السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

أوهــام الشـرق الأوسـط

 

الساحة الأمريكية مليئة بالأكاذيب والدعايات المضادة للعرب، ولكن لاتزال هناك أصوات لديها الشجاعة لتقول الحقيقة ولا تخشى سطوة النفوذ الإسرائيلى فى أمريكا الذى لا يقل عن النفوذ الإسرائيلى داخل إسرائيل (!). وأعلى هذه الأصوات الشجاعة للمفكر اليهودى الأمريكى الشهير ناعوم تشومسكى، وله كتاب بعنوان (أوهام الشرق الأوسط) ملىء بالحقائق والوقائع والأسرار عن أطماع إسرائيل وحقيقة مشروعها الخطير الذى يشبه جبل الجليد لم يظهر منه حتى الآن سوى جزء صــغير ولايزال الجزء الأكبر والأخطر مختفيا وملفوفا بسحابة من الأحاديث والمحادثات عن السلام وهى فى حقيقتها جزء من الخداع الاستراتيجى للعرب جميعا.
وناعومى تشومسكى يشرح لماذا تستهين إسرائيل بقرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية وبالاتفاقيات التى توقع عليها ثم تضرب بها عرض الحائط. ويكشف لنا الحقيقة عارية وهى أن إسرائيل ليست إلا الوجه الآخر لأمريكا وكلاهما وجهان لعملة واحدة. وكمثال على ذلك أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على كوبا عام 1977 ورفضت قرار منظمة التجارة العالمية- التى تقودها الولايات المتحدة ذاتها-برفع هذه العقوبات كما رفضت مطالبة الاتحاد الأوروبى بذلك، واستخدمت أمريكا القوة العسكرية ضد نيكارجوا وعندما قررت محكمة العدل الدولية وقف العدوان ودفع تعويضات عن الدمار والضحايا نتيجة الاعتداءات الأمريكية، رفضت أمريكا تنفيذ القرار.. ويجب ألا ننسى أن الولايات المتحدة أعلنت رسميا- فى مجلس الأمن- أنها سوف تتصرف فى الشرق الأوسط مع المجموعة الدولية عندما يكون ذلك ممكنا وتتصرف وحدها عندما يلزم الأمر، لأنها تعتبر منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية قصوى للمصالح الأمريكية ومن ثم لا تعترف بأى شىء يمنعها من التصرف فى هذه المنطقة حتى ولو كان ذلك الأمم المتحدة أو القانون الدولى.
وبنفس الوضوح أعلنت الولايات المتحدة أنها تتدخل فى الشئون الداخلية لدول الشرق الأوسط، وإذا كان البعض يعتبر التمويل الخارجى للأحزاب السياسية فى هذه الدول عملا غير شرعى وغير قانونى ويجلب العار ويقمع العملية الديمقراطية فإن الإدارة الأمريكية لا ترى الأمر كذلك وترى أن لها الحق فى التدخل فى العمليات الانتخابية التى تجرى فى الدول على اتساع الساحة العالمية، وتعتبر ذلك دعما للتقدم الديمقراطى وبالنسبة للإرهاب فإن للإدارة الأمريكية الحالية مفهومها الخاص. فعندما يوجه العنف إلى الولايات المتحدة أو إلى عملائها فإنه يكون إرهابا ويوصف بأنه وباء العصر وتحاربه الولايات المتحدة بكل الوسائل بما فى ذلك القوة العسكرية فى إطار (الحرب العالمية على الإرهاب) أما إذا كان هذا الإرهاب يحقق المصالح الأمريكية ويتفق مع سياساتها فإنه يكون عملا مقدسا، ولا تخجل من أن تدعى أن الضحية هى الجانى وتشارك فى الاعتداء عليه كما تفعل فى فلسطين ولبنان والعراق والأراضى الفلسطينية.
ويقول تشومسكى فى كتابه الذى أصدرت طبعته العربية دار الشروق الدولية إن الولايات المتحدة ظلت تستعمل الفيتو لمنع صدور أى قرار يستنكر أو يدين الاعتداءات الإسرائيلية، وسوف تظل تفعل ذلك مهما اشتد غضب الشعوب العربية بل إن التحدى الأمريكى للمنطق والأخلاق وللقانون الدولى وصل إلى الحد الذى جعلها لا تخجل من معارضة قرار يعارض ضم الأراضى بالقوة وبذلك أعلنت تأييدها لضم الأراضى بالقوة. وكان هذا القرار يطالب بالتسوية السياسية للصراع العربى الإسرائيلى على أساس إقامة دولة فلسطينية بحدود معترف بها دوليا، وبضمانات أمنية لإسرائيل وللدولة الفلسطينية وأيضا اعترضت الولايات المتحدة على حق تقرير المصير وبذلك رفضت أن يمارس الفلسطينيون حقهم القانونى والإنسانى فى تقرير مصيرهم! واستعملت الفيتو فى كل مرة يعرض فيها على مجلس الأمن قرار يستنكر الاعتداءات الإسرائيلية فى الأراضى التى تحتلها ويطالب إسرائيل بوقف اعتداءاتها على العرب.. هل نقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل كيان واحد فى اقليمين!
يقول تشومسكى إن أمريكا كانت تخشى فى أيام حكم عبد الناصر أن تنتقل عدوى الناصرية إلى أنحاء المنطقة العربية، إلا أن الانتصار الإسرائيلى عام 1967 قضى على المخاوف الأمريكية وجعل إسرائيل تحظى فى أمريكا بوضع (امتياز استراتيجى) وأصبح الإعجاب شديدا بإسرائيل فى وسط المثقفين الأمريكيين لاستخدامها الفعال للقوة ضد أناس غارقين فى أوهام وخيالات العظمة وتزايد التأييد العسكرى والسياسى لإسرائيل. وفى بداية السبعينيات كان التحالف قويا بين إسرائيل وإيران فى ظل حكم الشاه وكانت الولايات المتحدة-فى حكم نيكسون-تعتمد على هذا التحالف لإخماد العناصر الراديكالية فى بعض الدول العربية التى كانت تمثل تهديدا لمصادر البترول وكان شاه إيران يظهر الإدانة لإسرائيل ولكنها كانت فى حقيقتها إدانة كلامية لا تمس التحالف الاستراتيجى ولكن بعد سقوط الشاه فى 1979 ازدادت أهمية إسرائيل بالنسبة للسياسة الأمريكية وأصبحت هى (رجل الشرطة) و (القبضة الحديدية) لأمريكا فى المنطقة وامتد الدور الإسرائيلى لتقديم خدمات للسياسة الأمريكية أبعد من ذلك فى المناطق التى لم تكن أمريكا تريد تقديم الدعم المباشر لعملائها (فى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية) حتى لا يتدخل الكونجرس ويفضح هذه الأعمال القذرة، فكان اعتماد إدارة كارتر وبعده إدارة ريجان على إسرائيل للقيام بهذه المهام الممنوعة وبالاضافة إلى ذلك فإن إسرائيل تقدم خدمة لصناعة السلاح فى أمريكا وذلك باستخدام الأنواع الجديدة من الأسلحة وتجربتها فى قتالها ضد العرب فالحروب الإسرائيلية فى النهاية تصب فى مصلحة الولايات المتحدة لأنها تضعف وتجهض قدراتهم وتزيد اعتمادهم على امريكا(!) إلى جانب التدريبات العسكرية الثنائية وعمليات التخطيط للطوارئ وإنشاء مرافق للأسطول الأمريكى والطائرات الحربية الأمريكية فى إسرائيل. ووجود المخزون الاستراتيجى للأسلحة الأمريكية فى المنطقة على إسرائيل(!)
وعلى المستوى السياسى استخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة المناورات السياسية لمنع التسوية وذلك بتكثيف المفاوضات والزيارات والوعود بالتسوية لإيهام العرب بأنها جادة فى عملية السلام وأن التسوية قريبة المنال، فى البداية أعلنت الإدارة الأمريكية أنها (الشريك) فى عملية تنفيذ القرار 242 وأعلنت رسميا أن الحل سيكون بانسحاب إسرائيل الكامل حتى حدود 67 مع بعض التعديلات البسيطة فى الحدود وقدمت مشروع روجرز عام 1969 الذى يتلخص فى: انسحاب كامل مقابل سلام كامل ولكن الولايات المتحدة بددت الأمل فى السلام الكامل والانسحاب الكامل بعد ذلك بتأييدها لمشروع يارينج وسيط الأمم المتحدة بإقامة سلام كامل مع إسرائيل مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضى المصرية فقط وليس من كل الأراضى العربية المحتلة.
ويشرح تشومسكى كيف تسبب السادات فى ورطة للقيادة السياسية الإسرائيلية عندما أعلن عن استعداده لعقد معاهدة سلام مع إسرائيل، وحاولت إسرائيل تبديد جو الاعتدال واقتراب التسوية باللجوء إلى العنف فى أكثر من مناسبة كما حدث تكرار احتلالها لبنان وكان هدفها فى عام 82 القضاء على سياسة الاعتدال لمنظمة التحرير الفلسطينية ودفعها إلى المقاومة وانتهاج سياسة العنف مرة اخرى، ودفعها إلى العودة إلى السلاح وبذلك تفوت إسرائيل فرصة المفاوضات وتدعى أن منظمة التحرير منظمة إرهابية. وظلت إسرائيل تعمل وفق مبدأ بارليف الذى قال (إن الاعتماد على القوة وليس على الدبلوماسية هو ما سمح لإسرائيل بالحصول على المزيد) وهو يقصد المزيد من الأراضى والسيطرة، وهذا المبدأ كرره هنرى كيسنجر (وزير الخارجية ومستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق) فى مذكراته حين قال: (لا مفاوضات ولا دبلوماسية وإنما الاعتماد على القوة) ومنذ ذلك الوقت والولايات المتحدة-مع إسرائيل-تسد الطريق أمام كل مبادرة دبلوماسية ولكنها تطلق أفكارا ومبادرات للاستهلاك وكسب الوقت وتفويت الفرصة على دعاة التسوية فى العالم العربى. وكلما اشتدت مطالبة العرب بتحقيق التسوية تفتعل إسرائيل أزمة وتحولها إلى حرب كما حدث فى قصف لبنان مرة أخرى فيما أسمته (ضربة وقائية) وكان الهدف الحقيقى اجهاض قرار من الأمم المتحدة أجمعت عليه الدول يلزم إسرائيل بتنفيذ القرار 242 وإن كانت الأمم المتحدة قد أصدرت عشرات القرارات بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلى من الأراضى العربية وظل موقف أمريكا وإسرائيل إزاء هذه القرارات هو المعارضة والازدراء كما يقول تشومسكى. ويشير إلى الفكرة التى تحكم السياسة الإسرائيلية والأمريكية والتى عبر عنها موشى ديان فى مذكراته بقوله إن كل عرض من العرب للتسوية السياسية يمثل ورطة لإسرائيل وكانت أكبر ورطة قيام السادات بطرد الخبراء السوفيت وإعلانه التخلى عن الدخول فى حروب مع إسرائيل).
ويعيد تشومسكى إلى الذاكرة ما تعمل آلة الدعاية الأمريكية والإسرائيلية على إغفاله أو تشويهه من أحداث تمثل سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية والحماية الأمريكية بالسلاح والسياسة، ولهذا أعتقد أن من يريد أن يفهم الدوافع والأهداف الحقيقية لما يجرى من جرائم حرب فى لبنان وفلسطين فعليه أن يقرأ هذا الكتاب فإن هذا المفكر اليهودى الأمريكى الشهير يقول ما لا يقوله السياسيون والمفكرون الأمريكيون والعرب.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف