السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

نجيب محفوظ فى محطة مصر!

 

عندما وصل نجيب محفوظ إلى سن التسعين سأله محمد سلماوى يوم عيد ميلاده: بماذا تشعر فى هذه السن؟ فقال: أشعر أننى فى محطة سيدى جابر، فحين كنت أسافر إلى الإسكندرية كل سنة كنت أنزل دائما فى المحطة الأخيرة التى يطلقون عليها (محطة مصر) وحين كان القطار يتوقف قبلها فى محطة سيدى جابر كنت أدرك أنه لم يبق لى إلا محطة واحدة لأغادر القطار، وأنه لم يعد لدى وقت إلا لألملم أشيائى واستعد للنزول.. وأعد سلماوى كتابا بعنوان (نجيب محفوظ فى سيدى جابر) جمع فيه بعض أقوال نجيب محفوظ التى كان ينشرها بالإنجليزية فى جريدة الأهرام ويكلى، وأصدرته الجامعة الأمريكية بمناسبة بلوغه سن التسعين عام 2001.
وبعد خمس سنوات ظل نجيب محفوظ 45 يوما فى المستشفى يصارع المرض إلى أن وصل به قطار العمر إلى المحطة الأخيرة.. وكان أقرب الناس إليه فى هذه الأيام هم زوجته، وابنتاه، ومحمد سلماوى الذى عاش هذه التجربة الدرامية بمشاعره وعقله، واختزن فى وجدانه كل لحظة منها كان الأطباء يحاولون محاولات يائسة، ولكن القطار كان ماضيا فى طريقه إلى المحطة التى لابد أن يصل إليها كل إنسان ولم يكتف سلماوى بالجهد الذى بذله إلى جانب كاتبنا الكبير، ولكنه أراد أن يشركنا معه فى هذه التجربة الإنسانية.. وعبر عن وفائه للرجل الذى أحبه أجمل تعبير فى كتابه (نجيب محفوظ: المحطة الأخيرة).
بدأت الرحلة إلى المحطة الأخيرة يوم الأحد 16 يوليو 2006، تعثر الأستاذ فى غرفة نومه وسقط على الأرض فى الصباح الباكر وأصيب بجرح غائر فى مؤخرة رأسه وفقد الوعى، فنقله الحرس الخاص به إلى مستشفى الشرطة الملاصق لمنزله حيث تم عمل بعض (الغرز) لخياطة الجرح. وبعد الأشعة المقطعية على الرأس وجد الأطباء أن كل شىء طبيعى. كانت حالته المعنوية مرتفعة، وكان قد نشر حلما من أحلام فترة النقاهة يقول فيه: (رأيتنى أعد المائدة، والمدعوون فى الحجرة المجاورة تأتينى أصواتهم.. أصوات أمى واخوتى وأخواتى)!
فى اليوم التالى كان أول المتصلين هو الرئيس حسنى مبارك ليسأل زوجته إن كانت فى حاجة إلى شىء، وكانت حالته تتحسن من يوم لآخر، واتصل أديب نوبل جابريل جارسيا ماركيز بمحمد سلماوى ليطمئن على صحته، وأجرى وزير الصحة الكشف عليه وأبدى رأيه بأن الأستاذ ليس فى حاجة لأن يسافر إلى الخارج، ولم تكن أسرته قد طلبت أن يسافر إلى الخارج، لكن الدولة أرادت أن تتبين من نفسها إن كانت حالته تستدعى السفر، لكنه بعد أسبوع وقع من السرير وهو نائم فأصيب ببعض الكدمات، وظل نائما بعدها لفترة طويلة، فوضعوا له حواجز حديدية على جانبى السرير حتى لا يقع ثانية، حاولوا إيقاظه فرفعوا الجانب العلوى من السرير وأصبح فى وضع الجلوس لكنه لم يستيقظ.. منعوا عنه الزيارة فلم يعد يدخل عليه إلا زوجته التى كانت تقيم إلى جانبه طول الوقت وابنتاه، ومحمد سلماوى وجمال الغيطانى ويوسف القعيد الذين كان يعتبرهم أولاده لأنه لم يرزق بولد ويكشف لنا سلماوى أن نجيب محفوظ رزق بطفل كان ذكرا لكنه توفى فى بطن أمه ثم رزق بعد سنتين بابنته الأولى أم كلثوم، وبعدها جاءت فاطمة (وهو اسم والدته).
فى اليوم الثالث عاد إلى وعيه. وفى أحيان كان يتحدث وفى أحيان أخرى يغيب ورفض أن يتناول طعاما وقال: مفيش نفس.فى اليوم التالى وضعوا له أنابيب المحاليل فى أوردة الرقبة لأنه رفض حتى أن يشرب العصير أو اللبن.
وبعدها بيوم أصيب بخلل فى وظائف الكليتين. وبالإسهال نتيجة خلل فى الجهاز الهضمى بسبب امتناعه عن الأكل وربما بسبب الكميات الكبيرة من المضادات الحيوية التى وضعوها له فى المحاليل.. فى اليوم التالى قال الأطباء أنهم سيطروا على خلل الكليتين ولكنهم وجدوا زيادة فى حموضة الدم وارتفاعا فى درجة الحرارة لكنه أفاق وتحدث إلى محمد سلماوى ليحكى له عن أول رواية له نشرها كان سعرها قرش صاغ واحد! وكانت هى رواية عبث الأقدار وأعطاه الناشر 500 نسخة كأجر فوضع هذه النسخ فى عربة حنطور وأنزلها عند أول مكتبة صادفته وأعطاها لصاحبها الذى قال إنه لن يعطيه إلا ثمن ما يباع منها. وظل يمر على المكتبة شهورا طويلة إلى أن اضطر صاحب المكتبة إلى وضع الكمية كلها فى المخزن وقال له: هذه الرواية ليس لها سوق. وبعد سنوات صدرت له رواية خان الخليلى، ومر بالمصادفة أمام المكتبة فوجد عبث الأقدار معروضة وبسعر جديد يزيد على القرش صاغ، وحين رآه صاحب المكتبة قال له: لك حساب عندى وأعطاه ثمن ما بيع من الرواية ولكن على أساس السعر القديم!
كان نجيب محفوظ يحكى هذه الحكاية والممرضون والممرضات فى الغرفة يضحكون، ولكن حين حاول الطبيب أن يضع بعض الطعام فى فمه أغلق فمه وقال: إنكم تطعمون رجلا ميتا! وفى اليوم التالى نقلوه إلى غرفة العناية المركزة لأنه أصيب بالتهاب رئوى حاد وانسداد فى الشعب الهوائية سبب له ضيقا فى النفس وكان لابد من وضعه على جهاز التنفس الصناعى.. وجاء طبيب العلاج ليحاول تنبيه أعضاء الجسم والأستاذ غائب عن الوعى.. كان يضربه على جميع اجزاء جسمه والأستاذ يتوسل إليه قائلا: أرجوك كفاية.. لو سمحت كفاية. ثم قال بعد أن طالت العملية: أرجوكم سيبونى بقى، انتوا بتعملوا فى كده ليه.
كان نجيب محفوظ ينتظر بفارغ الصبر صدور كتابه الجديد الذى يضم أحلام فترة النقاهة، ولكن حين صدر الكتاب وحمل سلماوى النسخة الأولى منه وانطلق إلى المستشفى وجد الأستاذ فى غيبوبة.. وفى اليوم التالى ظل الأطباء طويلا يحاولون وضع قناع الأكسجين على وجهه وكان يخلعه بيده دون أن يفيق، وقرر الأطباء زيادة أنابيب المحاليل فوجدوا أن يده اليسرى تورمت من (الكانيولا) التى اخترقت شرايينها فنقلوا الكانيولا إلى يده اليمنى. ويتذكر سلماوى ما حدث بعد الاعتداء على الكاتب الكبير، وأصبح عاجزا عن استخدام يده اليمنى، بينما كان فى حاجة إلى التوقيع على العقود وبعض الأوراق التى تخص البنوك وغيرها، وفوجئ ذات يوم بالاستاذ يقول له: أريدك أن تصنع لى ختما أوقع به إلى أن تشفى يدى وهكذا اضطر أكبر كتاب الوطن العربى لاستخدام الختم كالبسطاء الذين لا يعرفون أن يكتبوا أسماءهم(!) وبالطبع كانت دهشة مدير بنك مصر كبيرة حين طلب منه استبدال إمضاء الأستاذ نجيب محفوظ المعتمد فى البنك بهذا الختم، ولكن بعد شهور من العلاج الطبيعى ومواظبته على تدريب يده على الكتابة عاد إلى استخدام يده مرة أخرى.
أصيب الأستاذ بانسداد فى الشعب الهوائية فقام الأطباء بشفط البلغم من صدره آليا وهى عملية مؤلمة للغاية.. ثم عادوا إلى محاولات وضع قناع الأكسجين على وجهه وهو ينزعه واضطر الأطباء إلى ربط يده بشريط من الشاش فى الإطار الحديدى للسرير.. حاول أن يرفع يده لينزع القناع فلم يستطع.. فى اليوم التالى لم يفق على الإطلاق.. وكانت قد مضت عشرة أيام دون أن يتناول طعاما حتى وصلت حالته إلى مرحلة خطيرة فقرر الأطباء عمل فتحة فى المعدة لإدخال خرطوم وحقن الطعام من خلاله لأن حالته بدون طعام تتدهور كل يوم.
هكذا دخل نجيب محفوظ المستشفى لعمل (غرزتين) فى مؤخرة رأسه فأصبح يعانى من الالتهاب الرئوى وتوقف الكليتين وغيبوبة ثم نزيف فى القولون فاستخدم الأطباء منظارا داخل الأمعاء حتى يتمكنوا من كى موضع النزيف، ثم أجروا له عملية نقل دم تعويضا عما فقده عن النزيف.
كان قد كتب حلما من أحلام فترة النقاهة قال فيه: (رأيتنى فى مستشفى لإجراء بعض التحاليل، وهناك علمت أن مصطفى النحاس يرقد فى العنبر المجاور، فذهبت إليه، وتأثرت لمنظره وقلت له: سلامتك رفعة الباشا، فقال: إن المرض الذى أعانيه هو الثمرة الحتمية لنكران الجميل، فقلت له: عند الله لا يضيع أجر من أحسن عملا!
فى لحظة أفاق فيها نجيب محفوظ همس: أنا عاوز أروح بقى! وفى لحظة أخرى كان ينادى أشخاصا رحلوا جميعا عن عالمنا، وحين سمعت الممرضات صوته حاولنا التحدث إليه فلم يجب عليهن وظل يتحدث إلى الآخرين الذين رحلوا.
وأخيرا رحل نجيب محفوظ.. انتهت رحلة القطار ووصل نجيب محفوظ إلى محطة مصر!
توقف قلبه، وتمكن الأطباء من إسعافه فعاد قلبه ينبض ثانية، ولكن القلب توقف ثانية ولم تتمكن الأجهزة من إعادته إلى الحياة.
واستقر كاتب نوبل العظيم فى مدفن تعلوه لافته مكتوب عليها: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
وكان قد كتب فى حلم من أحلامه: رأيتنى فى حى العباسية أتجول فى رحاب الذكريات وتذكرت بصفة خاصة المرحومة (ع) فاتصلت بتليفونها ودعوتها إلى مقابلتى عند السبيل، وهناك رحبت بها بقلب مشوق، واقترحت عليها أن نقضى سهرتنا فى الفيشاوى كالزمان الأول. وعندما بلغنا المقهى خف إلينا المرحوم المعلم القديم ورحب بنا، غير أنه عتب على المرحومة (ع) طول غيابها، فقالت إن الذى منعها عن الحضور الموت، فلم يقبل هذا الاعتذار وقال: (إن الموت لا يستطيع أن يفرق بين الأحبة).
الموت لا يستطيع أن يفرق بين الأحبة!
هكذا يختم محمد سلماوى كتابه الجميل الذى جعلنا نعيش مع رجل ليس كمثله أحد أيامه الأخيرة المليئة باللحظات الدرامية الموجعة والتى صورها محمد سلماوى بكاميرا الصحفى وقلم الفنان وجعل قلوبنا تنخلع فى لحظات، ودموعنا تنساب دون وعى فى لحظات أخرى، وحكى لنا عن لحظات مؤلمة له ولنا، ولكنه أهدانا وثيقة تاريخية وعملا فنيا رفيع المستوى سوف يتوقف مؤرخو عبقرية نجيب محفوظ عندها كثيرا.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف