السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

الملف الطبـى لعبـد الناصــر جلطة بدون ألم (1)

 

بمناسبة ذكرى رحيل عبد الناصر فى 28 سبتمبر 1970 يعد الدكتور الصاوى حبيب مذكراته، وهو الطبيب الخاص الذى كان يرافقه ويشرف على علاجه، وفى هذه المذكرات سجل الدكتور الصاوى تطورات حالة عبد الناصر الصحية بعد نكسة 67، ومن هذه التطورات نكتشف إلى أى مدى كان تأثير النكسة على صحة عبد الناصر واشتداد مضاعفات السكر وبخاصة الآلام التى كان يعانى منها فى الساقين والظهر وتشتد عليه بالليل.
وفى أوراق الدكتور الصاوى التى سوف تتضمنها مذكراته ما يلى:
فى 31 ديسمبر أجرى الكشف على عبد الناصر أحد كبار الأطباء المتخصصين فى العالم فى مرض السكر، هو الدكتور جاكوب بولسن (دنمركى) وطلب أن يقلع عبد الناصر عن التدخين، والاستمرار فى برنامج العلاج الذى وصفه الأطباء المصريون وهو ضبط السكر، وجلسات علاج طبيعى تشمل تمرينات رياضية للقدمين والساقين. وبعد ذلك أراد فريق الأطباء المصريين أن يتأكدوا من احتمال وجود علاقة بين آلام الساقين ووجود أسباب لذلك فى المسالك البولية. واستدعى اثنان من أشهر المسالك البولية البريطانيين هما الدكتور فرجسون والدكتور هانلى، وقاما بفحص عبد الناصر بحضور الدكتور الصاوى وشاركهم فى الفحص الدكتور محمد صفوت أستاذ المسالك البولية بطب القاهرة، وكانت نتيجة الكشف عدم وجود علاقة. وطلب الخبيران البريطانيان إجراء فحص للكليتين بالأشعة المقطعية وأظهرت صور الأشعة سلامة الكليتين.
وفى 19 فبراير 68 بدأ الدكتور محمد فودة كبير أطباء العلاج الطبيعى فى القوات المسلحة فى عمل جلسات العلاج الطبيعى على القدمين والساقين يعاونه المقدم أحمد عبد اللطيف أخصائى العلاج الطبيعى فى القوات المسلحة الذى استمر بعد ذلك فى تنفيذ العلاج الطبيعى، ثم اقتصر العلاج الطبيعى على تدليك القدمين وكان يقوم به زينهم أحمد أخصائى فى هيئة الأمن القومى.. ولكن الآلام ظلت تعاود عبد الناصر ولكن بصورة متقطعة.
وفى يوم 19 مارس 1968 جاء إلى القاهرة الدكتور جير ستنبراند وهو أستاذ مشهور فى كلية الطب بجامعة النمسا، وكرر الزيارة مرة أخرى فى أول يوليو 68، وفى الزيارتين أجرى الكشف على عبد الناصر ولم يغير شيئًا من البرنامج العلاجى. وفى يوم 9 أبريل 1968 جاء الدكتور ركسوم وهو من أكبر أساتذة الأعصاب فى النرويج وأجرى الكشف على عبد الناصر وأوصى بضرورة حصوله على راحة يومين فى الأسبوع لتخفيف آثار ضغط العمل والضغوط النفسية على أعصاب الساقين، كما أوصى بألا يكون العلاج الطبيعى مجهدًا للساقين.
وهكذا كان كل طبيب يفحص عبد الناصر يوصى بضبط السكر أولاً، ويوصى بالراحة والبعد عن التوتر والبعد عن الإرهاق الجسمانى، ولكن عبد الناصر لم يستطع تنفيذ مثل هذه التوصيات لأنه كان يعيش فى جو من العمل والإرهاق الدائمين، وكان يبذل جهدًا أكبر من طاقته فى المرور على القوات فى الجبهة ومتابعة تفاصيل إعدادها ولإعداد الدولة للحرب، وكذلك متابعة عمليات قوات الصاعقة خلف خطوط العدو.. فى هذه الظروف كانت الراحة مستحيلة. وحين كرر الدكتور الصاوى عليه أهمية الراحة قال له عبد الناصر: إذا فكرت فى الراحة فلا بد أن أترك هذه الوظيفة! وبعد ذلك جاءت تطورات المعارك والسياسة لتضاعف مجهوده البدنى والذهنى.. ويسجل الدكتور الصاوى أنه لاحظ أن عبد الناصر كان دائمًا يتحامل على نفسه ويسيطر على انفعالاته، فلا تظهر على وجهه أو فى تصرفاته آثار الانفعال أو الغضب، وكان يغفر الأخطاء التى يعرف أنها غير مقصودة وليست نتيجة إهمال.
يذكر الدكتور الصاوى حادثة بسيطة ولكنها كانت تتكرر فيما هو أكبر، ففى أثناء وجود عبد الناصر فى الإسكندرية فى صيف 68 أعطاه الدكتور الصاوى فى الليل قرصًا يساعده على النوم، وفى الصباح عند الكشف اليومى عليه سأله إن كان قد نام جيدًا، فقال له: أبدًا. وذلك لأنه استيقظ فى الثانية صباحًا على رنين التليفون إلى جانب سريره فاستيقظ متوقعًا أن يكون قد وقع حادث هام، ولكن تبين أن موظف السويتش أخطأ فحوَّل إلى غرفة نوم الرئيس مكالمة خارجية كانت لضابط الحراسة المناوب. وتوقع الدكتور الصاوى أن يثور عبد الناصر لهذا الإزعاج وربما يدفعه الغضب إلى طلب معاقبة موظف السويتش. ولكن لم يحدث شىء من ذلك ومرت المسألة وكأن شيئًا لم يحدث، وهكذا كان عبد الناصر يكبت مشاعر الغضب التى يشعر بها أى إنسان.
ويقول الدكتور الصاوى: طوال السنوات التى كنت فيها قريبًا جدًا من عبد الناصر لم أسمع صوته منفعلاً ولم أسمع أنه عاقب أو أمر بإبعاد أحد ممن كانوا يعملون معه. ولكنه كان بالتأكيد يشعر بالغضب والانفعال لأسباب كثيرة فى مجالات السياسة والإعداد للحرب.
وفى منتصف يونيو 68 ازدادت الآلام فطلب الدكتور الصاوى عمل أشعة على القلب وعظام الحوض والفقرات القطنية والعجزية، وإجراء تحليل كامل للدم، وجاءت النتائج كلها مطمئنة، إلى أن سافر عبد الناصر إلى موسكو فى أول يوليو 68 فى رحلة عمل لإجراء مباحثات لاستعجال توريد السلاح، وفى هذه الزيارة أبدى القادة السوفيت اهتمامًا كبيرًا بصحة عبد الناصر وأعدوا له برنامجًا علاجيًا فى منتجع (باربيخا) الذى يعالج فيه القادة، وأجريت له فحوص شاملة بما فى ذلك فحص العين والأنف والأذن، وتبين وجود التهاب مزمن باللوزتين كان السبب فى إصابته بنوبات برد متكررة. وفى يوم 8 يوليو 68 قام بفحص عبد الناصر الدكتور ايفجينى شازوف – أكبر أطباء القلب فى الاتحاد السوفيتى المسئول عن علاج كبار القادة – ومعه اثنان من أساتذة الأمراض الباطنة، واجتمعوا بعد ذلك مع وزير الصحة وعدد آخر من كبار الأطباء السوفييت فى تخصصات القلب والأمراض الباطنة والسكر والعظام، وشاركهم فى المناقشات الدكتور منصور فايز والدكتور الصاوى، وانتهوا إلى وضع برنامج دقيق أول بند فيه الامتناع عن التدخين، والعلاج بحمامات المياه الطبيعية الشهيرة فى منتجع تسخالطوبو، مع الاستمرار على الأدوية والعلاج الطبيعى. ولم يكن سهلاً على عبد الناصر أن يمتنع عن التدخين الذى كان يعتبره المتعة الوحيدة فى حياته، وسبق أن طلب منه الدكتور الصاوى ذلك لكنه لم يستجب، ولكنه فى موسكو قرر تنفيذ تعليمات الأطباء وامتنع عن التدخين منذ يوم 8 يوليو 68 ولم يعد إليه أبدًا بعد ذلك.
وبعد هذه الرحلة بفترة قصيرة عاد عبد الناصر مرة أخرى إلى تسخالطوبو يوم 26 يوليو 68، وفى اليوم التالى بدأ العلاج بحمامات المياه الطبيعية بنظام دقيق لمدة عشرين دقيقة يوميًا فى الأسبوع الأول، ثم عشرين دقيقة فى يوم وخمسة وعشرين دقيقة فى اليوم التالى.. لكن الآلام استمرت على الرغم من العلاج وكان الأطباء الروس قد ذكروا أن الآلام قد تزيد فى البداية ثم تختفى خلال ستة شهور. وجاء الدكتور شازوف ومعه مساعد من أطباء الأمراض الباطنة يوم 15 أغسطس لمتابعة سير العلاج، ولكن عبد الناصر – خلال فترة العلاج – لم يخلد لراحة وأمضى الوقت فى متابعة يومية لما يجرى فى القاهرة واتخاذ القرارات، وإجراء مباحثات حول توريد الأسلحة السوفيتية اللازمة للقوات المسلحة المصرية، واستقبل عبد الناصر فى هذه الفترة مصمم الطائرة الميج التى كانت أقوى طائرة مقاتلة سوفييتية.
ولم يكن عبد الناصر وحده هو الذى يأخذ حمامات المياه الطبيعية، فقد شاركه فى ذلك المرافقون له وفيهم بالطبع الدكتور الصاوى الذى يقول: إننى لم ألحظ وجود فارق أو تأثير على حالتى الصحية بعد هذه الحمامات!
وبعد العلاج بالمياه الطبيعية وضع الدكتور شازوف برنامجًا جديدًا للعلاج فى تسخالطوبو يشمل: ثلاثة أسابيع إجازة يظهر خلالها مفعول العلاج الطبيعى مع بذل المجهود العضلى الذى يقتصر على المشى فى حدود نصف ساعة يوميًا تزداد تدريجيًا. وبعد هذه الأسابيع الثلاثة لا يسمح لعبد الناصر بالعمل أكثر من سبع ساعات يوميًا، مع الالتزام بالراحة فى فترة المساء وقصر الاجتماعات على الفترة الصباحية، ومراعاة أن يكون الحد الأقصى للبقاء جالسًا ساعتين فقط، مع الاستمرار على الحصول على راحة لمدة يومين أسبوعيًا، وعمل حمامات للقدمين قبل النوم باستعمال محلول ملح لمدة ثلاثة أسابيع.
وعاد عبد الناصر إلى القاهرة ليجد وراءه مسئوليات جعلته ينسى هذا البرنامج فلم يحصل على إجازة الأسابيع الثلاثة، ولم يلتزم بالحد الأقصى لساعات العمل والجلوس. ولكن الآلام بدأت تخف بحلول شهر أكتوبر، وكانت أخصائية روسية هى نينا كارولينا تنفذ برنامج العلاج الطبيعى الذى استمر 14 جلسة من 8 أكتوبر إلى 29 أكتوبر 1968. وفى شهرى نوفمبر وديسمبر أصبحت حالة عبد الناصر الصحية جيدة من حيث الوزن والشهية للطعام والاستعداد لأداء المجهود الذهنى والجسمتانى، وفى يومى 9 و10 نوفمبر أجريت له فحوص على القلب والدورة الدموية فى القدمين والساقين وكانت النتيجة مطمئنة. وهكذا بنهاية عام 1968 كانت الحالة الصحية العامة أفضل. وبحلول عام 1969 كانت الحالة الصحية أكثر استقرارًا، وأصبحت آلام الساقين خفيفة، وتحسنت الدورة الدموية فيهما، وكان يبدو على عبد الناصر الاطمئنان إلى استقرار الأوضاع السياسية وتنفيذ برنامج إعادة بناء الجيش.
ووفقًا لبرنامج العلاج السوفيتى كان المقرر أن يسافر عبد الناصر إلى تسخالطوبو فى أغسطس 1969 لتكررا العلاج بحمامات المياه الطبيعية، ولكنه لم يستطع السفر لانشغاله فى متابعته حرب الاستنزاف وغارات العمق والخسائر بين المدنيين ثم حريق المسجد الأقصى الذى كان له تأثير كبير على عبد الناصر. وفى 9 سبتمبر قامت إسرائيل بمهاجمة محطة رادار على شاطئ البحر الأحمر ردًا على عملية فدائية قامت بها الصاعقة المصرية، وعندما دخل عليه الدكتور الصاوى صباح اليوم التالى لاحظ على عبد الناصر شدة الانفعال والتأثر لأول مرة، وعندما قال له إن الانفعال ليس فى صالحه قال له عبد الناصر إنه غاضب لأنه عندما اجتمع بالقادة العسكريين بعد العملية الفدائية قال لهم إنه يتوقع الرد الإسرائيلى عند شاطئ البحر الأحمر على الأرجح ولكنهم بدلاً من تعزيز هذه المواقع قاموا بسحب بعض القوات منها للتدريب مما سهل على إسرائيل القيام بهذه المغامرة. وفى اليوم التالى – 11 سبتمبر 1969 – قال عبد الناصر للدكتور الصاوى إنه استيقظ مبكرًا جدًا فى الصباح لأنه شعر بضيق فى التنفس لم يستمر طويلاً. ويقول الدكتور الصاوى: عندما وضعت السماعة على القلب سمعت دقة ثالثة بينما نبضات القلب الطبيعية دقتان فقط، ووجود هذه الدقة بعد سن الشباب تكون دلالة على وجود قصور فى أداء الجزء الأيسر من القلب.
وعندئذ كان لا بد عمل رسم قلب فى الحال. وقد أظهر الرسم وجود دلائل جلطة بالشريان التاجى. فطلب الدكتور الصاوى من عبد الناصر أن يلزم الراحة التامة لوجود أنفلونزا شديدة، واتصل بالدكتور منصور فايز للحضور فورًا، وتأكد الدكتور فايز من التشخيص.
وهكذا جاءت الجلطة الأولى فى قلب عبد الناصر دون أن يدرى، فقد كانت جلطة صامتة أى بدون ألم. وأرغمه فريق الأطباء على التزام الراحة، وصدر بيان رسمى بإصابة الرئيس بأنفلونزا حادة ألزمته الراحة بناء على نصيحة الأطباء.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف