السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

نجيب محفوظ يتحدث إليكم عن الإرهاب

 

ما زلت أبحث فى أوراقى عن كتابات نجيب محفوظ التى وجدتها لدى بخط يده، وقد اكتشفت أن نجيب محفوظ كان يرى خطورة الإرهاب على مستقبل مصر والمصريين بل وعلى مستقبل العالم، وكان مشغولاً بتحليل هذه الظاهرة وأسباب ظهورها فى المجتمع المصرى وانتشارها فى أنحاء العالم على الرغم من اختلاف الديانات والثقافات. ونجد فى فكر نجيب محفوظ خيطًا يربط بين انتشار الإرهاب وتراجع الوعى والثقافة والتعليم، وهو بذلك يضع أيدينا على أصل المشكلة وعلى العلاج الصحيح لها.
نجيب محفوظ يربط بين الإرهاب والفساد فى مختلف صوره: الفساد الأخلاقى، والفساد الاقتصادى، والفساد السياسى. وليس الفساد وحده هو الذى يساعد على نمو الإرهاب، ولكن هناك عوامل أخرى مثل الفتاوى الخاطئة، والأزمة الاقتصادية، والفساد السياسى والحكم الشمولى والاستهانة بحقوق الإنسان، وبذلك يرى أن الإرهاب هو الثمرة المرة لكل هذه العوامل أو لإحداها تبعًا للظروف والأحوال. ويضيف عاملاً آخر يرى أنه أكثر أهمية من كل ما عداه وهو ما يسميه انسداد القنوات الشرعية الموصلة للسلطة وما ينتج عن ذلك من إحباط وحنق جيل صاعد يتطلع إلى حقوقه فى الحياة ومن بينها المشاركة فى السلطة، ولذلك فإنه يدعو إلى فتح هذا الطريق المسدود.
يضيف نجيب محفوظ إلى هذه العوامل عامل آخر هو تحول العنف إلى مزاج عام، مع أن الشعب المصرى عُرف على مدى التاريخ بالوداعة والصبر، ما الذى جعل العنف مزاجًا عامًا فى المجتمع؟
إجابة نجيب محفوظ أن الأسباب كثيرة، منها تاريخ من الاستبداد والفساد والهزائم والغلاء والبطالة والظلم والمحسوبية وسوء الخدمات واضطراب الإدارة.
إن نجيب محفوظ فى كتاباته عن الإرهاب يبدو مفكرًا اجتماعيًا يمتلك أدوات التحليل الاجتماعى والسياسى، كما يمتلك شجاعة المصارحة والموضوعية والحياد، وهى صفات المفكر الاجتماعى، ولهذا أرى أننا لكى نفهم نجيب محفوظ لابد أن نقرأ السطور التى كتبها للنشر فى زاوية (وجهة نظر) فى الأهرام ونقرأ ما بين السطور، لأن ذلك سوف يساعدنا جدًا على فهم رواياته وما فيها من أحداث وأقوال على لسان أبطالها، كما يساعدنا على فهم الدور الاجتماعى والرسالة الاجتماعية والفكر الاجتماعى لنجيب محفوظ مما يكمل شخصيته الأدبية.
فى وجهات نظر نجيب محفوظ اكتشفت أنه ليس روائيًا عظيمًا فقط، ولكنه مفكر كبير، وفيلسوف من نوع خاص، يمزج الفكر الفلسفى بالفكر الاجتماعى ويقدمهما- – بل يجسدهما – فى شخصيات وأحداث تعطيك فى القراءة الأولى معانى وكلما قرأتها بعد ذلك تكتشف أن فيها معانى أكثر.
أعتقد أن التركيبة الجيولوجية لنجيب محفوظ بالغة العمق والتعقيد على عكس ما تبدو فى الظاهر، ففيها طبقات مثل طبقات الأرض، وكل طبقة لها صفات وخصائص وفيها ثروات طبيعية، إلى أن نصل إلى الأعماق البعيدة فنكتشف الذهب!
وهاهى بعض آراء نجيب محفوظ عن الإرهاب الذى كان هو ضحية من ضحاياه، حين هاجمه شاب – لم يقرأ شيئًا عن أعماله، وطعنه بالسكين فى رقبته فأصابه إصابة بالغة وكاد يقضى عليه لولا لطف الله بنا، وكان ذلك بسبب سيطرة الفكر المنحرف، والاتهامات الظالمة بالكفر، وكان الهدف هو إرهاب أصحاب الفكر فى البلد كى يستسلموا للخوف ويسكتوا عن قول كلمة الحق.
كتب نجيب محفوظ هذه المقالات القصيرة قبل الاعتداء عليه بسنوات، ولكن العبقرى يستطيع أن يرى الخطر قبل حلوله، ويحذر قومه منه، ولو وجدت تحذيراته آذانًا صاغية لتغير وجه التاريخ.
<U>المزاج والعنف</U/>
لمناسبة حوادث أبو حماد المؤسفة قال المحافظ المسئول: (العنف مزاج عام وعلينا كأجهزة مسئولة أن نبحث له عن علاج).
لكن ما الذى جعل العنف مزاجًا عامَّا لشعب عُرف على مدى التاريخ بالوداعة والصبر؟
الحق أن الأسباب كثيرة ولا تغيب عن ذاكرة أحد، فقد حفل تاريخه المعاصر بالاستبداد والإرهاب والفساد والهزائم والغلاء والبطالة
وانسداد الطريق أمام الشباب، والظلم والمحسوبية وسوء الخدمات واضطراب الإدارة وعدم احترام حقوق الإنسان، والتطرف والتهديد لأمن المواطنين ووحدتهم، وربما وجدت تفاصيل تزيد الصورة قبحًا وبشاعة. ويوجد سبب آخر وهو أن المصريين فى معاناتهم التاريخية تلقوها على أيدى حكام أجانب أو شبه أجانب لم يرجو لديهم خيرًا، ولا شك أنهم أملوا بعد أن آل الأمر إلى أبنائهم أن تتغير المعاملة وأن يجد المصرى فى دواوين الحكومة ومستشفياتها ومدارسها وسجونها ما لم يكن يحلم به من قبل.
هذه هى الأسباب التى أفقدتنا الصبر ودفعتنا إلى العنف. ولعل السيد المحافظ قد أدرك أن مهمة العلاج أخطر من أن يقوم بها سيادته وأجهزته. إنها تحتاج إلى علاج شامل وخطة متكاملة وتنمية جامعة مانعة، وهذا ما تقوم به الدولة وتركز عليه فى مهدها الأخير خاصة، ولكنه يحتاج إلى زمن وإلى صبر وإلى عمـل وإلى جهد، فلندع ما للدولة للدولة، ولنفكر قليلاً فيما ينشب بين الشرطة والجمهور مما يوشك أن يصير ظاهرة فى حادثة عابرة.
والعلاج واضح وهو (أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به) ولكنه يحتاج إلى مجاهدة للنفس وإخلاص للمجتمع ووطنية صادقة. يجب أن تقوم العلاقة بين الشرطة والجمهور على الثقة والاحترام فى ظل احترام حقوق الإنسان. يجب أن تتذكر الشرطة أن واجبها الأول أن تكون فى خدمة الشعب حقًا وصدقًا. إننا نعرف تمامًا ما الشرطة، ما واجباتها، ما تضحياتها، ما خطورتها فى حماية المجتمع وتكريس القيم والمبادئ. لذلك لا نريد أن نسمع عن فرد تساء معاملته فى قسم شرطة، فضلاً عن أن يُقتل فيه. لا نريد أن يصدق الناس شائعة كاذبة عن حادث وقع فى قسم.
إن خدماتكم تملأ السجلات فلا تفسدوها بغضبة عارضة أو كبرياء فى غير موضعه.
<U>متى نقضى حقًا على الإرهاب؟</U/>
شغلنا الإرهاب حتى كاد يغطى على جميع مشاكلنا. آراؤه غاية فى الغرابـة، وسلوكه لا مثيل له فى الوحشية، والخسائر التى أنزلها باقتصادنا ثقيلة فادحة لا تعوض فى الزمن القصير. رغم ذلك كله فهو ليس مشكلة بلا حل، فقد استطاع إبراهيم عبد الهادى أن يقضى عليه، كما استطاع جمال عبد الناصر أن يقضى عليه، ويبدو أنه يسلم اليوم قلاعه الأخيرة ولا استبعد أن يلحق بأسبقيه قريبًا وأن يستقر الأمن والأمان.
ولكنى أرجو ألا تعتبر المسألة منتهية بانتهاء الإرهاب. وعلينا أن نسأل أنفسنا لم تكرر رجوعه؟.. لم رجع بعد اختفاء ليمارس العنف ويسفك الدماء؟
الواقع أنه يوجد فكر إسلامى ذو طبيعة خاصة وأهداف معروفة على نحو ما، ولهذا الفكر قاعدة فى الشعب لا يمكن تجاهلها، وله ممثلوه ولكنهم لا ينالـون حقهم من الاعتراف سواء هيئة أو كحزب، ولذلك فهم محرومون من الممارسة المشروعة، وينعكس ذلك وما يتبعه من ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية فى صورة آراء متطرفة عند بعض شبانه، وسرعان ما يندفعون نحو العنف من جديد. ونعود إلى التعامل مع العنف بما يستحقه متناسين ملابساته كلها ونعتبره مشكلة مفتعلة أو مستوردة ونحمل عليها بكل قوة حتى نُسكت صوتها وفعلها ولكن إلى حين وليس إلى الأبد طالما أن المسألة الأصلية باقية دون حل.
ولا حل لتلك العقدة إلا فى الديمقراطية. فى أن يتمتع كل تيار بحقوقه المشروعة، وأن يُسمع صوته للشعب بكل تفاصيله. فى أن يدخل فى حوار مثمر مع مخالفيه لينتهى الحوار إلى رأى واحد أو أكثر ثم يكون الحكم للشعب.
<U>فتح الطريق المسدود</U/>
يحدثونك عن الإرهاب فيربطون بينه وبين أشياء كثيرة مثل الفتاوى والأزمة الاقتصادية والفراغ السياسى والحكم الشمولى والاستهانة بحقوق الإنسان. والإرهاب يمكن أن يكون ثمرة مرة لجميع تلك الظاهرات مجتمعة أو لإحداها تبعًا للظروف والأحوال. غير أنهم ينسون ظاهرة أخرى لا تقل عن أى من تلك الظاهرات عاقبة إن لم تزد، ألا وهى انسداد القنوات الشرعية الموصلة للسلطة وما ينتج عن ذلك من إحباط وحنق لجيل صاعد يتطلع إلى حقوقه فى الحياة ومن بينها – وربما فى مقدمتها – حق تبوؤ السلطة.
الحق أن كل جيل يتطلع إلى السلطة أو الحكم باعتبار ذلك سبيله إلى تحقيق ذاته الفردية وحلمه الجماعى لتغيير المجتمع. من حق كل جيل جديد أن يتطلع إلى ذلك، بل إن واجبه وانتماءه وطموحه تملى عليه أن يتطلع إلى ذلك ويعمل على تحقيقه بكل وسيلة مشروعة. فإذا بدا الطريق أطول مما يجب أو طال بطريقة مفتعلة أو سد تمامًا فلا أمل فى منفذ أصبح اللجوء إلى العنف مما قد يرد على بعض الخواطر.
وقد عاصرت الحياة قبل ثورة يوليو، وأشهد أنه لو كان الدستور قد احترم وعرفت كل هيئة حدودها، فربما قدر لتاريخنا أن يكون غير ما كان. كان من المحتوم أن تفقد الأحزاب القديمة شعبيتها وتحل محلها أحزاب شابة مبشرة بالتغيير الاجتماعى، أو – فى تقديرى – أن أجيال الشباب يمينًا ويسارًا كانت سترث الأغلبية فى انتخابات 1950، وتمضى فى تطبيـق ما طبقته ثورة يوليو فى جو من الحرية والديمقراطية كان خليقًا أن يجنبنا كثيرًا من الأخطاء القاتلة.
فللنظر إلى واقعنا على ضوء ماضينا من ناحية، والتسليم بالحقائق البشرية من ناحية أخرى، فنجعل لنا طريقًا ممهدًا للسلطة خاليًا من العقبات المفتعلة والرواسب الشمولية.
من أجل ذلك أقول إن الحل الأمثل هو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
<U>السياحة بين الدين والسياسة</U/>
يمكن تفسير ضرب السياحة بدافعين قد يعملان معًا متعاونين، وقد يعمل أحدهما دون الآخر. أول الدافعين تصور دينى متطرف، وثانى الدافعين رغبة سياسية جامحة تستهدف إحراج الحكومة ولو ضربت فى سبيل ذلك الاقتصاد القومى.
ونناقش الدافع الدينى فنقول: إن مفكرين إسلاميين كبيرين هما المفتى والأستاذ الغزالى قد أغنيانـا عـن ذلك. وخير الكلام ما صدر عن أهل الاختصاص فيه، فمن موقعيهما المميزين قدرا أن السياحة حلال، وأن حياة السائح وماله فى ذمة المسلم.
ولا بأس من أن أضيف إلى ذلك الرأى الشرعى الحاسم تصورى للموضوع من الناحية الإنسانية، فأقول: إن السياح قوم يزورون بلادنا باختيار حر ورغبة صادقة، فزيارتهم دليل على حبهم لبلادنا يستحقون عليها الشكر، وأنهم ينفقون فى بلادنا أموالاً طائلة ننتفع بها فى دعم نهوضنا وتقدمنا مما يستحقون الشكر عليه أيضًا.
قد يعترض البعض على تقاليد السائحين مما لا يتفق مع تقاليدنا أو يتنافر مع أذواقنا، ولكن هل نخلو نحن من مثل تلك السلبيات؟ إن بلادنا حتى قبل أن تصبح سياحية لم تخل من الخمر والسكارى والمقامرين والمستهترين والداعرين. وهيهات أن يخلو مجتمع من بعض الانحرافات التى تقل أو تكثر تبعًا للأحوال والظروف.
بل أقول أكثر من ذلك إن لدينا من السلبيات ما لم يسمع السياح عن مثله أو ما يندر وجوده فى بلادهم. فكثير من بلادهم لا تعرف الرشوة أو لا تكاد تعرفها، ولا تعرف الإهمال والتسيب، ولا تعرف الغش فى البناء الذى يعرض مئات الأرواح للهلاك فى أوقات الزلازل وفى غيرها. فمفتى السياح- لو كان لديهم مفتى – هو الذى كان يجب عليه أن يحذرهم من سلبياتنا ويحثهم على الوقاية منها.
الحق أنه لا توجد حجة لدى المتربصين بالسياح لا من الناحية الدينية ولا من ناحية الأخلاق والتقاليد.
لم يبق لتبرير الجريمة إلا الرغبة السياسية فى إحراج الحكومة للتخلص منها والاستيلاء على السلطة.
وقد تكون السلطة غاية مشروعة للمواطنين جميعًا على اختلاف مشاربهم، ولكن لا يجوز المساس بحرمة المصالح القومية العامة من أجل الوصول إلى تلك الغاية.
يجب أن نكون فى صراعنا السياسى ديمقراطيين لا إرهابيين.
<U>ما أحلى الرجوع إليه</U/>
فى فترة زمانية واحدة تلقينا عدة من حوادث الإرهاب والفساد كأنها كانت على ميعاد. من ناحية تتابعت انفجارات مقهى وادى النيل وسيارات السياحة واشتباكات أسيوط. فتقضى على أرواح بريئة، وتوجه ضربات غادرة إلى الاقتصاد القومى.
ومن ناحية أخرى تبرز ضمن مسلسل الفساد قضيتان بشعتان. الأولى عن الأغذية الفاسدة، والثانية عن الدعارة فى مراكز الإدارة العليا، فتوجهان ضربات قاتلة صوب قيمنا الروحية والأخلاقية، وتمزق الجمهور بين الناحيتين، ينظر إلى الأولى بمنتهى الجزع وإلى الأخرى بمنتهى الحزن والأسى. الإرهاب يهدد أرواح أبنائه واقتصاده، والفساد يهز من الأعماق قيمه ومثله العليا.
والحق أنه ما من وطن يخلو اليوم من العنف. والحق أنه لا وطن اليوم يخلو من فساد. ولكن الأمم المتحضرة تتصدى للإرهاب بهدوء وفى نطاق القانون مطمئنة إلى سلامة بنيانها وثبات أركانها، كما أنها تطارد الفساد فى مكامنه ولا تفرق فى تطبيق القانون بين أى فرد وأكبر الرءوس فيها. بذلك يقع الإرهاب والفساد فى المجتمع دون أن يمس أركانه أو يهز قواعده.
وفى مجتمعنا نحن بالذات أصبح الإرهاب ظاهرة كما أصبح الفساد ظاهرة وحديث الرائح والغادى. وقد يكون الفساد – ضمن سلبيات أخرى – من أسباب ظهور الإرهاب، أو سبب استفحاله على الأقل. من أجل ذلك يجب أن نستيقظ وأن نعيد النظر فى كل شىء. المعركة لا تكسب بالرصاص وحده، ولكن على الدولة أن تقنع الناس بأن ما تمثله خير مما لدى الخصوم، ولن يتم ذلك إلا إذا قدمت له الحرية والعدل والقيم السامية، وهيهات أن يتحقق ذلك إلا عند سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وبتر كل عضو فاسد، وهل من طريق إلى ذلك خير من الديمقراطية الكاملة والرجوع إلى الشعب.
<U>طريق الأمل</U/>
للإرهاب فكره وسلوكه أما فكره فيقوم على التطرف الشديد فى الرؤية والتفسير والدعوة والإنغلاق على الذات ورفض الحضارات الأخرى والارتياب فى أى فكر مخالف واحتقار ما أجمعت الإنسانية على تقديره وحبه من ثمرات الفكر والوجدان. وأما السلوك فإنه يبيح العنف فى فرض آرائه وبلوغ غاياته، وعنده أن مرتكب العنف مجاهد إذا قتل وشهيد إذا قُتل.
ولو أنه اكتفى بالرأى والرؤية والدعوة لحق له ما يحق لأى رأى. فلكل رأى حقه فى الوجود والحوار، يستوى فى ذلك المعتدل والمتطرف. وهيهات أن يخلو مجتمع من آراء متطرفة، وما ينبغى له ذلك، فالآراء المتطرفة سبقت أكثر الثورات البشرية، وهى أكبر منشط للحوار والتفكير، فأهلاً بالتطرف والمتطرفين فى مجال الحوار والمناقشة والدعوة واحترام الرأى الآخر تحت مظلة الحرية. أما العنف فإنه شر مطلق، ومصادرة للآخرين. والواجب البديهى لكل مجتمع أن يتصدى له بكل وسيلة مشروعة دفاعًا عن وجوده وكرامته وأمانه واستقراره، غير أننا نرى أن العنف ليس نتيجة لنوع من الفكر فقط، ولكن توجد عوامل أخرى قد تدفع إليه وتنحرف بالإنسان إلى الطريق الشائك، المعادى للمجتمع، ومن هذه العوامل الاستبداد السياسى والأزمة الاقتصادية والبطالة والفساد. والفساد بصفة خاصة.
يمكننا بعد ذلك أن نلخص كيفية مقاومة العنف أو الإرهاب. فيما يأتى:
أولاً: الدفاع الأمنى باعتباره خط الدفاع الأول غير القابل للتأجيل.
ثانيًا: العمل بكل حزم وصدق ودون إبطاء على الإصلاح السياسى والاقتصادى والإدارى ومحاربة الفساد دون هوادة.
ثالثًا: الاستمرار فى الحوار الفكرى على أن يفتح التليفزيون وبصورة شاملة وملحوظة للإسلاميين المعتدلين من أهل الحكمة والتنوير، ودعاة الديمقراطية والتقدم وحقوق الإنسان. وأرحب كل الترحيب بسماع المتطرفين أيضًا إذا شاءوا الحوار وكفوا عن العنف.
لعله الطريق إلى صلاح الدنيا والدين.
<U>كيف نتصدى للإرهاب</U/>
الإرهاب مشكلة تتفاقم يومًا بعد يوم. وتمتد عواقبه إلى مجالات كثيرة فأصبح يهدد الأمن والاقتصاد والوحدة الوطنية. طبيعى أن ينشغل كل مواطن بعلاجه والتخلص منه، فلا يمكن أن نتجاهله، إذ لا استقرار نفسيًا مع تجاهله.
هو فى أصله فكر متطرف، وجد فى التاريخ الإسلامى منذ نشأته، والفكر المتطرف فى ذاته ليس مشكلة، فما من رأى أو مذهب إلا وفيه الاعتدال والتطرف. وأذكر أنه على طوال حياتى لم يخل المجتمع من آراء متطرفة ذات اليمين أو ذات اليسار.
ولكن التطرف قد ينحرف إلى العنف فيصير إرهابًا. كيف ومتى ينحرف التطرف إلى الإرهاب؟
أرجو بادىء ذى بدء ألا يتجه تفكيرك إلى دولة خارجية أو أكثر، فالإرهاب كظاهرة لا تستطيع أى دولة خارجية أن تخلقه، وغاية ما تستطيعه الدولة الخارجية هو أن تستغل وجوده فتمده بما يحتاجه من مال أو سلاح خدمة لأغراضها. وإذن فعلينا أن نبحث عن أسباب الإرهاب فى الداخل قبل كل شىء. فكيف ومتى ينحرف التطرف إلى الإرهاب؟
هناك أسباب كثيرة قد يتعاون بعضها على خلقه ويكون أثرها أشد إذا اجتمعت معًا. منها الأزمة الاقتصادية وما تحدثه من إحباط وبطالة ويأس، ومنها الفساد وما يعقبه من استفزاز وغضب والقضاء على الثقة فى المسئولين والقانون، ومنها استحالة التغيير بالطرق المشروعة وإنسداد القنوات الشرعية إلى السلطة، ومنها ما يتعلق بالمعركة بين المتطرفين ورجال الأمن وما تسفر عنه أحيانًا من عدم احترام لحقوق الإنسان الأمر الذى يدعو للحقد والثأر.
ومن عرض الأسباب تتضح لنا سبل العلاج، وهى إن اتبعت بأمانة قضى على الإرهاب وأصبح جريمة فردية بعد أن كان ظاهرة اجتماعية.
ولا ينكر منصف ما تبذله الحكومة فى الإصلاح الاقتصادى ولا فى الدفاع الأمنى، وهى تقاوم الفساد ولكن جهدها فى ذلك دون المطلوب، كما أنها لم تعن كما ينبغى لها بالإصلاح السياسى الذى يغطى بقية الأسباب.
واعلموا يا سادة أن الإرهاب لا يصير ظاهرة إلا إذا أصبح المجتمع فى أشد حاجة إلى علاج، وكان العلاج فى أشد حاجة إلى الشجاعة والتضحية.
<U>الجهاد</U/>
مشكلاتنا مترابطة، لا جدوى من محاولة إصلاح جزئى، فهى تعيش معًا متساندة وتذهب معًا فى الوقت المناسب الذى تحدده عزيمتنا وقدرتنا على التصدى للتحديات. لا نستطيع أن نفصل بين الأزمة الاقتصادية والفساد، أوبينهما وبين التطرف وسوء الإدارة، أو بين كل ذلك وبين التوعك الأخلاقى والثقافى، فالأمل معقود بالتنمية الشاملة. فتنمية جميع الأنشطة الروحية والمادية من خلال الخطط الخمسية المتتابعة مع صدق العزم على العمل الصادق فى استمرارية لا تتوقف ولا تهن. وقد آن لنا أن نضاعف من سرعة الايقاع وأن نتعجل النتائج وجنى الثمار قبل أن ينفد الصبر أو يدركنا اليأس.
ولعلنا لا نملك فى هذه الآونة إلا أمرين:
1 – أن نعمل بكل ما نستطيع من جهد على تشجيع الاستثمار الخاص وجذب المستثمرين من جميع الملل والنحل، وأن نهيئ المناخ الطيب الذى يوفر الاستقرار، ويزيل العقبات وييسر الإجراءات، وأن نصدر من أجل ذلك ما تدعو إليه الضرورة من إصلاحات سياسية وتشريعات وتحقيق للأمن الكامل. وإننا لنعترف بما تم فى ذلك المجال ولكننا نود ألا تقف عند حد، ونحن أدرى بما ينقصنا.
أن نحقق الأداء الكامل فى الحكومة والقطاع العام. حقًا إن دواعى الرحمة وإدراك الواقع ومصاعبه تدعو للتساهل فى سلوكيات كثيرة والاغضاء عن أخطاء ما كان يمكن السكوت عنها فى زمن سابق، فلنسلم بما جرت به المقادير، وما قضى به علينا من سلبيات، ولكن فى مقابل ذلك يجب أن يؤدى العاملون واجبهم كاملاً غير منقوص مهما كلفهم ذلك من عناء، ومهما كلفنا من رقابة ومتابعة وإصرار وحزم. يجب أن نثبت أننا أهل للحياة وأننا جديرون بنعمتها، وأننا قادرون على التصدى للتحديات وتحدى الشدائد كى نصلح عالمنا الصغير الذى يوشك أن يتهاوى بنا، نعيد إليه توازنه الأصيل، فتسرى الدماء فى العروق الجافة، وتعود إلى حياتنا بهجة الثراء الروحى والثقافى والمادى.
<U>ثقب الأوزون فى الوحدة الوطنية</U/>
نعود إلى حوار الوحدة الوطنية. ويأبى القلم أن يسميها هذه المرة بغير الاسم المناسب لها وهو الفتنة الطائفية. لتكن سببًا أو نتيجة. لتكن أصيلة أو مفتعلة. لتكن سياسية أو دينية. لتكن ذلك جميعًا كما يقع لكثير من الظاهرات الاجتماعية. المهم أن غبارًا خانقًا يلطم وجوه المصريين مثيرًا عند العقلاء الحزن والأسى، ولدى الانفعاليين الحنق والغضب. وهو لا يكاد ينقطع، بل يتصاعد، متماديًا مع الوقت فى الاستهتار بالقيم والأرواح، مما يوجب علينا التصدى له حتى لا يتأخر علاجه واستئصاله. ولن أعاود لغة العواطف فقد جاوزها الفعل، ولا أنكر التذكير بالتاريخ الجميل فقد أمسى تاريخًا، حتى الدعوة الطيبة ندر من يعمل بها. وإذن فما العمل؟
يجب أن نتصارح.. أن نتكاشف.. أن يدلى كل ببثه ونجواه دون تردد أو مجاملة كى نستطيع أن نشخِّص الداء ونصف الدواء ونستحق نعمة الحياة وبركاتها. ومن واقع الخبرة والحوار مع كثيرين ممن يهمهم الأمر من الجانبين ومنحت لى بعض مصادر الشكوى، وإنى لمعلنها بإيجاز وقد تغنى الإشارة عن العبارة. وعلاج أى منها لا يتطلب إلا العمل من منطق الوطنية والنوايا الحسنة.
وأبدأ فأقول إن نجاح التنمية الشاملة والتوفيق فى الإصلاح السياسى والاقتصادى سيعيد مجتمعنا حتما إلى توازنه وصحته النفسية، ولكننا لا نستطيع أن ننتظر ذلك فى صمت وسلبية متجاهلين الشكوى غاضين الطرف عن أى علاج. إليكم ما يشكو منه الجانبان مما أسهم فى خلق الجو المشحون بالألم والأسى.
هناك شكوى من الدولة! هناك ملاحظات على تعامل الدولة مع المواطنين وما يشوب من تحيز وتفرقة، والدولة قدوة ومثال، ولذلك فهى تشجع على الفعل الطيب، وقد تحرض على نقيضه.
ويلحق بالدولة – ولكنه متميز عنها – جهاز خطير هو الإعلام، كثيرًا ما يذيع على أوسع نطاق ما يعد استهانة أو تحقيرًا أو إنكارًا لعقائد الآخرين دون مراعاة لما قد يسببه ذلك من هزات فى تماسك المجتمع.
وثمة شكوى متبادلة تخص الشارع الاقتصادى، فيقال إن كل مؤسسة جديدة تحاول أن تبنى قوتها العاملة من لون واحد مما يوغر صدور الآخرين.
لعل ذلك أهم ما قيل، وأعتقد أن علاجه لا يمكن أن يلقى صعوبة لدى أى شخص أنعم الله عليه بنعمة العقل.
...
هكذا تحدث نجيب محفوظ عن الإرهاب.. وهذه الكتابات مع كتابات أخرى عن نفس القضية تحتاج إلى من يجمعها معا، ويقوم بتحليلها واستخلاص النظرية المتكاملة التى تتناثر أجزاؤها فى كتابات عديدة من المقالات والروايات والأحاديث..
وعندما يتكامل بناء نظريات نجيب محفوظ سوف نكتشف أننا أمام مفكر – بل فيلسوف – لا يجود الزمان كثيرًا بأمثاله.
ويبقى أن نفتش فى الأوراق عما كتبه نجيب محفوظ عن الثقافة والمثقفين.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف