السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

معـارك سـمير سـرحان

 

المثقف الحقيقى هو الذى يكون له موقف يدافع عنه وقضية أو قضايا يبشر بها ورؤية للمستقبل واستعداد طبيعى للاقتراب من الناس العاديين والاحساس بمشاكلهم وعدم الترفع عليهم.. ويعيش حياته وفق مبادئه لا يساوم عليها ولا يعرض ضميره للبيع أو للإيجار!
المثقف الحقيقى هو الذى يخرج من شرنقته المحلية لينفتح على الفكر والثقافة العالمية خارج الحدود.. قدماه ثابتتان على أرض وطنه ورأسه عالية تتنفس بحرية وعيناه تتابعان ما يجرى فى الدنيا وعقله يتفاعل مع تيارات الفكر العالمى.. المثقف الحقيقى هو الذى يدرك أن القمة تتسع لكثيرين وأن وصوله إلى القمة فرصة لكى يمد يده ليساعد غيره من الموهوبين على الوصول إليها.. ويزداد تألق موهبة صاحب الموهبة كلما كان فى ساحة مفتوحة لكل أصحاب المواهب.. المثقف الحقيقى أستاذ تحدد مكانته بقدر تلاميذه.. ومنارة تتوقف قيمتها على مقدار ما تبعث من الضوء وترشد المتطلعين إليها.. هذا هو سمير سرحان الذى فقدناه.
ولأنه مثقف كبير كان لابد أن يخوض معارك كبيرة وأن يواجه ما يواجهه كل ناجح من مكائد وعداوات وحقد.. وهى معارك لا ينجو منها ناجح فى مواجهة أعداء النجاح.
كان طبيعيا أن يكون له خصوم ومنافسون وقد تألق فى موقعه فى هيئة الكتاب التى تولى رئاستها وهو فى الأربعين وخرج منها بعد أن أعطاها عصارة فكره وجهده أكثر من 21 عاما هى أكثر سنوات عمره خصوبة وكان ذلك على حساب موهبته فى الإبداع وهو يقول عن هذه الفترة : (لقد مررت خلالها بتجارب عنيفة وتجارب سعيدة وتجارب مؤلمة ومحبطة وتعلمت الكثير عن العلاقات وكيف تكون الصداقة وكيف تكون الزمالة) ويبدو أنه تحمل من الألم فوق طاقته بعد أن ترك موقعه فى هيئة الكتاب وانقلب عليه وتنكر له المنافقون وأصحاب النفوس الضعيفة الذين كانوا يكيلون له المديح ويشيدون به ليل نهار وفى مقال يفيض بالمرارة بعنوان (كم يحتمل القلب) يحكى عن واحد من هؤلاء فيقــــــول (كان صديقى وكنت أحمل له كل الحب ولكنه انقلب فجأة بعد أن تركت موقعى الوظيفى وانتابنى المرض فإذا به يعلن كراهيته لى علنا على صفحات الجرائد فبدأت تتسلل إلى قلبى مشاعر كراهية لمن كان صديقى بعدما نالنى منه من الخسة والنذالة ولكنى وجدت أن قلبى لا يحتمل الكراهية وأن قلبى هو الذى سيؤلمنى فغفرت له وأدركت ما قاله تشيكوف فى إحدى قصصه: إن القلب الإنسانى لا يحتمل كل هذه الكراهية).
ويعبر عن المرارة أيضا فى مقال آخر عن الفتاة الفرنسية التى نهش كلبها نصف وجهها وعلق قائلا: (كل منا معرض لعضة كلب قد تكون عضة معنوية أو طعنة فى الشرف أو الذمة أو الأخلاق لمجرد الانتقام والتشويه ومع تزايد وسائل التعبير أصبح تشويه إنسان لإنسان آخر من الأمور الطبيعية فى مجتمعنا ويدرجها البعض فى بند حرية التعبير)!
كانت معاركه الشخصية طاحنة لكثرة وقسوة الحاقدين ولكن معاركه الكبرى التى استولت على فكره ووقته فكانت ضد التخلف فى كل صوره فهو مفكر تقدمى يحاول أن يقود الآخرين إلى الأمام ولا ينظر إلى الماضى بقصد العودة إليه وتكراره؛ لأن ذلك هو التخلف بعينه ولكنه يدرس الماضى ليستخلص من الدروس ويستفيد من تجاربه مع الإيمان بأن الماضى لا يعود كما هو أبدا.. وفى مقال بديع يتحدث عن رواية هيمنجواى الشهيرة (العجوز والبحر) التى تحكى عن الصياد العجوز الذى أمسكت سنارته سمكة كبيرة بحجم الحوت ظل يومين فى عرض البحر يحاول جذبها وهى تقاومه وتوشك أن تجذبه إلى قاع البحر وأخيرا يجذب السمكة فإذا بها هيكلا عظمياً فقد أكلتها أسماك القرش ويقول (وربما أجدنى والكثير من أبناء جيلى مثل هذا العجوز فبعد صراع فى البحر المتلاطم لأكثر من أربعين عاما لا نجد شيئا فقد سبقنا العالم بمسافة واسعة بينما ظلت الحيتان البريطانية والفرنسية وغيرهما ومعهما (قرموط) اسمه إسرائيل تلتهم لحمنا!
نفس الشعور الحزين عبر عنه فى مقال آخر عن مسرحية الكراسى للكاتب الفرنسى الشهير يوجين يونسكو وتدور حول زوجين يستغرقان اليوم فى إحضار الكراسى بأعداد كبيرة انتظارا لحضور حشود المستمعين لمحاضرة يلقيها أشهر الخطباء فى عصره سوف يبلغ العالم رسالته فى هذه المحاضرة ويقدم للبشرية حصيلة تجاربه وحكمته لتستفيد منها الأجيال القادمة وتمتلىء القاعة الكبيرة بالكراسى ويصل الخطيب وليس فى القاعة أحد والكراسى خالية ومع ذلك يقف ليلقى خطبته المنتظرة فيتبين أنه أخرس تخرج الكلمات من فمه همهمات وأصواتا لا معنى لها.
هى مسرحية من مسرحيات العبث لكن سمير سرحان يجد فيها تشخيصا للحالة فى العالم العربى.. ويتساءل: لماذا لم يظهر عندنا منذ ثلاثين عاما مفكر كبير مثل زكى نجيب محمود يطرح نظرية محددة ترشد المجتمع ولماذا أصبح معظم المفكرين عندنا مثل خطيب يونسكو؟ لماذا تراجع الإبداع وأصبح الفن يعكس حالة من التمزق الفكرى والنفسى والسطحية الثقافية؟ ولماذا أصبحت الأفلام تعكس هبوط الذوق وعدم القدرة على استقبال الفن الرفيع؟ ولماذا أصبح المجتمع لا يتطلب أية مهارات ولا توجد أوعية يعمل فيها الخريجون أعمالا منتجة بدلا من أن يصبحوا طاقة عاطلة من نتاج تعليم عشوائى وسياسة توظيف عشوائية.
كانت معاركه من أجل إعادة الروح إلى العقل وإعادة إرادة التقدم كان يدرك أنه لن تقوم نهضة ولن يتحق إصلاح إلا إذا امتلأت الساحة بحوار حقيقى بين الحكومة والمثقفين والشعب والشباب وهم الأطراف لمعادلة المصير هل حقق هذا الحوار شيئا؟ هل أدى إلى تقدم المجتمع وازال الغشاوة عن العقول أو أن الحجاب على العقول مازال كما هو وازداد على الناحية الأخرى التبذل والانحلال والجرى وراء الكسب الحرام وسيادة القيم المادية هل أصبح الفقراء يجدون ما يأكلون؟
كانت أكبر معاركه من أجل حرية الفكر وحرية العقول وفتح معرض الكتاب ليكون (سوق عكاظ) تعلو فيه أصوات اليمين واليسار.. والمؤيدين والمعارضين.. والشيوخ والشباب.. والمصريين والعراقيين والسوريين والخليجيين والليبيين واللبنانيين التونسيين والمغاربة.. كل الأصوات.. وكل ألوان الطيف السياسى والثقافى وجدت فرصتها فى لقاءات معرض الكتاب.. ولم يكن ذلك سهلا.. لأن أعداء حرية الفكر عملوا كثيرا على تسميم الآبار للرجل والوشاية به لكنه- بالحق- كان ينتصر وتنتصر معه الحرية لو أن هذا الحوار الحر استمر وانتشر فى أنحاء البلاد وفى جميع المنابر لكان للديمقراطية شأن آخر ولكان القضاء على فكر التخلف والتطرف قد تحقق، فالحرية هى الضوء الكشاف الذى تخشاه خفافيش الظلام.
بإيمانه بالحرية طرح فى مكتبة الأسرة كتب رموز التنوير منذ رفاعة الطهطاوى حتى الآن ونشر كتب الفكر الإسلامى المستنير ولم يدع أن ذلك وحده كافيا فظل ينبه إلى خطورة طوفان الكتب التى تنشر الفكر الدينى المتشدد وينبه إلى أن نشرها ليس عملية عشوائية ولا استجابة لاحتياجات السوق ولكن وراءها جهدا منظما وعقلية تنظيمية فى محاولة لتغييب العقل وتضليل الشباب وصبغ المجتمع بصبغة مختلفة فهى هجمة ثقافية- اجتماعية وليست دينية وهناك محاولات مستمرة لسرقة الدور المصرى وعلى مؤسسات المجتمع جميعها الدينية والتعليمية والإعلامية أن تواجه هذه الهجمة.
سمير سرحان مناضل عنيد فى معركة التنوير والتنوير عنده يعنى الغضب مما أدى إليه التعصب الدينى من أعمال العنف والقتل للمخالفين فى الرأى التنوير يعنى الاعتقاد بعدم وجود تعارض بين الدين والعقل وبين الدين والعلم وبين الدين والحضارة، التنوير هو التسامح مع من يعتنق آراء مختلفة. التنوير يؤدى إلى الإيمان بأنه ليس هناك طريق واحد بل هناك العديد من الطرق للوصول إلى الحقيقة فلماذا يعتنق بعض الضالين مبدأ إكراه الآخرين على اعتناق أفكارهم بالعنف والإرهاب ولماذا أصبح العنف فى المجتمع شاملا فنرى العنف الثقافى والاجتماعى والسياسى والدينى إن انتشار العنف يهدد المجتمع بالتحول إلى مجتمع الخوف والرعب وفرض الرأى بالقوة ويهددنا بأن نتحول إلى مسخ بسبب كمية التضليل والأوهام والخرافات والتعصب التى تخنق أنفاسنا وتحولنا إلى الأمية الثقافية.
الإصلاح الحقيقى عند سمير سرحان هو البدء بإصلاح المجتمع الغارق فى الجهل والتطرف وكلمته: ادرسوا المجتمع.. أصلحوا نظام التعليم.. علموا الإنسان كيف يكون إنسانا.. زودوا هذا الشعب بمعارف وعلوم وأدوات العصر اغرسوا قيمة العمل وتمجيد المنتجين.. غيروا السلوكيات حتى فى بناء المدن وشكل العمارة واحترام الآخرين فى الشارع إننا نعيش فى مدن بلا شخصية ونتخرج فى الجامعة إلى وظيفة بلا عمل والطريق بذلك مفتوح أمام شبابنا إلى الإدمان أو التطرف.
رحل سمير سرحان وبقى فكره بقى صوته بالدعوة إلى الإصلاح والإصلاح عنده أوسع من مجرد إصدار قانون أو قرار.
الإصلاح ما لم يكن شاملا للمجتمع كله فلن نلحق بالعصر وإذا لم يبدأ بالإنسان وبناء الضمير والعقل فلن يحقق الأمل فى مستقبل أفضل.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف