى الغرب هم وحدهم الذين يتعرضون للاضطهاد دون أبناء الديانات الأخرى، وقوانين الهجرة التى تصدرها الدول الغربية ليس لها هدف غير منع دخول المهاجرين المسلمين والتضييق على من تمكن من الدخول والإقامة الشرعية أو غير الشرعية.
ومع أن الإرهاب موجود فى كل الدول وبين أصحاب كل الديانات، ومع أن أسباب ظهور الإرهاب فى العالم الإسلامى لا يجهلها قادة الغرب، إلا أنهم يتجاهلونها وينكرون وجودها ويركزون على سبب واحد هو (الإسلام) وعقيدة الإسلام، وأسلوب تعليم مبادئ الإسلام للأطفال والشباب فى الدول الإسلامية، وغياب الديمقراطية فى الدول الإسلامية وسيادة النظم الاستبدادية التى تستمد شرعيتها من الإسلام، بينما الحقيقة أن ظهور ونمو الإرهاب يرجع إلى أسباب مختلفة بعضها اجتماعى وبعضها الآخر سياسى، ولكن أهم هذه الأسباب هو العدوان والضغط الخارجى على الشعوب الإسلامية مما يجعل الشباب فيها يعانى من الشعور بالظلم، والإحباط، وفقدان الأمل فى وجود العدالة فى هذا النظام العالمى الجديد الذى لا يؤمن إلا بالقوة، وما دام الظلم واقع عليهم من دول تملك الجيوش والأسلحة المدمرة فليس أمامهم إلا الإرهاب للمقاومة وللتعبير عن الرفض وعن حالة السخط على هذه القوى الظالمة. ويكفى ما يحدث للفلسطينيين من قتل وتشريد وخنق اقتصادى إلى حد التجويع وحصار لم يحدث مثله لأى شعب من شعوب الأرض ولا تبدو بارقة أمل أو انفراجة إلا بتلبية إرادة القوة العظمى بأن يستسلم الشعب الفلسطينى ويتنازل عن أرضه وتاريخه وحقوقه ويرضى بحياة الذل تحت الحصار إلى الأبد، ويفتح صدره لرصاص الاحتلال، ويسلم أمره إلى مغتصبى بلده..
والوضع فى العراق- كما قال عمرو موسى- مصدر قلق كبير لجميع العرب والمسلمين لما يحمله من تداعيات سلبية على وحدة وسيادة العراق واستقلاله، وعلى الأمن والاستقرار الإقليمى والدولى. ويضاف إلى ذلك عامل آخر ضاغط على الأعصاب هو انتشار الأسلحة النووية فى المنطقة دون مراعاة لحقوق شعوب المنطقة فى ضمان الأمن والسلم.. وكان عمرو موسى على حق حين أعلن فى باريس أن الدول العربية يجب عليها سرعة الدخول فى الاستخدامات السلمية للطاقة النووية تحت الرقابة الدولية، وبضمان كاف وهو أن الدول العربية والإسلامية جميعها أعضاء فى اتفاقية انتشار الأسلحة النووية وتخضع للرقابة الدولية على مفاعلاتها دون شروط. إسرائيل هى الدولة الوحيدة التى ترفض التوقيع على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، وترفض دخول أحد من المفتشين الدوليين إلى مفاعلاتها النووية.
هذه الرسالة تحتاج إلى متابعة من حكومات الدول العربية والمنظمات السياسية والفكرية فى العالم العربى والإسلامى، لأن الحملة ضد الإسلام فى الغرب قوية ومنظمة وتجد تأييداً سياسياً لأنها تقدم المبرر للأطماع الإمبريالية وهذه الأطماع هى الدافع الحقيقى للحروب والضغوط على الدول العربية والإسلامية. وهذه الحقيقة لا يخفيها بعض المفكرين والسياسيين فى الغرب ويكشفون صراحة عن هذه الأهداف الإمبريالية: البترول، والهيمنة، وفتح الأسواق، ونهب الثروات، وإرساء نظام عالمى إمبراطورى جديد.
ومن القاهرة، وعقب الاجتماع الوزارى لمنتدى التعاون الصينى شرح عمرو موسى فى مؤتمر صحفى حقيقة ما يجرى فى فلسطين، بعد أن نجحت إسرائيل- وأمريكا طبعا- فى تشويه هذه الحقيقة.. فقد أقنعت إسرائيل- وأمريكا- العالم بأن ما يجرى فى الأراضى الفلسطينية هو إرهاب فلسطينى، وأن عمليات القتل والتدمير واغتصاب الأراضى التى تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلية ليست سوى مقاومة للإرهاب.. قال عمرو موسى فى عبارات صريحة: القضية الفلسطينية قضية احتلال عسكرى لأراض عربية وليست قضية إرهاب، وانتهاء العنف فى الأراضى الفلسطينية وفى المنطقة مرهون بتسوية هذه القضية، ولا يمكن التسوية إلا بإنهاء الاحتلال عبر التفاوض، ومن غير المقبول وضع شروط إسرائيلية جديدة على الحكومة الفلسطينية المنتخبة دون الانطلاق من هذا المفهوم- مفهوم إنهاء الاحتلال عبر التفاوض- ودون أن يقدم الجانب الإسرائيلى ما يقابل هذه الشروط التى يطالب بها، وليس مطلوباً من الحكومة الفلسطينية سوى إعلان التزامها بمبادرة السلام العربية التى أقرها القادة العرب بالإجماع فى القمة العربية ببيروت فى مارس 2001. وهذا طبيعى لأنه لا يمكن للحكومة الفلسطينية فى جميع الأحوال الخروج عن الإطار والإجماع العربى الذى يمثل عمقها الاستراتيجى، فماذا ستقدم الحكومة الإسرائيلية فى المقابل؟
هذه الرسالة الموجهة إلى الحكومة الإسرائيلية والحكومة الفلسطينية فى نفس الوقت تضع أمام الطرفين الحل الوحيد الممكن لهذه الأزمة المزمنة التى تملأ نفوس العرب والمسلمين بالكراهية. واستمرار الصلف الإسرائيلى ليست له نتيجة إلا زيادة الكراهية، والرغبة فى الانتقام، ولن يكون ذلك فى صالح إسرائيل على المدى البعيد ولو بعد عشرات السنين. وبعض العقلاء فى إسرائيل يدركون ذلك وينصحون حكومتهم بالإسراع فى العمل على التوصل إلى حل يحقق للفلسطينيين الشعور بالعدالة والكرامة ويحولهم من أعداء لإسرائيل إلى جيران طيبين.
وفى شرم الشيخ، وفى اللقاء الذى عقد ضمن فعاليات مؤتمر دافوس كان حوار عمرو موسى مع روبرت زوليك مساعد وزير الخارجية الأمريكية خليطا من الحدة والجدية بل والمبارزة أيضاً من جانب عمرو موسى، وخليطا من الهزل (والاستعباط) من جانب المسئول الأمريكى، قال عمرو موسى إن الوضع الأمنى فى المنطقة هش، وأن إتمام عملية الإصلاح بنجاح يحتاج إلى الاستقرار، وقال فى وجه المسئول الأمريكى: إن هناك من يرغب فى فرض اتجاه واحد على جميع دول المنطقة، وهذا أمر لا يمكن أن يتحقق، وقال له أيضا إن أمريكا تثير أزمة حول خطورة حصول إيران على قدرات نووية، وهى ما زالت بعيدة جداً عن الوصول إلى إنتاج سلاح نووى، وهى تعلن أنها لا تهدف إلى ذلك، وتقبل بالتفتيش الدولى وبالالتزام بضمانات دولية بالاختصار على الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، بينما لا تذكر أمريكا شيئا عن السلاح النووى الذى تملكه إسرائيل بالفعل.
وكانت النكتة التى ضحك لها الحاضرون من مختلف دول العالم أن قال مساعد وزير الخارجية الأمريكية إنه لا يدرى إن كان لدى إسرائيل سلاح نووى أم لا.. وبرر هذا الجهل الأمريكى بقوله: إنهم لم يعلنوه!
قال مساعد وزير الخارجية الأمريكية ذلك وكأنه يتحدث إلى أطفال، فقد كان أمام الحاضرين تصريح من كبير المفتشين التابعين للأمم المتحدة السابق هانز بليكس قال فيه إن إسرائيل تمتلك 200 سلاح نووى، وذكر ذلك فى التقرير الذى أعدته لجنة أسلحة الدمار الشامل برئاسته وقدمه إلى كوفى أنان الأمين العام للأمم المتحدة، وجاء فى هذا التقرير الرسمى أن إسرائيل يجب أن تلزم نفسها بعدم إنتاج المزيد من البلوتونيوم. أليس من المضحك أن يقول مسئول أمريكى كبير إن بلاده لا تعلم شيئا عن وجود أسلحة نووية فى إسرائيل لأنها لم تعلن ذلك، وكأن القوة العظمى ليس لديها معلومات عما يحدث فى إسرائيل إلا عن طريق ما تعلنه إسرائيل ذاتها، وكأنه لم يعلم شيئا عن المعلومات والصور التى نشرها المهندس الإسرائيلى فانونو فى الصحافة البريطانية، وفانونو كان يعمل فى أحد المفاعلات النووية الإسرائيلية، وبسبب نشره لهذه المعلومات قامت المخابرات الإسرائيلية باختطافه من لندن حيث كان يقيم هاربا من الجحيم الإسرائيلى على حد تعبيره، وقدم للمحاكمة، وحكم عليه بالسجن، وهو الآن يعيش منبوذا ممنوعا من الكلام بعد أن انتهت مدة العقوبة وخرج منهكا ومصابا بعدة أمراض نتيجة ما تعرض له فى السجن، وقد أدلى بأحاديث بعد خروجه فضح فيها الممارسات الإسرائيلية قبل أن يفرض عليه الصمت إلى الأبد!
كل ذلك والمسئول الأمريكى الكبير لا يعلم- وبلاده العظمى لا تعلم- إن كان لدى إسرائيل أسلحة نووية أم لا، وهى التى تتجسس على دول العالم جميعا دون استثناء بالأقمار الصناعية والأجهزة الإلكترونية وعملاء المخابرات وما أكثرهم!
يبدو عمرو موسى فى الساحة الدولية هو الصوت العربى الذى يواجه ويحارب بقوة فى معارك الحق العربى والجميع يتحدثون بلغة دبلوماسية رقيقة، بينما يتحدث الأمريكيون والإسرائيليون بلغة عدوانية صريحة.. واضح أن هناك معركة سياسية ودبلوماسية تسير موازية للمعارك العسكرية فى العراق والأراضى الفلسطينية وأفغانستان وللضغوط الاقتصادية والسياسية على الدول العربية.. هذه المعركة لا يكفى فيها فارس واحد. إنها تحتاج إلى كتيبة فرسان يتحركون فى دول الغرب ليواجهوا الأكاذيب بالحقائق.. والحق لا يضيع ما دام وراءه مطالب مؤمن بحقه ولا يقبل التنازل عنه.
ولكن.. هل بعث عمرو موسى بهذه الرسائل بصفته الشخصية وعبّر فيها عن قناعته هو.. أو كان يعبّر بها عن الشعوب العربية.. أو عن الحكومات العربية أيضاً؟!.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف