السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

فرق بين بابا.. وبابا!

 

بعد ما قاله بابا الفاتيكان عن الإسلام ونبى الإسلام أدركنا الفرق بين بابا الفاتيكان وبابا المصريين، وليس كل من جلس على الكرسى الرسولى مدركا لحساسية هذا المنصب الروحى الرفيع، وقادر على مراعاة أثر كل كلمة ينطق بها على أتباعه والمصدقين لما يقوله.
بابا الفاتيكان أشعل فتنة بدون مناسبة حين أقحم على محاضرته عبارات لامبراطور بيزنطى قال فيها إن النبى محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يأت إلا بكل ما هو سىء وشرير وإنه أمر أتباعه بإكراه الناس على الدخول فى الإسلام بالسيف، وإن الآية (لا إكراه فى الدين) كانت فى مرحلة ضعف النبى أمام أهل مكة، وأضاف إلى ذلك أن المسيحية دين قائم على العقل بينما مفهوم الله فى الإسلام يتعارض مع العقل.
كلام يمكن أن نتصور أن يصدر من واحد من المعادين للإسلام- وهم ليسوا قلة فى الغرب- وما أكثر الكتب والمقالات التى تطعن فى دين الإسلام وفى كتابه ونبيه منذ قرون ولم ينقطع صدورها إلى اليوم، ولكن ذلك شىء، وأن يتصدى رأس الكنيسة الكاثوليكية التى يتبعها مليار و200 مليون مسيحى فى أنحاء العالم شىء آخر.. فلقد جعل البعض فى العالم الإسلامى يرى أن هذا الهجوم كان رسالة أو إشارة البدء للهجوم الشامل على الإسلام وبداية لعهد جديد من سوء العلاقة بين الكاثوليكية والمسلمين، يهدم الجهد الذى امتد خمسين عامًا قضيناها فى الحوار من أجل إيجاد أرضية مشتركة للتعايش والتسامح والسلام بين الإسلام والديانة الكاثوليكية. وقد كان هذا الحوار مستمرًا فى الفاتيكان وفى عواصم ومدن عربية وأوربية، وشارك فيه ممثلون للجانبين لهم مكانتهم العلمية والدينية. وبعد ذلك يأتى توجيه الشتائم والإهانات للإسلام على لسان البابا نفسه للنبى صلى الله عليه وسلم وللدين الإسلامى بمثابة سهم لابد أن يؤدى إلى سوء الظن ويهدم الثقة فى صدق النوايا فى الدعوة إلى الحوار، وكيف يجرى بعد ذلك حوار مع من يتهم الطرف الآخر بهذه الاتهامات الشنيعة؟.
إن البعض رأى فى موقف البابا رسالة إلى الإدارة الأمريكية بأن الكنيسة الكاثوليكية تنضم إلى المؤيدين للحرب على الإسلام لينال رضاها ويتم تخفيف الضغط على الكنيسة الكاثوليكية بعد الفضائح المتتابعة الخاصة بتهم مالية لبعض أساقفة الكنيسة الكاثوليكية فى أمريكا واكتشاف فضائح أخلاقية تتعلق بالشذوذ الجنسى واغتصاب الأطفال، وهى فضائح ملأت صفحات الصحف وشاشات التليفزيون فى أمريكا ونقلت إلى أنحاء العالم.
كان هذا موقف بابا روما بينما كان موقف أتباعه فى مصر مختلفًا كل الاختلاف، حتى أن رئيس مجلس كنائس الشرق الأوسط الكاثوليكية ونائب مطران الكنيسة الكاثوليكية فى مصر، الأسقف يوحنا قلته تبرأ من هذا الموقف وأعلن أن ما قاله بابا الفاتيكان سقطة أكاديمية ومنهجية وقع فيها بسبب كرهه للعنف وسفك الدماء (مع ملاحظة أن البابا لم يستنكر العنف الذى تمارسه إسرائيل فى أبشع صوره ضد العرب فى لبنان وفلسطين وعمليات القتل العمد وسفك الدماء بالجملة فى العراق بسلاح القوات الأمريكية).
الأنبا يوحنا قلته قال أيضًا إن بابا الفاتيكان يعلم جيدًا أن الحضارة الإسلامية أستاذة العقل (وإن كان البابا يعلم ذلك جيدًا فتلك مصيبة وإن كان لا يعلم فالمصيبة أعظم) وفى محاولة للتبرير اليائس قال الأنبا قلته: إن هناك من يسعى إلى تشويه الإسلام بينهم حفنة من المسلمين الذين ينتهجون العنف وسفك الدماء وهم من كان يقصدهم البابا فى حديثه (لو كان ذلك صحيحًا لما تناول بالإهانة الدين الإسلامى فى ذاته واتهام النبى صلى الله عليه وسلم بأنه لم يأت إلا بكل ما هو سيئ وشرير وكان قد قصر حديثه واتهامه لهذه الحفنة دون أن يغفل توجيه اتهام مماثل لحفنة من المسيحيين واليهود والسيخ والبوذيين قاموا ويقومون بأعمال العنف والإرهاب وسفك الدماء، فالإرهاب فى العالم ليس مقصورًا على المسلمين وحدهم دون سواهم من بنى البشر، فهل تدعو جميع الديانات السماوية وغير السماوية إلى الإرهاب؟).
والأنبا يوحنا قلته فى الأصل أستاذ أكاديمى فى كلية الآداب بجامعة القاهرة ولذلك علق على كلام البابا بقوله: كيف يمكن لحضارة أن تسيطر على العالم أكثر من 500 سنة دون أن تكون قائمة على العقل؟ وكيف يمكن لحضارة أن تنتج كل هذه الفنون والثقافة من العمارة إلى الموسيقى إلى نظام الحكم دون عقل؟ وكيف ننسى أن أول من نادى بالعقل بعد حكماء الفراعنة وفلاسفة اليونان هم المعتزلة، ولهم قول مشهور: (ما لا يقبله عقل لا نقبله). وهل يمكن لحضارة ليس فيها دور للعقل أن تنجب ابن سينا، والفارابى، وابن رشد، والحلاج وغيرهم؟ وهل يمكن لحضارة دون عقل أن تستوعب فى القرن الرابع الهجرى- العاشر الميلادى- كل الديانات من مجوسية وبوذية ويهودية ومسيحية ثم بعد ذلك يأتى من يقول إنها لا تعطى مساحة للعقل.
هذا ما قاله نائب المطران الكاثوليكى فى مصر الأنبا يوحنا قلته- فى حديثه إلى صحيفة المصرى اليوم- وأضاف: إن الإمبراطور مانويل إليولوجوس الذى استشهد البابا بكلامه كان إمبراطورًا لم يكن رجل دين، كما أنه لم يكن على أخلاق مسيحية، وما قاله كان لأسباب سياسية واقتصادية بحتة بسبب الحصار الذى كان قد فرضه عليه المسلمون فى ذلك الوقت، فماذا ينتظر من حاكم تحت الحصار ويعانى من الضغوط السياسية والاقتصادية فى حربه مع المسلمين؟!.
وذكرنا الأنبا يوحنا قلته بالبابا أوربان الثانى فى أواخر القرن الحادى عشر الذى أشعل الحرب العملية التى استمرت قرنين من الزمان، ورفع راية الصليب وحشد أمراء وملوك أوروبا وشجعه على ذلك تمزق الحكام العرب وضعفهم والحروب التى كانت قائمة بينهم أيام المماليك، ولم تكن هذه الحروب حروبًا دينية بل كانت فى حقيقتها بسبب المجاعة والجفاف والظروف الاقتصادية الطاحنة فى أوروبا، فأشعلها البابا أوربان الثانى لكى ينقذ أوروبا من المجاعة وكان يبيح قتل كل من فى الشرق من مسلمين ومسيحيين حتى أن المسيحيين فى الشرق العربى قالوا وقتها: هؤلاء ليسوا محاربين بل هم لصوص!
فارق كبير بين ما قاله البابا بندكت السادس عشر بابا روما الحالى، وما قاله نائبه فى مصر وفى مجلس الكنائس الكاثوليكية فى الشرق الأوسط.
هناك فرق..
وهناك فرق بين بابا روما الحالى والبابا الراحل يوحنا بولس السادس الذى زار شيخ الأزهر وخلع حذاءه حين دخل الجامع الأزهر، وتحدث عن الإسلام باحترام، وشكل لجنة من كبار أساقفة الفاتيكان للمشاركة فى حوار إسلامى- مسيحى مع لجنة شكلها شيخ الأزهر من كبار علماء المسلمين. وكان يدعو للتعاون والتفاهم بين المؤسسات الدينية من الجانبين، ولم يقل كلمة تسىء إلى الإسلام.
وهناك فرق بين بابا روما وبابا الأقباط فى مصر، فالبابا شنودة مصرى، وعربى، يعيش فى أجواء الثقافة الإسلامية، وعلى اطلاع واسع بمبادئ الإسلام وأحكام شريعته، وله أصدقاء كثيرون جدًا من المسلمين ومن علماء الأزهر، وعلى رأسهم شيخ الأزهر والمفتى ووزير الأوقاف، ومن رجال السياسة والحكم، ومن الأدباء والمفكرين، وهو يرعى الحوار الدائم بين الأزهر والكنيسة الأرثوذكسية.
البابا شنودة يبدى دائمًا الاحترام للإسلام والمسلمين ويبادله المسلمون الاحترام، حتى أن بعضهم قال إنه بابا للمسلمين والأقباط معًا، وهو يبدأ حديثه دائمًا بعبارة يقول فيها: باسم الإله الواحد الذى نعبده جميعًا. وهو صاحب تقليد جميل أسهم فى مد جسور المحبة بين المسلمين والأقباط، وذلك بإقامته حفل إفطار فى شهر رمضان فى القاهرة والإسكندرية وامتد هذا التقليد حتى شمل جميع الكنائس تقريبًا من أسوان إلى سيوة، وفى هذا اللقاء يجتمع حول البابا فى الكنيسة رؤساء مجلس الوزراء ومجلس الشعب ومجلس الشورى والوزراء ورؤساء الهيئات القضائية وعلماء الأزهر وعلى رأسهم شيخ الأزهر، والكتاب المثقفون والفنانون.. مظاهرة حب.. وحين يلتقى الناس.. وحين يأكلون معًا.. وحين يشارك المسيحيون المسلمين فى مشاعرهم واحترامهم لشعائر دينهم فإن جذور المحبة تنمو فى القلوب، وتذوب- أو تتوارى - الخلافات العقائدية وتبقى العلاقة الإنسانية ويتأكد المبدأ الإسلامى (لكم دينكم ولى دين).
البابا شنودة يحضر فى كل سنة افتتاح المؤتمر الإسلامى العالمى ويجلس على المنصة إلى جانب شيخ الأزهر ويلقى فى جلسة الافتتاح كلمة فى حشد من علماء المسلمين من جميع أنحاء العالم..
والنتيجة أن البابا شنودة يحظى باحترام وتوقير من المسلمين لا يقل عما يلقاه من المسيحيين، ولذلك يحرص المسلمون من كل الفئات على الذهاب إليه لتهنئته فى عيد الميلاد وعيد القيامة، ويوجهون إليه الدعوة لحضور المناسبات والمؤتمرات الوطنية والاجتماعية والثقافية. ويعتبرون الأعياد المسيحية أعيادًا للمصريين وليست للمسيحيين وحدهم.
بل إن البابا شنودة يدعو شخصيات من المسلمين لزيارة دير الأنبا رويس الذى يرأسه ويعتكف فيه، وقد زرت هذا الدير كثيرا، بل قضيت فيه ليلة معه ومع الأساقفة فى ضيافة البابا.. زالت الحساسية بفضل الذكاء والحكمة وسعة الأفق.
وهذا هو الفرق.
بابا يبنى وبابا يهدم.
ومع ذلك فلا يزال الباب مفتوحًا أمام بابا روما لكى يصلح غلطته، فالاعتذار هو الحل، أما المطالبة بتجاوز المسألة بسهولة بكلمة معسولة من بعض أتباعه فلا تكفى لغسل الإهانة، والمسألة ليست مسألة كلمات، ولكنها مسألة موقف. هل يحترم البابا بندكت الديانات الأخرى أو أنه لا يحمل لها احترامًا؟ وهل يعتبر المخالفين فى العقيدة أخوة فى الإنسانية أو يعتبرهم أعداء؟.
ثم.. لماذا قال البابا بندكت كلمات تفيض بالمحبة الزائدة والتعاطف الشديد حين تحدث عن اليهود واليهودية؟ ولماذا اختار من بين كل ما قيل عن الإسلام كلمات امبراطور رومانى فى القرن الرابع عشر، موتور، ومهزوم فى حرب مع المسلمين؟ هل أراد أن يكون اعتماده على أقوال القادة العسكريين والحكام والأباطرة وليس على أقوال الرسل والقديسين ورجال اللاهوت المسيحى؟
نخشى أن يكون موقف البابا مقدمة لتحول خطير فى الكنيسة الكاثوليكية. فإن لم يكن كذلك وجب الاعتذار والتراجع والعودة إلى طريق المسيح.. طريق المحبة وليس طريق الكراهية، والعودة إلى الحق أحسن من التمادى فى الباطل.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف