السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

تحذير أخير..!

 

كان الدكتور أحمد مستجير وحده مؤسسة متكاملة فى البحث العلمى، ونشر الثقافة العلمية فى المجتمع، وتكوين مدرسة علمية فى علم الوراثة من تلاميذه النابهين، وقيادة مجموعة من أساتذة وخبراء الزراعة والهندسة الوراثية أنجزت مشروعات مهمة لاستنبات محاصيل جديدة أكثر إنتاجا وأقل احتياجا لمياه الرى، ويمكن ريها بالمياه المالحة.
وبالإضافة إلى الجانب الإنسانى النادر فى شخصية الدكتور مستجير كان يحمل على كتفيه هموم الثقافة والبحث العلمى فى مصر والعالم العربى، وكانت قضيته الأساسية هى تنبيه المجتمع إلى أن العالم تغير وما كان يصلح بالأمس لم يعد صالحا اليوم وغدا، وهذا العالم الجديد يحتاج إلى عقل جديد للتعامل معه.. عقل يؤمن بالعلم ويعتمد عليه فى كل صغيرة وكبيرة.
وفى كل كتاباته نجد الدعوة إلى تمجيد العقل وتأكيدا على حرمة حياة الإنسان، ولذلك كان يردد أن لديه أملا فى أن يقوم العلم بدوره الحقيقى فى إنقاذ أرواح البشر المعرضة للخطر اليوم وسيزداد الخطر عليها غدا، فالبشر يتزايدون بعشرات الملايين ولا يتزايد الغذاء بالقدر الذى يكفيهم، ولذلك كان يؤمن إيمانا راسخا بأن العلم هو الحل.. وقد احتلت ثورة التكنولوجيا الحيوية كل تفكيره، وكان واثقا أنها هى طريق النجاة لمصر وللعرب وللبشرية كلها بما تعتمد عليه من علوم مثل زراعة الأنسجة، ودمج الخلايا، ونقل المادة الوراثية من كائن إلى آخر لإنتاج كائن جديد يجمع صفات وراثية جديدة، وإذا كانت هذه العملية تواجه صعوبة فى الإنسان والحيوان لوجود جهاز مناعى يقاوم اندماج المادة الوراثية الجديدة مما يستلزم معالجات خاصة للتغلب على المقاومة والرفض، فإن الأمر فى النبات أسهل، لأن النباتات ليس لديها جهاز للمناعة وبذلك تسهل عملية التهجين.. وبالهندسة الوراثية يمكن زراعة أراض صحراوية واستخدام المياه المالحة للرى فى مواجهة أزمة نقص المياه التى ستعانى منها مصر والعالم خلال السنوات القادمة نتيجة لتزايد أعداد السكان وتزايد الفقر والتخلف فى أفريقيا ومناطق أخرى من العالم، فهناك 3 آلاف مليون إنسان يعيشون دون صرف صحى، و1250 مليون إنسان لا يجدون المسكن الآدمى، و500 مليون إنسان لا يحصلون على الحد الأدنى من الاحتياج اليومى من الغذاء، وفى أنحاء العالم الثالث يموت 43 ألف طفل كل يوم بسبب الجوع، وسوء التغذية، والأمراض! وهذه الحقائق الرهيبة التى تعلنها الأمم المتحدة هى ناقوس خطر يهدد العالم كله وليس الدول الفقيرة وحدها، لأن ثورة الجوع القادمة سوف تهدد الأغنياء!
ولكى يقرِّب لنا الدكتور مستجير فكرته عن العقل الجديد الذى يدعو إليه ترجم كتابا عنوانه (عقل جديد لعالم جديد) من تأليف اثنين من أكبر علماء العصر، الأول هو البروفيسور روبيرت أرنشتاين رئيس معهد الدراسات الإنسانية والأستاذ بجامعتى كاليفورنيا وستانفورد فى الولايات المتحدة وله أبحاث عديدة مشهورة عن مخ الإنسان، والثانى هو البروفيسور بول ايرلينش أستاذ العلوم البيولوجية بجامعة ستانفورد وعضو الأكاديمية الأمريكية للعلوم، ومن أشهر علماء البيئة فى العالم.. هذا الكتاب بيع منه مليونا نسخة فى الولايات المتحدة وأوربا، وفكرته الأساسية أن البشرية أبدعت فى المرحلة الأخيرة من تطورها هذا العالم الجديد الذى أصبحنا نعيش فيه، وهو عالم فيه من الأزمات والمعضلات ما يتجاوز قدرات العقل القديم وأساليب التفكير التى كانت صالحة قبل ذلك ولم تعد صالحة الآن، وهذا التناقض بين العقل القديم والواقع الجديد أدى إلى حالة من عدم التوافق جعلت المشكلات تزداد وتنمو دون أن يتنبه العقل القديم إلى خطورة النتائج، وظهر عجز العقول القديمة عن التعامل مع المشكلات الجديدة بالأسلوب الذى يناسبها، والنتيجة فى النهاية كوارث تتفجر فى المجتمعات التى تقودها العقول القديمة. وفى هذه المجتمعات الخاضعة للعقول وطريقة التفكير القديمة يزداد الاهتمام بأحداث صغيرة فتشغل العناوين الرئيسية فى وسائل الإعلام، فينشغل المجتمع بحادثة سقوط طائرة، أو احتجاز رهينة، أو بانخفاض بسيط فى سوق الأوراق المالية، ولا ينشغل (العقل العام) أو (العقل الجماعى) بالملايين الذين يموتون فى حوادث الطرق أو بسبب تلوث البيئة والأمراض القاتلة الناتجة عنها، ولا ينشغل بتراكم مخزون الأسلحة النووية وما يمكن أن ينتج عن ذلك فى المستقبل، أو بالعجز المتزايد فى ميزانية الدولة، أو تخلف التعليم ونتائجه المدمرة للمستقبل، أو بتدهور البيئة وأثر ذلك على الحياة الإنسانية نفسها.. هذه المشاكل الكبرى لا يمكن التغلب عليها بالعقول القديمة وأساليب تفكيرها النمطية التى تختار أسهل الحلول أو تلجأ إلى تأجيل مواجهة المشاكل إلى أن يصبح من المستحيل التغلب عليها، أو بالتهرب من مواجهة المشاكل، وتجاهلها، بقصد ترحيلها إلى الأجيال القادمة مع مضاعفاتها وتداعياتها الخطيرة.
بعض المجتمعات لم تدرك أن عالما جديدا قد ظهر إلى الوجود مختلفا اختلافا جوهريا عن العالم القديم.. العقول القديمة لم تستوعب حقيقة حجم التغيرات الكبرى والمفاجئة التى حدثت فى زمن قصير.. تفكك الاتحاد السوفيتى وسقوط الأيديولوجية الشيوعية تغير هائل أدى إلى تغيير العالم والعلاقات والقوى الدولية وامتدت آثاره على استقلال الدول ونظم الحكم والأوضاع الاقتصادية فيها.. كذلك فإن ظهور تكتلات اقتصادية ضخمة له آثار خطيرة على الدول النامية وعلى الدول الصناعية الغنية وإن كانت الآثار مختلفة فى كل منهما.. وأيضا ظهور العولمة والقطب الواحد وما أدى إليه ذلك من تغيرات جوهرية فى الجغرافيا السياسية للعالم لصالح الولايات المتحدة..
مثل هذه التغيرات الكبرى وغيرها قد يعجز الذهن البشرى عن تفهمها، وعقل الإنسان حين يعجز عن فهم المسائل الكبرى يلجأ إلى الاستسهال، فينتقى من المشكلة الكبرى أجزاء صغيرة منها ويركز عليها بدلا من التعامل مع المشاكل الصعبة التى تحتاج إلى التفكير العميق وإلى الكفاءة والعلم والخبرة.. وفى العقل القديم خاصية ثانية هى أنه لا يتعامل إلا مع الأحداث المثيرة والمفاجئة، ولا يدرك إلا بدايات المشاكل ونهاياتها ولا يدرك التغيرات والتطورات التى تحدث مع الزمن بين البداية والنهاية.. والطريقة التى يستجيب بها الناس لما يحدث فى الواقع هى التى تؤدى إلى تفاقم الأزمات، فالقادة السياسيون، وعامة الناس أيضا، يلجأون إلى تبسيط الأمور، ويركزون على الأزمات الصغيرة والملتهبة، ولا يفكرون بجدية فى الأزمات والتغيرات الكبيرة التى تنمو تدريجيا..
هذه الطريقة فى التعامل مع المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية هى السبب فى تخلف المجتمعات المتخلفة، وستبقى متخلفة مادامت هذه هى الطريقة التى تتعامل بها مع المشاكل، لأن هذه الطريقة لا تناسب العالم الجديد الذى يختلف اختلافا هائلا عن العالم الذى عاش فيه أجدادنا. لقد تغير العالم فى عشرة آلاف سنة تغيرا يفوق ما حدث من تغير فى ملايين السنين، وتغير فى مائة سنة تغيرا يفوق ما حدث من تغير فى العشرة آلاف سنة الأخيرة.. وهكذا يتغير العالم بسرعة هائلة تغيرات كبرى فى الأفكار.. والنظريات.. والاختراعات.. والانجازات العلمية على الأرض وفى الفضاء وفى أعماق المحيطات، وكل ذلك جعل الناس غير متوافقين مع الزمن الذى يعيشون فيه الآن، ويظنون أن بإمكانهم أن يعيشوا اليوم كما كانوا يعيشون بالأمس، ولا يدركون أنهم يجب أن يدربوا أنفسهم، وأن يغيروا طريقتهم فى إدراك أنفسهم وإدراك البيئة والعالم كما أصبحا عليه الآن..
دعوة الدكتور مستجير أن نتوقف لندرك حقائق العالم الجديدة ونغير أنفسنا بما يتناسب مع هذا العالم، ونركز على دراسة فروع جديدة من المعرفة مثل نظرية الاحتمالات وبنية الفكر ونقلل من شغل أنفسنا بحكايات الملوك والحكام السابقين، لأن الانشغال بالماضى عن المستقبل هو الخطر الذى سنواجهه.. فالثورة الصناعية أنتجت المحركات والمطابع والتليفزيون والتليفون والطاقة الذرية والكمبيوتر، ولكنها أنتجت أيضا الحروب، والصراعات، والتكدس السكانى، وتلوث البيئة، والأسلحة النووية والكيماوية، وتم كل ذلك بسرعة كبيرة مقارنة بالتغيرات الحضارية فى ملايين السنين، وبالتالى لم يعد مناسبا السير بالخطوات البطيئة فى معالجة المشكلات.
إن حواسنا وعقولنا لا تدرك كل ما فى العالم وتستخلص منه فقط ما يكفيها لكى تعمل وتعيش.. عقولنا القديمة تلجأ دائما إلى الاختصار، والتبسيط والحلول النمطية، والاستسهال يجعلها تؤجل القيام فى التعليم والثقافة ومراكز البحث العلمى.. ثورة تخلصنا من طريقة التعامل مع الواقع بأفكار جاهزة، وبتفهم أن مصلحتنا أن نغير كل شىء بإرادتنا بدلا من ترك الأمور إلى أن تتغير على غير إرادتنا!
متى نبدأ فى بناء عقول جديدة بمثل الحماس الذى نبنى به الكبارى والمنتجعات ومحطات الصرف الصحى؟!
هذا تحذير أخير من العالم الكبير الذى عاش ومات فى حب بلده وكان يصيح فينا: متى يتحول الاهتمام من الأقدام إلى الرؤوس.. انتصاراتكم فى لعب الكرة شىء طيب.. ولكن غيركم يحقق انتصاراته فى العلوم والتكنولوجيا وتحسين نوعية الحياة.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف